رواية ظلال الخطيئة الفصل السادس 6 بقلم دنيا الشملول


رواية ظلال الخطيئة الفصل السادس 6 بقلم دنيا الشملول



ساعة الميلاد الثانية

كانت قد تغيبت عن الجامعة لعدة أيام، أيام تركته يتخبط في جدران الألم والحيرة، لم يستطع إلا أن يبقى صامتًا، حتى بعد أن رآها وهي قادمة هذا اليوم، ترتدي فستانًا بلون الصباح الناصع، وحجابًا بلون السماء الصافية، ويزين فستانها من نهايته ورودًا متفتحة كإشراقة حضورها، مع ابتسامة لم يبدُ أنها كُسِرت يومًا، تتحرك بخفة بين صديقاتها، وفي عينيها بريق أمل جديد، أمل لم يزرعه هو، بل سواه، بدت تمامًا كامرأة استعادت نفسها بعد أن تبعثرت. كاد يشيح ببصره عنها، لكن ضحكتها التي جعلت ثغرها يتسع ببهجة حالت دون ذلك، نبرة ضحكتها أسرته وعذبته، هذه الضحكة التي لا يسمعها إلا نادرًا، اليوم بدت تلك الضحكة وكأنها لامرأة تعلن انتصارها على صمته وجبنه وحبه!

اقتربت منه، تمامًا كما يقترب الغريب من غريب آخر في طريق عام، ألقت عليه تحية سريعة، باردة، مشذبة من كل دفء، ثم مضت دون أن تنتظر حتى رده. توقف الزمن لبضع لحظات، كانت كافية ليدرك أي ألم وصم قلبها به. كان يظن الهروب نجاة، لكنه رأى مواجهتها ذلك اليوم مرآة خذلانه لها. كل ما أراد قوله اكتنز في صدره، وكل ما أراد كتمانه طفح على قلبه فآلمه. حمل متاعه، وعاد لبيته غير قادر على مواجهة العالم ولا حتى نفسه. سألته أمه إن كان جائعًا، لم يكن يفهم ما تقول، هو فقط أومأ بالرفض، الرفض لكل شيء وأي شيء. دخل لغرفته، ألقى بجسده فوق الفراش وقال في نفسه جملة لم يكن صداها إلا نجاة لعقله، أما قلبه فلا نجاة له ولا دواء.
"نحن لا نحيا الحياة كما نريد، بل إن الظروف هي من تحدد أي حياة يجب أن نحيا، حتى نتعلم كيف نريد حقًا." 
تلك العبارة التي بقي عقله يكررها وكأنه يحفظها جيدًا كي لا يسمح لقلبه بسحبه لأعماق التيه من جديد. جملة قاسية، من رحم واقع لا يرحم. حاول أن يهدئ من انفعاله الخفي، نظر للأرضية لبعض الوقت، الصمت يطبق على الغرفة، والليل فجأة قد حل، تحرك إلى ستار الغرفة، أسدلها ببطء تام وكأنه يطوي صفحة لم تكتمل!
___________________
كانت شمس الظهيرة تلامس الكون بخفة، تنشر بانسيابية بعض الدفء في الأرجاء، وضوؤها ينساب خفيفًا من بين أوراق شجرة ضخمة تجلس أسفلها هدى، ابتسامتها تضفي على المشهد تميزًا خاصًا. راحة كبيرة تغمرها، وسعادة لم تستطع السيطرة عليها شغفت وجهها ضياءً. أقبلت تسنيم التي ابتسمت لرؤية هدى، قالت وهي تصافحها:
- إيه الوش المنور ده! اللهم بارك.
- شكرًا يا ميس، ربنا يبارك لك.
تبادلتا بعض الأحاديث الجانبية قبل أن تسألها تسنيم إن كانت قد أدت تدريبها، قالت هدى بشغف ونبرة فرحة:
- أنا عمري ما كنت مرتاحة قد اليومين دول، حقيقي أنا بشكر حضرتك جدًا.
- بتشكريني على إيه بس! أنا فخورة بيكِ وإن فيه بنوتة جميلة في سنك بتفكر بطريقتك وبتتعامل بأسلوبك، إن شاء الله ما تشوفيش في حياتك غير التوفيق يا حبيبتي.

ابتسمت لها بامتنان قبل أن تُخرج من حقيبتها شيئًا مغلفًا بعناية، قدمته لها وهي تقول بنبرة ممتنة:
- دي هدية عشان حضرتك.
أخذتها تسنيم بذات الابتسامة الودودة، فتحتها بحرص لتجده مصحفًا، قبلته بحب، وشكرت هدى وهي تؤكد أنها ستقرأ فيه يوميًا لتشاركها الأجر، ثم حملت الحقيبة التي أتت بها ورفعتها إلى الطاولة، قالت وهي تدفعها بحرص تجاه هدى:
- دول بقى أغلى حاجة ممكن تمتلكيها دلوقتي، مش عشان هما هدية، لكن عشان قيمة اللي فيهم كبيرة جدًا.

تفاجأت هدى، واتسعت حدقتاها وهي تشير على نفسها بتساؤل إن كانت كل تلك الكتب في الحقيبة لها، أكدت تسنيم برأسها وما زالت مبتسمة، فسحبت الحقيبة بسرعة تفتش في محتوياتها، أخرجت الكتب واحدًا تلو الآخر وهي تردد أسماءهم:
- "لأنك الله، فاتتني صلاة، لكنود، رسائل من القرآن، مع النبي، أنتِ أيضًا صحابية، عن شيء اسمه الحب" بس.. بس ده كتير أوي يا ميس.
- ما فيش حاجة كتير على طالبة علم وساعية للالتزام يا هدى، الكتب دي أنا نقيتها كويس أوي، عشان تقدري تقرئيها وتفهميها بسهولة جدًا، معظمهم لكاتب اسمه أدهم الشرقاوي، وده كاتب بيكتب بأسلوب سلس وشيق وممتع ومبسط، أتمنى تقدري تستفيدي منهم كويس.

دمعت عيناها تأثرًا؛ تلك هي المرة الأولى التي يهديها أحدهم هدية قيمة كهذه، ولا تدري كيف تردها، أو كيف تشكرها عليها، قالت تسنيم ترفع الحرج عنها:
- لو حسيتِ إنك محتاجة أي حاجة ما تتردديش تكلميني، أنتِ أختي الصغيرة يا هدى، وأتمنى أسيب فيكِ بصمة يجازيني عليها ربنا خير. 

أومأت برأسها مؤكدة، ثم قالت بتأتأة:
- أنا.. كنت.. يعني أنا كنت محتاجة أسأل حضرتك في حاجة، حاجة مهمة. 
- تفضلي طبعًا. 
- أنا.. أقصد يعني فيه واحدة أعرفها، بتحكي لي عن أختها، يعني بتقول إن أختها بتعمل حاجات من ورا أبوها، يعني بصي، هو أبوها مانعها ترسم ذوات أرواح، يعني عشان حرام وكده، وهي بتحب الرسم جدًا، وبترسم من ورا أبوها، وكمان بتبيع الرسم ده، وتكسب فلوس، أنا.. أقصد يعني أختها عايزة تعرف إذا فلوس أختها دي حرام ولا لأ.. يعني لأنها بتكسبها من ورا أبوها، أو يعني من غير ما يكون راضي. 

صمتت تسنيم لبضع ثوانٍ تفكر في الأمر، ثم قالت بهدوء ورزانة:
- أنتِ بتسألي هل الفلوس اللي بتكسبها البنت دي حرام عشان هي بتشتغل من ورا أبوها، ولا عشان هي بتبيع الرسم اللي المفروض إنه حرام؟ 
- هي تفرق؟ 
- طبعًا، تفرق كتير. 
عقدت هدى ما بين حاجبيها، ثم سألت مستفهمة عن الفرق، فوضحت تسنيم برحابة:
- شوفي يا حبيبتي، أول حاجة لازم تعرفيها هو معنى الحرام، والحرام هو الحاجة اللي منعها الشرع منعًا باتًا، ولو عملنا الحرام ده نُعاقب عليه، ولو ما عملناهوش ناخد ثواب. يعني باختصار كده: الحرام هو حاجة ربنا نهى عنها نهي صريح سواء في القرآن أو السنة.
أومأت هدى سريعًا تؤكد أنها فهمت هذا الجزء من حديثها، لتتابع تسنيم بأريحية لعقل تلك الفتاة الناضج:
- نيجي بقى لنقطة الرسم، الرسم في الأصل مش حرام، والرسم ده نوع من التعبير والفن. نقطة الحلال والحرام بقا مقسمة، الجزء الحلال المؤكد منها هو إن رسم الشجر والجماد والبحر والبيوت... كل ده حلال باتفاق العلماء، لأنه الحاجات دي ما فيهاش أرواح. وده ينقلنا بقا للحرام في الرسم: وهو رسم ذوات الأرواح، يعني زي الإنسان والحيوان، وعايزاكِ تركزي في اللي هقوله ده كويس.

انتبهت لها هدى كليًا، لتتقدم تسنيم بمقعدها قليلًا، ثم عقدت أصابع يديها ببعضهم، وقالت بهدوء وروية:
- رسم ذوات الأرواح مش حرام قطعًا، أو بمعنى أدق بيختلف الحكم على حرمانيته حسب الغرض منه. يعني لو رسم ذوات الأرواح ده بغرض التعبد أو التعظيم فده حرام بلا نقاش، لأن فيه حديث نهى عنه، والحديث ده بيقول: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون الذين يضاهون بخلق الله" فهماني؟

أكدت هدى فهمها لكل ما قالت، لتتابع تسنيم:
- تمام، ولو الرسم ده كان غرضه التعبير الفني أو التعليم أو الطب فهو مباح عند علماء كتير، بشرط إنه ما يخالفش الشرع، يعني ما يكونش فيه عرايا ولا محرمات، وكبار العلماء أجازوه في حالة التعليم والفن الهادف. أما لو كان الرسم بنية التفاخر فهو مكروه أو محرم عند بعض العلماء، لأنه فيه تشبه بالمصورين اللي ذكرناهم قبل كده في الحديث.

صمتت قليلًا، لتترك مساحة لعقل هدى كي تفهم كل ما دفعته إلى عقلها، ثم تابعت بنفس الهدوء:
- لو هنتكلم بقا عن شخصيات الكارتون فهو رسم جائز لو الغرض منها مباح، زي التعليم أو الأدب أو الترفيه اللي ما فهوش حرام طبعًا. واللي أجازها كانت اجتهادات حديثة، أجازوها لأنها رموز وأشكال بسيطة ما بتشبهش خلق ربنا طبعًا.
ابتسمت حين وجدت هدى تحدث نفسها بصوت خفيض، وكأنها تثبت ما قالت في رأسها، لتضيف تسنيم ببساطة:
- شوفي يا دودو، الرسم لو ما بنستخدموش في نشر الفاحشة أو إثارة الغرائز أو إهانة الإنسان، وبنستخدمه كوسيلة نافعة فما فيهوش أي حرام. 

صمتت لبضع دقائق، كانت هدى تراجع الحديث في عقلها، كأنها تحاول أن تثبته كله دون أن يسقط منه شيء. قالت هدى ما إن انتهت:
- فهمت، فهمت كويس أوي.

ابتسمت تسنيم لما أحرزته من لمس نقاط شغف داخل قلب تلك الصغيرة، ردت بشغف مماثل:
- ما دام فهمتِ كل اللي قلته ده فأكيد هتفهمي اللي هقوله دلوقتي.
أكدت هدى برأسها، وولتها كامل اهتمامها، لتقول تسنيم:
- البنت اللي بترسم من ورا أبوها، لو بترسم رسم فاحش أو مثير، أو بترسم للعبادة وده مستبعد أكيد، فده حرام تمامًا، ولو بترسم ذوات أرواح كتعبير فني أو للتعليم فده جائز لكن بضوابط، ولو بترسم رسم كارتون فهو مباح غالبًا، ولو بترسم جمادات ومن الطبيعة فده حلال بالإجماع.

أومأت هدى تؤكد أنها فهمت تلك النقطة، وقد أدركت أن ما ترسمه أختها كله حرام في حرام، فهي ترسم من أجل التفاخر، ومن أجل كسب المال. قالت موضحة:
- بغض النظر عن اللي بترسمه، واللي عرفت من حضرتك دلوقتي إذا كان حلال أو حرام، إيه وضعها بالنسبة لرسمها من ورا بابا؟

ابتسمت تسنيم لما وقعت هدى فيه دون قصد، فبكلمة لم تقصدها هدى علمت تسنيم أنها تتحدث عن أخت لها، لكنها لم تُظهر الأمر، وردت باستفاضة:
- شوفي يا دودو، طاعة الأب واجبة لو ما أمرش بحاجة تغضب ربنا، وعارفين الدلالات القرآنية على كده، صح؟
أكدت بإيماءة من رأسها، لتتابع تسنيم:
- و هي بقى لو بترسم في النقاط الحلال والمباح فيها الرسم، وأبوها رفض إنها ترسم عشان ما تضيعش وقت أو من باب المصلحة ليها أو خايف تنشغل بالرسم عن حاجات أهم، هنا طاعتها ليه بر وإحسان منها، وتاخد ثواب كبير كمان على ده. ولو أمرها تسيب الرسم وهو على حق، فطاعتها ليه واجبة، والمباح نسيبه عشان نؤدي الواجب. أما بقى لو الرسم حرام أو فيه شبهة وأمرها ما ترسمش فلازم تطيعه لسببين: الأول لأنه بيبعدها عن المعصية، والتاني: لأن طاعة الأب واجبة. طيب لو أبوها بقا رفض وخلاص من غير أسباب كده، فالمفروض البنت تتكلم مع والدها بأدب وبهدوء وتحاول تقنعه، ولو أصر فهي تطيعه عشان تكسب رضاه، لأن رضا الوالدين باب واسع للرزق والبركة، وما فيش مقارنة بين الواجب والمباح مهما كان الأمر المباح ده محبوب.

- يعني في كل الأحوال تطيعه من باب الواجب، حتى لو غرض الرسم حلال ومباح. وده لأن فضل الواجب أكبر بكتير من المباح.
- بالظبط كده. وده ينقلنا بقا للي بتعمله البنت، واللي هو كده اسمه معصية لأمر أبوها، وممكن يكون رياء، لأنها بتعمل حاجة وبتظهر حاجة تانية، وطبعًا الرياء بيسحب القلب للذنوب، وإنها تظهر إنها ما بترسمش وهي بترسم في الخفاء فده كذب وقد يكون تدليس كمان.

- طب، طب ولو ماما عارفة اللي بتعمله، ومخبية هي كمان، كده هي بتعمل حاجة حرام؟
- للأسف آه، ده كده اسمه خيانة للأمانة الزوجية، لأنها كده بتساعد بنتها إنها تعصي أبوها، خصوصًا إن الأب هو الولي، والأم تحت ولاية الزوج، فما ينفعش أبدًا إنها تخالف أمره، أو تضله.

أومأت هدى بحزن بدا جليًا على ملامحها، وقبل أن تتحدث تسنيم سألت هدى من جديد:
- طب وبالنسبة للفلوس اللي بتاخدها البنت من الرسم ده، حرام؟
- شوفي يا دودو، الفلوس اللي بتيجي من حاجة مباحة ما فهاش أي حرام في الأصل، لكن لو جت بمخالفة شرعية أو خُلقية فهنا لازم نقف ونسأل سؤال: هل المخالفة دي تفسد أصل الفلوس ولا لأ. دلوقتي لو هي بترسم رسم مباح وبتبيع الرسم ده فالفلوس حلال ما فهاش شبهة، لكن المشكلة مش في إنها بتكسب فلوس من الرسم، المشكلة إنها خالفت أمر أبوها اللي أمرها ما ترسمش، وكمان ما يعرفش إنها بتكسب منه مال، فهي دلوقتي لو بترسم حاجة مباحة وبتكسب وأبوها ما يعرفش فهي باعت شيء مباح بفلوس حلال، لكن الطريقة اللي كسبت بيها الفلوس فيها إثم، الإثم أو الحرام هنا على الطريقة اللي بتكسب بيها الفلوس مش في الفلوس نفسها.. ده لو رسمها مباح.

صمتت تترك فرصة لهدى كي تستوعب الأمر، تابعت حين أكدت هدى فهمها لما قالت:
- طيب، هي لو بترسم رسم حرام، وبتكسب منه فلوس، ووالدها رافض للرسم ده ومع ذلك بترسم من وراه، فكل الأمر حرام، سواء الرسم، أو الفلوس اللي بتكسبها منه، أو عصيانها لأمر والدها.

هذه بالضبط سمية، هذا تحديدًا ما فيه سمية، ترسم رسمًا لا غرض منه سوى التفاخر، خاصة وقد رأت صفحتها على مواقع التواصل وقد بدأت تنشر رسومها لتحقق شهرة عالية، كما المال الذي تكسبه حرام في أصله لكونه من رسم حرام، وتعصي أباها، كل ما تقوم به أختها حرام في حرام! أوجعها قلبها كثيرًا من الفكرة، ولم تدرِ ما تفعل أو تقول، لكن تسنيم قرأت تلك الحيرة في عينيها وتوترها، قالت بلطف:
- لو تقدري تقدمي النصيحة ما تتأخريش يا هدى، لعل الهداية ليها تكون على لسانك.
كادت تبكي لولا أن ارتفع رنين هاتف تسنيم التي ابتسمت بارتباك وهي تقول بحرج:
- أنا آسفة أوي يا هدى، لكن مضطرة أمشي دلوقتي لأن عندي معاد مهم، لكن أكيد هشوفك تاني بأمر الله، ولو فيه أي حاجة ما تتردديش تكلميني، وأنا دايمًا جنبك بأمر الله.

كادت تغادر، لكنها التفتت تقول لهدى بابتسامة:
- شكرًا على الفرصة دي يا هدى.
غادرت تاركة هدى غارقة في الامتنان لهذه السيدة، إنها حقًا خير امرأة قابلتها لليوم، وفي الختام هي من تشكرها! يا لها من امرأة!

تنهدت بقلة حيلة وهي تلملم كتبها، حملتهم بحرص وسارت في طريقها للبيت، تفكر في كل ما دار بينها وبين تسنيم، وتبحث عن طريقة فعالة تنتشل بها سمية من هاوية المعصية التي تكاد تدفن داخلها، فجأة تذكرت تلك الصورة التي رأتها صدفة على هاتف سمية، وعاد التقزز يتمكن من خلاياها مرة أخرى وهي تدعو لها بالهداية. 
__________________

بين كل دقيقة وأخرى ترفع الهاتف لتنظر لانعكاس وجهها في شاشته المغلقة، وتأخذ نفسًا عميقًا وتخرجه على مهل، تنتظر ذاك الذي سكن قلبها دون أي مجهود، دون أي مبرر، هكذا وقعت في حبه، كأن الحب ما كان إلا له. رأته أول مرة في مجموعة لدراسة اللغة الإنجليزية، ووجدت نفسها قد تعلقت بالنظر له ما دام أمامها، وانتظاره إن تأخر، والاستمتاع بنبرته حين الحديث، والشغف بعينيه حين تتقابل مع عينيها صدفة، حتى طالت نظرتهما لبعضهما ذات مرة، ورأت في عينيه بريق إعجاب بها جعل الخجل يتسرب إليها، فهربت سريعًا من مرمى عينيه متوترة، وفي ذات اليوم ليلًا وجدت رسالة منه على موقع التواصل، يقدم نفسه على مضض، قبلت برسالته وعرفت بنفسها هي الأخرى، بدأ الأمر بالتحدث عن المجموعات العلمية، وعن تخصصات الجامعة التي يدرسان فيها باختلاف الكلية، حتى تطور الحديث بينهما ليصبح عن حياة كل واحد الشخصية، ثم تطور الأمر لحديث جانبي يحمل الغزل بها من جهته، والخجل من جهتها، حتى أتى اليوم الذي اعترف فيه بحبه لها، وأنها وإن رفضت هذا الحب فلا مانع عنده في أن يبقيا صديقين، ولن يكون إلا راضيًا بهذه العلاقة، لم تستطع إلا أن تعترف بدورها، وبدأت قصة ليست من نوع مختلف عن تلك العلاقات التي تنشأ متوارية في الظلام. ومع كل هذا ومع طول فترة تلك العلاقة بينهما إلا أنهما لم يفكرا يومًا أن يتحدثا خارج إطار الكتابة عبر موقع التواصل، وفي لقاءات المجموعات يكتفيان بابتسامات مختلسة، ونظرات متوارية، حتى حددا هذا اليوم للقائهما الأول. 

تشعر أنها ستفقد الوعي من فرط توترها، فكرت عددًا من المرات أن تغادر ثم تتصل به لتخبره بأي ظرف، لكن قلبها المشتاق للقائه أجبرها على المجيء والبقاء. ظهر أخيرًا، بهيئة أنيقة كما عهدته، اقترب حتى وقف أمامها، مد يده فترددت، لكنها صافحته، وفي الحقيقة مصافحة العيون كانت أقيم بالنسبة لها، اعتذر لتأخره فعذرته، جلس وأشار لنادل المطعم، سألها مبتسمًا:
- تحبي تاكلي إيه؟ أنا عن نفسي بعشق الفراخ المشوية، هنا طعمها غير. 
ابتسمت وطلبت مثله، غادر النادل ليتنحنح وهو يقول بنبرة هادئة متزنة:
- ما تعرفيش قد إيه أنا سعيد بمقابلتنا دي، محضر لك يوم يجنن، صدقيني هيعجبك جدًا، لكن أهم حاجة نملى المعدة عشان نتحرك براحتنا من غير ما تزعجنا. 

ضحكت لجملته، ولم تجد ما تقوله، فألقت نظرة سريعة على المكان وكأنها تراه للتو، فبالفعل هي لم تنتبه لأي تفاصيل فيه، كل انشغالها كان بتوترها أثناء انتظار حضوره، قالت وقد خرجت نبرتها مبحوحة قليلًا:
- ذوقك حلو أوي، المكان مريح وجميل. 
ابتسم قبل أن يميل بجسده إلى الطاولة، شبك يديه معًا، وسألها مختبرًا:
- ركبتِ القطر قبل كده؟ 
- نفسي أوي. 
قالتها فجأة بشغف، وتراجعت سريعًا وهي تبرر مبتسمة:
- يعني أقصد إن حسي الفني نفسه يتعامل مع الطبيعة بشكل كامل، لكن للأسف تحركاتي محدودة، واندماجي بالطبيعة محدود كمان. 

تعجب قليلًا، لذلك سألها:
- وده بسبب انشغالك بالدراسة؟ 
هنا أتى النادل يحمل طلبيهما، غادر ليشير كريم إلى الطعام قائلًا:
- ناكل وبعدين نكمل كلامنا، بصراحة، الفراخ دي عايزة تتاكل سخنة عشان تحسي بطعم الشوي بتاعها وتستمتعي بيه. 
- شكلك أكيل بقا. 
- أوي، شوفي أنتِ شغفك بالرسم عامل ازاي، أهو أنا شغفي بالأكل أكبر، بس مش أي أكل، الأكل اللي معمول بحرفية، اللي تفاصيله تجننك، وريحته تسحبك، وطريقة تقديمه تحببك فيه، شوية تركات كده بتودي قلبي وعقلي لمكان أحب أتواجد فيه دايمًا، وفي المطعم ده بلاقي نفسي مع الفراخ المشوية بتاعتهم. 

ابتسمت لذلك، وراح تفكيرها فورًا لكونها لا بد وأن تتعلم الطهي وفنونه لتتمكن من إرضاء ذوقه هذا، وأي رضا في هذه الحياة أهم من رضا ساكن القلب! بدآ يأكلان، ليقول بينما يرتشف بعض الماء بعد كل لقمتين أو ثلاثة:
- ما رديتيش على سؤالي. 
أومأت وهي تبتلع ما بفمها، ثم تغمس لقمة في صحن الطحينة التي أسرتها بدل الدجاج المشوي:
- مش الدراسة السبب، يمكن بابا، هو مضيقها علينا شوية، راسم لنا حياتنا بالورقة والقلم، من البيت للدراسة ومن الدراسة للبيت، الرفاهية في الإجازة، ودي عبارة عن صلة الأرحام، أما خروجاتنا قليلة، يعني ممكن نطلع مصيف، نروح حديقة في شم النسيم، حاجات زي كده يعني، أمور محدودة وروتينية بحتة. 

أومأ متفهمًا، ولم يتحدثا حتى انتهيا من طعامهما، سأل باهتمام:
- إيه رأيك في الأكل؟ 
- بصراحة معمول بضمير، لكن أنا شدتني أوي الطحينة. 
ابتسم لذلك، وأشار للنادل مرة أخرى طالبًا الحساب، ترك المال الذي طُلب منه، ووقف قائلًا:
- خلينا نبدأ البروجرام، مش عايزين نضيع وقت. 
تحركت بشغف كبير لمعرفة ما سيفعلانه معًا في الساعات المقبلة، ذاك الشاب لن يكف عن سلب نبضات قلبها حتى يتمكن من احتلال روحها، وهي لن تكون إلا سعيدة وراضية بذلك. ركبا سيارة أجرة، لتسمعه يقول للسائق: 
- محطة القطر. 

اتسعت عيناها، والتفتت إليه بنظرها، ليقابلها بغمزة من عينيه قائلًا بابتسامة آسرة:
- مش حبيبتي اللي يكون في نفسها حاجة وما تطولهاش.

نست أنها كانت تريد الاعتراض، نست أنها على وشك خط رواية لن تتحمل أن يُذكر اسمها فيها، فنهايتها لن تكون إلا علم والدها أي ابنة أنجب، وأي ابنة أودع ثقته بها وألقت بتلك الثقة عرض البحر دون اكتراث. بادلته بسمته بأخرى تشع حبًا، فما تحمله له أكبر من أن يعلو صوت العقل ضده. صمتت بعد ابتسامتها له، وانساقت خلف قلبها رغم قلقها مما هي مقبلة عليه، لكنها أسكتت كل صوت عدا صوت السعادة لوجودها معه. 

يتبع.


                  الفصل السابع من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة