
رواية حين أضاء قلبي الفصل الاول 1 بقلم يارا زين
حياه خلف الأبواب المغلقه
🤍🤍
كانت الشمس قد بدأت بالغروب، ترسم أشعتها الخافتة ظلالًا طويلة على أرضية الغرفة الفاخرة ذات الطراز الكلاسيكي؛ وقفت ضيّ أمام النافذة الواسعة، تتأمل الأفق البعيد، حيث تلتقي السماء بالأرض في خط غير مرئي، تمامًا كما كانت حياتها... بين عالمين متناقضين لا يجتمعان.
من الخارج، بدت حياتها مثالية، ابنة رجل الأعمال هاني المكاوي، الذي يمتلك سلسلة شركات ضخمة في مجالات متعددة، وأمها منى السيوفي، التي لم تكن سوى صورة أخرى للمرأة الثرية التي تهتم بحفلاتها وجلساتها الفاخرة أكثر من أي شيء آخر.
لكن خلف هذا البريق، كان هناك شيء آخر؛ كانت ضيّ تخشى أن يكون هذا المال الذي يحيط بها ليس نظيفًا، أن يكون والدها قد جمعه بطرق غير مشروعة؛ لم يكن لديها دليل، لكنها لم تستطع أن تتجاهل شكوكها؛ لهذا السبب، لم تكن تأخذ منه قرشًا واحدًا، بل كانت تعمل في شركه صغيرة بعيدًا عن حياة الترف هذه، تنفق على نفسها، حتى لا تكون مدينة لأحد وحتي تكون مطمئنه بأنها تصرف من أموال حلال .
طرقات خفيفة على الباب، ثم دخلت والدتها قائله بابتسامة زائفة وهي تضع عطرها الفاخر .
"ضيّ، حبيبتي، ليه قاعدة لوحدك؟ عندنا حفلة النهاردة، وكل الناس المهمة موجودين "
أجابتها بهدوء "مليش نفس، وحضرتك عارفه اني مش بحب الحفلات."
اجابتها بضيق "مش بحب الحفلات، مش بحب الفلوس، مش بحب أي حاجة بتعملوها... إنتي ليه مختلفة عننا كده؟"
"لأنكم مش فاهمينني، ولا عمركم حاولتوا تفهموني."
نظرت إليها والدتها نظرة طويلة قبل أن تزفر بانزعاج، ثم استدارت وخرجت من الغرفة، تاركة ضيّ وحدها مع أفكارها الثقيلة.
كانت تنظر إلي اللاشئ ثم توجهت إلي المرآه وقفت أمامها تحدق في انعكاسها بصمت، تتأمل ملامحها التي تحمل آثار الإرهاق وكأنها تحمل أعباء العالم فوق كتفيها ؛أغمضت عينيها وهي تحاول أن تمنع دموعها من السقوط، حياتها لم تكن يومًا سهلة، لم تكن تملك رفاهية القرار والاختيار ، كل شيء كان مفروضًا عليها، كل شيء كان تحت سلطة والدها المتحكم؛ لم تكن متمردة، لكنها فقط... كانت تريد حياة طبيعية.
في الخارج، كان صوت والدها يهدر بغضب، وصوت والدتها الخافت يحاول تهدئته دون جدوى؛ حتي اعادها الي الواقع صوت هاتفها تنفست بعمق، والتقطته وقامت بفتحه لتجد رسالة من صديقتها مليئة بالتوتر والخوف:-
-ضيّ، أنا في مشكلة كبيرة، أرجوكي تعالي ضروري، هبعتلك اللوكيشن
عقدت حاجبيها بقلق، انها هنا صديقتها الوحيده و لم تكن لترسل لها رسالة استغاثة مثل هذه إلا عندما يكون الأمر خطيرًا.
لم تتردد للحظه، لم تكن من الفتيات اللواتي يتخلين عن أصدقائهن ، أمسكت بحجابها سريعًا، وألقت بجلبابها الطويل فوق ملابسها قبل أن تتسلل بهدوء خارج المنزل دون أن تخبر أحدًا؛ متجاهلة رجفة الخوف التي تسري في أطرافها.
****** الضيق والغضب *******
على الجانب الآخر من المدينة، وفي منزل متواضع بسيط، كان حمزه يجلس في شرفة صغيرة تطل على شارع مزدحم؛ المنزل لم يكن سوى شقة صغيره و قديمة تكمن في أحد الأحياء العادية، حيث يعيش مع والديه.
كان والده عبد الله رجلاً طيبًا، كادحًا، يعمل منذ سنوات طويلة في إحدى الشركات ، بينما والدته أمينة كانت ربة منزل بسيطة، قنوعة بحياتها رغم شحّها.
دخلت والدته تحمل كوبًا من الشاي ووضعته أمامه قائله بحنان :-
- حمزه، إنت كويس يا ابني؟ شكلك مش مرتاح.
اجابها ببرود " مفيش يا أمي، أنا بس زهقت من حياتنا دي."
"حياتنا ليه مالها حياتنا يابني؟ نحمد ربنا على اللي إحنا فيه، أبوك طول عمره بيتعب عشان يعيّشك أحسن عيشة."
اجابها بسخرية "أحسن عيشة؟ في شقة قديمة، وفلوس على قدنا؟"
تنهدت والدته بحزن، لكنها لم تجب، كانت تعرف أن ابنها يكره هذا الوضع، لكن ما لم يكن يعرفه هو أن المال ليس كل شيء، وأن ما يمتلكونه كان كنزًا حقيقيًا... كنزًا من القناعة والراحة.
ليتركها ويذهب الي وجهته المعتاده لتجلس تبكي وتدعي له بالهدايه.
في هذه الأثناء، كان والده عبد الله في مكتبه بالشركة، يعاني من ضغط مالي شديد ولم يكن أمامه خيار سوى أن يأخذ سلفة من المال على أمل أن يعيدها لاحقًا، لكنه لم يكن يعلم أن الأمور ستنكشف سريعًا، وستكون العواقب وخيمة.
في مكان آخر، كان حمزه قد وصل و جلس وسط أصدقائه في أحد الملاهي الليلية، يضحك بلا اكتراث وهو يتأمل الحياة من زاويته المعتادة؛ كل شيء مزيف، كل شيء عابر، لا شيء يستحق التمسك به.
ألقى نظرة على الفتاة التي تجلس بجواره، والتي كانت تحاول لفت انتباهه لكنه لم يكن مهتمًا ، النساء كلهن متشابهات في نظره، كلهن يبحثن عن شيء ما، المال، الاهتمام، أو مجرد مغامرة قصيرة.
ليقول أحد أصدقائه ضاحكًا "إيه يا باشا، شكلك زهقت، فين حمزه بتاع زمان؟"
اجابه ببرود " حمزه بتاع زمان كان مغفل، دلوقتي عرفت إن الحياة ملهاش قواعد غير اللي إحنا بنفرضها."
لم يكن يصدق في الحب، ولا في العلاقات الجادة ، كل شيء كان مجرد صفقة، وكل الناس كانوا مجرد أدوات تُستخدم لفترة ثم تُلقى بعيدًا.
**********
<< المواجهة في المكان الخطأ >>
عندما وصلت ضيّ إلى المكان، كان قلبها يدق بعنف لم تكن قد دخلت مكانًا مثل هذا من قبل، حيث الموسيقى العالية، والأضواء الخافتة، والضحكات المتفرقة ،هنا كان غريبًا عليها؛ هذا عالمًا لم تطأه من قبل؛ شعرت بالاختناق، لكنها تماسكت، جالت بعينيها تبحث عن هنا بين الحضور إلي أن وجدتها، كانت تجلس في زاوية بعيدة، اقتربت منها لتتسع عيناها بصدمة ؛ وجهها كان شاحبًا، وعيناها منتفختان من كثرة البكاء .
انخفضت الي مستواها قائله بلهفه وقلق "هنا، إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل وايه اللي جابك في مكان زي ده ؟"
اجابتها بهمس مرتجف "حازم..."
"ماله زفت عمل إيه؟"
"معاه صوري وبيهددني، و بيقول إنه مش هيعمل حاجة لو..."
توقفت عن الكلام، وابتلعت ريقها بتوتر.
اجابتها ضي بحزم "لو إيه؟"
اجابت هنا بصوت ضعيف "لو أقنعتك تخرجي معاه..."
اشتعلت نيران الغضب في قلبها، لم تكن لتسمح لأحد بأن يستغل صديقتها بهذا الشكل ؛ أمسكت بيدها وسألتها بحزم " هو اللي جابك هنا "
اجابتها بخوف " أيوه "
سألتها ضي بغضب " وهو فين "
اشارت هنا اليه قائله بتوتر " هناك أهو "
شعرت ضيّ بالغضب يتفجر داخلها، كيف تجرأ هذا الوغد؟!
نظرت ناحيته لتقع عيناها علي حمزه أولاً كان يجلس هناك، بركن اكثر صخابه وتحيط به الموسيقى العالية والضحكات المتفرقة، لم يكن هذا المكان غريبًا عليه، فقد كان واحدًا من مرتاديه الدائمين، ليس لأنه يستمتع بهذه الأجواء، بل لأن هذه كانت طريقته في الهروب من كل شيء ؛ كان يتكئ ببرود على الأريكة، يراقبها بعينين تحملان نظرة ساخرة وكأنها مجرد فتاة أخرى سقطت في هذا المستنقع ، نظرت إليه باشمئزاز ثم أشاحت بنظرها عنه لتري حازم ؛ نهضت بعزم وتوجهت نحوه ، كان يجلس مع بعض أصدقائه يضحك وكأن شيئًا لم يكن.
ما إن رآها حتي هم واقفاً لتقول بحدة وهي تقف أمامه "إنتَ انسان حقير."
اجابها بابتسامة ساخرة "وأخيرًا، وصلتي بنفسك... كنت مستني اللحظة دي."
" إنتَ مش هتقرب مني ولا من هنا تاني ولا هتحاول تأذيها ، ولو فكرت، هخليك تندم."
اجابها بسخرية "ليه بس ده بالعكس، أنا شايف إننا ممكن نبقى صحاب... إنتي مميزة، وعاجباني وهننبسط سوي "
كانت كلماته مقززة، دفعت الغضب داخلها ليصل إلى أقصاه، وفي لحظة، رفعت يدها وصفعته بقوة، ليصمت المكان تمامًا.
اما حمزه فالحياة بالنسبة له لم تكن سوى لعبة، والناس ليسوا أكثر من أوراق تُستخدم لمصلحته ؛لم يكن يؤمن بالحب، لم يكن يؤمن بشيء على الإطلاق.
كان يجلس و يراقب الموقف من بعيد، ابتسم بسخرية، ثم مال على صديقه طارق قائلاً " بص بص وشوف اللي بيحصل... البنت عاملة فيها محترمة، وجاية هنا؟ إيه التناقض ده؟ ، فاكرة نفسها مختلفة، بس في الآخر، كله زي بعضه، وكلهم شبه بعض.
استدارت ضيّ بعنف، وقبضت يدها بشدة لتري حمزه مره اخري ، مع تلك الفتاة الجالسة بجواره تتمايل عليه، تضحك معه وتقترب منه بطريقة مستفزة مقززه، فشعرت بالاشمئزاز ، لم تكن تعرفه، لكنها لم تحتاج أكثر من هذا المشهد لتحكم عليه ؛ مستهتر، متلاعب، لا يعرف شيئًا عن الجدية أو الاحترام.
لم يتبادلا كلمة، لكن في تلك اللحظة، كان كل واحد منهما قد حكم على الآخر... بأسوأ صورة ممكنة ؛ توجهت هي حيث هنا مره اخري ثم سحبتها للخروج دون أن ترد على أي شيء آخر.
************
<< الصدمه الكبري >>
مرت أيام قليلة، كانت قد حاولت نسيان تلك الليلة وما حدث فيها، وانها ذهبت لمكان كهذا لكنها لم تستطع لان الأمر لم يكن بهذه السهوله ، وفي يوم ما، دُعيت لمقابلة عائلية لم تكن تتوقع أن تغير حياتها للأبد.
الصدمة الحقيقية جاءت عندما استدعاها والدها فجأة ليخبرها بشيء لم تكن تتوقعه.
كانت ضيّ تجلس في مكتبها بالشركة، عيناها مركّزتان على الملفات التي أمامها، لكن عقلها كان مشغولًا بشيء آخر...
شعور غريب ظل يطاردها منذ الصباح، وكأن هناك عاصفة تقترب، لكنها لم تكن تعرف بعد شكلها أو قوتها.
قطع شرودها صوت طرقات على الباب، فرفعت رأسها لتجد أمامها مديرها و صديق والدها، أحمد الرشيدي ، بنظرة جادة لم تعتدها منه.
تحدث أحمد بهدوء مصطنع "ضيّ، باباكي كلّمني النهاردة... عايزك في موضوع مهم."
عقدت ضي حاجبيها، نادرًا ما كان والدها يهتم بأمرها، وإن فعل، فالأمر لا يكون مبشرًا.
سألته بارتباك "موضوع إيه؟"
أجابها مترددًا "أظن إنه لازم تسمعي منه بنفسك."
شعرت بضيق في صدرها، لكنها قررت مواجهة الأمر.
*************
<< عاصفة غير متوقعة >>
عندما دخلت القصر، كان والدها يجلس في مكتبه الفخم، ينفث دخان سيجاره الفاخر، ووالدتها تجلس بجواره، تبدو متوترة.
جلست مع والديها في صمت، عندما نطق والدها هاني بحزم وصوت هادئ صارم قائلاً بجديه "ضيّ، انتي لازم تتجوزي؛ وفي عريس مناسب متقدملك ."
ارتجف قلبها، لكنها تماسكت، عقدت ذراعيها أمام صدرها قائله بحدة:
"مناسب ! ليكم ولا ليا ؛ انا مش هتجوز، وخصوصًا لو كان قراركم ومش برغبتي!"
تحدثت منى بتذمر "إنتِ ليه دايمًا معاندة؟ شايفة إخواتك، كل واحد فيهم ناجح وحياته مستقرة، وإنتِ لسه عنيدة زي زمان!"
تجاهلت ضي حديث والدتها، وركزت على والدها
"ومين العريس يا ترى؟"
ابتسم هاني ابتسامة غامضة وهو يقول "حمزه عبد الله ، عبدالله اللي كان موظف عندنا فالشركه ومات من كام يوم "
مرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن تستوعب الاسم، قبل أن تتذكر من هو...
ذلك الشاب ابن الرجل الذي كان يعمل عندهم و زج والدها به في السجن وتوفي أثر الصدمه والفضيحه والقهر .
ضيّ بصوت مختنق "إنت بتتريق عليا؟!"
هاني بهدوء حاسم "حمزه شاب طموح، وعايز يسدد دين أبوه، وأنا شايف إن الجوازة دي هتكون مناسبة."
ضيّ بغضب "مناسبة لمين؟! ليا؟! ولا ليك عشان تخلص من الدين اللي عليه؟!"
اجابها بارتباك طفيف "الاتنين."
شعرت بالاختناق، نظرت إلى والدتها لعلها تجد فيها دعمًا، لكنها وجدت نظرة استسلام، وكأن القرار قد اتُخذ بالفعل، لتقول بغضب "أنا مش موافقة."
هاني بصوت مخيف "موافقة أو مش موافقة، الموضوع خلص، والخطوبة هتكون قريب."
شعرت بجسدها يتجمد، لا أحد سألها عن رأيها كالمعتاد ، لم تهتم، لم تكن تعلم أن الرفض ليس خيارًا متاحًا لها .