
رواية حين أضاء قلبي الفصل السادس 6 بقلم يارا زين
بين خطوط النار
________
في اليوم التالي كان الوقت يقترب من الغروب، والسماء قد اكتست بلونٍ برتقاليٍّ دافئ، تتخلله خيوط شمس خجولة في طريقها للغياب. في الحديقة الصغيرة التابعة للشركة، جلست ضي على مقعد خشبي بسيط، ترتدي حجابًا بلونٍ هادئ يليق بهدوئها الداخلي، وفي يديها كيس يحتوي على وجبات مرتبة.
وقف حمزة على مسافة غير بعيدة، يراقبها بصمت كانت تعطي الطعام لعامل نظافة، تبتسم له، وتتحدث إليه بود حقيقي،لكن لم يكن هذا المشهد مألوفًا بالنسبة له.
فبدأ حمزه يحدث نفسه بصوت داخلي قائلا :-
- يعني إيه حد يبقى لابس نضيف وشيك كده وشكله جميل وريحتُه مسك، وشغال في شركه معروفه وابن رجل أعمال ويفرّغ وقته علشان يساعد الناس؟ يعني إيه واحدة شابه تضحك لراجل بسيط فالشارع كأنه إنسان عظيم و ليه قيمة كبيره ؟ دي مش زي البنات اللي أنا كنت أعرفهم... دي شكلها من عالم تاني أكيد وكأنها جايه من الجنه ..
اقترب بخطواتٍ مترددة، وجلس على طرف المقعد، واضعًا يده في جيبه، متجنبًا النظر إليها مباشرة
- إنتِ دايمًا كده؟ بتساعدي الناس من غير ما حد يطلب؟
اجابته بهدوء
- هو لازم حد يطلب علشان نساعد؟ ربنا بيحب اللي بيحن على عباده ويساعدهم ويعطف عليهم
سكت قليلًا، وعيناه لا تزالان تبحثان عن تفسير لتصرفاتها التي لم يعتدها، ثم أكمل
- باين انك مش زي البنات اللي عرفتهم قبل كده.
ساد الصمت لثوانٍ، وكأن الوقت توقف. ثم نهض حمزة فجأة، كأن شيئًا داخله يدفعه للهرب من اعترافٍ لم يرد أن يواجهه بعد.
لكنه قبل أن يبتعد، نظر إليها طويلًا، وهمس في نفسه:-
- في ايه هو أنا بطاردها في كل مكان ولا ايه وليه مش قادر اشيل عيوني عنها هل فعلا علشان ابوها طلب من كده ولاااا ؛ اكيد لأ أكيد انا موقعتش في حبها؟ أكيد ده مش حب ونظراتي ليها نظرات عادية... دي بقت حاجة تخوف. يمكن دي بداية النور...بس انا مش جاهز أو يمكن... أنا اللي خايف؟
اشاح بنظره عنها وابتعد وهو يفكر في شعوره ونظرته إليها كل شئ بدأ يتغير تجاهها ..
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
لم يتحدث معها ولم يرها منذ يومين فكانت منكبه علي العمل حتي انتهي وقت العمل وقرر الذهاب الي منزله ..
كان وقت المغرب قد اقترب، والسماء بدأت تتحوّل تدريجيًا من الزُرقة الفاتحة إلى لونٍ مائل للبرتقالي، تتسلل منه نسمات خفيفة مشبّعة برائحة المطر.
خرج من الشركه يسير في الشارع دون هدفٍ حقيقي، كأن قدميه تحملانه بينما قلبه مثقل لا يعرف إلى أين.
توقف أمام كشكٍ صغير بجانب الشركه لشراء زجاجة ماء. وبينما يفتحها، سمع صوت الأذان يعلو بهدوء من المسجد القريب... صوت ناعم يحمل شيئًا من السلام.
استدار تلقائيًا نحو مصدر الصوت، وإذا به يراها... ذاهبة تجاه باب المسجد المخصص للنساء، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، وحجابها منسدل بنعومة على كتفها. كانت تمسك بمصحف صغير، وملامح وجهها تنضح بسكينةٍ غير مألوفة، كأنها خرجت للتو من حضرة نورانية لا يراها سواها.
توقف الزمن.
الشارع لم يعد شارعًا، والناس لم يعودوا يتحركون.
كل ما في عينه هي.
همس، كأنه يحدث نفسه
"هي دي... هي دي ضي؟! سبحان الله... دي طلعِت من نور، مش من دنيا."
ظلّ واقفًا مكانه، لا يعرف أيتقدم أم يتراجع. لم تره، ولم تلتفت. كانت تمشي بخطوات هادئة، عيناها للأرض، ووجهها مليء بالطمأنينة.
تحدث بصوت مكسور ، وهو ينظر للسماء
"يا رب... أوصل لك زي ما هي وصلت ،حتي لو مش عايزها... انا عايز أبقى زيها."
رمقها بنظرة طويلة، ثم تنهد، وكأن شيئًا في داخله انكسر لينمو من جديد.
لم يتقدم نحوها. لم ينادِها.
لكنه لأول مرة شعر أنه يحبها حقًا... لا ليأخذها، بل ليكون أهلًا لها.
☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️
عاد حمزة إلى غرفته في شقتهم الصغيرة. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة، والهدوء يملأ المكان، لكنه لم يكن يشعر بأي سكينة. جلس على حافة السرير، يخلع ساعته ببطء، ينظر إلى الحائط الفارغ أمامه ..
ما زال يفكر في "ضي"... في طريقتها، في كلماتها، في ذلك النور الذي يسكن عينيها ويخترق قلبه كأن كل شيء فيها يناديه:" ارجع... الطريق لا يزال مفتوحًا " .
نهض وهو لا يدري ما الذي يدفعه، وتوجه إلى خزانته. أخرج سجادة صلاة قديمة، لعلّه لم يلمسها منذ شهور... أو ربما سنوات.
فرشها بتردد، ثم وقف أمامها.
قال هامسًا، وهو يضحك بسخرية:
"أنا... أنا هصلّي؟! بعد كل اللي عملته؟ بعد الكازينوهات، بعد اللي شربته؟ ربنا ممكن يسمعني أصلًا او يغغرلي ؟"
سكت... لكن شيئًا في داخله كان يؤلمه، كأن هناك صوتًا خافتًا في أعماقه يُلح عليه. كان صوتها هي، هادئًا كما لم يسمع من قبل: "ربنا بيحب اللي بيحن على عباده."
انحنى، ثم سجد.
وانهمرت دموعه
لم يكن يعرف ماذا يقول، ولا كيف يصلي، لكن قلبه هو الذي تحدّث، لا لسانه.
وفي سجوده، همس بلا صوت:
"يا رب، لو هي كانت النور اللي بعتّه، ما تطفهوش... خلّيني أستحقه.
رفع رأسه ببطء من السجود، وضلوعه تتحرك كأنها تحمل ثقل الدنيا. جلس على ركبتيه، محدّقًا في الفراغ. قلبه كان يقرع كطبول لا تهدأ، وصدره يعلو ويهبط، لا يدري: أكان هذا من الخشوع؟ أم من الضياع؟
ضمّ ركبتيه بذراعيه، كأنه يحاول أن يحتمي من نفسه، من أفكاره.
"أنا عايز إيه؟ عايز أتغيّر فعلاً ؟ ولا بضحك على نفسي؟، ضي؟ هي فعلًا نورتلي الطريق؟ ولا دي لعبة منها ولا ربنا بيختبرني؟، وأبوها؟ أبوها اللي خلّى أبويا يموت بالحسرة... مش عارف اعمل ايه هل بعد كل ده انتقم من ابوها فيها ولا أسيب ده كله وامشي في طريقها ورا .. قلبي ؟"
وقف فجأة كأن شيئًا قد عضّه من الداخل. مشى في الغرفة مجيئاً وذهابًا، يده تعبث بشعره، وملامحه تنطق بالتيه.
يعني إيه؟ أنسى اللي أبوها عمله أنسى إنه ركن ابويا في الهامش دايما ومدهوش حقه ؟ انسي إن أبويا مات وهو مقهور وكرامته في الارض وانسي الفضحيه؟
ولا أسامح؟
هل آخدها هي... وأخليها تدفع التمن؟
ولا... أنا حتى مش عارف أنا عايز إيه!"
جلس على طرف السرير، رأسه بين يديه.
كل شيء فيها يبعث على النقاء... وكل شيء فيه غارق في وحل من الشك.
هل يحبها؟
هل يكرهها؟
هل يراها مخلّصًا... أم فخًا آخر من أقدار لا ترحم؟
همس بصوت مرتجف، كأنه يطلب إجابة ممن لا يُخطئ:
"يا رب... لو هي نجاتي، قرّبني منها.
ولو كانت فتنتي، ابعدني... حتى لو .... حتي لو انا حبيتها حتي لو قلبي هيتقطع."
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
جاء اليوم الموعود سريعًا أكثر مما توقعت ضيّ. لم تكن تصدق أنها تجلس الآن في قاعة فاخره مزينة بالورود، الأضواء خافتة، والمكان مليء بالزخارف والزينة كانت ضي تجلس على الكرسي بجانب حمزة، وجهها يعكس التوتر والحيرة. كل الأنظار موجهة إليهما،
اجتمع الأهل والأصدقاء حول حمزة وضي للاحتفال بهما لكن الجو مشحون بالتوتر، وضغط الوقت في ظل الظروف التي أحاطت بهذه الخطوبة، التي ليست بدافع الحب ولكن بصفقة مبرمة بين حمزة وهاني الد ضي.
حاول حمزه ان يظهر لها أنه يحتقرها وسينتقم منها هي وعائلتها اشد انتقام اما هي فكانت تعرف أن ما يفعله حمزة لا يتماشى مع مبادئها.
كانت ترتدي فستانا انيق جعلها كالفراشه أما حمزه فقد بدا وسيمًا كعادته، لكن كانت هناك لمعة ساخرة في عينيه وهو ينظر إليها، وكأن هذه اللحظة مسرحية كوميدية بالنسبة له.
همس لها بصوت منخفض حتى لا يسمعه الآخرون:-
- هتفضلي تبصيلي كده كل الخطوبة ؟
ابتعدت عنه قليلا وتمتمت وهي تبتسم ابتسامة زائفة للضيوف:
- بلاش تتكلم معايا عشان أنا أساسًا على أعصابي ومش طايقاك !
ابتسم حمزه وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل الكثير من المعاني:
- الأعصاب المشدودة بتخلي اللحظات أحلى!
كادت أن تخنقه، لكنها اضطرت للابتسام أمام الناس وهي تتمتم قائله : "أنا دخلت نفسي في كارثة رسمية!"
الجميع يترقب لحظة تبادل الدبل، وحمزة يظهر عليه عدم الراحة، بينما ضي تجلس بهدوء، عينيها مليئة بالرفض الداخلي.
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم مد يده نحوها قائلاً بصوت مسموع للبقيه
- اللحظة دي، هي لحظة جديدة في حياتنا، مش كده؟
نظرت إليه نظرة حادة، وهي تبتعد قليلاً
- لحظة جديدة يمكن؛ بس مش بالشكل اللي إنت فاكره.
تجاهل حديثها ثم بدأ في محاولة إلباسها الدبلة، وهو يبدو عليه التوتر لكنه يحاول أن يظهر وكأنه يتعامل مع الأمر بحذر
- إيه يا ضي! متخافيش، ده مجرد تلبيس دبلة، مفيش حاجة في كده.
سحبت يدها وهي تنظر إليه نظرة ناريه
- أنا مش هخلي حد يمسك إيدي ولحد ما نكون متجوزين رسميًا متحاولش ياحمزه وعلشان كده انا مش هسمح لك تلبسني الدبلة دلوقتي.
أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا الحفاظ على هدوئه أمام الجميع ثم انحني واقترب منها قليلاً قائلاً :-
- ضي .. إحنا خلاص متفقين دا مجرد شكل، يعني حاجة رمزية.
هزت رأسها بخفة، وتحدثت بنبرة ثابته حاده
- بالنسبة ليا ده مش مجرد شكل ده في حاجات أهم من كده. في حاجات بينا لازم تبقى واضحة. أنا مش هخلي المسافة دي تتجاوز حدودها، ولا هخليك حتي تلمس ايدي قبل ما نتجوز رسميًا.
هنا بدأ يشعر ببعض الانزعاج، لكنه حاول ألا يظهر ذلك .
نظرت إليه بعينين ثابتتين، ثم أكملت بهدوء .
- أنا عندي حدود ومش هسمح لحد يتعداها، حتى لو كنت خطيبي.
اغلق فمه بحنق وابتلع غضبه واعطاها الدبلة كي تلبسها وهو يشعر بالرفض والإحباط من الموقف..
🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀
بعد أن انتهى الجزء الرسمي من الحفل، جلست ضيّ قليلًا لتلتقط أنفاسها، لكن سلمي اقتربت منها وجلست بجانبها.
- أنا عارفة إنك مش مستوعبة اللي بيحصل، بس بجد، حمزه مش شخص وحش .
نظرت إليها وسألت بفضول:
- إنتِ شايفة إنه شخص كويس وطبيعي وبيتعامل عادي يعني ؟
ابتسمت سلمي قائله : " حمزه كان شخص كويس جداً … بس الحياة لعبت بيه شوية، وخدت منه حاجات كتير. يمكن اللي محتاجه دلوقتي هو حد يساعده يرجع.
لم تجيبها ضي ، لكنها شعرت أن سلمى قالت شيئًا مهمًا… شيء لم تفكر فيه من قبل.
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
بعد انتهاء الحفل، وبينما كانت ضيّ تبتعد عن الضوضاء ، استوقفها حمزه ونظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول بنبرة جدية تمامًا:
- دلوقتي إحنا مخطوبين رسمي… فعايزك ما تفكريش إن ده معناه إنكِ هتبقي حرة لو فاكرة إنك هتلعبي معايا اللعبة بطريقتك، فأنتِ كده مش عارفه أنا مين.
عقدت ذراعيها أمام صدرها قائله بسخرية:
-وأنا كمان عايزاك تعرف حاجه ، لو فاكر إني هكون خطيبة تقليدية، فحضرتك اللي مش فاهم أنا مين!
وقفا متقابلين، كأنهما في ساحة معركة غير مرئية، وكأن كل منهما كان يختبر الآخر…
لم يكن أي منهما يعلم أن هذه الخطوبة لم تكن سوى بداية لحرب طويلة، حرب بين الكبرياء، الغضب، والمشاعر التي ستنقلب يومًا عليهم دون أن يدركوا.
💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚
مرت أيام قليلة بعد الخطوبة، وكان اللقاء الأول بين ضيّ وحمزه في الشركة مختلفًا عن اللقاءات السابقة. هذه المرة، لم تكن هناك نظرات تحدٍّ أو كلمات ساخرة، بل اجتماع رسمي بحت.
جلست ضيّ على مكتبها بهدوء وهي تنظر إلى حمزه الذي بدا أكثر ارتياحًا بعد أن أصبح يعمل في الشركة رسمياً .
كان يعلم أن هذه الخطوبة بالنسبة له مجرد مرحلة، لكنها بالنسبة لها كانت شيئًا مختلفًا تمامًا.
- قبل ما نبدأ أي حاجة، لازم نتفق على حاجة مهمة.
قالتها ضيّ بنبرة حاسمة، بينما حمزه رفع حاجبه بفضول قائلاً :-
-وأنا اللي فاكر إننا متفقين خلاص، بس ماشي قولي… عندك شروط ايه جديدة؟"
ضمت ذراعيها وقالت ببرود:
- أينعم إحنا مخطوبين، بس ده مش معناه إنك تفرض وجودك في حياتي أكتر من اللازم. مش هتركب معايا العربية، مش هتمسك إيدي، مش هتكلمني برا الشغل إلا للضرورة، ومش هخرج معاك خروجات شخصية.
ضحك حمزه بسخرية وهو يتكئ على مكتبه:
-إنتِ بتتكلمي كأننا مش مرتبطين! الناس كلها شايفانا مخطوبين، يعني طبيعي يكون في بينّا تعامل.
نظرت له بثبات وقالت:
- التعامل في أضيق الحدود، وإنتَ لازم تحترم ده… وبالمناسبة، أنا بصلي، ومش بحب السهر، ومش محتاجه اقولك اني اكيد اكيد مش بشرب و لبسي زي ما هو مش هغيره ، وأسلوب حياتي مش هيتغير علشان أي حد.
تلاشت ابتسامة حمزه تدريجيًا وهو يتأملها. لم تكن مثل الفتيات اللواتي عرفهن من قبل، لم تكن مبهورة به، ولم تحاول حتى إثارة إعجابه. كانت واثقة، واضحة، وغير قابلة للمساومة.
-واضح إنكِ واخدة الموضوع بجدية زيادة عن اللزوم!
ردّت بلا تردد، "وأنتَ واخده باستهتار زيادة عن اللزوم."
ثم أضافت بنبرة تحذير: "لو مش عاجبك، الباب مفتوح."
نظر حمزه إليها مطولًا، ثم تنهد وقال باستهزاء:
-يا ساتر… ده أنا شكلي اتورطت معاكِي بجد!
رفعت حاجبها بسخرية قبل أن تجيبه قائله :-
- ده إحساس متبادل، اطمن.
******************
مع مرور الأيام، بدأ حمزه يلاحظ شيئًا مختلفًا في ضيّ. كانت تشبه والدته في بساطتها، تشبه أهله الفقراء الذين لم يكن يرى فيهم يومًا أي شيء مميز… لكنها كانت مختلفة عن كل الفتيات اللواتي عرفهن.
كان يراها وهي تصلي في مكتبها وقت العمل، لم تكن تخجل من التزامها، ولم تحاول حتى أن تغير من نفسها لتناسبه او حتي لتنال اعجابه و لأول مرة في حياته، شعر بأن هناك امرأة لا تخضع لقوانينه، بل تفرض قوانينها عليه.
وفي المقابل، ضيّ لم تكن تهتم بتغيراته، أو هكذا اعتقدت. لكنها لاحظت أنه لم يعد يسهر كما كان، لم يعد يتحدث عن الفتيات اللواتي كان يعرفهن، بل حتى تلك الفتاة التي كان يراها دائمًا، لم تعد تظهر معه.
لكنها لم تكن تعلم أن هذه الفتاة لم تختفِ تمامًا، بل كانت تحاول استعادة حمزه بأي طريقة… وكانت ترى أن ضيّ العائق الوحيد أمامها.
*******************
كانت تلك الفتاة التي تدعي ريم ، تقف أمام مكتب حمزه في الشركة، مرتدية فستانًا ضيقًا قصيراً وعطرًا فواحًا، محاولة جذب انتباهه كعادتها.
"حمزه ، بقالك فترة مختفي… نويت تبقى عريس ملتزم ولا إيه؟" قالتها بمكر وهي تقترب منه.
ابتسم ابتسامة ساخرة قائلاً "يمكن."
لكن ريم لم تكن مستعدة للتخلي عنه بسهولة، فاقتربت أكثر وهمست بصوت منخفض
"متهيألي أنتَ فاهم إن ضيّ مش من مستواك، ولا شبهك ولا من نوعك حتى، فاكر هتقدر تعيش مع واحدة زيها؟!"
نظر إليها ببرود، لكنه شعر بانزعاج داخلي، ليس من كلامها، بل لأنه كان يسأل نفسه نفس السؤال. هل يمكن أن ينجذب حقًا لضيّ؟ هل يمكن أن تتغير نظرته لها؟
قبل أن يجيبها ، لمح ضيّ وهي تعبر الممر، فلمعت عيناه بشيء لم يدركه… لكنه كان متأكدًا من شيء واحد؛ هذه الفتاة تثير داخله شيئًا لم يشعر به من قبل.
🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃
مرت أسابيع قليلة منذ إعلان الخطوبة، وكل يوم كان يشهد مواجهة جديدة بين ضيّ وحمزه كانت العلاقة بينهما أشبه بمعركة لا تنتهي، كلاهما عنيد، كلاهما متمسك برأيه، وكلاهما يرفض أن يعترف بأن الآخر يؤثر عليه أكثر مما ينبغي.
في أحد الأيام، وبينما كانت ضيّ تعمل على أحد التصاميم الهندسية في مكتبها، دخل حمزه دون استئذان، متكئًا على باب المكتب وهو ينظر إليها بابتسامة ساخرة.
"واضح إنكِ غرقانه في الشغل كأنكِ مش مخطوبة ومش المفروض يكون في بينّا وقت نقضيه سوا."
لم ترفع نظرها عن الأوراق، وقالت ببرود:
"وقتنا مع بعض في أضيق الحدود، نسيت؟"
أجابها بتهكم، قبل أن يقترب أكثر، ليجلس على الكرسي المقابل لها.
"بالعكس، مش قادر أنسى، خصوصًا إنكِ مش بتضيعي فرصة عشان تفكريني بيه!"
أغلقت الملف ونظرت إليه مباشرة، قائلة
"حمزه ، لو جاي تضيع وقت ، عندك مكتبك، روح ضيّع وقتك هناك، انا وقتي مهم "
ضحك حمزه وهو يهز رأسه، قبل أن يقول بنبرة جادة هذه المرة:
"طب بصي… عندي اقتراح، بدل ما نفضل نتصارع كل يوم، ليه منحاول نعيش طبيعي؟ مش هنكون أعداء طول العمر، صح؟"
عقدت ذراعيها بصرامة:
"أنا مش بعدي حد حدوده، وإنتَ عارف."
"ولو أنا قررت أقرب؟"
"هتلاقي نفسك بتواجه أكبر تحدي في حياتك." قالت جملتها بنبرة واثقة، ثم أضافت بابتسامة جانبية "وجرب ياحمزه علشان تشووف بنفسك."
شعر حمزه ان بداخلها جمرة تحدٍ، لكنه لم يرد التراجع، بل كان يريد أن يعرف… هل يمكن أن تكون هذه الفتاة مختلفة عن كل من عرفهن؟
🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻
بينما كانت الحرب قائمة بين حمزه وضيّ، كان هناك عالم آخر مختلف ينتظرها في بيت خطيبها ، كانت والدته أمينه سيدة حنونة طيبة القلب، لم تصدق أن ابنها أخيرًا وجد فتاة يمكن أن تضع حدًا لطيشه.
في إحدى الزيارات العائلية المتبادله بين العائلتين ، دخلت ضيّ منزل حمزه وكعادة والدته استقبلتها بوجه بشوش وعينين تمتلئان بالحب.
"أهلًا وسهلًا يا بنتي، البيت نوّر بوجودك." قالتها وهي تمسك يدها بحنان.
شعرت ضي براحة غريبة كلما دخلت هذا المنزل ، شعرت بشيء لم تشعر به أبدًا في منزل والدها، حيث لم يكن هناك دفء حقيقي، بل مجرد جدران باردة وقوانين صارمة.
ثم اقتربت منها سلمى، شقيقة حمزه بابتسامة خجولة وقالت
- وأخيرًا بقى عندي أخت! كات نفسي يكون عندي أخت كبيرة تحميني وتكون معايا.
ابتسمت ضي لها بلطف، ثم قالت:
- وأنا كمان كان نفسي يكون عندي حد قريب مني… يمكن نكون سند لبعض.
كان حمزه يراقب الموقف بصمت، لم يكن يتخيل أن ضيّ، العنيدة الصلبة أمامه، يمكن أن تظهر هذا الجانب اللطيف مع عائلته. كان هذا شيئًا جديدًا بالنسبة له.
لكنه لم يكن الوحيد الذي لاحظ ذلك، فهناك من كان يراقب أيضًا… كريم، شقيق ضيّ، كان يحدّق في سلمى باهتمام، وكأن شيئًا ما بدأ ينمو بداخله دون أن يدرك.
🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼
مرّت الأيام، وبدأت العلاقة بين ضيّ وحمزه تأخذ منحنى مختلفًا. لم يكونا قريبين، لكنهما لم يعودا أعداء كما كانا في البداية.
لكن هناك شيئًا واحدًا لم يتغير… حمزه لم يكن معتادًا على أن تكون فتاة في حياته لا تخضع له بسهولة، ولم يكن معتادًا على أن يشعر بالغيرة دون أن يفهم السبب.
في أحد الأيام، وبينما كانت ضيّ تتحدث مع زميل لها في العمل بابتسامة خفيفة، كان حمزه يقف على بعد خطوات، يراقب المشهد بانزعاج لم يستطع تفسيره.
لماذا يشعر بعدم الراحة؟ ولماذا لا يحب أن يراها تبتسم لشخص آخر غيره؟
عندما مرّ بجانبها، ألقى جملة عابرة بنبرة مستفزة:
"واضح إنكِ أخيرًا بدأتي تنسي شروطك، ولا إيه؟"
رفعت حاجبها بعدم فهم ثم أدركت ما يقصده، فابتسمت بسخرية قائلة:
" حمزه ، أنا مش زيك."
لكن حمزم لم يرد، فقط نظر إليها نظرة غريبة، قبل أن يتركها ويرحل… وهو لا يدري أن شيئًا داخله بدأ يتغير أكثر مما كان يتوقع.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
اتمني يكون الفصل نال اعجابكم ، مستنيه رأيكم في الكومنتس ومتنسوش لو عجبكم الفصل تعملوا ريأكت
دمتم بخير 🌼🍃.