رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثلاثون 30 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثلاثون 30 ج 2 
بقلم ليله عادل


ابتسم سليم ومسح على خدها برفق: اهدى يا سليم ياصغنن.

ثم همس بنبرة مطمئنة: صدقيني يوم الحفلة حقك هيتجاب ولو معجبكِش أنا بنفسي هديكي السكينة وأخليكي تدبحيهم.

وقبل أن تجيبه، رن هاتفه، نظر إلي الاسم قائلا: ده عرفان! اكيد فيه حاجه مهمه..

رد بسرعة: أيوه يا عرفان اتمنى الاتصال يكون وراه خبر حلو.

جاءه الصوت: بصراحة في معلومه مش عارف مهمة ولا لأ بس حسيت إني لازم ابعتهالك، حالا وهتبقى عندك، وبالنسبة لموضوع المتفجرات بكرة كل الكميه اللى طلبتها هتكون اتوفرت معايا.

اجابه: تمام.

ثم أغلق الهاتف، فنظرت له ماسة باستفهام: مين عرفان ده؟

رد وهو ينظر بالشاشة: واحد شغال معايا.

فتح الفيديو الذي وصله، فوجده مقطع لسارة وعماد وهما يتحدثان عن صافيناز.

تسمرت ماسة مكانها، واتسعت عيناها بصدمة مع كل كلمة، وحين انتهى، قالت بدهشة: يا نهار أبيض مش ولادها؟! أنت كنت عارف يا سليم؟

هز رأسه: لا طبعا، مكنتش أعرف، ولا حتى موضوع العملية.

تسألت: طب هتعمل إيه؟ الموضوع ده هيفيدك في حاجة؟

ابتسم ابتسامة جانبية، وعيناه تلمعان: طبعا هيفيدني، صافيناز فاكرة إن السر ده محدش يعرفه، وإن عماد عارف وساكت ده لوحده سلاح مهم جدا.

ثم أضاف بخبث: خلي الفيديو على جنب من ضمن الملفات المهمة، ممكن نحتاجه قدام.

تنهدت ماسة: بس بجد صدمة.

سحبها نحوه بخفة، وقال بنبرة هادئة: كبري دماغك، خلينا في المهم، عندي ليكي مفاجأة، بس هو أنت ازي مسألتنيش عن الشنطه.

تبسمت: كنت هسألك بس ملحقتش. 

أدخل يده بالحقيبة، وأخرج منها كتابا ولوح به أمامها قال بحماس: جبتلك الكتب عشان تكملي دراستك وتدخلي امتحاناتك، أصل بالوضع ده هتتخرجي على التلاتين!

لمعت عيناها بسعاده وهي تقفز لأعلى كالأطفال: الله يا سليم فرحانة اوي..

ضمته بمرح ووضعت قبله على خده، وتتابع بحماس ممزوج بمزاح: يا نهار! ده أنا كنت حاسة إني نحس، قسما بالله فقدت الأمل، كل ما ابدا انتظم يحصل حاجة! قولت خلاص مش مكتوبلي العلام.

ضحك بخفة، وهو ينظر لها بحب: لا طبعا يا قطعة السكر انا ميرضينيش، عشان كده جبتلك الكتب والملازم عشان تذاكري، لاني عارف إن ماستي الحلوة بتحب المعاناة، وضيق النفس، وعايزة تذاكر بنفسها، إنما لو عايزة شهادة عطول، معنديش مانع!

ضحكت، وخطفت الكتاب من يده: لا يا حبيبي أنا عايزة ضيق التنفس. 

ثم اندفعت نحوه واحتضنته بقوة: شكرا يا أحلى سليم في الدنيا، أنا بعشقك وبحبك وبموت فيك وحاجات كتير اوي.

رفع حاجبها وهو يقلدها بمداعبه: حاجات كتير اوي.

اومأت برأسها بمرح: اوي اوي.

ضمها بين ذراعيه، وقبل رأسها بحنان، فأسندت رأسها على صدره بسعادة وفجأة قالت بقلق: بس هروح الامتحانات أزاي؟! يووووه يا عم... أنا نحس بجد!

ابتسم وربت على رأسها وهي مازالت بين ذراعيه: متقلقيش يا عشقي وقتها إن شاء الله تكون كل حاجة خلصت.

رفعت عينيها له، فتابع بمزاح وهو يمرر اطراف اصابعه على ملامحها: يعني اللي هيكون مات واللي هيكون اتشل يا اما انجلط. 

ضحك: يخرب عقلك، بس من غير زعل، الصراحة أهلك يستاهلوا!

ابعدها قليلا وهو ينظر لها بمداعبه: طب بما إن الباب مقفول علينا، وإحنا لوحدنا وهم مشغولين في مصيبه المجموعة، معنديش مانع تلبسي الفستان الأحمر، وتحطي الميكاب اللي بحبه ونحتفل.

ابتسمت بدلال انثوي: أنتِ شكلك مبتشبعش احتفالات.

اقترب منها أكثر، وهمس وهو يدقق النظر في شفتيها بشوق: أنا مبشبعش منك إنتِ.

ثم جذبها إليه برفق وقبلها قبله حارة، تبادلا القبله بعشق وشوق لثواني، ثم ابتعد يسند جبينه على جبينها، وياخذون انفسهم من انفاس بعض، وفجأه رفعها بين ذراعيه قائلا: شكلي هبدأ الاحتفال قبل الفستان الاحمر، ونبقي نحتفل تاتي بعد الفستان.

ضحكت بخفة وهي تتشبث به، بينما تحرك هو متجها بها نحو الفراش.

جناح رشدي ومي.

دخلت مي الغرفة بخطوات بطيئة، وضعت حقيبتها على الفراش، وجلست بثقل تفكر في رشدي والقلق يحرق روحها؛ فهو مختفي منذ الصباح ولا يجيب علي أي من اتصالتها.

حاولت الاتصال به مجدا لكنه لم يرد، زفرت باختناق: يا تري أنت فين يا رشدي؟

فتحت تطبيق الواتساب، وأرسلت له رسالة صوتية "رشدي، أنت فين؟ أنا عمالة أكلمك من الصبح، قلقانة عليك اوي، أنا في البيت مستنياك..."

أغلقت الهاتف، ووضعته بجانبها، ثم رفعت عينيها للأعلى تفكر: هل تأخذ حقيبة ملابسها وتغادر؟ أم تبقى وتنتظر؟.

عادت بها الذاكرة إلى ما حدث اليوم؛ حديث عزت مع رشدي، قسوته، إهانته، وصفعه أمام الجميع، ودفعه أرضا بمهانة، انكساره حين رفع عينيه ورآها تشاهد كل ذلك.

شعرت بحزن عميق ومرارة تحرق قلبها، وادمعت عيناها بلا إرادة...

فتلك المرة لم تكن مجرد حكاية تسمعها منه، بل رأتها بعينيها وسمعتها بأذنيها، فأدركت أن ما آل إليه لم يكن اختيارا، بل انعكاسا لتربية قاسية وتهميش مستمر وتقليل لم ينقطع يوما.

ظل محاطا بجراح لم تداو حتى صارت جزءا منه؛ فلم يكن رشدي وحشا، بل ضحية عائلة لا تعرف معنى الحب، ولا ترى إلا المال...

ترددت كلماته في أذنها حينما قال: " أن إدمانه لم يكن بإرادته، وأن هناك من دفعه لهذا الطريق..."

أطلقت زفرة مثقلة، وأسندت راسها على الفراش، تفكر بين صوت العقل ونبض القلب..

لكن هذه المرة... حسم قلبها أمره؛ لن ترحل وتتركه وحيدا يغرق في ظلام فرض عليه، ستكون له السند والحضن والأمان، ستكون له كل ما لم يعرف طعمه قط.

همست لنفسها بعزم هادئ "مش هسيبك مهما حصل."

فهي الآن ترى نزيف قلبه وروحه بوضوح ولن تدير ظهرها له.

مجموعة الراوي8م.

جلست فايزة خلف المكتب منهمكة في مراجعة بعض الأوراق، وبعد لحظات دخل عزت بملامح مرهقة، وما إن رأته حتى نهضت تتساءل: عملت إيه في الوزارة يا عزت؟

تنهد بعمق، ومرر يده على وجهه بإرهاق، ثم جلس على الأريكة، فجلست بجانبه وهي تنظر له بقلق: طمني.

أجاب بصوت متعب وهو يفكك الجرافته: عرفت أظبط شوية في الوضع وشككت في التقرير، وقولتلهم مستحيل أكيد غير دقيق، وإن اللي حصل ده بفعل فاعل، فهيبعتوا لجنه تبعهم تراجع تاني.

توقف لحظة، ثم أكمل بامتعاض: بس الوزير قال إن مجموعة الصرفي هتدخل معانا شراكة بنسبة 50% وكمان أي مستحقات أو خسائر إحنا اللي هنشيلها.

تنهدت بارتياح: طب كويس.

التفت لها وقال بحدة خفيفة: كويس إيه يا فايزة؟! إنتِ بتضحكي على نفسك؟! ده مش كويس طبعا، أنتِ عارفة يعني إيه كل فترة يبعتوا لجنة تفحص؟

هزت رأسها بهدوء: فاهمة بس برضوا ده في صالحنا لازم نعرف رشدي أهمل فعلا ولا في لعب؟

ثم أضافت بثقة: بعدين أنا متأكدة إنه رشدي مأهملش لانه كان واخد المشروع ده تحدي عشان ياخد مكان سليم، وأنت عارف سليم عقدته..

اضافت بذكاء مخضرم: انت كمان لازم تبعت لجنه فحص غير اللجنه اللي هتكون في العلن، لجنه سريه تعرف هل الموضوع فعلا اهمال ولا في طرف ثالث؟!

أومأ ببطء، وقال بنبرة مظلمة: عملت كده فعلا وبعت لجنة غير اللي هناك، ولو طلع فيه لعب هحرق إللي عمل كدة هو وأهله وهمسح سلالته كلها من على وش الأرض.

ساد الصمت لحظة، قطعه صوت فايزة وهي تميل نحوه: طيب كده رئيس الوزراء مش هيحضر الحفله؟!

ضيق عينه باستغراب: حفله ايه؟! الحفله دي لازم تتأجل؟! هي ناقصه فضايح؟!

نظرت له بهدوء وقالت ابتسامة مهيمنه: بالعكس الحفله دي هتتعمل لازم تتعمل في معادها، وماسة كمان لازم تهرب زي ما احنا رتبنا.

نظر لها بدهشة: إيه اللي بتقوليه ده يا فايزة، هو دى وقته؟! 

اقتربت أكثر، وثبّتت نظرها في عينيه، وقالت بهدوء: اسمعني كويس يا عزت الحفلة دي هتكون إعلان مننا إننا لسه أقوياء، بالعكس دي جاية في معادها بالظبط.

رفعت يدها وهي تشرح بثقة: يومها هيحضر رئيس الوزراء بنفسه، ورجال أعمال أجانب وعرب ومستثمرين، وكلهم هيشوفوا عرض المصنع بالطريقة المتفق عليها، ساعتها هيعرفوا إن الامبراطوريه دي مبتتهدش مهما حصل وإنها هتفضل قوية...

توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر حدة: ده رد مننا لأي حد بيفكر يلعب معانا، لسه متخلقش اللي يهز عيلة الراوي، احنا امبراطوريه ضخمة يتعملها ألف حساب. 

أضافت بفحيح: وبعدين حفلة زي دي هتغطي على كل اللي حصل، كل السوشيال ميديا وكل القنوات هتتكلم عن الحدث، وأنا قررت أعزم فنانين ليهم تأثير وهكلم كل وسائل الإعلام مش قناة واحدة، لازم مصر كلها ميبقاش ليها سيرة غير الابهار اللى قدمته عيلة الراوي في الحفله دى.

رفعت ذقنها قليلا، وأكملت فحيح افاعي: صدقني يا عزت الحفلة دى جت في معادها ولو لغيناها يبقى بنعلن إننا ضعفنا واتأثرنا، وده مينفعش.

تنهد ومرر يده في شعره بتوتر: مش عارف، مش قادر اخد قرار.

قاطعته بنبرة لا تقبل الجدل: أنا خلاص اديت الأوامر ببدأ التحضيرات، والدعوات هتبدأ تتبعت.

ثم أشارت بيدها: وانت هتكلم الوزارة بنفسك وخلي سليم يكلمهم كمان...

تنهد بتردد: طب افرضي رفضوا؟

ابتسمت بسخرية خفيفة، وهزت رأسها بثقة: محدش هيرفض يا باشا أنت عزت الراوي، اللي حصل النهارده ده ضغط من فوق، لكن هيحضروا الحفله عادى، ده مصنع بترول ضخم مش مصنع مياه غازية.

صمت لحظة، وكأن كلماته بدأت تستقر في عقله، ثم أومأ برأسه وعيناه تلمعان بشيء من الاقتناع: عندك حق، نجاح حفلة المصنع هيغطي على المصيبة دى ويرفع أسهمنا في البورصة.

أومأت له وتابعت باصرار: وماسة كمان، ده أنسب وقت نهربها فيه، أنت جهزت الباسبورتات صح؟

اوما بإيجاب: هستلمهم بكره، بس هتهربيها أزاي؟!

ابتسمت ابتسامة باردة: يوم الأحد في سفينه بضايع طالعه لندن هنهربها فيها..

توقفت لحظة، وأضافت: هخرجها من القصر وكل الناس مشغولة بتجهيز الحفله، هقعد مع عماد ونرتب التفاصيل، هو شاطر في الحاجات دي.

ثم اقتربت وقالت بجدية: بس أنا محتاجة منك تختارلي كام حارس تثق فيهم، وميكونوش عصافير لسليم.

أومأ بإيجاب، وتبادلا النظرات بصمت.

في أحد الملاهي الليلية،٣م

دخل رشدي والغضب يكسو ملامحه، كان المكان فارغا والجرسونات منشغلين بتجهيز القاعة وترتيبها.

تقدم المدير مرحبا به باهتمام واضح: رشدي باشا نورت المكان.

رمقه بنظرة خالية من أي تعبير دون أن ينطق بحرف.

اتجه نحو البار وجلس عليه بثقل، فأسرع إليه ماندو عامل البار، وهو يحمل زجاجات الخمر.

ماندو بابتسامة: أول مرة تيجي بدري كده! مستر كريم فتحلك مخصوص، لسه قدامنا 3 ساعات على الفتح.

نظر اليه بصمت، فتابع ماندو متعجبا: رجعت تاني ليه؟ مش قولت هتبعد!؟

أجابه بصوت يملؤه اليأس: رجعت للمكان اللي بنتمي ليه.

حاول ماندو أن يخفف عنه: بس كنت تستحمل شوية، البعد عن الحياة دي محتاج وقت، عامل زي الأدمان.

رفع عينيه ببطء، وقد غمرهما يأس مرير، ثم قال بحسرة ثقيلة: في ناس مينفعش تبعد، ومهما حاولوا ينضفوا دايما بيرجعوا تاني..

تنهد بعمق، وتابع بعينان تلمعان بالوجع: كأن في حاجة جواهم، مش راضية تسيبهم بتسحبهم لتحت، لتحت اوووي، كأن الدنيا حالفة تخليهم يفضلوا وس،خين كده.

مد وجهه وأضاف بطريقته الساخرة: ما هو طبيعي لازم يكون في وس،خين ونضاف، اومال مين هيوسخ النضاف ويدخل النار؟!

نظر له ماندو متأثرا، ثم قال بتشجيع: حاول تاني يمكن تكون محتاج محاولة اقوي.

مد وجهه للأمام بعدم اقتناع: يمكن..

ثم تنهد بتعب: هاتلي مشروبي.

تحرك ماندو فورا، وأعد له مشروبا قويا، ثم ناوله له.

أمسكه وشربه دفعة واحدة دون تردد، وكأنه يفرغ ما بداخله.

وضع الكأس أمامه وقال: واحد كمان.

تكرر طلبه مرة تلو الأخرى، ثم نظر إلى ماندو وتساءل: هي الشلة بتيجي؟

أجابه: آه، كل يوم بس لسه بدري.

أشار إليه دون اهتمام: ماشي سيبني لوحدي.

ابتعد ماندو، وتركه يغرق في وحدته، يحتسي كأسا تلو الآخر، والأفكار تهاجمه بلا رحمة.

كلمات تتردد في رأسه، ونظرات لا تفارقه، واتهامات تثقل صدره.
"فاشل..."
"مدمن..."
"محدش بيحبك..."

أغمض عينيه لثوانٍ، لكنه لم يجد راحة بل ازدادت الأصوات وضوحا.

مرت الساعات وهو على تلك الحالة، حتى انتهي من زجاجة كاملة دون أن يشعر بالزمن. كان جالسا، لكنه لم يكن حاضرا؛ تائها يحاول الهروب، غير مدرك أن هروبه هذه المرة يقوده أعمق إلى نفسه.

بدأ المكان يمتلئ تدريجيا وارتفعت الموسيقى الصاخبة، لتملأ الأجواء بضجيج يطغى على كل شيء.

جلس في طاولته، مائلا قليلا، عيناه نصف مفتوحتين، يتابع ما حوله، حاضر بجسده فقط، أما روحه فبعيدة.

في تلك اللحظة، ظهرت شلته، وما إن وقع بصرهم عليه حتى اتجهوا نحوه بسرعة.

صرخت إحدى الفتيات ذات شعر بنفسجي وهي تقترب منه: رشرووش! إيه المفاجأة الجامدة دي!

جلست بجانبه، وقبلته على خده، ثم ضمته، تبسم وهو يضمها وعلق ساخرا: يخراب بيتك؟! إيه اللي عامله في شعرك ده؟!

ردت وهي تهز شعرها: إيه رأيك في اللوك؟

نظر إليها بعينين مثقلتين، ثم قال بغزل: حلوين طعمين جامدين، يا توتا.

اقترب أحد أصدقائه يضحك: إيه يا عم! انت لحقت ؟! ده انت مكملتش 15يوم!

تدخل آخر ساخرا: ما أنت عارف رشدي مبيتحملش!

ابتسم ابتسامة باهتة: وحشتوني يا عيال، بقولكم إيه تعالوا نرقص ونهيص شويه.

ثم نادى بصوت عال: بت يا تيا تعالي، هي نورهان فين؟

ردت الفتاه بدهشة: إيه ده! عايز نورهان؟! مش كنت بتقول نورهان لا؟

أجابها بلا مبالاة: ودلوقتي نورهان آه، ومحدش يكلم زيزي علشان من ناقصه يبقى مدرسة هنا وفي البيت، كتير 

هز صديقه رأسه وهو يضحك: مش قولتلك؟! أنت متقدرش تبعد عننا..

احتسي الكأس وأجابه مؤيدا: حصل يا مخمخ

صديق اخر بعقلانية: دي النتيجه طبيعيه، انت دخلت في اليمين جامد، المفروص واحدة واحدة، ما كلنا اتجوزنا بس مخدنهاش قفش.

لوح بيده بإهمال: يا عم فكك كلم نورهان تيجي.

ثم جذب إحدى الفتيات معه إلى ساحة الرقص

وبدأ يندمج وسط الزحام، يتنقل،من فتاه لآخري، وكأنه يحاول أن يفقد الإحساس بأي شيء، الصخب يعلو والأنوار تتراقص، وهو في قلب كل ذلك، يزداد غرقا.

لم يكن كما كان من قبل لم يكن حتى النسخة القديمة منه بل كان نسخة أكثر ضياعا كأنه هذه المرة لا يهرب فقط، بل يدمر ماتبقى منه بيديه.

ظل طوال الليل يرقص مع الفتيات بتلامس جسدي شديد، وكانت نورهان الأقرب إليه، يتبادلان العناقات والقبلات الخفيفة والضحكات.

وسط ذلك، قام أحد الأشخاص بتصويره في أوضاع مختلفة: يعانق فتاة، يقبل أخرى، يرقص، يشم، يشرب.
❤️___________________بقلمي_ليلةعادل

قصر الراوي،4فجرا

وقفت مي في الشرفة، الهاتف بين يديها، والقلق واضح على ملامحها وهي تنتظر عودته.

وفجأة دخلت سيارته بسرعة، وصوت الفرامل شق الصمت.

اتسعت عيناها، وابتسامة لهفة ظهرت على وجهها، ترجل من السيارة مترنحا، خطواته غير ثابتة، وآثار الثمالة واضحة عليه، تمسك بالدرابزين بصعوبة وهو يصعد، حتى وصل إلى الغرفة ما إن فتح الباب، حتى وجدها أمامه.

اقتربت منه بلهفة وقلق: كنت فين يا رشدي كل ده؟ كلمتك كتير! قلقت عليك اوي.

امسكت يديه وتساءلت بقلق: انت كويس.

رفع عينه نحوها بنظره بارده: أنت شايفه ايه؟

عبث وجهها باشمئزاز عندما شمت رائحه الخمر تفوح من فمه: أنت شارب؟

هز رأسه بتهكم: اه شارب عندك مشكله؟!

ردت بستهجان: اكيد عندي مشكله، انت ازاي تعمل كده؟!

قلب عينه وقال ببحه رجوليه مفتعله: بقولك إيه يا مي فكك مني، هي مش ناقصاكي انتِ كمان سيبيني اروح اتخمد.

دفعها بخفة بعيدا واتجه نحو الفراش، لكنها لحقت به، وصوتها خرج حادا ممزوجا بالخوف والعتاب: تفتكر اللي أنت عملته في نفسك ده هيصلح حاجة؟ بالعكس أنت كده..

قاطعها بحدة: وفري كلام ابلة ناظره ده، علشان أنا مش طايق أسمع حاجة!

هدأت نبرتها محاولة احتوائه: طيب بالراحة، أنا مش بعاتبك عبشان شربت أنا بعاتبك علشان-

سأل بسخرية لاذعة: علشان إيه؟ علشاني؟

نظرت له بثبات رغم ألمها: علشان أنت بتهرب، فاكر إن الشرب هينسيك؟ يا رشدي، أنت مش كده... مينفعش ترجع لورا.

ضحك بمرارة، ونهض فجأة يتوقف امامها، نظر داخل عينيها وقال بثبات: لا أنا كده! أنا مدمن، بشرب، وبسهر، وبعمل كل حاجة غلط! ومرتاح كده! عاجبك؟ تمام... مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل!

أمسكها من كتفها ووجهها نحو الباب: اتفضلي امشي! أنا مش همسك فيك!

وقفت مكانها تتابعه بصمت، بعينان ممتلئة بالوجع، ترى الحقيقة بوضوح؛ مايفعله الآن ليس إلا هروبا، فهو يهرب منها ومن نفسه في آن واحد.

قالت بحزن وبراءة: أنا مش هتكلم معاك وأنت بالحالة دي، بكرة نبقى نتكلم، يلا تعالى نام وارتاح شوية، أنت منمتش من أول امبارح.

رد بغضب، وكأنه يأثم منها: أنا ولا هتكلم النهارده ولا بكرة، ولا في أي وقت! قولتلك أنا كده ومش هتغير، اشتري دماغك يا بنت الحلال وامشي.

نظرت له بعتاب، وقالت بهدوء متوتر: أنت واعي للي بتقوله؟!

صاح بتأكيد: آه واعي وعارف بقول إيه!

ردت بضجر: طب أنت بتزعق ليه؟!

ضرب يده في الهواء بضيق: يوووه ممكن تسيبيني أنام؟!

صمتت لحظة ثم قالت بهدوء مكسور: ماشي، نام.

تحرك وتمدد على الفراش، وأغمض عينيه.

وقفت تتأمله بحزن لثواني ثم خرج صوتها خافتا: طب بالله عليك أنت مبسوط بنفسك وأنت كده؟

فتح عينيه فجأة، ونهض بعصبية: أنا هسيبلك الأوضة! علشان عارف إني مش هخلص من زنك، اقعدي مع نفسك بقي وارغي مع الحيطان!

توقف فجأة، ثم عاد يسألها بحدة: وبعدين أنت ممشيتيش ليه؟ مش كنتي هتمشي لما عرفتي إني مدمن؟ ممشيتيش ليه؟

نظرت له بثبات رغم الألم: أنا مش همشي يارشدي أنا هفضل معاك.

ضحك بسخرية جارحة: آه هتفضلي معايا شفقة؟ صعبان عليكي؟! 

اسودت عيناه، وقال بحدة قاسية: لا مش رشدي اللي يقبل واحدة تقعد معاه شفقة! امشي يا مي امشي.

اقترب منها، وعينيه تمتلئان بغضب ووجع: دي حياتي وأنا مبسوط بيها وهفضل طول عمري كده؛ فاشل، ومحدش بيحبني ولا شايفني..

اختنق صوته وكأنه يقاوم دموع قلبه قبل عينه، وأكمل بعناد وقسوه: دى الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول عمري بس خلاص فرضت نفسها..

نزلت دموعه دون إرادة، فمسحها بعنف، يرفض ضعفه: زمان كنت بعمل كل ده عشان يشوفوني ويعرفوا إني موجود، وإن عندهم ابن اسمه رشدي موجود في الحياه، يمكن لما يشوفوه مشاغب يطبطبوا عليه ويسألوه انت ليه بتعمل كده؟ ويحس لمره واحده بالحنان...

ضحكه ضحكه مريره مليئه بالوجع وهو يهز رأسه: بس محصلش

انقلبت عينه فجأه واستوحشت بغضب وكراهيه: ودلوقتي بعمل كده علشان أستفزهم وأوجعهم زي ماوجعوني.

اقترب منها أكثر، ونظر في عينيها بحدة: ومش هبطل فاهمة؟ امشي يا مي أنتِ مينفعش تبقي هنا.

أمسكت يده برجاء: طب اسمعني بس...

سحب يده بعنف: مش هسمع!

نزلت دموعه مرة أخرى، وهمس بصوت مكسور: هو ده رشدي الحقيقي، وهي دي حقيقته.

نظرت له بحزن عميق، لكنه أمسك كتفيها فجأة ودفعها  بخشونة: متبصليش البصة دي! متبصليش بصة الشفقة دي، علشان ساعتها هكره نفسي أكتر! أنا مش عايز حب بالشكل ده، فاهمة؟!

تركها وابتعد هاربا منها ومن نفسه.

وقفت مكانها، تتابع أثره بعينين دامعتين، ثم انهارت، وجلست على الأرض تبكي بحرقة عليه وعلى نفسها، تبكي حبا لم يعرف كيف ينقذهما.

في غرفة أخرى.

دخل رشدي وأغلق الباب خلفه بعنف، ثم وقف يدور بعينيه في المكان بصمت مليء بوجع يمزق قلبه.

كانت عيناه متسعتين، والدموع تتساقط منهما بلا توقف.

شعر بألم حاد في صدره وكأن روحه تسحب منه ببطء، شد قميصه بعنف وفتح أزراره العلوية، يحاول أن يلتقط أنفاسه لكنه لم يستطع.

وقف يحدق في الفراغ وملامحها لا تفارق ذهنه؛ نظرتها، تلك النظرة التي فسرها شفقة.
كان مقتنعا، أنها لم تبق معه إلا لانها رأته مكسورا على الأرض فهو كان عنده انها ترحل لكن لا تبقى شفقه.

ضرب الحائط بقوة، وصرخ صرخة خرجت مكتومة من اختناقه، تحرك خطوتين بعشوائية.

لكن شيء ما أوقفه فجأة، كأن قوة خفية شدته للخلف، رفع عينيه ببطء، ليجد نفسه أمام المرآة، تجمد مكانه حينما رأي طفل صغير، يبدو في السابعه من عمرة يقف هناك، يشبهه.. ينظر إليه بابتسامة مشرق..

اقترب منه ببطء، وعيناه تمتلئان بالذهول، راح يتأمله للحظات، كأنه يحاول أن يستوعب مايراه.

لم يكن يدري أيستوعب ملامحه وهو طفل؟ أم تلك الابتسامة؟ ابتسامة طفل لا يعرف شيئا، طفل لم يكن يفقه أن حياته ستؤول إلى هذا المصير...

كان يظن أن مستقبله سيكون أجمل بكثير، مليئا بأحلامٍ وردية تشبه تلك الأيام.

تلك الابتسامة البريئة، النقية، الصادقة، التي لم تعد ملامحه تعرفها منذ سنوات طويلة، منذ أن كان في العاشرة من عمره، أو ربما أكبر قليلا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة مثقلة بالوجع والقهر، وانهمرت دموعه الساخنة على وجنتيه، وكأنها تسقط على بقايا ذلك الطفل الذي لم يعد موجود.

وفجأة انفجرت الذكريات في عقله؛ صور متداخلة أصوات كثيرة...

رأى فايزة وهي تصرخ فيه وهو طفل: أنت غبي! وشقي! مبتسمعش الكلام! 

ثم صوره أخرى وهو يركض نحو عزت بحماس وهو بعمر ٨ أعوام تقريبا، يحمل شيئا صنعه بيده الصغيرة: بابا بص... بص أنا عملت إيه!

لكن عزت لم ينظر له حتى، كان منشغلا بهاتفه.

تابع رشدي بنفس الحماس بابا... بص يا بابا...

جاءه الرد ببرود: امشي يا رشدي، أنا مش فاضي للكلام الفاضي ده.

تجمدت ملامحه ونظر للعبة في يده بحزن، قبل أن يبتعد.

ذهب إلى فايزة التى كانت منشغلة بتربيد أظافرها: ماما، شوفي عملت إيه؟! حلوة؟

أخذتها منه بلا اهتمام، وقالت بشدة ساخطه: مش قولتلك تبطل الحاجات دي؟ في حاجات أهم لازم تتعلمها! انت هتفضل طول عمرك فاشل كده ومهمل، عمرك ما هتبقى زي سليم، سليم هيفضل افضل منك، شوف عمل ايه في الامتحان؟! والمشروع الصغير اللي جدك قاله عليه وانت رايح تعمل شويه العاب، مكانها الزباله. 

ثم ألقتها في سلة المهملات: روح شوف سليم بيعمل إيه واتعلم منه.

عاد للحاضر، يضحك ضحكة مكسورة، ممزوجة بوجع لا يحتمل ثم صورة أخرى...

جده يعطي الخاتم لسليم، ويقول بفخر: أنت شاطر وهتبقى إمبراطور العيلة دي.

ثم نظر إليه باستخفاف: أما إنت يا رشدي للأسف صغير اوي، شكلك هتبقى زي عمك علي، وسليم هينفيك بره عمرك ماهتتعلم. 

مسح دموعه بعنف، محاولا طرد تلك الصور من رأسه، لكن الأصوات لم تتوقف بل ازدادت، وكأنها تحاصره من كل اتجاه، تعلو داخل عقله بلا رحمة.

صوت فايزة يتردد بحدة: لا! أنا مش هاخدك معايا أنت شقي! هتعمل لنا فضايح! أنا هاخد سليم وياسين مؤدبين!

ثم صوتها مرة أخرى، بنفور واضح: إيه القرف ده؟! حتى مش عارف تتعلم تعمل في البوتي زي اخوتك! سامية خلي عفت تعلمه! خديه بعيد عني، واسمع لو متعملتش وبقيت زي سليم وطه انا هعاقبك فاهم..

وقت آخر وصوتها يتبدل، لكن الوجع واحد: متزعلش يا رشدي أنا نسيتك خالص والله!
ضحكت بلامبالاة: أصل أنا ساعات بنسى إني مخلفاك!

وصوت عزت ببرود قاتل: معلش يا رشدي نسيت أجيبلك اللعبة خلي محمد يجيبهالك.

صوت آخر لعزت حاد: أنا مش فاضي للكلام الفارغ ده!

وصوت فايزة يعود، قاسيا: إيه الدرجات دى؟ عايز تفضحني وسط الناس، مفيش فايدة فيك! عمرك ماهتتعلم هتفضل فاشل! واستيعابك بطيء وغبي!

ثم طعنة أخرى: أنا غلطانة إني خدتك معايا مكانك مع الخدامين!

تعالت أنفاسه، وهو يهز رأسه بعنف، لكن الأصوات لم ترحمه...

وصوت والده يعلو: المشروع ده مش ليك أنت فاشل يا رشدي!

وصوت الجد باستهزاء: مين ده اللي تديله مشروع؟! ده هيروح لطه!

صوت جده بسخرية وهو يقول: هندسه!! انت تخش هندسه؟! هو انت اصلا كنت بتجيب درجات كويسه، انت هتدخل تجاره زيك زي اخواتك، ده اصلا لو عرفت تنجح 

فايزه بسخط: انا نفسي تبطل الحاجات المقرفه اللي انت بتعملها دي، يا ابني اتعلم حاجه تفيدك، شويه الحديد اللي انت بتعمله دى مش هيخليك رشدي الراوي

ثم صوت فتاة بسخرية جارحة: بصراحة؟ مستحيل أرتبط برشدي ده أنا بحب سليم.

صوت لورجينا: أنت لو آخر راجل في الدنيا يا رشدي عمري مابصلك!

ثم... صوت عزت يتردد، أقسى من الجميع: ابنى36 سنه نموذج سيء! لازم تتعلموا منه ومتبقوش فاشلين زيه! 

وتكررت الكلمة تتردد...وتتردد...
"فاشل... فاشل... فاشل..."

وضع يديه على أذنيه بقوة يحاول أن يمنعها أو يهرب منها لكنها كانت داخله... ليست حوله.

وفجأة...

انطلقت منه صرخة مدوية، خرجت من أعماق قلبه، من ذلك السواد المتراكم داخله، سواد لم يولد معه بل صنع فيه عبر سنوات من الكسر والخذلان.

سقط على الأرض، جسده يرتجف كأنه ينهار من الداخل، ودموعه تنهمر بلا توقف بانكسار كامل.

وفي تلك اللحظة لم يعد رجلا يمكنه السيطرة على غضبه أو كبريائه... بل أصبح ذلك الطفل الصغير الذي لم يسمعه أحد، والذي ظل مدفونا في قلبه وحيدا منبوذا كل هذه السنوات.

بدأ يبكي بنهنه، وكل دمعة تخرج من أعماق روحه، وكل شهقة تحمل صرخة لم تسمع من قبل.

هز رأسه بوجع، كأنه يحاول أن يفك عقدة ألم عمره سنوات: أنا مكنتش عايز حاجة... غير إنكم تحبوني...وتشوفوني... وتفهموا... إن مش علشان أخويا أذكى مني وبيفهم أسرع يبقى أنا فاشل... 

صوت البكاء ارتفع، مختلط بالوجع والحسرة: أنا بكرهكم... بكرهكم...

وبكل هذا الألم، استسلم لجراحه المهملة، وبدأ يبكي بحرق بكاء لم نره من قبل، كأنه يخرج كل سنوات الإهمال والخذلان دفعة واحدة...

وبين كل دمعة وأخرى، ظهر الإنسان الحقيقي داخله؛ طفل مكسور، يبحث عن مكان يسمع فيه ويحتضن.

مر الليل طويلا ليس على رشدي فقط، بل على مي أيضا، فهي لم تنم، وكانت تشعر بالحزن والقهر، وتشعر بوجعه كأنه جزء منها، ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل!

نعم لقد قررت أن تظل بجانبه، حتى يخرج من الوحل الذي غرق فيه منذ سنوات، خاصة عندما عاد إليها ثمل، وكأنه اختار أن يضيع ويغرق.

بينما رشدي، فقد سقط في نوم ثقيل، بعد بكاء موجع،
وكأن الخمر الذي احتساه أخذه إلى حيث يتمنى الهروب والنسيان الكاذب.

في أحد المخازن،10صباحا

كانت الغرفة غارقة في عتمة، لا يقطعها سوى ضوء خافت يتدلى من السقف، يهتز مع كل صرخة تخرج من منى، كانت تضرب على الباب بكل ما فيها من قوة، كفيها يرتجفان، وصوتها مبحوح من الصراخ: فين رشدي يا حيوانات؟! افتحوا الباب ده وخرجوني من هنا! أنا منى! سامعين؟! منى رأفت السمري! هتندموا كلكم! أقسم بالله هدفعكم التمن!!

ضربت الباب بجنون: افتحواااا!!

وفجأة، دار صوت المفتاح في الباب قبل أن ينفتح بعنف.

اندفعت للخارج، لكن يد غليظة أوقفتها ودفعها للدخل بقسوة.

النور كشف ملامحها، وجهها مشوه من الضرب، كدمات زرقا وسودا حول عينيها، شفاهها متشققة، وشعرها مبعثر...

رفع عينه لها ببرود: إيه الدوشة إللي عملها دي؟

انحرفت عيناه نحو صنية الطعام: الأكل زي ما هو، مكلتيش ليه؟

نظرت إلى الطعام باشمئزاز، والتقطت الطبق بكل مافيها من غضب، وقذفته في وجهه وهي تصيح: كله أنت يا كلب!

ثم رفعت يدها وصفعته بقوة حتي دوى صوت الصفعة في المكان لكنه ظل ثابتا كالصخر.

أدار وجهه ببطء وعيناه تستقران عليها بنظرة مقلقة، زحفت على شفتيه إبتسامة باردة كأنها نذير شؤم. فشعرت بشيءٍ ينقبض داخل صدرها.

ثم قال بهدوء مخيف: واضح إن منى هانم محتاجة تهدى شوية.

أدار رأسه قليلا، ونادى: تعالى شكلها محتاجة تاخد الجرعة.

اتسعت عيناها وتراجعت خطوة للخلف، وصوتها خرج مذعورا: لا... لا! أنا مش هاخد حاجة! ابعدوا عني!

استدارت محاولة الهرب لكن قبل أن تكمل خطوتين أمسكوا بها، اشتدت مقاومتها، تصرخ، تتخبط، قدماها تضربان الأرض بعنف: سيبوني! سيبوووني!!

قبض أحدهم على ذراعها، بينما ثبتها الآخر من الخلف وهو يقرب منها بالحقنة: لاااا!!

غرزت في ذراعها بالقوة، فصرخت صرخة مزقت السكون.

انتفض جسدها بعنف، واختلطت أنفاسها، وتكسرت مقاومتها شيئا فشيئا، حتى سقطت ذراعاها بلا قوة، ثم القوها أرضا.

ارتجف جسدها، ودموعها تنساب رغما عنها، لكنها ظلت تحدق به بنظرة حارقة: والله... لهدفعك التمن غالي... وهتشوف...

اقترب منها وجلس أمامها، بحيث أصبحت عيناه في مستوى عينيها، ورفع ذقنها بإصبعه، يتأملها بصمت ثم قال بهدوءٍ بارد: حاولي تهدي... أحسنلك.

وفجأة..صفعة قوية هوت على وجهها، فالتفت رأسها مع الضربة

ثم نهض وغادر دون أن يلتفت وأغلق الباب.

كانت منى ممددة على الأرض وإحساس غريب بدأ يتسلل داخل عروقها...سخونة... دوار... وهن...ووعيها يتلاشى ببطء، كأن أحدهم يسحبه منها.

قصر الراوي2ظهرا

استيقظت مي دون وعي كامل نظرت إلى الساعة فوجدتها 2 ظهرا نهضت من مكانها سريعا، تلتقط أنفاسها، لا تعرف ماذا تفعل لكنها كانت تعرف شيئا واحدا- أنها ستحارب حتى تستعيده، وتخرج منه تلك الشخصية التي تؤمن أنها بداخله.

أخذت حماما، وبدلت ملابسها، ثم سألت الخادمة عنه، فأخبرتها أنه في إحدى الغرف.

توجهت إلى هناك فورا، فتحت الباب دون تردد

فتجمدت حين وجدته نائما على الأرض منكمشا على نفسه في وضع الجنين، كطفل ضائع يبحث عن أمان لم يجده.

وضعت يدها على فمها تحبس شهقة ألم كادت أن تنفلت منها، بينما انسابت دموعها في صمت وقلبها يعتصر حزنا عليه.

جلست بجانبه، صامتة، حاملة ثقل كل ما مر به، تقول له بلا كلمات «أنا هنا... لن أدعك تنهار وحدك.»
ظلت بجانبه تمرر يدها برفق على لحيته، كأنها تحاول تهدئته حتى وهو نائم.

مر الكثير من الوقت، ربما ساعه، حتى بدأت جفونه تتحرك فابتسمت تلقائيا، فتح عينيه فوجدها أمامه.

نظر إليها باستغراب، ثم أخذ ينظر حوله يحاول استيعاب أين هو... تمتم بتشوش: أنا فين؟

ابتسمت بهدوء: أنت في البيت، أول مرة أعرف إن شرب الخمرة بيخلي الواحد يفقد الذاكرة كده.

اعتدل ببطء، ملامحه متعبة، ويده على رأسه: آه... مش قادر... عندي صداع فظيع.

ردت باهتمام: ألف سلامة عليك، هخليهم يعملولك قهوة.

رد بإرهاق: ماشي، أنا هدخل الحمام.

اجابته بابتسامة: ماشي، وأنا هخليهم يجهزوا الفطار والقهوة.

ساعدته على الوقوف، فنظر إليها باستغراب لكونها ما تزال هنا، لكنه لم يعلق؛ إذ كان في حالة سيئة.

دخل الحمام، وبعد قليل خرج وقد بدل ملابسه، كانت هي قد طلبت الفطار والقهوة وجلست تنتظره.

نظر إليها باستغراب وهو يمسح وجهه بالمنشفة، ثم ألقاها جانبا، بينما كانت تنظر له بابتسامة هادئة: تعالى يلا افطر قبل مايبرد.

جلس أمامها، وتساءل بجدية: فضلتي ليه يا مي؟

أجابت بلطف: طب افطر الأول، وبعدين نتكلم مش بتقول عندك صداع؟

قاطعها بحدة خفيفة: لا ما أنا عرفت أضيع صداعي جوه، خدت شمة.

فجأة أدخل يده في جيبه، وأخرج كيس الهيروين، ووضعه أمامها على الطاولة وكأن نزيفه النفسي جعله لا يكترث 

نظر إليها بنظرةٍ متعبة لكنها حادة، وسأل: ممشيتيش ليه؟ انت حتى يومها مرضيتيش تسمعيني، قوليلي، ايه اللي قعدك؟!

ردت بهدوء: ممشيتش علشان عايزة أسمعك، وأفهم مقولتليش ليه؟! وليه...

قاطعها سريعا، بنبرة مشككة مره وهو يلوح بيده: لا لا لا أنت فضلتي عشان شوفتيني امبارح مرمي على لارض مكسور، فصعبت عليكي، وشكلك كنتي موجودة من بدري، وحضرتي الحفلة كلها.

هزت رأسها سريعا ردت موضحه بعقلانية: لا انا فضلت لأني حسيت ان فعلا لازم اسمعك، اول امبارح صدمتي والمفاجأة خلتني متعصبه ومش عايزه اسمعك ولا طايقه ابص في وشك، خاصه لما حسيت إن كلهم عارفين، وأنا الوحيده اللي مغفله، بس لما هديت وفكرت حسيت إن لازم اسمعك. 

تنهدت، وأكملت بصدق: بس طبيعي أسأل نفسي ليه تخبي عليا وتحطيني وتحط نفسك في الموقف ده؟ 

سألته باستغراب: هو أنت كنت فاكر يعني اني هرفض؟! تفتكر واحده قبلت بيك وبكل جنانك وشربك وعلاقاتك، كانت هترفض موضوع الإدمان؟

مدت وجهها بنبرة صادقه: يمكن كنت هتردد وهأجل الجواز لحد ما تتعلاج، بس عمري ما كنت هبعد ولا هرفض، علشان أنا بحبك يا رشدي.

ابتسم بسخرية باردة قائلا بعدم اقتناع: أنت قعدتي طول الليل تحفظي الكلام ده، علشان تقنعيني بيه؟ توء، أنا الكلام ده مبصدقش فيه.

تساءلت بتعجب: أومال بتصدق في إيه؟

نظر إليها بثبات، وعيناه تحملان وجعا هادئا: مصدق إن الطبيعي إنك تمشي مش هتحبي تكملي بعد اللي عرفتيه.

سألته بتركيز، محاولة تشتت طريقة تفكيره: طب أنت لحد دلوقتي مرديتش على سؤالي، ليه خبيت؟

أجابها بصوت مشوب بالأنين: أنا مخبتش، أنا خوفت...

لمع الدمع في عينيه؛ لم يدرِ من أين أتى، ولا كيف اجتاحته تلك المشاعر الغريبة. لم يكن من طبعه أن يُظهر عاطفته، لكن يبدو أن ما دفنه لسنوات حتى نسيه بدأ يطفو بلا وعي، كأن اللاوعي يفرض حضوره أخيرا.

تابع ببحه فيها مرارة صادقه: صدقيني كنت عايز أقولك بس خوفت، خوفت تمشي.

ابتلع غصتة، وأضاف: خوفت تسيبني بعد مالقيتك، مش هنكر في الأول كنتي بالنسبالي مجرد رهان خدته مع نفسي، ومحبتكيش من أول ما شوفتك، كنتي مجرد بنت معجب بيها... بنت رفضت رشدي.

ركز نظره في ملامحها، مضيفا بابتسامة مرتعشة: بس الموضوع بدأ يتغير معايا، معرفش ليه؟!

أضاف بصدق: صدقيني، لما قولتلك الكلام ده قبل كده كنت صادق، وكل مرة كنت باجي أقوللك، الكلمه كانت بتقف هنا.

إشارة بيده عند حلقه، وتابع بوجع: بتقف هنا بالظبط، وبقول لنفسي أنت عبيط، تقولها إيه؟ أكيد هتسيبك مستحيل تقبل..

تنهد وأكمل بصوت مختنق: مش هنكر إن كلهم قالولي قولها، وياسين شجعني كتير..

وفجأة هبطت دموعه بقله حيله وهو يرفع كتفيه، وواصل بنبره مهتزه بضعف: بس أنا كنت خايف.. 

مسح دموعه وهو يميل نحوها يركز النظر في ملامحها، وكأنه يحاول تثبيت المعنى بصدق: وحاولت أبطل علشانك، والله حاولت كتير، بس معرفتش كنت فاكرها سهلة لأني مبخدش جرعات كبيرة، بس طلع الموضوع صعب، ولما طلبت منهم يساعدوني،..

عاده بظهره يبتسم نصف إبتسامة مكسوره بسخرية: قالولي بعدين عندنا حاجات أهم منك..

تابع بقهر: قولت خلاص مبدهاش هبدأ أنا واعالج نفسي، وبقيت بأخدها بالليل بس ونجحت، والله العظيم نجحت يا مي، وكنت بتحمل الوجع والصداع طول اليوم، وبقيت باخد جرعه واحده..

مد وجهه بيأس مر وهو ينظر بعيدا: بس اكتشفت انها واحد، لاني باخد جرعه كافيه تخليني اتحمل يوم كامل، طلع الموضوع اكبر بكثير من اللي بعمله.

نظر لها وهو يضيف نبره مقهورة بصدق: أنا مختارتش أخبي عليكي، أنا كنت مجبر علشان أحافظ على الشخص الوحيد اللي أنا حبيته وحبني..

أمال رأسه بضعف، والدموع تهبط على وجنتيه: يمكن كانت أنانية مني، بس لازم أكون أناني عشان أحافظ على الشخص الوحيد اللي حسسني إن ليا قيمة، أنا لأول مرة أحس بطعم إن حد يهتم بيا، ويشوفني، ويقولي كلمة حلوة، ويتمسك بيا...

تابع بصدق، بنبرة مهتزة ومكسورة: عمري ما حد اتمسك بيا لا أصحاب، ولا أهل، ولا أي حد فاهمني، هتقولي كل إخواتك كده؟ هقوللك لا! كل واحد فيهم عنده اللي يحبه، فريدة عندها جوزها، طه عنده ولاده، حتى ياسين لقى الحب مرتين، وعند أصحاب بيحبوه، وكلنا بنحبه.. الهانم والباشا تقريبا معرفوش يعني إيه حب غير مع ياسين... حتى سليم عنده مكي وماسة وأهلها، ولورجينا، وياسين وفريدة، تخيلي! تقريبا أنا وصافيناز الوحاد اللى ملقناش حد يحبنا، بس صافيناز على الأقل أخذت منهم تقدير واهتمام، إنما أنا جابوني وسط الزحمه ونسيوني، أمي نفسها قالتهالي قبل كده "ساعات بنسي إني مخلفاك" 

أخذ نفسا عميقا، وأكمل بوجع رجلا احب بصدق: أنا كان نفسي أكون الشخص اللي يستاهلك، وحاولت كتير بس غصب عني كنت بضعف.. صدقيني وعود ليكي مكانتش كذبة، أنا بس اللي ضعيف يا مي، اضعف من وعودي.

أطلق ضحكة باهتة بلا روح: يمكن هم عندهم حق وأنا فعلا فاشل ومقرف ومنفعش في حاجة…

صمت لحظه يلتقط أنفاسه، ثم تابع بصوت مقهور: بس أنا حاولت والله حاولت، ومغلطتش لوحدي، بس هم مبيشوفوش غير غلط رشدي، ودايما أخطائي جريمة لازم أتعاقب عليها، حتى لو غيري بيغلط عادي.

كانت تستمع له، والدموع تملأ عينيها بوجع يفتت فؤادها من شدة قهرة، كانت تعلم أن لديه وجعا وتشوها كبيرا من عائلته، لكنها لم تتوقع أن يكون بهذا القدر، فلأول مرة ترى دموعه وضعفه بهذا الشكل.

قالت بحزن، وعينان تلمعان بالأسى: طب انت ليه عايزني أمشي طالما عملت كل ده علشان تخليني أفضل معاك؟ 

هز رأسه سريعا، وامسك يدها بقوة: لا يا مي، أنا مستحيل أسيبك، بس أنا مش عايزك تفضلي معايا شفقة، عايزك تفضلي وأنتِ بتحبيني بجد ومقتنعة بيا، مقتنعة إني أستاهل فرصة، مش علشان صعبت عليكي بعد اللي حصل امبارح.

أضاف بصوت مضطرب، مختلط بالوجع والغضب: أنت متعرفيش أنا لما شوفتك حسيت بإيه؟! مكانش فارق معايا نظرة أي حد من اللي حواليا، أنا واخد على كده، مش أول مرة ولا هتكون آخر مرة، بس أنا بعرف أوجعهم وأنت أكيد شوفتيني وأنا برد عليه، وقاحتي بتوجعهم، والقلم اللي أخدته ده كان ضعف منه عشان قولته الحقيقة اللي ماقدرش يسمعها، القلم ده كان عايز يديه لنفسه مش ليا...

ترك يديها، ومسح دموعه التي هبطت رغما عنه، ثم أكمل بصوت مرتجف: بس حتى لو أنا بحبك ومش هقدر أعيش من غيرك، أنا مش عايزك تفضلي معايا شفقة مش عايز أكره نفسي وأكرهك وأحس إني للدرجة دي مستاهلش الحب الحقيقي، وإن والشخص الوحيد اللي أخيرا شافني وحبني فضل معايا بس علشان صعبت عليه.

نهضت وهي تمسح دموعها، قلبت المقعد وجلست في زاويته، وأمسكت يديه برفق. فنظر لها بدهشة وارتباك.

قالت وهي تحدق في عينيه بصدق: محدش بيعيش مع حد شفقة، أنا اخترتك اخترتك من زمان بكل عيوبك، ايه يعني العيوب دى زادت عيب؟ مش فارقة كتير، كل اللي يهمني فعلا إنك تكون عايز تتغير، وأنا متأكدة من ده، رفضي أسمعك وقتها صدقني كان رد فعلي طبيعي من صدمتي، ومقررتش أكمل عشان شوفتك كده، أنا قررت أكمل عشان أنا بحبك ومتأكدة إنك بتحبني وبتتغير عشاني..

مدت يديها، ومسحت دموعه برقة، وهي تنظر له بعينين مليئتين بالحب والصدق: أنا عارفة إن الدموع اللي نزلت منك دى منزلش على حد، ومش هتنزل على حد غير مي، وأبقى غبية لو سبت كل الحب ده يروح مني، علشان أخطاء حصلتلك وانت ملكش علاقة بيها.

لمعت عيناه بعدم تصدقا: انتِ بجد عايزة تكملي معي عشان بتحبيني؟

ابتسمت من بين دموعها: أيوه طبعا.

وأضافت بنصيحة، وهي تضغط على يده: ومتخليش حد يضغط عليك كده تاني، اللي عملته امبارح دى بتثبتلهم بيه إنك ضعيف فعلا، أنا عايزاك قوي يا رشدي،  اشتغل علي المشروع ده تاني واثبتلهم ان اللي حصل مكانش اهمال منك، وانا متاكده إن اللي حصل امبارح ده كانوا بيفشوا غلهم فيك من ضعفهم.

ابتسم، وعيناه تلمعان بدموع الفرح، وضمها بقوة بين ذراعيه: أنا بحبك اوي يا مي، ووعد هعمل كل حاجة عشان أكون الراجل اللي يستحقك، صدقيني هبطل وهنجح، واللي حصل امبارح ده مش هيحصل تاني.

بادلته العناق بابتسامه: طب خلاص بما إنك قررت تبطل، يبقي تروح تتعالج.

ابتعد وهو يرد بلهفه: حاضر من النهارده نبدا العلاج وانتِ هتبقي الدكتور بتاعي.

نظرت له باستغراب: دكتورتك ازاي، انت لازم تروح مصحة!

هزا راسه: مصحة ايه؟ مش هينفع، أنا هتعالج هنا واحنا مع بعض.

ردت بعقلانيه شديده: يا ابني الموضوع كبير أنت نفسك قولت جربت وفشلت.

اومأ برأسه وقال: فشلت لأني كنت لوحدي والحاجة كانت قدام عيني، لكن انت هتقدري تديني الجرعات بكميات صغيرة، وتفرضي بقى عليا شخصيتك الشرسه. 

اومات بتردد: يا رشدي مش هينفع، أسمع الكلام، هو انت مش لسه واعدني انك هتتغير علشاني وهتبطل.

اومأ سريعا، وقال محاولا اقناعها: ايوه وانا عند وعدي مقولتش حاجه، بس خلينا نجرب هنا، رشدي الراوي مينفعش يخش مصحه...

تساءلت باستغراب: امال انت كنت هتتعالج ازاي لما روحت قولتلهم؟!

أجابها: كانوا هيجهزولي الجست هاوس ويجيبولي دكاترة، بس طبعا الموضوع اتبخر عشان في حاجات اهم، المهم خلينا نجرب مع بعض ولو منجحناش نبقي نشوف طريقه تانيه. 

صمتت لحظة تفكر بتردد؛ لم تعلم سبب لرفضه دخول المصحة، لكنها شعرت أنه ليس في حالة نفسية جيدة، وأن إصرارها عليه وهو كذلك قد يفضي إلى انتكاسة أو يثير غضبه.

أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها وقالت بنبرة حازمة: طب إحنا هنجرب بس لو منفعش هتروح مصحة، ماشي؟

هز راسه بمهاوده: ماشي.

حاولت تغير الأجواء فقالت بنبرة مرحه: علي فكرة جنة زعلانة منك خالص وهتقيم عليك الحد.

اتسعت عينه بصدمه: نسيت خالص! أنتِ روحتيلها؟

أومأت بابتسامه: أيوه رحمه كلمتني وروحتلهم، فضلت معاها لحد ما عملت العمليه الحمد لله وروحت، ووصتني اقولك إنها زعلانة منك خالص.

ابتسم ابتسامه باهته: خلاص هروح اصالحها بعد مانفطر أنا بعرف أصالحها أزاي.

قالت بمرح: طب يلا نفطر بقى.

نظر لها مرة ثانية بعدم تصدق ثم سألها: أنتِ بجد سامحتي كده عادي؟ كنت فاكر إني هفضل أعيط وأتذلل كتير

ضحكت مي: إمال مين اللى من شويه كان بيقولى امشي، مش عايز حب شفقه.

ضحك وهو يمسك يديها: لا أنا مجنون متاخدليش علي كلام، لو كنتي قولتلي همشي كنت هقولك والنبي متمشيش.

ابتسمت وقالت حب ورجاء: أنا بثق فيك يا رشدي، علشان خاطري أوعى تخذلني.

نظر داخل عينيها بوعد: أكيد مش هخذلك.

ثم مسح وجهها برفق، وأطعمها بيده، بينما جلسا معا متقاربين، والدفء يملأ المكان.

علي اتجاه آخر 

كانت ماسة جالسة على الأريكة، واللاب توب أمامها، دموعها تنهمر بصمت، وعيناها معلقتان بالشاشة بتأثر، فهي رأت كل ماحدث بين رشدي ومي. 

فتح سليم باب الحمام وخرج يجفف شعره وهو يرتدي ملابس منزلية مريحة

قال وهو يتحرك: بقولك إيه أنا هروح أوضتي و

لكنه توقف فجأة حين وقعت عيناه عليها، اقترب منها سريعا يتساءل بقلق: إيه يا ماسة؟ مالك؟ بتعيطي ليه؟

رفعت عينيها ببط ولم تتحدث، جلس بجانبها، ومد يده يمسح على شعرها بحذر: في حد عملك حاجة وأنا جوه؟

هزت رأسها بالنفي، وقالت بصوت مكسور: لا بس رشدي صعبان عليا اوي هو ومي.

رفع حاجبه بضجر: نعم يا أختي؟! كل ده عاملاه عشان رشدي.

ابتلعت ريقها، وقالت بطيبه: بجد يا سليم خلاص أنا مسمحاه، ومش عايزة أعمله حاجة، صعب عليا اوي.

نظر لها مذهولا وكأنها قالت شيئا غير مفهوم، ثم قال بحدة: إيه العبط اللي إنتِ بتقوليه ده؟! إيه اللي حصل؟!

أجابت وهي تشير للشاشة: سمعت كلامه مع مي، هو اصلا صعبان عليا من امبارح، وكلامه دلوقتي اثر فيا بجد، أنا خلاص مش عايزة أذي رشدي تاني، شكله اتغير حقيقي مش تمثيل، لو عايز تأذي حد، أذي الباقي لكن رشدي خلاص حرام.

اقترب منها أكثر، عينه تضيق: حرام؟! أنا عايز أعرف أنتِ سمعتي إيه بالظبط!

مد يده بعصبية وأعاد المقطع وجلس يشاهده، ملامحه بدأت تتغير تدريجيا، صدمة ثم غضب ثم جمود مرعب؛ عيناه لم ترفا او تتأثر.

وفجأة أغلق اللاب توب بعنف: يا نهار إسود، دي سامحته؟!

نظرت له بتأثر: آه سامحته.

ضحك بسخرية وهو يهز رأسه: دي طلعت طيبة اوي! طلعت اعبط منك! أنتِ بتعيطي علشان صعبانين عليكي؟! ده أنا اللي عايز أعيط على الكارثة اللي إحنا فيها!

ردت باستغراب وهي تمسح دموعها: كارثه ليه يا سليم؟ أنا مش فاهمه حاجه.

رد بحدة، وهو يتوقف: مش فاهمه! بسيطه افهمك.

واصل بغضب بعينين تشتعل: احنا في مصيبه، لأن كل اللي انا مخططله راح، أنا رجعت للصفر، وانتِ قال ايه صعبانين عليكي، وخال عليكي دموع التماسيح دي، مي دي غشيمه علشان صدقته..

توقفت امامه، ورفعت يدها محاولة لتهدئته: سليم بالراحة شوية مش محتاج كل الانفعال ده.

نظرت إليه بثبات تحاول أن توصل مابداخلها بصدق: كل الحكاية إني فعلا رشدي صعب عليا وحسيته صادق، واحد مختارش يكون وحش، وبيحاول يطلع من اللي هو فيه، ليه مناخدش بإيده؟ خصوصا إنه بيحاول يبعد أذاهم عني..

كان يستمع إليها بصدمة واضحه، وسرعان ما اشتعلت عيناه بغضب قاتم، قبل أن يقول بصوت منخفض مخيف: شكلك نسيتي اللي عمله فيكي أنا بقي هفكرك..

وفجأة أمسكها من كتفها بعنف، وشدها معه للخارج.

شهقت من المفاجأة، وحاولت تفلت منه: سليم! أنت بتعمل إيه؟!

لكنه لم يرد وواصل سحبها في الممر بخطوات حادة، حتي توقف أمام غرفة ياسين، فتح الباب بعنف، ودفعها للداخل بقوة، ترنحت قليلا لكنها تماسكت.

أُغلق الباب خلفهم فوقفت في منتصف الغرفة تنظر حولها بارتباك.

اقترب منها ببطء، حتى توقف أمامها مباشرة.
نبرته خرجت هادئه، لكنها كانت كالسكين: فاكرة الأوضة دي؟

أكمل، وهو يثبت عينه فيها: مش هي دي نفس الأوضة اللي هددك فيها؟مش هي دي اللي فرجك فيها على أبوكي وهو بيتخبط بالعربية؟ وهددك بأخواتك وامك؟وبشرف أختك وحطلها السم؟ وجاب قناص ليوسف؟

تابع وهو يضغط على كل كلمة: ولو نسيتي كل ده...نسيتي إنه عيشك في رعب شهور؟! نسيتي إن حياتنا اتدمرت بسببه لما افتري عليا بكلام كذب! نسيتي هروبك وتعرضك لإغتصاب مرتين بسببه! بلاش كل دى نسيتي حياة مكي وسلوي اللى ادمرت بسببه قبل فرحهم بأيام؟

ضغط على أسنانه، وعينيه بتلمع بوجع وغضب: كل اللي حصللك كان بسبب رشدي! احنا هنا، بسبب خططه الوس،خة!

انتصب يرامقها من اعلى الاسفل بتعجب: فجأة بقي عندك استعداد تسامحيه بسهوله كده؟!

هز راسه بعنف وهو يسترسل بغضب: إزاي؟! أزاي أصلا؟! دمعة واحدة تنزل منك عليه؟! ده إنتِ المفروض تفرحي إنه بيعيش نفس الخوف والرعب والوجع اللي عيشك فيه سنين!

اقترب منها وامساكها من كتفها، وصاح بانفعال: ده انا عشت سنتين بعتذرلك وبلف حوالين نفسي علشان اخد منك كلمه واحده ترحمي بيها قلبي، عشتي بعيد عني 6شهور ولما رجعتك اتذللت عشان اخد فرصه، وهو بسهوله كده سامحتيه؟! 

صاح فجأة ببحه رجوليه جهوره وهو يترك كتفها بعنف: في ايه يا ماسة فوقي بدل ما افوقك.

كانت تنظر إليه يعينان تمتلئان بالدموع، وجسدها يرتجف قليلا، تفهم حقيقة غضبه لكنها حاولت التماسك وقالت بنبرة مهتزة: أنت مش فاهمني، أنا مشفقة عليه، حاسة إنه بيتغير فعلا..

أخذت نفسا عميقا تجمع شجاعتها: أنا مش عايزة أبقى زي زمان، مش عايزة أشوف الحكاية من زاوية واحدة أنا عايزة أشوف كل الزوايا، علشان مغلطش نفس الغلطة مرتين، انا زمان قعدت سنتين بعيد عنك ووجعتك لاني كنت غبيه، مكنتش ببص غير علي الحته الضلمه وان الشخص ده اذاني، بس انا دلوقتي اتغيرت ومش عايزه اعيد ونفس الغلط تاني، عشان كده بقولك شكله فعلا اتغير وتاب وندم..

ابتسم ابتسامه ساخرة، وحك بخده وهو يتمم: اتغيرتي اممم.

وفجاة انفجر مرة أخري، بصوت قاطع وقاسي: بقولك إيه! أنا مش عايز عبط وسذاجة، التغييرات دي اعمليها بعدين! لكن دلوقتي أنا مش عايز أشوف غير سواد قلب!

اقترب منها، وعينه بعينها مباشرة: مش عايز أشوف نظرة المسامحة والشفقة، اللي أنا شايفها دي في عينك!

شد على أسنانه: رشدي ده قذر! !زمان كان عايز ياخدك مني، وأذاكي عشان يوجعني بيكي، وده اللي أنا هعمله دلوقتي...

أضاف بحسم: أنا مش هسمحلك تبوظي كل حاجة بسبب عاطفتك علي واحد ميستاهلش.

مرر يده في شعره بعصبية: كفاية اللي مي عملته بوظلي كل اللي كنت مخططله وهضطر اعيد ترتيب كل حاجة من الأول.

صمت للحظه وقال بامر لا يحتمل النقاش: اسمعي كويس انا عايزك تطلعي منه اعتراف بكل حاجة، من يوم ماحاول يتحرش بيكي زمان، لحد القضية وإنه كان عارف وسكت.

ثم مال ناحيتها، بنبرة قاطعة: فاهمة؟

أومأت برأسها بإيجاب، وعيناها تلمعان بالدموع، وجسدها يرتجف من الخوف تدرك أن سليم لم يعد في مساحة يمكن التفاهم معها الآن.

نظر لها وقال بنبرة خطرة: ومش عايز أسمع كلمة "صعبان عليا" دي تاني! رشدي تعبان أوعى تأمنيله! وخليكي واثقه إنك لو جيتي على سكة مي هيختارها هي ويرميكي.

تبادلا النظرات؛ عيناه مشتعلة بالضيق والحدة، وسواد قاس ينعكس فيهما، بينما عيناها غارقتان في الدموع والضعف، تعرف أنه محق، لكنها لا تريد هذا الظلام.

سليم بشدة: يلاروح أوضتك، أنا هنزل تحت علشان مفقدش اعصابي عليكي أكتر من كده!

وأضاف بسخرية حادة: قال رشدي صعبان عليا!

تابع بتهكم وهو يهم بالتحرك: بدل ماتفكري في حل للمصيبة اللي إحنا فيها!

ثم استدار، وغادر المكان، تاركا خلفه صمتا باردا وقلبا يتأرجح بين الخوف والرحمة.

الحديقة 

جلس سليم أسفل البرجولة شارد الذهن، يفكر فيما قالته عن مسامحتها لرشدي، وكذلك مسامحة مي له؛ الأمر الذي اضطره لإعادة النظر في خطته. أدرك أن ما يملكه الآن لا يكفي لإقناع مي، وأنه بحاجة إلى دليل أقوى يمكنه سحق رشدي تماما من خلاله.

أخذ نفسا عميقا، ثم أشعل سيجارته، ونفث دخانها ببطء، وعيناه معلقتان في الفراغ.

من بعيد كانا أبناء صافيناز ونالا ويلعبون معا ويمرحون ببراءة.
❤️___________________بقلمي_ليلةعادل 

القلج5مساء.

دخل رشدي ومي بعد أن فتحت لهما إسعاد، وكانا يحملان الكثير من الشنط.

رحبت بهما: اتفضلوا، عملت إيه يا ابني في مشكلتك.

رد بسرعة وهو ينظر حوله: الحمد لله، جنة فين؟

أشارت بيدها: جوه في أوضتها مع رحمه، بس زعلانة منك اوي.

أومأ براسه: طب أنا هدخلها.

تحرك صوب الغرفة، أدخل رأسه أولا وهو يقول بإبتسامة: جنتي الحلوة.

كانت تجلس على الفراش تلعب بالعبها ورحمه تجلس على المقعد تلعب في هاتفها.

لكن جنه ما إن رأته حتي اشاحت بوجهها في الاتجاه الآاخر بعناد بينما توقفت رحمه..

ابتسم ودخل، ومي خلفه وهو يقول: وحشتيني.

رحمه معلقه: حمدلله على السلامه اخيرا جيت.

لم يرد عليها وجلس امام جنه: إيه ده؟ مدياني ضهرك ليه؟ 

لم ترد، اقترب قليلا: جنة أنا بكلمك، وشك الناحية التانية ليه؟ زعلانة؟

قالت بعناد وهي مازلت لا تنظر له: أنا مش بكلمك، ومخاصماك يوم ويوم!

ثم نظرت له ورفعت يديها الاثنين امامه: مخاصماك كل دول!

ضحك بخفة: طب ماترفعي رجلك كمان بالمره عشان تخاصميني أكتر!

نظرت له من اسفل عينيها بعبوس: متهزرش معايا، أنا مخاصماك يا رشدي.

رحمه بتاييد: صح يا جنه اوعي تصالحيه!

نظر لها برفعه حاجب، ثم النظر الى جنه قائلا: طب بصي أنا جبتلك جيلي وآيس كريم وحاجات حلوة كتير. 

هزت رأسها برفض وهي تضم ذراعيها إلي صدرها، وترفع رأسها الاعلى: برضو مش هصالحك علشان سبتني لوحدي.

مسك يديها بحنان وقبلها: والله كنت مشغول، عارفة؟ كنت ببني كوبري ووقع ولازم أروح أصلحه.

قطبت حاجبيها ونظرت له: كنت كلمني في التليفون.

ابتسم بأسف وقبل خدها: انتِ صح خلاص بقى حقك عليا.

ثم قال بمكر: طب لو مصالحتنيش هعمل كده!

وفجأة بدأ يزغزغها، فضحكت رغم عنها وبدأت تصرخ: لاااا... خلاص! خلاص!

تدخلت مي بسرعة: بالراحة عليها يا رشدي! لسه عاملة عملية!

ضحك: ما هي تصالحني وهبس!

جنة وسط ضحكها: لا مش هصالحك!

رشدي بوعيد: كده؟ طب أهو!

زاد من دغدغتها، فضحكت بصوت عالي: خلاص خلاص! صالحتك!

ورفعت يدها امام وجه بتحذير طفولي: بس أوعى تعملها تاني!

ابتسم وهو يهز رأسه: لا مش هعملها تاني، قوليلي بقى عجبتك المستشفى؟ زورك وجعك؟

قالت وهي تفكر: مشوفتش المستشفى عشان نمت كتير، بس امبارح كنت موجوعة النهارده لا.

ثم نظرت إلى عينيه، ومدت يدها الصغيرة تمسح على خده ببراءة: أنت زعلان عشان الكوبري بتاعك باظ؟ أنا ممكن أساعدك ونصلحه، أنا بعرف أبني برج بالمكعبات، وبكسره وأركبه تاني أحلى، والأبلة في الحضانة بتقولي دايما إني شاطرة وبتديني نجمة.

تبسم ابتسامة خافتة تحمل قهرا داخليا، يتمنى ان يكون بتلك البساطه: ياريتها كانت مكعبات يا جنة.

ثم تابع بمزاح: طب وريني كده بتعرفي ولا لأ؟ ما أنا لازم أجربك الأول.

أجابت بحماس: ماشي.

ونهضت من مكانها، أحضرت المكعبات، ثم جلست بجواره وبدأت تبني برجا، قبل أن تهدمه وتعيد بناؤه بحماس.

نظرت له بفخر: شوفت بقى! هتاخدني معاك؟

مسح على خدها بحنان: ده إحنا طلعنا شطورين خالص، آه طبعا هاخدك معايا هو أنا اطول، عارفة؟ لما تكبري، لو عايزة تدخلي هندسة، هدخلك عشان أنتِ شاطرة.

مي بتأييد: فعلا شطورة خالص.

قبلها من خدها، وأضاف بابتسامة: تعالي بقى شوفي جبتلك إيه.

بدأ يفتح الأكياس، ويخرج منها الألعاب والحلوى، ثم جلس يلعب معها برفقة مي، وقد امتلأ المكان بضحكاتهم الدافئة.

وفي أثناء ذلك، قالت رحمة: أنا هروح أجيب الدوا الناقص الدكتور لسه مكلمني، عشان مكانش موجود.

شرد رشدي قليلا، فكان يريد التحدث معها بعيدا عن مي، وبدت هذه فرصته.

نهض سريعا: استني أنا هاجي معاكي.

اقترب من مي، وهمس في أذنها: هروح أجيب الدوا عشان لو في فلوس زيادة ولا حاجة، أصلها بتتكسف تطلب.

أومأت برأسها بإيجاب، بينما تحرك هو خلف رحمة، وفي داخله حديث مؤجل.

أما مي، فنظرت إلى جنة بابتسامة دافئة: تعالي نلعب سوا لحد مارشدي يرجع.

جنة بهدوء: ماشي أنتِ بتعرفي تحكي حواديت؟

ابتسمت: آه، وبحكي حواديت حلوة كمان.

جنة بحماس طفولي: طب يلا احكيلي حدوتة!

جلست بجوارها، فوضعت جنة رأسها على صدرها، وبدأت مي تروي لها أحدى القصص بصوت هادئ، حتى هدأت أنفاس الصغيرة تدريجيا.

في الشارع

كان رشدي ورحمة يسيران معا في الأزقة الضيقة.

رحمة بسخرية: مراتك أمورة.

رشدي ببرود: محدش طلب رأيك.

ابتسمت بخبث: ماتبطل طريقتك دي، ولا عايز تفهمني بقى إنك اتغيرت وبقيت مخلص؟

توقف فجأة، والتفت إليها بنظرة حادة: رحمه، مابلاش الجو المسقع ده، إنتِ متعرفينيش كويس، مش عشان خرجنا كام مرة واتكلمنا شوية؟ ده يخليكي فاهمة مين هو رشدي الراوي؟

اقترب خطوة، وتابع بنبرة ذات معنى: اللي أخدتيه مني أكتر بكتير من تمن الكام خروجه والمكالمات، وأنا مستعد أدفع أكتر، مش لاني خايف منك، بس مببحبش صداع النسوان، فخلينا حبايب أحسن.

رفعت حاجبها وقالت بتهكم: أنا مقولتش حاجة بس كنت عايزة أفهم لازمته ايه الفيلم الهندي اللي قولته لمراتك يوم مقفشتك مادام اتغيرت.

رد ببرود: ملكيش دعوة، مراتي مينفعش تعرف غير اللي أنا عايزها تعرفه.

ابتسمت بسخرية: شكلك مخبي كتير، وجنة دي أكبر بكتير من حكاية انها بنتك، من بنت السواق زي قولتلي

نظر لها بحدة: أنتِ عايزة مصيبة أكبر من كده؟ مراتي لو عرفت إني عندي بنت تفتكري هتعمل فيا إيه؟

اقتربت منه أكثر، وعيناها تلمعان بالمكر: طب خلي بالك بقى أحسن تسمع كلمة كده ولا كده شكلها مفتحة....

تقدمت خطوة أخرى، حتى كادت تلامس وجهه، ونظرت مباشرة في عينيه: أصل المرا اللي تمشي ورا جوزها كده وتقدر توصل للمخبئ السري، تبقى مفتحه ويتخاف منها اوي...

مالت برأسها قليلا: شكلها مش واثقة فيك، وده لوحده مصيبة، إنتوا لسه مربعنتوش حتى..

ضحكت بسخرية، وخفضت صوتها كأنها تغرس كلماتها في أذنه: أصل السر ده لو اتكشف، مش هتخسر مي بس، تؤ وجنتك كمان..

نطقت الأخيرة ببطء متعمد، وهي تشير لما تعرفه: اللي يا حرام، كل ده مستنية بابا وماما...وهو قصاد عينيها.

ثم تراجعت خطوة، تراقب أثر كلماتها عليه بعينين مليئتين بالتحدي.

تصلب وجهه، وقال ببرود مخيف: وأنتِ متخيلة أنا ممكن أعمل فيكي إيه لو السر ده اتكشف؟

ثم أضاف بنبرة منخفضة تحمل تهديدا واضحا بنظرة مظلمه: أنا قولتلك السر ده زمان عشان تاخدي بالك من جنة، بس الأسرار دي لو انكشفت تمنها العمر، فلو عايزة تعيشي الباقي من عمرك بلاش اللي بيدور في دماغك دى، وبطلي غيره ملهاش لازمه، لأن مراتي لاحظت..

وتابع بنبرة أخطر: انتِ لسه صغيرة يا رحمه بلاش نترحم عليكي قريب.

استدار وتحرك وهو يقول: يلا نجيب الحاجة.

أكمل طريقه دون أن ينظر خلفه، بينما ظلت رحمة تنظر إليه بنظرة مليئة بالغل، تجز على أسنانها، قبل أن تلحق به في صمت.

وبالفعل أحضرو الداء ثم عادوا، وقضي وقتا ممتعا مع جنه، كان يحاول أن يختلس لحظات من الفرح، وسط كل ما يمر به من اضطراب.

فـجنة...كانت الوحيدة القادرة على إعادة ابتسامته، وإظهار جانب منه لم يستطع أحدٌ سواها أن يبلغه.

تناولوا الغداء معا واعطتها مي الدواء، وبعد وقت قصير، بدأت ملامح الإرهاق تظهر عليها، حتى أغمضت عينيها تدريجيا، وغرقت في النوم ثم ذهب رشدي ومي.

قصر الراوي6م

كان سليم  لايزال جالسا في الحديقة العلوية، يحتسي قهوته ببطء، غارقا في أفكاره، يحاول أن يجد حلا ويهدئ من اضطراب ذهنه.

وأثناء ذلك، ظهرت صافيناز وهي تحمل الابتوب بين يديها.

اقتربت وجلست أمامه على مسافة قصيرة، وقالت بالتركية: مساء الخير... إنت هنا؟

أجابها باقتضاب، دون أن ينظر إليها: أه هنا، هكون فين يعني؟

جلست براحة أكبر، وقالت بنبرة عادية: قولت يمكن تكون في المجموعة بتشوف حل.

رفع فنجان القهوة إلى شفتيه، وارتشف منه قليلا، ثم رد بنبرة مستنكرة:ما أنا بشوف حل برضو، وأنتِ بتعملي إيه هنا؟

فتحت الابتوب أمامها، وقالت بجدية: هقرا التقارير الخاصة بمشروع الكباري، عشان أفهم الثغرات اللي وصلت للمصيبة اللي إحنا فيها دى، وكويس إنك هنا كنت أصلا ناوية أكلمك عشان تفهمني شوية حاجات...

رفعت عينيها نحوه، ونظرت له بنظرة تحمل مكرا خفيفا: ممكن؟ ولا إحنا لسه مبنتكلمش مع بعض؟

رد باختصار، دون أن ينظر إليها: لا مصلحة الشغل أهم من أي حاجة، اشتغلي ونبقى نتكلم بعدين.

هزت رأسها بخفة، وبدأت تركز في عملها، وعيناها مثبتتان على شاشة الحاسوب.

أما هو... فظل غارقا في أفكاره مرت دقائق قليلة، لا يعرف لماذا انجذبت عيناه نحوها فجأة.

طال نظره إليها... وكأنه يراها بطريقة لم يرها بها من قبل، وفي لحظة خاطفة... تذكر الفيديو الذي أرسله عرفان.
تصلبت ملامحه لثوان، قبل أن ترتسم فكرة مفاجئة في ذهنه.
شعر برغبة في اللعب معها قليلا، فارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، تشبه ابتسامة ثعلب وجد فريسته.

تسأل بخبث: هو انت ليه يا صافيناز مفكرتيش تجيبي بيبي غير مريم وزين، يعني بما انك كل حاجة بتقلدي فيها الهانم واخدها مثل اعلى معملتيش كده ليه؟

اجابته بثبات وعينها على الشاشة: لا الهانم في الموضوع ده كان تفكيرها غلط.

اوما براسه: فعلا، كويس انك معملتيش كده ..

ثم أضاف بفحيح افاعي: بس عارفة يا صافي نالا طلعت شبه ياسين أوي! الحمد لله مخدتش من هبة حاجة.

رفعت عينيها للحظه ثم نظرت مجددا للشاشة: فعلا...

صمتت قليلا ثم تابع بخبث اكبر: بس غريبه زين ومريم مش شبهك خالص، ولا شبه عماد! ده كل مابيكبروا، كل ما الشبه يبعد، مش ملاحظة؟

اهتزت عيناها بتوتر للحظه، ولكنها قالت بملامح ثابته: عادي مش لازم يبقى في شبه بينا.

اطفئ السجارة، وقال معارضا: اسمعي مني واعملي DNA، أحسن يكونوا بدلولك الأولاد وإنتِ في المستشفى ما إنتِ كنتي لوحدك.

ابتسمت ابتسامة جانبية ساخرة: إيه اللي إنت بتقوله ده؟! ده كلام ميطلعش منك، ولا مراتك الفلاحة بتأثر عليك؟

لوح بيده بحدة: سيبك من الكلام ده لازم نعمل تحليل بجد فرق الشبه بقي مرعب!

أغلقت اللاب توب ووضعته بجانبها، ثم نهضت من مكانها وجلست بجواره، وقالت بهدوء بارد: اسمع يا سليم قولتلك مش لازم الأولاد يطلعوا شبه أبوهم وأمهم، إحنا نفسنا مش شبه بعض يبقى كده إحنا مش ولاد الراوي؟ الموضوع أعمق من الشكل بس أنت مش هتفهمه...

مالت بجسدها نحوه، أكملت بنعومة سامة: وبصراحه ليك عذرك، هتفهمه أزاي وأنت مخلفتش قبل كده ياحرام.

تجمد مكانه واشتعلت النار بداخله، لكنه حاول الثبات مدركا أنها تحاول استفزازه، بينما ابتسمت هي وتساءلت بخبث: صحيح هو أنت لسه مبتخلفش؟

صمتت تفكر للحظه، ثم مالت عليه وتساءلت بمكر: تفتكر تكون ماسة خانتك عشان الموضوع ده؟

وضعت يدها على فمها، تعض شفتها السفلية وعيناها تلمعان بتحدي واضح.

أما سليم فقبض علي يده بقوة، وثقلت أنفاسه، مدركا أنها تستفزه وتضربه في أضعف نقاطه فقط لتشتته. اشتعل الغضب في عينيه، لكنه تماسك وحبس انفعاله، يعلم أن انفلاته الآن يعني خسارته.

لكنها لم تتوقف، وتابعت بفحيح افاعي: بصراحة؟ حقها، موضوع الأمومة ده مش سهل، مهما الست حبت عند النقطة دي بتفكر هتفضل لحد امتى محرومه انها تكون ام.

أسنانه احتكت ببعضها، وعيناه بدأت تغرق في ظلام مخيف، كأن شيئا داخله يستدعى ذلك الشيطان الذي يخدمه، لكنه ما زال ثابتا قبضا بكفه لعله يهدى.

أما هي فكانت تراقبه، تعرف جيدا أنها أصابت الهدف.

تابعت كأنها تستمتع باحتراقه: أكيد حبها لمصطفى وخيانتها ليك كانت عشان إنت مبتخلفش، وممكن برضوا عشان حاجات تانية، هي برضو ست وليها احتياجاتها..

كان سليم يقف على حافة الانفجار، أي رجل مكانه كسيسقط بسهولة أمام ما قالته، فزمجر فيها بحدة: صافيناز حاسبي على كلامك!

نظراته كانت كفيلة توضح إن الصبر الذي يمتلكه على وشك النفاذ.

ضحكت بخفة مستفزة، وتابعت ببرود قاتل: في إيه؟! أنا بفكر معاك عن أسباب خيانتها، أصلي سمعت إن العملية بتاعتك مأثرتش بس في الخلفه، أثرت في حاجات تانية كمان..

تابعت باستفزاز اكبر: أكيد خانتك علشان كده هي ست وليها احتياجاتها، بصراحة بدأت أشفق عليها، حرام، كان لازم تعمل كده مع مصطفى، واضح إنك مكنتش مكفيها، معل...

قبل أن تكمل كلماتها، هبطت صفعة مدوية على وجنتها، دوى صوتها في أرجاء المكان، فتلاشى توازنها للحظة، وترنّحت قبل أن تهوي أرضًا.

اتسعت عيناها بصدمة، صرخت: أنت بتضربني أنا؟! بدل ماتروح تتشطر على اللي خانتك ولبستك قرون، ورمت نفسها في حضن راجل تاني يلبي احتياجتها اللى مبقتش قادر عليها، لأنك مش راجل..

كلماتها كالسكاكين، تضغط على آخر خيط عقل يتمسك به وفي لحظة انقطع كل شيء، ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينحني، يقبض على شعرها بعنف، ويسحبها لتقف أمامه، عينيا مشتعلة بجنون: إنتِ اتجننتي؟! بتقوليلي أنا كده؟! أنا راجل غصب عنك وعن أي حد!

وقبل أن تستوعب هوى بكفه على وجهها مرة أخرى
بصفعة أقسى، وأشرس كأنها تفريغ لكل مابداخله من نار.

حاولت سحب شعرها من بين يديه، وهي تصرخ: سيبني يا حيوان! إوعى! لو كنت راجل بجد مكانتش خانتك! 

خرجت الكلمات منها كسم لكنها كانت الضربة القاضية، اسودت عيناه بظلام خطر لا يعرف الرحمة، وقبض على عنقها فجأة، ودفعها للخلف حتى سقطت على الأريكة، وانحنى فوقها، يضغط بكل قوته على عنقها، عينيه متسعتان بجنون، وصوته خرج كفحيح: هموتك يا صافيناز... هموتك!

حاولت إبعاد يديه، تخبطه، تقاوم بأنفاسٍ متقطعة: اروح اتشطر علي اللي خانتك... بدل ما تعمل راجل عليا! 

زمجر بغضب جنوني: أنا هوريكي أنا راجل ولا لا، والله لأموتك.

اشتدت قبضته أكثر حول رقبتها، وهو يرى أمامه كل ما فعلته بماسة، حتي بدأ وجهها يشحب، وعيناها تزوغان...وأنفاسها تختنق تدريجيا.
استوووب



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة