رواية ظلال الخطيئة الفصل السابع 7 بقلم دنيا الشملول


رواية ظلال الخطيئة الفصل السابع 7 بقلم دنيا الشملول



خيوط لا تُرى

خطت سمية داخل محطة القطار وهي تتفحص كل تفاصيل المكان، بدءًا من شباك التذاكر، وأرصفة الانتظار المتعددة، شرائط السكة الحديدية، وتلك الإشارات الضخمة عند بداية المحطة، ممشى علوي يصل من أول رصيف لآخر واحد، والكثير من الناس الذين ينتظرون مجيء القطار. سحبها كريم من تأملاتها وهو يقول:
- هنركب القطر لطنطا.
- طنطا! اشمعنا؟ يعني الوقت والسفر و...
- ما تقلقيش، أنا مظبط كل  حاجة، سيبي لي نفسك النهار ده خالص، وهخليكِ تحلفي باليوم ده.

ابتسمت له وقد شعرت بخفقة مفاجئة، وكأنها تنبهت لنبضها بعد غياب، سيكون الأمر أكثر من ممتع، ليس فقط لأنها ستركب القطار لأول مرة، ولا لأنها ستزور مدينة طنطا لأول مرة، وإنما لكونها بصحبته لأول مرة! تحركا إلى مكان الانتظار، وأجلسها إلى أحد المقاعد قبل أن يذهب ليشتري بعض المسليات من أحد الأكشاك القريبة. عاد محملًا بالكثير من الأشياء اللازمة لرحلة قصيرة، قال وهو يجاورها الجلوس:
- القطر دلوقتي هيبقى هادي، مش زحمة، بس ممكن يبقى زحمة واحنا راجعين، لأنه هيبقى معاد رجوع الطلبة من الكليات، مهما كان ومهما حصل خلي عينك معايا وقريبة مني، اتفقنا؟

أومأت موافقة، ولا تدري سببًا لذلك القلق في قلبها، لكنها للمرة الثانية تجاهلته وقررت الاستمتاع بيومها معه. جلسا متجاورين، وأخرج من حقيبته بعض المسليات وبدآ يأكلانها مع بعض الأحاديث عن حياة كل منهما، كانت سمية مندمجة معه كليًا، كما لو أنها على معرفة به وثيقة، وكانت تجربتها لركوب القطار مثيرة، إذ أبدت إعجابها به وبالسفر فيه. تأملت الطريق خارج نافذته قليلًا، وتخيلت في ذهنها رسمة قررت أن ترسمها ما إن تعود للبيت. وصلا لوجهتهما بعد فترة وجيزة، ترجل هو أولًا، ثم مد يده لها كي يساعدها على النزول، نظرت ليده بتردد لم يطُل، ومدت يدها تضعها في يده بخجل بدا على ملامحها، تلك الفتاة رغم ما تفعله الآن إلا أنها ما زالت تحتفظ ببعض براءة داخلية. تجولت بعينيها في المحطة قبل أن يقول مبتسمًا:
- تحبي تتمشي لحد المكان اللي هنروحه، ولا نركب مواصلة؟ لو مشينا نوصل في ربع ساعة بالكتير.

أومأت له مؤكدة رغبتها في السير معه، وتحركا إلى حديقة الأندلس، تلك الحديقة الغناء ذات الأجواء المميزة والمناظر الخلابة، انبهرت بكل ما فيها، خاصة البحيرة الصغيرة، والتي جلس معها بالقرب منها، قال بينما ينظر للبحيرة:
- كنت واخذ عهد على نفسي، عمري ما آجي المكان ده إلا وأنا معايا حبيبتي، صحابي جم كتير، وصوروا المكان كتير وأبهروني بيه، بس مكان زي ده ما تحسيش بجماله غير جنب شخص بتحبيه من قلبك. 

كلماته أصابت قلبها برعشة لذيذة، أدمعت عيناها من فرط فرحتها، قالت مبتسمة:
- أتمنى إننا نكون اختيارات صحيحة في حياة بعض. 
- أنا عن نفسي مش شايف أصح من اختياري ليكِ حبيبة لقلبي. 

خجلت من جديد، وبدأت تفرك يديها معًا، مد يده يمسك بخاصتها، كاد يسحبها ليطبع قبلة فوق راحتها، لكنها سحبت يدها بسرعة، وانتفضت واقفة تقول بتوتر بالغ:
- يدوب نتحرك، الوقت ممكن يسرقنا. 

ابتسم لما أحدث من ضجة داخلها، تحرك بدوره يقول بشغف تمكن من رسمه في تصرفاته جيدًا:
- يبقى خلينا نستغل كل دقيقة، يلا بينا. 
- على فين تاني. 
- ممنوع تسألي، أنتِ تتفاجئي وبس. 
ضحكت لجملته، وتحركت بجواره مستأنسة بقربه، تشعر أنه يتمكن من قلبها أكثر فأكثر، وقد تركت العنان لنبضها يثور من أجله كيف شاء. أوقف وسيلة مواصلات، أقلتهما إلى الكورنيش، وترجلا ليظهر الانبهار جليًا فوق محيا سمية التي ابتسمت باتساع وهي تقول بصدق:
- أنا حقيقي ما جاش في خيالي إني ممكن أتمشى في يوم على كورنيش. أنت ازاي قادر تسحرني بأفكارك كده! 

ضحك بصخب قبل أن يمد يده بعفوية يلتقط كفها، ثم تحرك معها يركضان إلى أقرب مقهى مطل على الكورنيش، جلسا ينظران للبحر بإعجاب بين، وقد ارتسم الامتنان على محيا سمية لهذه المفاجآت التي لم تكن لتتوقعها بأحلامها، اليوم لديها حصيلة كبيرة للغاية من أجل الرسم، ومن أجل الحب. أتى النادل بما طلبا من مشروبات دافئة، وتبادلا أطراف الحديث لبعض الوقت قبل أن ينظر كريم لساعة يده، ثم قال وهو يخرج المال من جيبه:
- يدوب نزور المكان اللي قبل الأخير بقا عشان الوقت، أما المكان الأخير ده فعايز نقضي فيه وقت طويل أوي. 

سألت عن وجهتهما فنظر لها بطرف عينه، تراجعت وهي تشير على فمها علامة أنها ستصمت، ابتسم لفعلتها وتحركا سيرًا متجاورين يتمشيان على الكورنيش، ولم يمر غير دقائق معدودات حتى وقف بها أمام عربة بيتزا، سألها أي الأطعمة تفضل، فقالت ضاحكة:
- احنا فطرنا فراخ مشوية وهنتغدا بيتزا! 
ضحك معها ليؤكد أنه يحب أن يكونا مختلفين عن الآخرين في نمط حياتهما معًا، أسبلت عينيها من جملته التي جمع بين حياته وحياتها لتصبح حياة واحدة يتشاركانها، ابتسم لما بدا عليها من حب لكلمته. ثم طلبا طلبهما وجلسا يأكلان بنهم كأنهما لم يأكلا شيئًا منذ الصباح. قال بعد أن شعر بالتخمة:
- دلوقتي بقا نقدر نروح آخر مكان بقلب ومعدة مرتاحين. 
- اشمعنا يعني؟ 
سألت تستفسر عما يقصده، فقال غامزًا بعينه:
- عشان القلب هيفرح طبيعيي هناك، والمعدة هتهضم بسرعة وتدي الجسم طاقة يتعامل مع اللي جاي. 

لم تفهم قصده بالضبط، ولم تسأل مجددًا، فهو لن يخبرها على أي حال. ركبا وسيلة أخرى، وما إن وصلا لوجهتهما فغرت سمية فاهها دهشة وسعادة، نظرت إلى كريم تقول بعدم تصديق:
- لا لا لا مستحيل، أنت بتتكلم جد؟ ملاهي! هندخل ملاهي. 
- طبعًا، أومال جايين نتفرج بس! 

رد رده وهو يمسك بيدها ويسحبها معه مسرعين للداخل، قضيا وقتًا لم يحسبا مداه، كانت السعادة تطغي عليهما، نسيا كل شيء من حولهما، فقط ركزا على تلك السعادة التي غمرت قلبيهما. انتهيا من تجربة كل الألعاب التي رغبا في تجربتها، لتنتبه سمية أخيرًا أن الغروب قد حل. شهقت بفزغ وهي تقول بهلع تام:
- كريم، الوقت، مش هلحق أروح، أنا المفروض كنت أكون في البيت من نص ساعة، الدنيا هتليل وأنا بره البيت، يادي المصيبة.

كان الخوف والقلق باديين عليها، حاول تهدئتها لكن توترها فاق احتماله، قال مقترحًا بسرعة:
- خلاص بلاش نرجع في القطر، يلا هنرجع مواصلات أسرع.

لطمت خدها بخفة وهي تقول بقلق تفاقم:
- مواصلات إيه وقطر إيه! كله محصل بعضه، هروح بليل برضو.
لم تنهِ جملتها وإذا بهاتفها يعلن اتصالًا، لطمت خدها مرة أخرى وهي تقول بهلع:
- ده أحمد أخويا، أكيد ماما بتتصل عليا تشوفني تأخرت ليه، هقول لهم إيه!
حاول كريم السيطرة على الموقف، أشار لسيارة أجرة، وانطلقا إلى موقف السيارات، هناك حيث قررت الرد على والدتها التي اتصلت ثلاث مرات دون رد منها، حاولت تصنع الثبات، وصلها صوت أمها القلق:
- إيه يا سمية ما بترديش ليه؟ قلقتيني. أنتِ فين كل ده؟ تأخرتِ ليه؟

ابتلعت لعابًا وهميًا وهي ترد بثبات لم يصل لجسدها الذي يرتجف:
- تأخرنا في الكورس النهار ده، ما عرفتش أتصل بيكِ، المستر ما عملش بريك خالص، يدوب لسه مخلصة وجاية أهو.
- طب اخلصي، أبوكِ جه بدري النهار ده، ليلتنا مش هتعدي على خير لو خد باله من تأخيرك.
أكدت أن الأمر فقط مسافة الطريق، وأخذت تدعو أن يتعطل والدها في أي شيء حتى تعود للبيت، وانقلب اليوم بجماله على قلبها بقلق وخوف لم يهدأ حتى مع محاولات كريم الذي هاله تحولها هذا.

مر الطريق وكأنه يتعمد استفزاز صبرها الذي طال حتى وصلت إلى الزقازيق بعد أذان المغرب بفترة، ما زال أمامها مواصلة أخرى تستقلها إلى مدينتها، والتي لا يقل قطع مسافتها عن نصف ساعة، ودعت كريم وداعًا باهتًا من فرط توترها، وبقيت تقرض أظافرها حتى كادت تصل إلى مدينتها، بحثت عن الهاتف لترى الساعة وتنظر إن كان قد اتصل بها أحد أهلها من جديد، ويا للصدمة، الهاتف ليس معها! كادت تفقد عقلها وهي تبحث مرة واثنين وثلاثة، وتسأل الجالسة بجوارها، حتى طلبت من أحد الركاب أن يتصل بهاتفها الذي أعطاه جرسًا دون أي رد. فعلمت أنها ميتة هذه الليلة لا محالة. 
____________________

خرجت من بوابة المدرسة الرئيسية ليُفزعها أحد زملاء فصلها وهو يخبرها بهلع:
- الحقي يا أسماء، محمد والشلة بتاعته ماسكين باسم ورا مدرسة الثانوية، ونازلين فيه طحن.
- إيه!
قالتها بفزع وقد تمكن الرعب من قلبها، لم تفكر مرتين، على الفور هرعت إليهم وهي تقسم أن تفضح أفعالهم جميعًا، وستشي بهم عند مدير مدرستهم، ليس هذا فقط، بل ستختلق القصص عنهم حتى تحاصرهم في زاوية الشر التي كادوها لأخيها. وصلت بعد دقائق حيث المدرسة الثانوية التي لم تكن تبعد عن مدرستها كثيرًا، واتجهت على الفور حيث أخبرها زميل صفها. وجدت أربعة منهم، من بينهم محمد الذي ترتسم فوق شفتيه بسمة لم تفهمها، قالت مندفعة غير مدركة لفخ قد حيك على قياسها:
- باسم فين؟ أنا حذرتكوا مرة، بس واضح إنه ما كانش ينفع معاكم غير...
- اهدي يا قطة لأحسن يطق لك عرق.

قالها زياد الذي اقترب منها وعلى وجهه ملامح الغدر، تراجعت خطوتين في توتر، سألت بخوف حاولت إخفاءه:
- فين باسم؟ انتوا...
- خمسة على بنت واحدة! كتير يا شباب.
قالها حمادة الذي أتى من خلفها ومعه شخص آخر، ليصبح اثنان من خلفها وثلاثة أمامها، وهي محاصرة في المنتصف، موقف لا تحسد عليه. شعرت بالخطر المحدق، ولم تدرِ ما يجب أن تفعل، حاولت استجماع بعض شجاعتها حين قالت رافعة سبابتها في وجوههم:
- للمعلومة، أنا مش هعدي الموقف ده بالساهل.

ضحكة مدوية من الشباب جعلت الخوف يتمكن من كل خلاياها، رد محمد وهو يلاعب حصى في يده:
- لا والموقف اللي أنتِ فيه يسمح لك تهددي بصراحة. أهو أنتِ هنا دلوقتي عشان هددتينا مرة، تفتكري بقا المرة التانية دي هنعمل إيه؟
- نشوف الشعر الحلو اللي تحت الحجاب ده.
قالها أحد الشباب وهو يقرب يده من حجابها، انتفضت للخلف مبتعدة عن مرمى يده، ليقول آخر وهو يلمس كتفها:
- أنا عن نفسي عايز ألمسه مش بس أشوفه.
انتفضت شاهقة برعب لإدراكها ما هي مقبلة عليه، ودون تردد خرجت صرخة من حنجرتها، صرخت لا لأنها قوية، بل لأن الغريزة وحدها من بقيت تحاول الدفاع عنها، لكن صرختها لم تكتمل، بل وئدت في التو بيد حمادة الذي كمم فمها وأحاطها من الخلف بقوة، حاولت التملص من يديه لكنه أحكم إمساكها، هسهس في أذنها:
- قسمًا بالله ندفنك هنا حية لو صوتك طلع، أنتِ هنا عشان تعرفي غلطك، أنتِ وأخوكِ خنافس ندوسها برجلينا يا بت.

لم تتوقف عن التلوِّي، فاقترب شاب منهم وانتزع حجابها لينسدل شعرها فوق كتفيها وعلى وجهها، قال الآخر:
- ما حدش يقول لي إنكوا بتهددوا بس، أنا خلاص مش قادر.

قال جملته واقترب مسرعًا منها، أزاح خصلاتها عن وجهها بحركة سريعة، واقترب يحاول تقبيلها، والبقية يضحكون، قال محمد وهو يضرب يديه معًا:
- من كتر ما شاف فيديوهات السيكو سيكو وهو اتجنن.
ازدادت ضحكاتهم، وازداد عنف حركة أسماء التي اتسعت عيناها من فرط الرعب، تشعر أن روحها تسحب، قلبها كاد يتوقف من فرط سرعة نبضه، وذاك المعتدي عليها لم يكف ولو لدقيقة عن تقبيل كل ما يقع تحت شفاهه، كانت لحظات أقل ما يقال عنها كابوسًا. لم يُنقذها من كل هذا إلا صوت غليظ أتى من خلفهم يسأل مستفسرًا:
- انتوا بتعملوا إيه هنا؟

انتفض الشباب على صوته، وفي لمح البصر كانوا قد اختفوا من المكان كأنهم ما وجدوا فيه، لتصدر شهقة فزع من فيه حسان (بواب المدرسة) وهو يراها تسقط من بينهم أرضًا. هرع إليها وأخذ يسأل إن كانت بخير، كانت ملامحها المرتعبة توحي بما عاشته في تلك اللحظات، ويحمد الله ألف مرة أنه قرر إلقاء القمامة قبل ذهابه، وإلا لكانت تلك الفتاة في وضع أكثر حرجًا. قال وهو يلتقط حجابها الملقى أرضًا يقدمه لها:
- اهدي يا بنتي، خلاص، مشيوا، ما تخافيش.

كانت ترتعش، التقطت حجابها، لفته بإهمال وحملت حقيبتها وركضت بخطوات متعثرة، والدموع تملأ وجهها، كانت تحاول الثبات، لكن أي ثبات هذا الذي تبحث عنه وهي كادت تفقد مستقبلها وحياتها! اهتمت لحجابها ما إن وصلت لباب بيتهم، وتأكدت أن ثيابها مهندمة، مسحت وجهها وطرقت بيد مرتعشة، ما إن تفتح والدتها ستدخل فورًا للغرفة متحججة بألم في معدتها بسبب دورتها الشهرية، وستصدقها، لكن ما لم تحسب حسابه أن من سيفتح الباب هو آخر من قد يخطر ببالها، والدها!
____________________

كان جو البيت متوترًا للغاية، فقد كان الجميع يجلسون على أعصابهم، انقطع اتصالهم مع سمية منذ آخر مرة تحدثت إليها والدتها بعد العصر، ومن بعدها يحاول الجميع الوصول لها، لكنها لا تجيب على هاتفها، قارب الوقت على العِشاء، ولم تعد بعد! يكاد والدها يفقد عقله وهو يدور في صالة البيت يضرب كفيه معًا في قلق وتوتر، يأمر أحمد كل دقيقتين أن يعاود الاتصال بها. بينما تردد وداد الكثير من الدعوات أن يمر اليوم على خير، وأن تعود ابنتها سالمة، وقد أقسمت داخلها ألا تجعلها تعود للرسم مرة أخرى، فمؤكد أن ما أخرها هو توصيلها لإحدى رسوماتها إلى أحد عملائها كما تخبرها دومًا، لكن هذه المرة تأخرت أكثر مما يجب! في حين أن هدى جلست تلوم نفسها أنها لم تجلس مع سمية لتحاول صدها عما تفعل، والآن ربما مكروهًا أصابها. ومن بين الجميع تجلس أسماء متكورة على نفسها، ما زالت تشعر بالزعر والخوف بعدما حصل معها، لكنها كانت تحاول الثبات أمامهم، وقد أخبرتهم أنها تعاني من آلام معدتها ولا شيء آخر، وفي الواقع لم يكن لدى أيهم عقلًا ليفكر فيما تعانيه أسماء ولديهم مصيبة تأخر سمية دون معرفة أين يمكن أن تكون.

طُرق الباب فانتفض الأب إليه يفتحه وكله أمل أن تكون سُمية، لكن خاب أمله وهو يرى باسم أمامه، دخل وسأل عن سبب تغير وجوههم، ردت هدى:
- سمية ما رجعتش من الكلية لحد دلوقتي، وما بتردش على تليفونها، عندك فكرة هي فين؟

كان سؤالها الأخير مغلفًا بنبرة غامضة فهمها فورًا، فمن المفترض أنه يعلم بكل ما يخص سمية، فهما مقربين جدًا في الفترة الأخيرة. رد بتوتر:
- لا.. وأنا هعرف منين! زمانها جاية، يعني يمكن كان عندها كورسات بعد الكلية ولا حاجة.

ما إن انتهى من جملته سمعوا صوت الباب يُطرق من جديد، ليفتح باسم هذه المرة لقربه من الباب، كانت سمية هي الطارقة، سألت بعينيها سؤالًا رأت إجابته حية أمامها، إذ وقف والدها خلف باسم ينظر إليها بغضب عارم. عيناه تسألان العديد من الأسئلة، ينتظر إجابات، لكنها فقط تنظر إليه بخوف حقيقي وتوتر جم، مما جعله يفقد أعصابه. جذب يدها ليُدخلها بعنف، أغلق الباب بذات عنفه وصرخ في وجهها يسألها أين كانت لهذا الوقت، ابتلعت ريقًا معبأ بالخوف من نبرته، قالت بتقطع:
- صـ.. صاحبتي عملت حادثة و... ورحت معاها المستشفى، أنا.. أنا بس...
- وتليفونك فين؟ ما بترديش ليه بدل ما احنا قاعدين على أعصابنا كده؟
- اتـ.. اتسرق مني، أو.. أو وقع.. مش.. مش عارفة، أنا لما رحت المستشفى دورت عليه عشان أكلمكم بس ما لقيتوش.

كاد يقتلع شعره من منابته، ضغط أسنانه بقوة وعاد يصرخ فيها أنه كاد يفقد عقله بسببها، لكن ما سبَّب صدمة للجميع هو ما قاله بعدها:
-  ما عنديش استعداد أعيش ساعات زي دي تاني، وعشان كده الكلية بتاعتك ما تلزمنيش قدام قلقي بسببك النهار ده.
تحركت وداد بسرعة، حاولت التحدث مع زوجها كي تهدئ من انفعاله، لكنه دفع يدها بغلظة وهو يقول بصوت جهوري صارم:
- وأي واحد في البيت ده هيكون سبب في قلق للبيت ما لوش طلوع من الباب.

أنهى قوله ودخل إلى غرفته صافقًا الباب خلفه مما جعل الجميع ينتفض، سالت دموع سمية وهي تنظر لأمها برجاء أن تتصرف، لكن الأخيرة لم تجد ما يمكنها فعله، فقط قالت بهدوء:
- كل واحد يشوف وراه إيه، ما تقعدوش كده.
ومن فورها دخلت إلى المطبخ، مما جعل سمية تنظر لإخوتها كأنها ترجوهم مساعدتها، لكنها لم تجد من أحمد إلا التجاهل، وهدى أسفًا في نظراتها، وأسماء لا تنتبه لما يحدث أصلًا، أما باسم فقد بسط كفيه يبين أنه لا يملك أي حيلة. اندفعت إلى غرفتها تنتحب لما وصل إليه حالها حتى نامت دون أن تشعر.

اقتربت هدى بخفة، هزت كتفي سمية بهدوء توقظها، قالت بصوت خفيض حتى لا تُفزعها:
- قومي صلي العشا، وادعي ربنا يبرد نار بابا ويصلح حالك.
انتبهت لها سُمية، فعادت تبكي من جديد، قالت هدى محاولة تخفيف الأمر عليها:
- كل حاجة هتبقى كويسة، هو هينسى اللي حصل ما تقلقيش. الوقت كفيل ينسيه الموقف. وهيخليكِ ترجعي الكلية تاني إن شاء الله.
- والتليفون اللي راح؟ ده عليه كل حياتي.

جلست هدى إلى جوارها تربت على يدها، قالت بهدوء وحكمة:
- مش يمكن اللي حصل ده لحكمة؟ فكري شوية فيها هتلاقي إنك محتاجة تفوقي لنفسك شوية، أنتِ ماشية في طريق بعيد جدًا عن ربنا يا سمية، لا صلاة ولا قرب منه، وبترسمي رسم حرام، وبتعصي أوامر بابا، وبتكذبي كمان.
نظرت سمية إليها ما إن أتت هدى على ذكر الكذب، فقالت هدى بنظرة واثقة:
- أنا متأكدة إن موضوع حادثة صاحبتك ده مش حقيقي، ومش عايزة أعرف الحقيقة، بس يهمني تراجعي نفسك قبل ما تقعي في مشاكل أكتر من كده.

تركتها تفكر في حديثها، لكنها عادت تفكر في هاتفها، صفحاتها الإلكترونية، محادثاتها مع كريم، صورها على الهاتف، طلبات الرسم التي يجب أن تنفذها لكونها قد أخذت جزءًا من ثمنها مقدمًا، حرمانها من الخروج والكلية، كل الأمور انقلبت فوق رأسها كأنما ما بقي في الحياة إلا هي لتنصب المشاكل فوقها صبًا. حاولت أن تهدئ من نفسها، عليها أن تتحدث مع أبيها ما إن يهدأ قليلًا، مؤكد ستقنعه بالتراجع عن قراره، وبعده سترى ما يمكنها فعله.

مر الوقت متوترًا، ثقيلًا، خاصة على أسماء التي تزملت بغطائها تهرب من نظراتهم المتسائلة عن شحوبها وما هي عليه من تعب بين وصمت غير معتاد عليه منها. في حين بقيت وداد في صالة البيت المظلمة إلا من بصيص نور آتٍ من المطبخ. تفكر في حال البيت الذي يتدهور شيئًا فشيئًا، بداية من أحمد الذي تشعر بعذابه، لكنها لم تملك إلا صفعه بواقع حياتهم وظروفهم المادية، ثم أسماء التي تخفي شيئًا ما عنها، فما هي عليه لا يتعلق بآلام معدتها، لكنها لم تضغط عليها، ثم باسم الذي قضى إلى ما بعد نصف الليل أمسًا في متجر الألعاب الإلكترونية، وما إن استيقظ اليوم ذهب إلى هناك أيضًا، ولم يهتم لا لدروسه ولا لمدرسته، لينتهي اليوم بسمية وما ألفت من مبررات لتأخرها، ماذا يحصل معهم. انتبهت لسكون البيت، لكنها شعرت أن شيئًا في جدرانه يئن، كما لو أنه يَسمع ما يحدث، لكنه لا يبوح به! لم تكن وداد تعلم أي خوف ستوقظه الليلة القادمة، لكنها كانت تشعر به جالسًا بجوارها، كظل لا ينام!

يتبع.


                     الفصل الثامن من هنا 


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة