
رواية حين أضاء قلبي الفصل التاسع 9 بقلم يارا زين
بين القرب والبعد
_________
جلست ضيّ على فراشها، يداها ترتجفان وهي تضغط أصابعها معًا، تحاول استيعاب كل ما حدث قبل لحظات… كانت تشعر وكأن قلبها خرج من محبسه، ينبض بجنون لا تفهم سببه.
"إزاي ده حصل؟!" همست لنفسها، وعقلها يعيد المشهد مرارًا وتكرارًا… نظراته، لمسة يده على شعرها، طريقته في الاقتراب منها، وقبلته الخاطفة التي أوقفت الزمن.
كانت غاضبة، مرتبكة، لكنها لم تستطع إنكار إحساس غريب تسلل لقلبها… إحساس لم تعهده من قبل.
في صباح اليوم التالي، كانت ضيّ تجلس على طاولة الإفطار مع عائلتها، تحاول التصرف علي طبيعتها ، لكن عقلها لا يزال عالقًا عند الليلة الماضية.
كان والدها يتحدث عن ترتيبات الزفاف، بينما كانت والدتها تناقش تفاصيل الفستان، لكن عقلها لم يكن معهم.
ثم دخل حمزه، كعادته بخطواته الواثقة، لكنه كان مختلفًا…
نظراته نحوها كانت تحمل شيئًا جديدًا، شيء جعلها تشعر بحرارة تسري في أوصالها.
"صباح الخير" قالها بصوت مرح، لكن عينيه كانتا تراقبان رد فعلها عن كثب.
رفعت نظرها بحدة، لكنها سرعان ما أشاحت بوجهها بعيدًا، متظاهرة بعدم الاهتمام.
"صباح النور." ردّت ببرود، محاولة أن تبدو طبيعية، لكنها لم تستطع أن تتجاهل كيف كان ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة.
🩵🩵🩵🩵🩵🩵🩵🩵🩵🩵🩵🩵🩵
كانت معه اخته سلمي لكنها لم تجلس معهم لتناول الفطور وانما ذهبت الي الحديقه الي ان ينتهوا من تناول طعامهم ..
كانت سلمى تتمشى بهدوء، تستمتع بنسمات الصباح، عندما سمعت صوتًا خلفها.
"واضح إنكِ بتحبي الجو ده، مش كده؟"
التفتت بسرعة، لتجد كريم واقفًا خلفها، يبتسم بثقة، ويداه في جيبيه.
"وأنتَ بقي بتراقبني بقالك قد إيه؟" سألت وهي ترفع حاجبها بتحدٍّ.
ضحك كريم، ثم قال بمكر: "بقالي فتره كافيه خلتني أعرف إنكِ بتحبي القهوة بدون سكر، وإنكِ بتكلمي نفسك كتير وأنتِ سرحانة."
عقدت ذراعيها، وهي تحدق فيه بتفحص: "واضح إنكِ فاضي ومالكش شغل غيري."
اقترب خطوة، وهو يغمز لها بمشاكسة: "ممكن نقول إني لقيت حاجة تشغلني أخيرًا."
شعرت بأن وجنتيها توردتا، لكنها أخفت ذلك بتغيير الموضوع بسرعة: "أنتَ عارف إن أختك وأخويا بينهم حرب مش كده؟"
ضحك بخفة: "وإحنا اللي هنشعللها أكتر."
💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜
بعد الإفطار، كان حمزه ينتظر ضيّ عند باب الفيلا، مستندًا إلى سيارته، وهو يعقد ذراعيه بصبر.
ما إن رآها تخرج حتى قال: "مش هتركبي معايا؟ إحنا متجوزين دلوقتي، ملكيش حجه ."
توقفت ونظرت له بثبات ثم قالت: "أنا مش هغير موقفي، حتى لو كتبنا الكتاب، مش هركب معاك برضو "
ابتسم بمكر: "طيب، عندي عرض ليكِ… اتفاق، ولو وافقتِ عليه، هبطل أضغط عليكِ."
نظرت إليه بريبة: "اتفاق إيه؟"
تقدم خطوة نحوها، ثم قال بصوت خافت: "هنعيش مع بعض في إطار كده ان كل واحد فينا يحترم وينفذ رغبات التاني، لكن لازم كل واحد فينا يكون صريح… من غير لف ودوران."
فكرت للحظات، ثم قالت بجدية: " ممكن اوافق بس بشرط … تبطل تعمل أي حاجه غلط وحرام كنت بتعملها وتبعد عن السهر وصحابك اللي بيشربوا ."
رفع حاجبه، ثم ابتسم قائلاً: "بتعقديها ليه طيب؟"
التفتت لتدخل السيارة مع شقيقها، ثم نظرت إليه قبل أن تغلق الباب، وقالت بثقة: "أنتَ اللي عايزني، مش أنا."
وقف في مكانه، يتابعها وهي ترحل، ثم ابتسم وهو يتمتم:
"يبقى هنشوف مين اللي هيوقع في الآخر. وهيسمع كلام التاني "
⚫️⚫️⚫️⚫️⚫️⚫️⚫️⚫️⚫️⚫️⚫️
مرت عدة أيام ، وبدأ حمزة يغير بعض عاداته الصغيرة. توقف عن الذهاب إلى الأماكن التي اعتاد التردد عليها، وبدأ يقرأ قليلاً، رغم أن شيئاً في داخله كان يقاوم التغيير. في أحد الأيام، عاد من العمل وهو غارق في الضيق، كأن الدنيا كلها تضغط عليه. عقله كان مليئاً بأصوات مشوشة تتساءل: "إنت فاكر نفسك مين ؟ هل فعلاً هتتغير؟! هو انت أصلاً تستاهل ضيّ ؟"
فتح هاتفه المحمول، وقرر التواصل مع أحد أصدقائه القدامى من "عالمه القديم". خرج معهم إلى مكان كان قد قرر أن يبتعد عنه لفترة طويلة، جلس أمام الكأس، تركه أمامه فترة، يحدق فيه بلا حراك.
يحدث نفسه بصوت داخلي وهو يراقب الكأس
"لو ضي شافتني دلوقتي؟ مستحيل. لكن هي مش هنا. وأنا أصلاً... مش شبهها. هي ملاك من نور، وأنا شيطان من نار."
مد يده نحو الكأس، لكنه تذكر فجأة ضيّ وهي خارجه من المسجد فسحب يده بسرعة، وقام وترك المكان.
***************
في اليوم التالي، كان حمزة في الشركة يرتدي زيّاً أنيقاً، لكن عينيه كانتا مليئتين بالحزن. شاهد ضي تدخل إلى المكتب، تسلم على عامل بسيط وهو عامل النظافه وتعطيه طعام ، كما هي طيبتها المعتادة. استجمع شجاعته واقترب منها في ممر هادئ.
تحدث بجدية، وهو لا يستطيع النظر إلى عينيها
"أنا... مش دايمًا الشخص اللي المفروض أكونه."
اجابته بهدوء
"مفيش حد كامل، لكن اللي بيحاول يتغير... هو الأقرب للكمال."
ضحك بخجل قائلا
"أوقات بحس إني بغرق... وأفتكر صوتك، كأنه طوق النجاة. ده طبيعي؟"
ضي بابتسامة دافئة
"اللي بيسمع صوت الخير جواه، ده أحسن بداية لكن أهم حاجة... إنه ما يسكتش الصوت ده."
حدق فيها بعينين تعكسان الصدق
"مكنتش مصدق إني ممكن... أمشي في طريق مختلف عن اللي اتعودت عليه. بس إنتِ... خليتيني اشوف إن في طريق تاني."
اجابته بنظرة هادئة
"الطريق لربنا عمره ما بيقفل... ومش محتاج غير قلب صادق."
تركتْه ومضت، لكنه في تلك اللحظة، شعر للمرة الأولى أن خطواته في الحياة أصبحت تحمل معنى.
🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀
بعد منتصف اليوم كان حمزة قد صعد إلى السطح ليأخذ قليلاً من الهدوء بعد يوم طويل من العمل وفجأة، فوجئ بضي جالسة على كرسي حديدي صغير، وهي تمسك بكتاب بين يديها.
تحدث بابتسامة خفيفة
"شكلك بتحبي الأماكن الهادية زي قلبك."
_الواضح أكتر إنك بدأت تهرب من الزحمة...
جلس حمزة بجانبها بصوت منخفض، وكأنّ الكلمات تأتي منه بتردد ثم تحدث بصوت منخفض
"أنا اتغيرت يا ضي؟"
"انا شايفه انك مش بس اتغيرت... إنت بدأت تبقى على حقيقتك. وده أحلى من انك تتغير."
كانت نظراته تنقل مشاعره أكثر من كلماته
"يعني لو شوفتيني زمان... كنتِ هتديني فرصة؟"
ترددت قليلاً، ثم اجابته قائله
"أنا ما بحكمش على الناس من ماضيهم... بس أحياناً بحس بقلبي ."
نظر للأسفل، وكانت كلماته تخرج منه بصعوبة
"أنا قلبي... حس، بس مش عايز أظلمه. مش عايز يحب حاجة مش من حقه."
صمتت لفترة قصيرة، ثم قالت بهمس وهدوء
"القلوب لما تخلص النية، ربنا بيهديها للحلال."
تحدث بصوت شبه مكسور
"أنا مش عايزك تشوفيني شخص تايه... بس لو كنتي طريق للنور، أنا مستعد أفضّل أمشي وراكِ طول عمري."
دق قلبها بسرعة، لكنها اجابت بهدوء
"وأنا... هدعي لك، تمشي طريق النور لحد ما تبقى إنت النور لغيرك."
تقابلت نظراتهم، لكن لم يُقال أي شيء آخر. كان كل واحد منهما يفهم الآخر، لكن تركا الأمر لله ليختار الوقت المناسب.
💜💜💜💜💜💜💜💜💜
توجه حمزه في اخر اليوم بعدما انتهي من عمله إلي شركه هاني والد ضي ثم توجه إلي مكتبه دق الباب فأذن له بالدخول
وقف أمام المكتب، متردداً ، ولكن عينه تحمل تصميم واضح
تحدث هاني بصوت حازم قائلاً
"فيه حاجة يا حمزة؟"
اخذ نفس عميق ثم اجابه قائلاً "أنا... جاي أتكلم عن ضي."
يرفع حاجبه "ضي؟ مالها؟"
تحدث حمزه بصوت بصوت صادق
"عايزك... تبعدها عن أي خلاف بيني وبينك؛ وعن أي اتفاق... أو صفقة كانت بينا. هي ملهاش ذنب في كل ده."
تحدث هاني بنظرة حذرة
"وإنت ليه بتقول كده دلوقتي؟"
اخفض عينه، ثم نظر آليه مره اخري قائلاً
"لأني... حبيتها. مش حب عادي. أنا بقيت أخاف عليها من حتي نفسي و بقيت عايزها تكون بخير... حتى لو بعيد عني."
_ وإنت فاكر إنك كده بتحميها؟"
_ أنا لسه ما استاهلهاش، ولسه ما خلّصتش الحرب اللي جوّايا. مش عايز أكون سبب إنها تتوجع، أو تدخل في دايرة مش ليها. ضي تستحق الراحة... والنور... والسعاده وأنا لسه ماوصلتش."
تحدث هاني بنظرة مختلفة، كأنه لأول مرة يري حمزه رجلاً آخر أمامه
"أنت فعلاً باين عليك انك بدأت تحبها ياحمزه مش بس تتعلق بيها."
تحدث حمزه بصوت ثابت
"أنا عمري ما حبيت حد كده. ولا عمري كنت مستعد أتنازل عن كل حاجة عشان حد بس هي... غيرتني، غصب عني. وأنا مش هظلمها حتى لو قلبي هيتقطع."
_ افهم من كلامك انك اتنازلت عن حق والدك ونسيت انتقامك
لم يجيبه حمزه وانما ذهب وتركه ..
💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
في آخر الليل في منزل حمزه الصغير، في غرفه ذات نور خافت، والهدوء يلف المكان .
كان حمزة جالسًا على طرف الفراش ، ممسكًا بهاتفه، ولكن عينيه لم تقرأ أي شيء. قلبه كان مشغولًا، مضطربًا، وصوت علاء صديقهم بالشركه وهو يتحدث عن ضي كان لا يزال يرن في أذنه.
نظر إلى نفسه في المرآة...
كانت عيناه مرهقتين، وجهه باهتًا، وروحه متعبة أكثر من شكله.
همس بحزن:
"أنا إيه؟... إزاي واحدة زيها تشوفني بني آدم أصلاً؟"
نهض متجهًا إلى الركن الذي كان يحتوي على سجادة الصلاه،
سجد من قلبه. هبطت الدموع دون إذن منه ، واهتزت شفتاه بكلمات غير مرتبة.
تحدث بصوت مكسور، في سجوده،
"يا رب... أنا مش كويس. عارف إني بعيد، ومكسور.... بس أنا شُفت النور في عيونها....
يا رب هفضل ادعي بنفس الدعوه يارب.. علمني أحبك زي ما هي بتحبك.
و... لو في قربنا خير وسعاده ليها قربنا من بعض ولو لأ، يكفيني إني شُفت فيها طريقك."
صمت طويلاً
ظلت الدموع تتساقط على سجادة الصلاة، ورائحته القديمة أعادته إلى أيام الطفولة، إلى الأيام التي كان فيها والده يُصحيه للصلاة وهو يتذمر، وأمه تدعو له من خلف الباب.
همس مجددًا:
"ضي... هي مش زي أي حد. ولا أنا زيها بس يمكن... لو غيرت نفسي... يمكن .... يمكن أوصل."
رفع رأسه، وجلس على ركبته، ينظر إلى السجادة وكأنها قد تحدثت إليه أكثر مما قال هو.... ومن أعماقه، لأول مرة، شعر وكأنه ليس وحده
🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀
في اليوم التالي بعد الظهر في مقر الشركة – قاعة الاجتماعات الصغيرة
كانت ضي واقفة بجانب النافذه ، تراجع بعض الأوراق في هدوء، وكانت الأجواء هادئة من حولها. فجأة، دخلت نهى، زميلتها في العمل، وقالت بابتسامة عريضة:
"عارفة يا ضي، حمزة بقى شكله مختلف الأيام دي!"
اجابتها بتفاجؤ
"مختلف؟ إزاي يعني ؟"
اجابتها نهي وهي تضحك
"مش عارفة، بس بقى هادي... بيجي بدري، ما بيسمعش مزيكا بصوت عالي زي زمان، وطريقته في الكلام بقت أهدى. ولما بيشوفك... عينه بتسكت!"
ضحكت ضي بخجل، لكنها شعرت بشيء في قلبها يتحرك.
تحدثت ضي لنفسها قائله
"ممكن... يتغير فعلاً؟ يا رب ثبت قلبه."
وقفت لوهلة تفكر، ثم أكملت في ذهنها:
"هل ممكن تكون البذرة اللي زرعتها بالدعوة والدعاء بدأت تكبر و تظهر؟"
لكنها قررت ألا تتحدث أكثر، وتركت الإجابة بيد الله.
☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️
في اليوم التالي بممر خارجي في الشركة ..
كانت ضي تمشي وحدها، تراجع ملاحظاتها على هاتفها، و كان واقفًا بعيدًا، يترك لنفسه لحظة من السكون، وعينه تتأمل السماء.
عندما لمحها، تحرك ناحيتها، لكنه لم يتكلم.
هي أيضًا رأته التقت اعينهم... لا سلام، لا كلام.
لكن في تلك اللحظة، كأن الوقت توقف.
نظرة حمزة كانت مختلفة. لم تكن نظرة جرأة كما في الماضي، بل كانت نظرة احترام، واعتراف، ودهشة.
نظرة شخص اكتشف شيئًا ثمينًا لكنه غير متأكد إن كان من حقه أن يقترب منه أو يظل يراقبه من بعيد.
غضت ضي بصرها عنه، لكن ابتسامة هادئة ظهرت على وجهها. لم تكن ابتسامة فرحة، بل ابتسامة طمأنينة.
هي فهمت.
وحمزة شعر بأنها فهمت... لكنه ترك اللحظة تمضي، دون أن يفسدها بكلمة.
حينما ابتعدت، كان قلبه يردد في صمت:
"شفتها... وشوفت نفسي من بعيد. هي لسه بعيدة، بس أنا ماشي في الطريق ليها "
💛💛💛💛💛💛💛💛💛
في مساء يوم ما ذهب حمزه إلي منزل والد ضي ليقابلها ويجلس ليتحدث معها بحجه ان هذا من حقه لانه خطيبها .. بل زوجها
فاخبرته والدتها انها ذهبت لمسجد دائماً ما تذهب إليه فعاد الي الشركه كي ينهي عمله ..
***********
في زاوية صغيرة في المسجد حيث كانت ضي تجلس مع مجموعة من البنات في حلقات العلم.
كانت تجلس على سجادة صغيرة في زاوية المسجد، وقد حولتها إلى مكان تعليمي وروحي في نفس الوقت. جلست أمام مجموعة من البنات، وكان حديثها هادئًا، لكن كلماته كانت تحمل معها قوة ومعنى عميق.
تحدثت بصوت هادئ
"الحجاب مش مجرد قطعة قماش بنلبسها... الحجاب هو وقار داخلي، هو طريقة حياتنا، هو حفاظ على كرامتنا وحريتنا. لما نلبس الحجاب، إحنا كده مش بس بنغطي جزء من جسمنا اللي هو شعرنا إحنا بنغطي روحنا عن كل ما هو بعيد عن رضا ربنا."
كل واحدة منهن كانت شديدة التركيز مع كلام ضي، وبعضهن كانت عيناها تلمع من التأثر.
كانت ضي تتحرك بينهن، تمسك المصحف في يدها، وتفتح صفحة منه، تشرح لهن الآيات التي تتعلق بالستر والعفة.
ثم قالت بابتسامة خفيفة، وهي تقلب صفحات المصحف
"الآية دي بتقول لنا إن الله سبحانه وتعالى يحب العفة... في كل شيء. مش بس في كلامنا، بل في تصرفاتنا وأعمالنا. إحنا لما نغطي جسمنا بالحجاب، نغطيه بنية لله، مش عشان الناس يشوفونا كده أو كده."
قاطعتها واحدة من البنات، وهي في مقتبل العمر، رفعت يدها بتردد وبصوت منخفض
"طب... إزاي ممكن نكون ملتزمات في الزمن ده ؟ زمن فيه كل شيء مغري حوالينا."
اجابتها ضي بتفكير عميق، وكأنها تفكر في كلماتها قبل ان تجيبها .
"مفيش حاجة في الدنيا أغلى من رضا الله. أكيد الدنيا مليانة مغريات... لكن إحنا لما نحب ربنا، بنحب ما يرضيه، وده بيخلينا نعيش بسلام داخلي. والله يا حبيباتي، الحجاب مش عبء ابدا "
ثم ابتسمت ضي ابتسامة هادئة، نظرت إليهن جميعًا وكأنها تكلمهن من أعماق قلبها.
"أنا مش هنا عشان أفرض عليكم حاجة، ولا عشان أقولكم إنكم مش كويسين. أنا هنا عشان أقولكم إزاي تحافظوا على نفسكم، إزاي تكونوا فخورين بإيمانكم، وإن الحجاب مش حاجة تعيقكم، ده اللي هيعطيكم القوة والاحترام."
كانت كلماتها تدخل قلب كل واحدة من البنات، وكل واحدة كانت تشعر بأنها ليست بمفردها في هذا الطريق ده.
تحدثت ضي ابتسامة هادئة
"الحجاب مش نهاية الطريق، ده بداية لرحلة جديدة. احنا لما نلتزم بيه، بنبدأ نعيش حياتنا زي ما ربنا امرنا وربنا بيكون راضي عننا. وكله في النهاية، بيكون لوجه الله. خلي حياتك كلها لله."
البنات بدأت ترفع رأسها، وكأن حديث ضي يدخل قلوبهن مباشرة، وكل واحدة فيهن بدأت تقتنع أكتر بحقيقة كلامها، وجمال الحجاب اللي مش مجرد زي، بل هو شرف وكرامة.
كانت ضي قد انتهت لتوّها من كلماتها، وساد صمت خفيف في الزاوية الصغيرة من المسجد، لكن الصمت كان مريح، كأن الأرواح كانت تفكر فيما قالته ضي
فجأة، رفعت سارة، يدها وهي واحده من البنات، كانت فتاه في الجامعه وغير محجبه ، لكن نظراتها مليئه بالاحساس والندم
سارة بتردد
"أنا... أول مرة حد يكلمني عن الحجاب من غير ما يحسسني إني وحشة، أو إني مقصّرة. انتي بتتكلمي كأنك عايشة اللي بتقوليه... وده بيخليني أحس إن ممكن أبدأ، ومش لازم أكون كاملة عشان أكون قريبة من ربنا."
ابتسمت ضي بحنان، واقتربت منها قليلاً قائله بصوت دافيء
"كلنا بدأنا من نقطة الصفر ، وكلنا بنتعثر وبنقع وبنقوم تاني. مش لازم تبقي مثالية، بس لازم يكون في نية، وإصرار و تحاولي. وربنا بيحب اللي بيجاهد نفسه."
كانت الجلسة في ركن المصلى تنبض بالسكينة. الهواء ساكن، لكن القلوب تخفق بإيقاعٍ مختلف، كأن شيئًا غير مرئي قد بدأ يُزهر في النفوس.
دمعت عينا "سارة"، لكنها سارعت بمسح دمعتها قبل أن يراها أحد. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وانحنت قليلًا نحو "ضي"، وهمست بابتسامة خجولة
"ممكن... تدعيلي أقدر أخد الخطوة دي؟"
لم تتردد "ضي"، مدت يدها برفق، وأخذت يد سارة بين كفيها، وضغطت عليها بلطف، ثم أغمضت عينيها وقالت بدعاء خاشع صادق من قلبها
"اللهم ثبّتنا على طاعتك، واهدِ قلوبنا إليك، وخد بإيدينّا للطريق اللي يرضيك يا رب. واجعل حجاب سارة طاعة تحبها وتُرضى بها عنها."
ساد الصمت للحظة، صمت يشبه احتضانًا جماعيًا للروح. ثم بدأت بعض الفتيات يومئن برؤوسهن موافقةً، وارتفعت همسة من إحدى الزوايا بحماسة
"أنا كمان... أنا عايزة أبدأ ألبس الحجاب، من النهاردة."
رفعت "ضي" عينيها نحوها بدهشة ممزوجة بالفرح، واتسعت ابتسامتها حتى غمرت ملامحها كلها، ثم قالت بفرحة خالصة
"والله ما في حاجة تفرّح قلبي زي كده! وربنا شاهد إني مش بتكلم كلام وخلاص... أنا بعيش ده كل يوم، وبحاول أكون قدوة، مش بكلامي، ولكن بأفعالي."
توقفت قليلًا، تنقلت بنظرها بين الوجوه المتألقة حولها، ثم تابعت بصوت يملأه الإيمان:
"الإيمان مش حاجة نخبيها، ده نور... والنور بيبان في وشوشنا، في تصرفاتنا، في سلامنا مع نفسنا. وأنا بجد فخورة بيكم، وفخورة إن ربنا جمعنا النهارده في المكان ده."
كانت اللحظة دافئة، تمتلئ صدقًا ونورًا. اقتربت البنات منها، بعضهن يسألن، بعضهن يحتضنها، وبعضهن يبكين بصمت، كأنما طهّرن قلوبهن بالدموع.
وفي طرف القاعة، كانت إحدى خادمات المسجد تراقب المشهد من بعيد، ابتسمت، وهمست لنفسها بإعجاب صادق:
الخادمة بخشوع
"بسم الله ما شاء الله... ضي فعلًا ضي."
انتهى اللقاء، وتفرقت الفتيات، لكن أثر اللحظة بقي حيًّا في أرجاء المكان، كأن الدعاء ما زال عالقًا في الهواء، وكأن الدموع لم تجف بعد.
💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
اتمني يكون الفصل نال اعجابكم ،
دمتم بخير 🌼🍃.