رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثلاثون 30 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثلاثون 30 
بقلم ليله عادل 



{لم أطلب من الحياة سوى أن تراني عائلتي، لكنهم لم يشعروا بي يوما، كأنني سراب بلا عنوان. حاولت أن أجد مكانا في قلوبهم، فحولوني إلى مسخ بقلب أسود، لا يعرف طريقا للعودة، ولا يحمل أثرا لطفولة كانت تسكنه.}
ليلةعادل✍️
                  الفصل الثلاثون🤫♥️

                  [بعنوان: انكسار علي الملأ]

دخل شوقي يلهث: الحقنا يا رشدي بيه مصيبه!

أنزل يده ببطء وهو يبتعد عن عماد: مصيبة إيه؟

ابتلع شوقي ريقه: كوبري من المشروع الجديد وقع! كلمت حضرتك كتير أنا والمهندس رياض، وحضرتك مكنتش بترد.

اعتدل رشدي واقفا بصدمة، بينما اتسعت أعين الجميع، فالأمر لم يكن بسيطا بل كارثه.

تقدم عزت، وصاح: وقع أزاي؟ وإمتى؟

هز شوقي رأسه: والله يا باشا أنا لسه الخبر جايلي لأنهم مش عارفين يوصلوا لرشدي بيه، فكلموني.

أخرج رشدي هاتفه وجده على وضع الصامت، ووجد عشرات المكالمات الفائتة.

صاحت فايزة بحدة وهي تقترب منه: عايزين نفهم الموضوع ده بسرعة يا رشدي!

أومأ لها، واجري اتصالا: ألو... إيه يا رياض؟! إيه الموضوع؟ أنهي كوبري؟...طيب، طيب... خلاص أنا جاي.

تساءل عزت: كوبري إيه؟

رد وهو يتحرك: كوبري لسه تحت الانشاء، أنا مش فاهم حاجة، رايح أشوف.

عزت بعصبية: يلا بسرعة!

تحرك مسرعا نحو الخارج، لكن عينيه توقفتا لحظة أعلى الدرج، ممزقا بين أن يصعد ليهدئ مابينهم، أم يذهب ليعرف حجم الكارثة؟!

وبعد لحظات من التفكير، أدرك أن الوقت لا يسمح، فالأفضل أن يتركها تهدأ ويواجه المصيبة التي حلت عليه أولا. 

تنفس بعمق، وأكمل طريقه بخطوات سريعة، فذلك المشروع كان بمثابة معركة خاضها ليغير نظرة العائلة له، وأي خطأ سيكلفه الكثير.

بينما أخرج عزت هاتفه واجري اتصالا: ألو يا ماهي، ابعتي رسالة حالا لكل المديرين إن في اجتماع طارئ في المجموعة كمان ساعة.

اغلق الهاتف، فاقترب منه سليم: أنا شايف إننا لازم نبعت لجنة فحص نفهم منها اللى حصل ده تقصير واهمال ولا بفعل فاعل.

صمت لحظه ثم تابع بخبث: والأهم إن الموضوع ده ميتسربش؛ لأنه لو حصل هتبقى كارثة..

وأشار بيده: أنا هاجي وراكم علطول أخلص بس شوية حاجات مهمة وألحقكم.

صافيناز  وهي تضع يدها علي جرح عماد: وانا هطمن على عماد والجرح اللي الهمجي عمله وهاجي علطول.

وبالفعل تحرك الجميع، والصدمة تسيطر على المكان.. 

بينما كانت ماسة لاتزال واقفه على الدرج تراقب المشهد بابتسامة شماتة، لا تقل عن ابتسامه سليم الذي وقف ينظر لما يحدث حوله بقلب ممتلئ بشروق غريب.

التفت لها، وغمز وهو يصيح بتمثيل: أنتِ لسه واقفه عندك؟ غوري على اوضتك يلا قدامي.

صعدا معا إلي الأعلي، دخلا الغرفة وأغلق الباب، ثم التفت يفتح ذراعيه ويقول بحماس: إيه رأيك في جوزك حبيبك؟!

رفعت حاجبيها بتعجب: هو انت اللي عملت كده؟!

اومأ برأسه، وهو يتوقف أمامها: محبتش أقعد فاضي، قولت أتسلى شوية لحد ماضرب ضربتي يوم الحفلة!

ضيقت عينيها بفضول: أنا نفسي أعرف ضربتك دي هتبقي إيه؟

ابتسم بغموض: كلها كام يوم وهتشوفي كل حاجة لايف في الحفلة، وعلي فكره عايزين يهربوكي يومها.

نظرت له بدهشة: عرفت منين؟

أجابها موضحا: مصطفى بعتلي تسجيل لفايزة وصافيناز قالتها يوم الحفلة انسب وقت لهروبك، بس هتقعد مع عماد وتظبط التفاصيل.

ترددت لحظة: طب وهنعمل إيه؟

أجابها بمرح: هتهربي عادي وأنا هقفشك، سيبيها لوقتها، أنا مش بحط خطة كاملة، غير لما أفهم هم ناويين على إيه.

تنهدت بقلق: هموت وأعرف دماغك دي فيها إيه؟! أنا خايفة منك.

وضع يده على صدره بتمثيل: خايفة مني أنا يا بنتي؟!

ابتسم وأضاف بالمرارة: دة أنا بدأت أقتنع إني أطيب وأغبى واحد فيهم! انا بتعلم منهم دلوقتي..

نظر داخل عينيها وتابع بعقلانيه: انا دلوقتي بس فهمت إن المواجهة غباء، واللعب المباشر خسارة، والحرب النضيفة بقت موضة قديمة ودمها تقيل، علشان كده قررت العبهم بطريقتهم وادوق كل واحد من نفس الكأس.

أمسكت يده، ونظرت داخل عينه: أنا بس مش عايزاك تفقد نفسك في المعركة دي يا سليم، علشان خاطري خليك زي ما أنت، اوعى تفقد سليم بمبادؤه وانت مش واخد بالك.

مرر يده على وجهها بحنان: أنا عمري ماهفقد نفسي طول ما أنتِ معايا يا قطعه السكر.

نظرت إليه بلوم: طب ونفسك اللي مفقدتهاش مفكرتكش إن فيه عمال ملهمش ذنب هيتأذوا باللي عملته ده؟ إن مكانش حد فيهم مات.

أجابها بتوضيح: لا طبعا محدش من العمال حصله حاجة، اتحطلهم منوم والانهيار اللي حصل محدش اتأذي فيه.

زمت شفتيها بتأنيب: بس برضو أكيد هيطردوهم يا سليم وهيتقطع عيشهم!

اومأ برأسه: في دي عندك حق، بس متقلقيش أنا مظبط كل حاجه مع مكي وقولتله يبقي يصرفلهم مبلغ كويس، وبعد فترة لما الموضوع يهدى يبقي يشغلهم في اي مصنع من المصانع الخاصه بيا.

لمعت عيناها، وعانقته بعاطفه: أنت جميل اووى يا سليم، أنا بجد كل يوم بحبك وبتعلم منك أكتر.

بادلها العناق للحظه، ثم ابعدها، واحاط وجهها بكفيه وقال وهو يركز النظر في عينيها: سليم مبقاش جميل كده الا بوجودك في حياته، قبلك كانت حياته كلها سواد وظلمه، حياته منورتش ولا نظفت الا بوجودك فيها، واطمني أنا أه عايز أحرق قلوبهم على اللي عملوه فيكي، بس عمري ما هأذي حد ملوش ذنب، ناري مش هتحرق إلا اللى أذاكي بس يا ماسة.

نظرت إليه بعينين تلمع بالتأثر، فهمس بنبرة راغبه أمام شفتيها: وبعدين سيبك من كل دى أحنا المفروض دلوقتي نحتفل! ولا أنت ناويه تاكلي عليا حقي ولا ايه؟

ضحكت بدلال: مشبعتش احتفالات يا سليم؟!

احاط خصرها بذراعيه: طب بذمتك اللى حصل ده ميستحقش الاحتفال! ده أنا زى مايكون القدر بينتقم معايا وبدل ما كانت ضربه واحده بقوا اتنين يجيبوا أجله.

ذم شفتيه وتابع: ولو إن كان نفسي أنا اللي أقولها موضوع إدمانه، بس مش مهم تيجي مني أو من غيري، المهم إنها عرفت..

تنهدت بحزن: أنا مي صعبت عليا أوي، اللي حصل معاها وحش، بفكر أدخل أطبطب عليها شوية.

نظر اليها بضيق، فحاولت التبرير بطيبة: متبقاش جاحد يا سليم، هي ملهاش ذنب..!

رفع حاجبه باستنكار، فأومأت وردت على تلك النظرة: عارفه إن أنا كمان مكانش ليا ذنب، وإن هي بتدفع ثمن اللي عمله رشدي وكل الكلام ده...

تابعت وهي تركز النظر في عينيه: بس احنا مش زيهم، ومش هينفع نبقى زيهم حتى في عز الانتقام، بلاش مي تدوق نفس وجعي، وجع الخذلان صعب وقاسي وأنا محبهاش تحس باللي حسيت بيه سنين.

هز رأسه بعدم اقتناع، وقال بحماس مغيرا للحديث: سيبك منهم، خلينا في احتفالنا يا ماستي الحلوه، أنت مش متخيلة أنا مبسوط قد ايه..

ضحك بخفة وتابع: ولسه المفاجأة اللى مستنايهم الصبح، هتبقي أحلى وأحلي!

تنهدت، ورفعت ذراعيها على رقبته بدلال: طيب واستاذ سليم عايز يحتفل أزاي؟

ابتسم بخفة: هقولك حالا.

وفجأه حملها بين ذراعية، فصاحت بتدلل: بتعمل إيه؟ نزلني!

أجابها وهو يقرب وجهه من وجهها: لا أنا محتاج آخد حقي... وحقي الاحتفال.

ردت بدلال: يا سلام، واللي قبل العشا كان ايه؟!

أجابها بمداعبة وعينه لا ترتفع من شفتيها: اللي قبل العشا ده كان مكافئة، إنما الاحتفال دلوقتي ده حاجة تانية...ليفل جديد. (ثم غمز لها)

نظرت له بدهشة وهي تداعب لحيته بدلال: والله! طب ماتقول إني وحشاك وانك لسه مشبعتتش مني يا كراميل.

ضحك وهو يقبلها قبلة صغيرة على شفتيها: أنتِ وحشاني ومش بشبع منك يا قطعة السكر.

ابتسم بخفة وتابع: وبعدين أنا محروم سنتين، فهعوض وهآخد حقي بأثر رجعي يا مسموسة، مش سلوى بتقولك كده!

ابتسمت بدلال: أه، بس منك أنت أحلى يا سلمونتي.

قبلته قبل خاطفه من شفتيه وتأملا بعضهما بعشق وشوق للحظه، ثم ذهب بها نحو الفراش ووضعها عليه بطريقة لا تتناسب إلا اميرة قلبه.

تبسمت له وهي تشعر بالدفء، بدا يفتح أزرار قميصه ثم القاه بعيدا، وكأنه يدعوها لتحمل معه كل العشق والشوق الذي يحمله قلبه لها.

اقترب منها وأسند ذراعيه على الفراش، محاصرا أياها بحنان.

مسحت خده بخجل، وقالت بصوت مكسور بعشق يخرج من عينيها: عارف، نفسي أمسح كل السنين اللي فاتت، وارجع ليوم ماخيرتني مابين نرجع مصر ولا نفضل هنا؟ وساعات تانية بقول نمسح بس آخر جزء بتاع الحادثة بس..

مدت شفتيها واسترسلت: مش عارفة بس في حاجات نفسي أمسحها.. بس عارف الاهم من كل ده ايه؟! ان كل ماببص في عينك بحس اني مطمنه انك جنبي، واني مخسرتكش، وان ربنا ادنا فرصه تانية نشوف بعض فيها بجد، وإن أحنا الاتنين وجعنا بعض من كتر حبنا لبعض، أنا بحبك أوي يا سليم.

كان ينظرلها بعينين لاترمش، امسك يدها ووضعها على قلبه وقال بعشق: وأنا كمان، قلبي مبيحسش بالسعادة والراحة غير وهو جنبك، مبيطمنش غير وهو سامعك وحاسس بيكي، ومستحيل يعيش بعدك ثانية واحدة، احنا روح واحده يا ماسة.

تابع بعينين مليئتين بالحب: أنا كمان فرحان أوى أننا أخيرا رجعنا تاني زي زمان، وفعلا وجعنا كان على قد محبتنا...

مرر يده على خدها وقال بوعد: ومستحيل أسمح إن أي حاجة تفرقنا تاني، ده وعد.

تبسمت بعينين تلمعان من فرحة الحب، وامتدت يديها حول ظهره وضمته، فبادلها العناق وظلا هكذا لدقائق، يستمدان من ذلك العناق راحة وسكينة لا توصف.

ثم رفع رأسه، وقال بمزاح محبب: لا مش وقت رومانسيات من النوع ده! أنا عايز رومانسية من نوع تاني! مش لسه قايلك النهاردة ليفل جديد.

ضحكت بسعادة، ثم سحب البطانية برفق عليهما تاركين للحظة أن تغمرهما بالحب والطمأنينة.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

عند صافيناز، وعماد/ بالهول

وضعت الضماد حول رأسه، وقالت محاولة تهدئته: معلش يا حبيبي بسيطة متقلقش.

عماد بضجر وغليان: حيوان، بس والله ما هسيبه وهيشوف!

صافيناز بضجر: اللي أنت عملته معاه مكانش هين برضو، كويس أوي إنه مقتلكش.

ثم ضيقت عينيها، وتسألت بشك: صحيح قولي، أنت اللي ورا اللي حصل؟

رفع عينه لها باستغراب: تقصدي إيه؟

أجابت: موضوع الكوبري.

تنهد بضيق: أنتِ هبلة يا صافيناز؟! مستحيل أعمل حاجة زي دي! أنا كده مش بعادي رشدي! أنا بعادي العيلة كلها!

توقفت تأخذ حقيبتها وهي تقول ببرود: طب عموما خد بالك، رشدي مش هيسكت على اللي عملته.

ثم أضافت بابتسامة جانبية ماكرة: أنا هروح المجموعة دلوقتي وأشوف حل، يمكن أعرف آخد المشروع ده ليا.

وغادرت المكان بينما بقي عماد جالسا مكانه، نظره ثابت في الفراغ بعينان تغيمان بالسواد، ويده تلامس الضماد على رأسه بألم وغضب.

شد على أسنانه: انا هعرف اربيك أزاي يا رشدي الكلب، إن ما وريتك مبقاش أنا عماد!
       
عند مي.

كانت لا تزال جالسة على الأرض، تضم نفسها بذراعيها، ودموعها تنهمر في صمت موجع، عيناها متسعتان، لا تزالان عالقتين في صدمة ماحدث بالأسفل، تتمنى أن يكون مجرد كابوس وستستيقظ منه، لكنها كانت تعلم في قرارت نفسها أنه ليس كابوسا بل حقيقة مُرة وعليها تصديقها.

مسحت وجهها بارتجاف، وبدأت الذكريات تتدفق في عقلها بلا رحمة...

فلاش باك 

أحد الكافيهات ظهرا 

نرى مي تجلس مع لمياء صديقتها، بينما كان رشدي يلوح لها مودعا.

تابعته لمياء بعين متفحصة: بقولك إيه أنتِ مش حاسة إن رشدي شكله بيشرب؟

ضحكت مي بسخرية: ماهو بيشرب فعلا، بس حاليا بيحاول يبطل 

هزت لمياء رأسها: أنا مش بتكلم على الخمرا يا مي بتكلم على حاجات تانية، مخدرات مثلا!!

اتسعت عيناها وهزت رأسها: إيه يا بنتي العبط ده؟ لا طبعا!

لمياء باصرار: شكله باين يا مي ركزي؛ عينه، الهالات، جسمه، مش عارفة حاسة في حاجة مش مظبوطه.

هزت رأسها بيقين: لو في حاجة كان قالي، رشدي صريح ومش بيخبي عليا حاجه..

ثم تابعت باستنكار: يا بنتي ده حكالي عن كل الماضي بتاعه، هيجي في دي وميقولش؟! 

أجابتها: طب اسأليه واتأكدي يمكن خاف يقولك، اصل حاجة زي دي صعب يقولها بصراحه، ولا أنت في دي كمان هتبقي عادي؟!

صمتت لحظه وبدأ التوتر يسير في شرايينها: طب أسأله أزاي؟

لمياء بتفسير: بهزار، قوليله بما انك يعني عملت كل حاجه حرام في حياتك، وصلت للمخدرات ولا لسه؟ وشوفي هيقولك إيه؟!

صمتت مي قليلا... لكنها لم تقتنع او كانت تشعر بالخوف. 

فلاش باك آخر

نرى مي ورشد يجلسان على احد طاولات يتحدثان..

وفجأة نظرت له وتساءلت بخفة: بقولك إيه يا رشدي بما إنك عملت حاجات كتير غلط عمرك جربت المخدرات؟

تجمد مكانه وارتبك للحظة، لكنه حاول الهروب: اشمعني يعني؟!

رفعت كتفيها: عادي مجرد سؤال.

مالت شفتيه بابتسامة: يا شيخه!

ابتسمت بتوتر: ايوه اصل انت عملت كل حاجة، فحبيت اعرف اتجريت في ده كمان ولا لا؟!

ابتسم بتوتر محاولا البحث داخل عقله عن إجابه، ولكن أنقذه رنين هاتفه الذي تعالي فجأة، فالتقطه بسرعة قائلا: لازم أرد، ده بابا.

ابتعد قليلا، وكأنه هرب: أيوه يا مختار. ايه.. ماشي، نتقابل بالليل.

ظل يتظاهر بالحديث محاولا كسب الوقت، بينما عقله يدور في دوامة من التردد: هل يقول الحقيقة أم يخفيها؟ 

لكنه لم يمتلك الشجاعة لمصارحتها، وسيطر عليه الخوف، ذلك السد الذي احتمى به طويلا، لكنه في النهاية كان ذاته ماقضى عليه.

عاد إليها بعد وقت، وقال محاولا إنهاء الموقف بذكاء: معلش يا مي لازم أمشي، بابا محتاجني في الشغل، تعالي أوصلك؟

نهضت معه، وبساطة قلبها جعلتها تنسى السؤال... 

عودة إلى الحاضر

شهقت وهي تمسح دموعها بارتجاف: هرب .. هرب علشان ميقولش الحقيقة.

وفجأة تدفقت الذكريات داخل عقلها كالسيل الجارف؛
بقاؤه الطويل في الحمام، ذلك المسحوق الذي رأته وظنته دواء، غضبه عليها حين وجدها تمسكه والقائه في المرحاض، ارتباكه حين دخلت عليه الحمام فجأة وإخفاؤه شيئا خلف ظهره.

تردده الدائم: "عايز أقولك حاجة..." ثم تراجعه... وسؤاله الذي لم تفهمه وقتها: ممكن تسيبيني لو خبيت عليكي حاجة؟

أغمضت عينيها بقهر: الحقيقة كانت قدامي وأنا اللي مشوفتهاش

هزت رأسها سريعا، رافضة أن تلوم نفسها؛ فالأمر لم يكن غفلة منها، بل كان ذكاءا منه في إخفاء الأمر جيدا. خاصة أن مظاهر الإدمان لم تكن واضحة عليه، إذ بدا طبيعيا إلى حد كبير، وأقصى ماقد يظنه من يراه أنه يدخن كثيرا، أو يشرب الخمر، أو يتعاطى شيئا خفيفا كالحشيش، لكن الأمر لم يصل في نظرها أبدا إلى هذا الحد.، ربما لأنه كان يلتزم بجرعاته في مواعيد محددة فلم يظهر عليه شيء.

كل ذلك جعل عقلها يدور في دائرة مغلقة، تحاول الفهم الاستيعاب لكنها لم تعد قادرة.

تنفست بعمق، وحقيقة واحدة بدأت تترسخ في عقلها بوضوح: أنه خدعها وأخفي عنها، ولا يمكنها الاستمرار مع شخص كهذا، فصار الرحيل والابتعاد خيارها الوحيد. 

تلاشت قواها، فتمددت على الأرض، وضمت نفسها بذراعيها كأنها تحاول احتواء ذلك الألم الذي يمزق صدرها، ثم انفجرت في بكاء مرير؛ مكتوم تارة ومختنق تارة أخرى، كأن كل نفس يخرج من أعماق روحها...

ظلت تنتحب بنهنهة موجوعه، وجسدها ينتفض مع كل شهقة، وكأنها في تلك اللحظة لم تعد تبكي فقط، بل كانت تفرغ كل ما كتمته وانكسر بداخلها...

الموقع الإنشائي،9مساء.

كان الظلام قد خيم على المكان، ولا يرى سوى هيكل الكوبري المنهار كجسد مكسور وسط عتمة الأضواء

وصل رشدي وخلفه سيارة الحرس، هبط مسرعا يتبعه شوقي وعدد من الحراس.

تجمد للحظة وهو ينظر إلى الكوبري، مرر يده على وجهه بعصبية، ثم صرخ بصوت غاضب: فين الأمن اللي هنا؟!

تبادل رجال الأمن النظرات بتوتر، ولم يستطيعوا الاعتراف بنومهم، فلم يعرفوا كيف حدث ذلك، ولم ينتبهوا لكون هذا مقصود، خاصة أن كلا منهم استيقظ في وقت مختلف.

قال أحدهم مرتبكا: منعرفش يا بيه فجأة سمعنا صوت طقطقه، وبعدها لقينا الكوبري وقع!

نظر إليهم بشك، ثم التفت سريعا إلى المهندس رياض: لازم أعرف حالا اللي حصل ده حصل أزاي!

أجابه رياض بسرعة: أنا كلمت المهندسين يا فندم هيجوا يعملوا فحص شامل ونحدد السبب.

مرر يده في شعره للخلف بتوتر: والتقرير ده هيطلع امتى؟

اجابه بعملية: مش قبل بكرة الصبح، هما في الطريق يا باشا متقلقش.

في تلك اللحظة... دوى صوت تكتكة خافتة، فتبادل الجميع النظرات باستغراب، وفجأة- انهار جزء آخر أكبر من السابق!

صرخ شوقي بفزع: حاسب يا رشدي بيه!

اندفع الحراس يسحبونه للخلف، بينما تراجع الجميع في فوضى.

وقف رشدي للحظات مذهولا، ينظر إلى مايحدث وكأنه لا يصدق كيف ولما حدث كل ذلك؟! فهو كان يتابع التقارير باستمرار ويركز في كل شيء.

التفت بحدة إلى رياض، وصوته يحمل اختناقا وغضبا: أنت لازم تفهمني اللي حصل ده أزاي؟ وباقي الكباري وضعها إيه؟!

هز رياض رأسه: حاضر يا فندم هنتأكد من كل حاجة.

زفر بضيق، ثم استدار وعاد إلى سيارته جلس داخلها، فتح الأزرار العلوية من قميصه، مستندا بظهره على مقعد، وعيناه شاردتان في الظلام...

كان يفكر في تلك الكارثة، وفي سبيل النجاة منها؟ فالمشروع لم يكن عاديا، وأي خطأ فيه لن يغتفر، وإن لم يجد حلا سريعا وتبريرا منطقيا، فالعواقب ستكون وخيمة. 

مرر يده على وجهه بإرهاق محاولا ترتيب أفكاره، لكن رغم كل تلك الفوضى، لم يكن يشغله سواها؛ فهو مستعدا لخسارة أي شيء إلا هي.

انتفض فجأة عندما ضربت عقله فكرة أنها ربما تستغل غيابه وترحل!

فأخرج هاتفه مسرعا، واتصل بأحد حراس القصر: بلغ الكل محدش يخرج مي هانم من القصر مهما حصل..

أغلق الهاتف وأسند رأسه علي عجلة القيادة مغمضا عينيه مفكرا في حياته انقلبت في لحظة. 

فالمشروع الذي أراد إثبات نفسه به ينهار أمام عينيه، و"مي" الشخص الوحيد الذي أحبه بصدق يوشك أن يخسرها أيضا، كان انهيارا من جميع الاتجاهات، وكأن الحياة قررت أن تضربه دفعة واحدة...
               
علي اتجاه آخر في المجموعة.

جلس عزت على رأس طاولة الاجتماعات بملامح مشدودة، بينما التف حوله رؤساء الأقسام وأعضاء مجلس الإدارة... الجميع حاضر، عدا سليم.

ضرب بيده على الطاولة بحدة: أنا عايز دراسة وافية تفهمني اللي حصل ده حصل أزاي؟! مشكلة خامات؟ ولا تقصير من المهندسين؟ ولا فعل فاعل؟!

أجابه أحد المهندسين بسرعة: يافندم متقلقش المهندس رياض بنفسه موجود في الموقع، ولجنة الفحص تقريبا وصلت.

أومأ وقال بصرامة: أهم حاجة الموضوع ده ميطلعش بره مهما كلفكم الأمر، فاهمين؟

ثم نظر إلى صافيناز: الموضوع ده عندك.

هزت رأسها بثقة: تمام.

ثم التفت إلى طه: وأنت ياطه... عايز إحصائية ماليه كاملة، بكل اللي اتصرف واللي خسرناه بعد الكارثه دي واللي هنحتاجه علشان نصلح المصيبه دي.

ثم اعتدل في جلسته، وصوته ازداد حدة: وباقي الكباري وضعها إيه؟! أنا عايز التقارير... والرسومات! كل ورقة اتعملت في المشروع ده تكون قدامي.

أضاف بحدة: واعملوا حسابكم محدش هيروح بيته غير لما الاقي اجابات، هنبني تاني أزاي؟ وهنسلم في نفس الميعاد أزاي؟ وهنقول للوزير إيه؟! واللي هعرف انه كان السبب روحه مش هتكون كافيه..

ساد صمت ثقيل للحظة... وأخذ الجميع يتبادلون النظرات، قبل أن ينخرطوا في نقاشات سريعة، كل يطرح ما لديه من أفكار وحلول.

مر الليل بطيئا داخل غرفة الاجتماعات، العقول لا تتوقف عن التفكير، والأوراق تتكدس، والأصوات تختلط بين القلق والإصرار.

وفي مكان آخر...
كان رشدي مايزال في سيارته، غارقا في أفكاره، ولجنة الفحص تباشر عملها.

بينما شعر عماد أن الوقت طال، فقرر الاتصال بصافيناز لمعرفة آخر الأخبار، أجابته بأنها ستمكث الليلة في المجموعة ولن تأتي إلا غدا، ولا تعرف متى تحديدا، فالجميع منشغلون بشدة.

ابتسم بخبث، وشعر أن هذه فرصته للخروج والذهاب إلى سارة ليجدا حلا للمشكلة، وبالفعل خرج بهدوء دون أن يلتفت إليه أحد. 

بينما ظل سليم وماسة داخل غرفتهما، يقضيان ليلتهما في سعادة احتفالا ببداية انهيار هذه العائلة.
                
منزل سارة،1صباحا.

دخل عماد فوجد سارة جالسة على الأريكة، تقرأ كتابا وتستمع للموسيقى، وما إن رأته اتسعت عيناها بدهشة: عماد؟!

تقدم بخطوات بطيئة، ثم تنهد وجلس بجانبها.

نظرت له باستغراب: إيه اللي جابك؟ مش قولت مش هينفع نتقابل الفترة دى؟

رفعت عينيها نحو الضماضة التي على رأسه، قالت بمزاح ساخر: هي صافيناز بطحتك ولا إيه.. 

اجابها من بين اسنانه: ده الزفت اللي اسمه رشدي.

نظرت له باستغراب: ورشدي عمل معاك كده ليه؟!

أجابها: قولت لمراته انه مدمن. 

تبسمت وهي تمسحها على كتفه: معلش يا عمده تعيش وتاخذ غيرها.. المهم طب انت جيت ازاي دلوقتي مش خايف؟!

تنهد بعمق: جاي نتكلم ونشوف حل، حصلت مشكله في الشغل وكلهم مشغولين دلوقتي، فدى أنسب وقت نتكلم فيه.

اومأت له: ما إحنا اتكلمنا قبل كده وأنا قولتلك تعمل إيه لو عرفت.

نظر لها بضيق: مشت ورايا ناس يراقبوني، ولولا إني اعرفهم مش عارف كان ممكن يحصل ايه؟!

ابتسمت بتوسع: طب كويس إنهم طلعوا تبعك وعرفوك، بصراحة حركة غبية منها بس في صالحنا، بس خد بالك صافيناز دماغها سم ممكن تبدلهم او لو اتكلمت مع حد ممكن يلفت نظرها ان اكيد ولائهم هيكون ليك.

زفر بضجر: ماهو ده اللي انا بتكلم فيه أن هي هتحط عينيها عليا الفتره الجايه، نعمل ايه بقى عشان نشيل عينيها من علينا؟!

صمتت لحظه تضيق عينيها بتفكير، ثم تساءلت: هي المشكله اللي حصلت في المجموعة دي ممكن تشغلها الفتره الجايه؟

اوما برأسه بإيجاب: اممم... وكمان قالت إنها هتستغل الموضوع وتحاول تاخد الشغل لنفسها علشان كان تبع رشدي، بتضايقه.

ابتسمت ابتسامة ماكرة: حلو اوي، كده دماغها هتبقى مشغولة الفترة الجاية وإحنا نزود الضغط أكتر.

نظر لها بعدم فهم: أزاي؟

اقتربت قليلا، وصوتها انخفض بمكر: رسالة بسيطة "خدي بالك، الأولاد ملامحهم بدأت تبقى بعيدة اوي، تفتكري عماد هيفضل مصدق إنهم ولاده؟! او خدي بالك انا عرفت كثير". 

اتسعت عينه: وأنا كده هستفيد إيه؟

ابتسمت بثقة: هتترعب وهتتوتر، الموضوع ده محدش يعرفه غيرها، هتبدأ تتشتت وتفقد توازنها، وهتبقى عايزه تعرف مين اللي بيهددها وعايز ايه؟!

ثم تابعت وهي تشير بإصبعها: أنت كمان لازم تزن عليها في موضوع الخلفه، قولها عايز بيبي تاني، وهي أصلا شايلة الرحم فطبيعي هتتوتر أكتر، خاصه لو لمحتلها انك ممكن تسيبها هتبقى عايزه تعمل اي حاجه علشان ترضيك، لدرجه إنها ممكن تجيبلك بيبي تاني وتلبسهولك.

ربت على كتفه بمزاح: بس اوعي تلبسه المره دي كمان يا عمده.

مرر يده على وجهه بتعب: مش عارف يا سارة حاسس الدنيا بتبوظ، أنا بفكر أبيع كل حاجة باسمي وآخدك ونسافر..

نظرت له بتمنى: يا ريت يا عماد فعلا التوكيل اللى معاك دى وقته، إحنا مش هنفضل تحت رحمتها كتير بيع لنفسك كل حاجه وخلص، ولحد ما تعمل كده ننفذ اللى بقولك عليه.

ضحكت بسخرية وتابعت: دى مش بعيد كمان نبتزها ونسحب منها أكتر..

ثم أكملت بفحيح أفاعي وكأنها تزرع الفكره برأسه: صدقني ده الحل الوحيد اللي هيخلي صافيناز متركزش معانا، وطبعا لازم الناس اللي تبعك يثبتوا أنك من الشغل للبيت ومن البيت للشغل، حتى دلوقتي انتِ نايم في سابع نومه، ولازم تعمل نفسك زعلان.

عاد بظهر على الاريكه: من ناحيه عامل نفسي زعلان فعاملها أوي، وبنام على الكنبه كمان مقلقيش.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل 

صباح يوم جديد

كان رشدي لايزال في الموقع واقفا أمام سيارته يحتسي قهوته، بينما يتحرك المهندسون والعمال من حوله في توتر واضح محاولين إصلاح مايمكن إصلاحه.

أمسك هاتفه يتصفح صورا قديمة له مع مي في شهر العسل، وأخري قبل الزواج، توقفت عيناه عند إحدى الصور وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ممزوجه بخوف خفي من فقدان تلك السعادة.

ظل يتأملها بين ابتسامة دافئة وأخرى باهتة تحمل أنينا مكتوما... وفجأة رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة، ثم رد: أيوه يا باشا.

جاءه صوت عزت حادا: إيه يا رشدي؟ وصلت لإيه؟

تنهد وقال بهدوء متماسك: لسه يا باشا، بس قربنا.

انفجر في وجهه: يعني إيه لسه؟! تعاللي حالا! أنت واقف هناك بتنيل إيه اصلا؟!

أغمض عينيه لحظة، وقال: حاضر جاي.

أغلق الهاتف بضيق، وأنهى قهوته دفعة واحدة، ثم ألقى بالكوب بعيدا، والتفت إلى المهندس رياض: أنا ماشي، خليهم ينجزوا وأول ما التقرير يطلع يتبعتلي فورا.

ثم نظر إلى شوقي بنظرة حادة: شوقي خد بالك من كل حاجة هنا.

لم ينتظر ردا، واستقل سيارته، وانطلق بها مسرعا.

قصر الراوي،7صباحا

وقف سليم أمام المرأة، مرتديا بدلته بأناقة وهيبة، صفف شعره ورش عطره بابتسامته هادئة تزين شفتيه.

أما ماسة، فكانت مستغرقه في نومها، نظر إليها عبر المرآة بابتسامة، ثم ارتدى ساعته وجاكيت بدلته، واقترب منها، ووقف للحظات يتأمل ملامحها البريئة بإبتسامة حب وعشق.

انحني يضع قبلة على خدها، فحركت رأسها قليلا، ثم أمسك كفها ووضع قبلة عليه، فلفت نظره الوشم بنصف قلب على معصمها، تبسم وقرب معصمه لها فأكتمل القلب، ابتسم بخفوت: مستحيل يتفرقوا عن بعض تاني، قلبي وقلبك ديما مع بعض، وهعمل المستحيل علشان احميكي وادفعهم ثمن كل دمعة نزلت من عينك، والخوف اللي حسسوكي بيه هيكون سجنهم.

وضع قبلة طويلة على شفتيها، ثم فتح درج الكومودينو، أخرج ورقة وقلم وكتب" أنا روحت المجموعة علشان ميشكوش في حاجة، متنسيش تتفرجي على حقك وهو بيتاخد، ولما أرجع هنحتفل تاني سوا يا أحلى قطعة سكر، مشاهدة ممتعه"

وضع الورقة بجانبها، ولم ينس أن يوصي سحر باحضار الفطور لها، بعد ذلك اتجه للمجموعة عازما على إكمال انتقامه بكل هدوء ودقة.
❤️______________بقلمي_ليلةعادل

مجموعة الراوي،8صباحا.

لا تزال العائلة مجتمعة مع المديرين والموظفين، الأوراق مبعثرة وحركة الدخول والخروج مستمرة، التوتر يملأ المكان، وأثناء ذلك، فتح الباب ودخل رشدي بصمت.

رفع عزت عينيه بابتسامة ساخرة: أهلا برشدي بيه رجل المصايب والفضايح!

زفر بضيق، وسحب مقعدا: طب ليه الكلام ده دلوقت.

ضرب عزت الطاولة بعصبية: ليه؟! أنت عاجبك اللي حصل؟! عارف الكارثة دي تمنها إيه؟ مش بس فلوس دي سمعة وقلة ثقة من الدولة فينا! أنت حطيتنا في وضع متمناهوش لألد أعدائي!

شد علي فكه محاولا التماسك: أنا مش فاهم العصبية دي كلها ليه؟ التقارير الأولي لسه مطلعش علشان تتهمني إن أنا السبب؟!

فايزه بهدوء حازم: سواء كان إهمال يا رشدي أو بفعل فاعل، في الآخر أنت اللي هتتحاسب!

في تلك اللحظة، فتح الباب مرة أخري ودخل سليم، فالتفت له عزت بغضب: أنت كنت فين كل ده؟!

سليم بهدوء وثبات: هكون فين يعني؟ كنت براجع الكاميرات ومنمتش طول الليل، قولت أشوف اللي حصل ده يمين ولا شمال، بس لسه موصلتش لحاجة..

جلس بهيبته وتابع وهو ينظر لرشدي: بس شكلها بنسبة كبيرة إهمال!

رد رشدي على نظرته باستهجان: تقصد ايه؟ عايز تقول إن اللى حصل إهمال مني؟ 

سليم ببرود: والله ده اللي هتحدده التقارير، وساعتها هنعرف الإهمال منك ولا من حد تاني، عموما أنا لسه بدور وجيت أشوف إيه الجديد.

زفر عزت بتعب: خسارة كبيرة يا سليم تكلفة ضخمة والمهندسين شايفين إن المشكلة في الأساسات والبنية التحتية، يعني كل حاجة هتتهد وتتعمل من أول وجديد.

عبث وجه سليم بتمثيل: كده إحنا هنبدا من الصفر تقريبا والتكلفة هتبقى عالية جدا غير الوقت، إحنا المفروض نسلم 60% كمان شهرين!

فجأة دخلت السكرتيرة بوجه مصدوم: عزت باشا في مصيبة!

رفع رأسه بحدة: مصيبة إيه ..؟

مدت يدها بعدة جرائد: خبر انهيار الكوبري انتشر في كل الصحف والقنوات! والبرامج كلها ملهاش سيره غيره!

اتسعت عينا فايزة وصرخت: أنتِ بتقولي إيه؟!

بيننا ارتبكت صافيناز فالأمر في صميم عملها، نظر عزت إليها بغضب: ده حصل أزاي؟! أنا مش قولت محدش يعرف؟ 

دافعت عن نفسها بسرعة: وأنا ذنبي إيه يا باشا؟ ما أنا مع حضرتك طول الليل، بحاول أحل! وعملت كل اتصالاتي..

أضافت بفحيح افاعي: حضرتك بدل ماتزعقلي أنا، زعق للي اتسببلنا في المصيبة دي! إحنا من امبارح لحد دلوقتي في المجموعة منمناش دقيقة واحدة بسببه!

رفع رشدي عينه ببرود، وقال بطريقته المعتادة: حربوقة مش نقصاكي على الصبح، إحنا لسه مصطبحناش..

صافيناز بحدة: أنت لسه ليك عين تبجح؟!

أجابها باستهجان: آه هبجح لما ألاقي حد بيصطاد في المية العكرة!

اشتعلت عيناها غضبا، وردت باشمئزاز: مية عكرة إيه؟! حقيقي سوقي، اتكلم باحترام يا...!

مال نحوها، وصوته انخفض بحدة: طب لمي نفسك وحلي عني بدل ما أوريكي السوقي بيعمل إيه...

ضرب عزت بيده على المكتب: بس أنت وهي، ده وقت خناقات تافهه!

ساد الصمت لحظة، ثم وجه حديثه إلى صافيناز: الموضوع ده مسؤوليتك شوفي انتشر أزاى؟ 

تدخل سليم بهدوء: يا باشا صافيناز كانت هتعمل إيه؟ ده كوبري في مكان حيوي طبيعي جدا الخبر ينتشر، حاجة زي دي مش هتتخبى مهما حصل...

صمت لحظه، وتابع بنبرة أخبث وهو يرمق رشدي: بصراحه الغلط من الأول كان في توقيت جوازك يا رشدي، كان لازم تستنى شوية وتركز في المشروع اللى أنت بنفسك اتمسكت بيه.  

اومأت فريده بتأييد: سليم عنده حق بصراحه.

ضحك رشدي بمراره ساخره: اها؟! انا كده فهمت مش تقولوا انكم قررتوا تشيلوني المصيبه لوحدي، والله لو مكنتوش عملتوا كده؟ كنت هشك إن حصلكم حاجة، بس انتم كده تمام انا كده اطمنت عليكم..

فريده بحده: انت ليك نفسي تهزر.

عزت بضجر: سيبك منه الغلطه كانت غلطتي انا اني وثقت فيه.

وفي تلك اللحظة، فتح الباب ودخل رياض ومعه بعض المهندسين، وملامحهم تحمل توترا واضحا...

نظر له عزت بقلق: إيه يا رياض؟ وصلتوا لإيه؟

خفض عينيه، وقال بصوت متردد: للأسف يا باشا التقرير المبدئي بيأكد إن كان في تلاعب في الأساسات، الخامات والمواد المستخدمة مش مطابقة للمواصفات، وده السبب الرئيسي في انهيار الكوبري!

ساد صمت ثقيل للحظه، اتسعت فيها عينا رشدي بصدمة: يعني إيه الكلام ده؟! هات التقرير وريني!

بينما ارتسمت ابتسامة انتصار على شفتي سليم جاهد لاخفائها.

مد رشدي يده ليأخذ الملف، لكن عزت سحبه من بين يديه بعنف: أنت خليك مكانك! لا تشوف ولا تتكلم! تقعد زيك زي الكرسي ده يا فاشل! 

تجمد رشدي مكانه، واشتعلت عيناه، لكنه لم ينطق.
فتح عزت الملف، وبدأ يقرأ بسرعة، ثم أشار إلى رياض: اقعد! وفسرلي كل تفصيلة، عايز أفهم اللي حصل ده حصل إزاي!

ثم رفع نظره لرشدي: والتقارير اللي كانت بتجيلك فين؟! لازم نعمل مقارنة.

أجابه بصوت مكبوت: في المكتب هروح أجيبها.

قاطعه عزت بحدة: لا خليك! احنا مش عايزين نتعبك، ماهى! هاتي كل الملفات من مكتبه فورا.

ثم التفت إلى صافيناز: وأنتِ حاولي تلمي الموضوع بأي طريقة، شوفي حل يا فايزة خليكي معاها.

تقدمت فايزة وهي تحاول تهدئته: حاضر يا عزت اهدى أنت بس، أنا هكلم الصحف كلها ونحاول نكتم علي الموضوع حتى لو هدفع فلوس.

بدأت الأصوات ترتفع من جديد، نقاشات، أوامر، توتر يملأ المكان، اجتماع تحول إلى أزمة حقيقية، والكارثة بدأت تكشف عن جميع أوجهها.

علي اتجاه آخر/ قصر الراوي

كانت مي لا تزال ممدده على الأرض، فقد غفت في مكانها بعد أن أرهقها كثرة التفكير والبكاء.

تعالي رنين هاتفها، فتملمت في نومتها حتى فتحت عيناها، ثم اعتدلت تدلك رقبتها بألم، ومدت يدها إلي الهاتف وما إن رأت اسم والدها اتسعت عيناها باستغراب، ثم أسرعت تجيب: ألو، إيه يا بابا، أنت كويس؟

جاءها صوت والدها قلقا: آه يا حبيبتي كويس، المهم أنتم كويسين؟ طمنيني عليكم؟

اجابت باستغراب: آه يا بابا كويسين.

تساءل والدها بقلق: طب ورشدي عامل إيه؟ الدنيا عندكم تمام؟ لو في حاجة أقدر أعملهالك؟

ارتبكت: في إيه يا بابا؟ أنا مش فاهمة حاجة!

رد بهدوء: يا بنتي ركزي معايا أنا بتكلم علي الشغل بتاع جوزك، الكوبري اللي وقع، الموضوع مالي السوشيال ميديا وكل الأخبار.

شعرت بالصدمة: كوبري إيه!؟ أنا مش فاهمه حاجه!

والدها بصوت أكثر جدية: أنتِ نايمه ولا أيه يا مي؟ بقولك جوزك حصلت مصيبه في شغله، والأخبار من الصبح ملهاش سيرة غير الموضوع دى معقوله معاه في نفس البيت ومتعرفيش؟!

أجابته بتوتر: أصله مقاليش حاجه، ومشوفتش أي أخبار من امبارح، استني كده خليك معايا.

فتحت الفيسبوك تتصفح الأخبار، فوجدت الخبر منتشر بالفعل واسم عائلة الراوي في كل مكان، ارتجفت فهي تعلم ان رشدي هو المسؤول عن ذلك المشروع: اه يا بابا، الخبر مالي الميديا فعلا.

أجابها بقلق: طيب يا بنتي، فهميني... انتوا كويسين؟

ردت بتوتر: إحنا كويسين، بس أنا مش فاهمة حاجة رشدي كان شغال طول الليل ومشفتوش، هكلمه دلوقتي اطمن عليه وأفهم منه. 

اجابها: طب ابقي طمنيني.

أغلقت مع والدها وحاولت الاتصال برشدي، لكنه لم يجيب؛ كان منشغلا بالاجتماع وهاتفه علي وضع الصامت، شعرت بالقلق ومسحت علي وجهها بارهاق، ونهضت وما إن رأت انعكاسها بالمرآه حتي تجمدت مكانها، وظهر الصراع بداخلها واضحا؛ فهي تريد رؤيته والاطمئنان عليه، تشعر أنه بحاجة إليها، ولكنها مازالت غاضبه منه بفعل ماعرفته بالأمس.

همست لنفسها: أنا بس هشوفه عامل إيه وبعدين هروح لأهلي، استحاله هسامحه علي كدبه عليا.

دخلت الدريسنج بدلت ملابسها وخرجت.
 رأت أحد الحراس فقالت: لو سمحت، طلعلي عربية.

تردد الحارس: يا فندم مش هينفع، في أوامر من رشدي بيه بمنعك من الخروج.

رفعت حاجبيها بشدة: أنا رايحة لرشدي بيه، هو طلبني أنا عايزة حد يوديني المجموعة يلا.

في تلك اللحظه اقترب حارس: حاضر يا هانم، لحظة واحدة هجيبلك العربية وأوصلك بنفسي. 

اسكتلندا،10صباحا.

جلس ياسين في الشرفه، يقرأ الأخبار بصدمة واضحة، حاول الاتصال برشدي... ثم بوالده... ثم فايزة... لكن لا أحد يجيب.

عاد يقرأ الخبر مرة أخرى، بينما دخلت لوجين تقول بابتسامة: حبيبي، مش هنلبس بقى علشان ننزل؟

لكنها توقفت عندما رأت ملامحه: مالك يا ياسين؟

قال بقلق واضح: كارثة يا لوجين...

جلست أمامه بسرعة: في إيه؟

اجابها: السوشيال ميديا كلها بتتكلم عن انهيار كوبري من مشروع المجموعة.

اتسعت عيناها: يا نهار؟! حد حصله حاجة؟

رد موضحا: لأ الحمد لله لسه مشتغلش، بس محدش بيرد عليا، هحاول أكلم سليم تاني كمان شويه.

نظرت له بتردد وبادرت: تحب ننزل مصر؟

اومأ برأسه: لو الموضوع كبير أكيد هننزل بس هستني اشوف سليم هيقول ايه...

وبدأ القلق يتسلل إلى لحظات كان المفترض أن تكون هادئة.
         
في المجموعة 

كان الاجتماع لا يزال قائما يحاولون التوصل إلي حل ينتشلهم من تلك الكارثه.  

نظر عزت لرشدي، وقال بحدة لاذعة: إيه ده؟! كانوا بيضحكوا عليك؟ بيدوك تقارير مزورة، وأنت طبعا علشان فاشل وغبي مفهمتش؟!

أجابه بصوت خرج مكبوتا لكنه ثابت: يا باشا أنا كنت متابع وكل حاجه كانت ماشيه تمام، والعشر أيام اللي أنا سافرتهم سليم كان هو اللي متابع.

ضيق عزت عينيه: عايز تقول إن سليم هو السبب؟!

هز رأسه بسرعة: أنا مقولتش كده، بس أنا فعلا مش فاهم اللي حصل ده حصل أزاي.

انفجر عزت: يعني إيه مش فاهم؟! ماهو ده الفشل بعينه!

رشدي محاولا التماسك: يا باشا أنا مش فاشل، وبعدين ممكن يكون في تلاعب، خلينا ندور!

قهقه عزت بسخرية: ندور؟!

ثم قال بحدة قاطعة: أنت من هنا ورايح ملكش وجود.

تجمد رشدي: يعني إيه؟!

اجابه بحسم: يعني المشروع دى هيتسحب منك خلاص وهيبقى مع سليم، لأنك أثبت إنك فاشل وأصغر بكتير من إنك تمسك مشروع بالحجم ده.

أضاف بسخط وتقليل: هتقعد على مكتبك، تتفرج وبس! علشان إنت فعلا ملكش لازمة، دمرتنا وضيعتنا!

اشتعلت عينا رشدي: يا سلام؟! ولما صافيناز وسليم بيضيعوا عادي؟ ماسليم ضيع ملايين قبل كده ومعملتلوش حاجه، إشمعني أنا؟!

عزت بقسوة: آه ضيع ملايين، بس كسبنا مليارات! إنما أنت؟! المخدرات أكلت دماغك، بس أنا غلطان إني اديتك مشروع زي ده، ويكون في علمك أرصدتك كلها هتتسحب علشان نغطي المصيبة دي، ويا ويلك لو التقارير النهائية أثبتت إهمال أو سرقة!

ساد صمت ثقيل، ثم التفت إلى سليم: سليم المشروع من النهارده معاك.

وقبل أن يجيب، لمعت عينا صافيناز وقالت بسرعة واستغلال لأمر: طب ما أخده أنا يا باشا! سليم عنده شغل كتير، لكن أنا مش هيبقي معايا إلا المشروع دى واقدر اشتغل عليه كويس، وأنت شايف شغلي الخاص في مستحضرات التجميل وصل لفين بقي براند عالمي مش محلي بس!

نظر إليها متردد لثوانٍ، بينما تدخل سليم بنبرة خبيثة:صافيناز معاها حق يا باشا، خليها تاخده وأنا موجود لو احتاجت حاجه.

فهو يعلم في قرارة نفسه أنها لن تمتلك وقتا كافيا للعمل على هذا المشروع، وأن نصيبها من الصدمة لم يتبقَّ عليه سوى أيام قليلة حتى تأخذه هي الأخري.

اومأ عزت: تمام يا صافيناز المشروع من النهارده معاكي.

كان رشدي صامتا، يستمع لكل شيء وعيناه ممتلئتان بمرارة يحاول إخفاءها، كان يعلم في داخله أن أي خطأ حتى لو لم يكن منه، سيحاسب عليه، فهو دائما من يدفع الثمن.

تنهد بعمق، ثم نهض قائلا: اعملوا اللي تعملوه، أنا ماشي.

صرخت فايزة بشدة: تمشي تروح فين؟! اقعد!

نظر لها ببرود: وأقعد ليه؟ ده شغل مهندسين وأنا لا هفهم فيه ولا هفيدكم بحاجة، بعدين مش صافيناز خدته خلاص اسحب أنا...

وأضاف بلوم ساخط: يمكن لو كنتوا دخلتوني هندسة كنت عرفت افيدكم دلوقتي!

عزت بسخرية لاذعة: كنت هتبقى فاشل برضو، انت مش فالح غير في السكر والادمان والبنات! اترزع مكانك.

مسح رشدي وجهه بضيق وقبل أن يجيب رن هاتف عزت.

نظر إلى الشاشة بقلق "الوزير..."

أشار للجميع بالصمت، ثم رد: صباح الخير يا عدلي بيه.

جاءه صوت رزين من الطرف الآخر: إيه اللي حصل ده يا عزت؟

أجاب بسرعة: أكيد خطأ غير مقصود وأنا هعرف المسؤول وهيتحاسب حساب عسير.

رد الصوت ببرود: أنا مش فارق معايا مين يتحاسب، اللي حصل ده كارثة، الملف بتاعك دلوقتي في الوزاره وبيتراجع وفي لجنة هتنزل تفحص كل الكباري، وجه قرار أن المشروع ينسحب منك.

شد عزت على الهاتف: انت بتقول ايه يا عدلي أنا عزت الراوي...

قاطعه الصوت: الأوامر جاية من فوق يا باشا، وأنا حبيت أبلغك علشان تبقى في الصوره، دقائق وهيجيلك قرار رسمي..

توقف لحظة، ثم قال بوضوح: لو عندك فرصة تنقذ نفسك أثبت بسرعه إن اللي حصل ده بفعل فاعل مش إهمال، وخد بالك انت مطلوب كمان ساعتين في الوزاره حضر ورقك يا عزت، خسارة اللي حصل ده هيرجعك سنين لورا.

أغلق الخط، بينما ظل عزت ممسكا بالهاتف بصدمه، والصمت هذه المرة، كان أثقل من أي لحظة سبقتها.

تساءلت فايزه بقلق: إيه اللي حصل يا عزت؟

خرج صوته محملا بالغضب: كارثة! أنا مطلوب في الوزارة كمان ساعتين، عدلي كلمني بنفسه علشان يبلغني وبيقولي حضر ورقك، المشروع هينسحب سمعة المجموعة بتضيع، عشان أنا للأسف وثقت في واحد مدمن وفاشل!

صاح رشدي بنفاذ صبر وعينيه تلمعان بالغضب: باشا هي أول مرة نخسر مشروع؟! كل شوية فاشل فاشل، أنا مش فاشل!

نظر له عزت باحتقار، وصوته ازداد قسوة: لأ فاشل ومدمن! وهتفضل طول عمرك كده! ومتستحقش المكان اللي أنت فيه، الكرسي ده أفيد منك!

ثم نظر من حوله وقال بآمر: بلغوا الأمن ان التافه ده ميعتبش المجموعه هنا تانى!

اشتد نفس رشدي، وتوقف يقول بتحدي: أنا هاجي وهدير كل حاجة، وبطل تعاملني كده، ما هو سليم ..

قاطعه عزت بحدة وانفجار: متجيبش سيرة سليم على لسانك! وبطل تداري خيبتك وفشلك بغيرتك منه..

ثم تحرك وتوقف امامه وهو ينظر داخل عينه: عايز تعرف إحنا ليه بنفضل سليم عنك؟ علشان سليم شاطر، عرف يشتغل ويكسبنا ملايين! عارف قيمه نفسة وعامل لنفسه قيمه واحترام، ومجرد مايدخل اي مكان بيحترموه، قدر يعمل لنفسه سمعه وكيان من وهو ٢٥سنه، إنما إنت؟! طول عمرك فاشل مبتعرفش تعمل حاجة! والناس بتستهيفك، ولو عملولك قيمه ده بس علشان اسم العيله.

أشار له باستهزاء، ونبرته امتلأت احتقارا: بتفضل تقول " أنا بعرف... أنا جامد" وأنت ولا جامد ولا نيلة، أنت فاضي! ده أنت وصلت لدرجة فشل لو جبت شوية خضار وقعدت تبيعهم هتفشل برضو!

تعالت همهمات خافتة في الغرفة، ودخلت مي ولكن لم يشعر بها أحد حيث كانت جميع الأنظار معلقه بترقب علي النقاش المحتد أمامهم.

تابع عزت دون أن يلتفت لأحد: خليت شوية مهندسين وعمال يتفقوا عليك ويسرقوك! عارف ده معناه إيه؟! معناه إنهم شايفينك مهزق وهلهول! مش مستعنين بيك..

هز راسه وأضاف: تلاقيهم دلوقتي بيضحكوا عليك، علشان هي دي مكانتك وقيمتك اللى تستحقها، علشان كدة عمري ماوثقت فيك واديتك مشروع، والمشروع ده وافقت اديهولك بس بعد الحاح كبير من سليم اللي دايما عاملك صداع في دماغك لانه احسن منك، وفي الاخر ايه اللي حصل؟! خلتني انا عزت الراوي يا فاشل أروح للوزير عشان ابرر اللي حصل..

هبطت الكلمات على رشدي كالسهام تطعن قلبه دون هوادة، نعم اعتاد التوبيخ منهم، لكن هذه المرة كانت مختلفه فالإهانة أمام الجميع.

اشتعلت عيناه بدموع تأبى السقوط، وجز على أسنانه بغيظ يشتعل داخله… لكنه ظل صامتا، عاجزا عن الرد، لا يدري لماذا، وكأن قوة خفية أجبرته على الصمت. 

بينما واصل عزت بسخرية لاذعة: أنت اصلا ملكش دعوة أزاى بنجيب الفلوس وبنعمل مشاريع ونبقى رجال أعمال يتعمل لهم حساب! لانها بتيجي بالعقل والشخصية اللي مش عندك، مش باللسان القذر وأساليب البلطجة بتاعتك!

اقترب منه خطوة، ونبرته ازدادت قسوة: الاحترام مش بيتفرض بالعافية ولا بالصوت العالي ولا بالهبل اللي إنت بتعمله!

ثم أشار له بازدراء: خليك إنت بقى في اللي بتعرف تعمله البنات واسهر واشرب مخدرات، وبعزق فلوسك على ستات تضحك عليك وتديك على قفاك!

ضحكة ساخرة خرجت منه، باردة وقاسية: هو ده اللي أنت شاطر فيه! متاكد انك في الموضوع دي بالذات لو دخلت منافسه مع سليم هتكسب وتكتسح...

هز رأسه، وتابع بحده: فنصيحه بقي خليك في ده وبلاش تضحك على نفسك وتفكر إنك ممكن تبقى حاجة لأنك عمرك ماهتبقي حاجة

نطق رشدي أخيرا بصوت محتدم: لازمته ايه الكلام ده هنا؟ انت فاكر لما تقول كده قصاد الناس وتهني انت كده هتبقى حلو وجامد؟!

رمقه عزت بضيق: مش بقولك بجح، دي حاجه الوحيده اللي بتداري فيها خيبتك! وبعدين ليه مش هنا؟ بالعكس  هو ده مكانه ووقته! علشان الشباب والمهندسين الحلوين دول يتعلموا من فشلك.

عض رشدي خده من الداخل بغضب، محاولا كتم دموعه التى تجمعت داخل عينه رغما عنه، فيما عقله يتقاذف بين الغضب والهزيمة والمرارة.

تابع عزت، وهو يشر بيده للجميع: بصوا يا جماعة، ده رشدي الراوي ابني للأسف! 36سنة، معملش حاجة واحدة تتذكر! لو عايزين تتعلموا بصوله! ده نموذج ممتاز للفشل تتعلموا منه!

تصلب جسده، وقبض علي يداه بقوة، لكنه ظل صامتا يجز على أسنانه، حتى جاءت الطعنة الأخيرة عندما واصل عزت بسخرية لازعه: حتى مراتك بعد 10أيام جواز مستحملتكش وهتمشي!

في تلك اللحظة.. تبدل كل شيء.

اسودت عيناه بسواد خطر، وصوته خرج حادا: لأ عندك! كله إلا مراتي!

اقترب خطوة، ينظر في عيني عزت مباشرة: هو أنت فاكر لما تهني قدام الناس، كده أنت هتبقي راجل وبتعلمني الادب؟! أنت كده بتثبت إنك أب فاشل!

تجمد الجميع في أماكنهم، بينما تابع رشدي بغضب: بص للناس اللي شغالة عندك شايفينك إيه دلوقتي؟ واحد بيهين ابنه قدامهم! اكيد شايفينك انتهازي ووصولي وعديم رحمه..

ثم أشار بيده بعصبية: أنت فشلت تربي عيالك السبعة، ومفيش حد فيهم نجح غير سليم! مش رشدي لوحده اللي فاشل كلهم فشله زيي، بس الفرق إني الوحيد اللي كنت بغامر وعايز أكبر وجربت أكتر من مره..

بدأ التوتر يتصاعد بشكل مخيف، فتابع بشراسه: ولما سليم سابنا زمان فشلنا ندريها كلنا، حتي انت والهانم فشلتوا...

تابع بسخريه حاده: لو انت جامد كده! ليه بتعتمد على سليم في كل كبيره وصغيره؟! عارف ليه؟! علشان أنت كمان فاشل بتخبي فشلك ورا نجاح غيرك، انت لولا سليم كان زمان الامبراطوريه دي انتهت من زمان، علشان كده مش بيبقي ليك عين تحاسبه لو غلط!

اشتعلت عينا عزت، بينما صوت رشدي ازداد جرأة وخطورة: أنت يمكن نجحت تعمل إمبراطورية على اكتاف سليم، بس فشلت تبقى أب!

صمت ثقيل خيم للحظه، قبل أن يضيف رشدي بنبرة تحمل تهديدا واضحا: فلم الدور بدل ماقسما بالله العظيم بكلمه مني اجيبلك ضرفها، واظن أنت عارف كويس أنا عندى إيه واقدر اقول ايه؟! وعليا وعلى أعدائي..

ثم مرر عينه على الجميع، وصاح بشدة: ويكون في علمكم مش رشدي اللي هيحاسب على المشاريب في الاخر.

نظر في عين عزت بتحدي: وهدخل المجموعة وهدخل القصر وهعمل كل حاجه بمزاجي.

وفي لحظه انفعال خاطفه، رفع عزت يده ليصفعه، لكن رشدي أمسكها في الهواء بعنف، ونظر له مباشرة: لااا  عندك!! أنا مش عيل صغير علشان تضربني، ومن اللحظة دي مش هسمح لحد يرفع ايده او لسانه عليا، ولا يرمي فشله عليا، وأنا لساني طويل ومش هحترم حد!

شهقات صدمة خرجت من الموجودين... لكن عزت لم يتراجع، سحب يده وصفعه باليد الأخري، ثم دفعه بقوة جعلته يسقط أرضا، وصاح بغضب: اطلع بره يا كلب! يا فاشل! يا مدمن! أنت ملكش وجود هنا من النهارده، فين الأمن!! ارموا الزبالة دي بره!!

سقط رشدي على الأرض، أنفاسه تتصاعد، والغضب يمزق ملامحه، عيناه تشتعلان وكأنه على وشك الانفجار، رفع رأسه نحو سليم وحاول النهوض عازما علي فضح كل شيء...

ولكن اختنق صوته فجأة، وتكسرت الكلمات داخل حلقه حين وقعت عيناه على مي متسمرة على عتبه الباب، كأن الزمن توقف عندها !

كانت عيناها متسعتان بصدمة، والدموع تلمع بها، وأنفاسها متقطعة كأن قلبها لا يحتمل ما سمعه وما رآه.

في تلك اللحظة اختفى غضبه فجأة كأن شيئا مانتزع منه قصرا، وحل مكانه انكسار مهين ووجع يمزق قلبه، فتجمعت الدموع في عينيه وانسابت منه دون إرادة.

كان يستطيع تحمل الإهانة والألم وكلماتهم جميعا، لكن ليس أمامها…!

نظر إليها نظرة رجل سُلبت منه أقنعته، فبدا ضعيفا مكسورا، وهو أكثر ما كان يخشاه؛ أن تراه هكذا.

تلاقت نظراتهما؛ هي بوجع وصدمة، وهو بانكسار وضعف.

عجز عن الحركة والكلام لثواني، وكل مابداخله يصرخ "ليس هكذا… " تمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن تظل هذه الصورة عالقة في ذهنها.

قطع هذه اللحظه، تقدم الأمن حتي كادوا يمسكون به، ولكنه توقف مسرعا، وأخرج مسدسه وهو يصيح بغضب: محدش يقرب مني! اللي هيقرب مني هفرتك دماغه.

اتسعت عينا مي بصدمه، وصرخت محاولة تهدئته: رشدي مش كده، نزل السلاح!

نظر إليها بانكسار للحظه ودموعه تنساب ببطء، قبل أن يرفع عينيه إلى الجميع بنظرة مشتعلة بغضب وكره لم يعرف قلبه مثلها من قبل، ثم اندفع مسرعا إلى الخارج.

صرخت مي وهي تهم بالتحرك خلفه: رشدي! استنى!

لكن قبل أن تخرج رمقتهم بعينين مملوءتين بالعتاب واللوم: أول مرة بجد أتأكد إنه كان صح في كلامه، خسارة!

وتحركت خلفه مسرعة، لكنه سبقها إلى المصعد، حاولت إيقافه ولكن دون جدوى، فركضت نحو الدرج تحاول اللحاق به.

وحين لحقت به في الردهه صرخت: رشدي! استنى! خلينا نتكلم، رشدي! هتروح فين بس؟

لكن خطواته كانت سريعه، واندفع للخارج مسرعا، ظلت تصرخ، وهي تركض خلفه: رشدي! استنى! خلينا نتكلم!

لكنه لم يلتفت اليها، دخل سيارته وأدار المحرك وانطلق مسرعا.

وقفت تنظر إلى ابتعاد السيارة، بعينان ممتلئتان بالدموع، ثم رفعت نظرها إلى ذلك المبنى العريق باشمئزاز وضجر.

مسحت وجهها بارتباك، والتفتت حولها تبحث عن سيارتها، وما إن رأتها حتى ركضت نحوها، وقالت للسائق: اطلع بسرعه ورا رشدي بيه.

أومأ برأسه وتتحرك خلفه مسرعا، وأثناء ملاحقته رن هاتفها باسم "جنة" تجاهلته في البداية، فكان كل مايشغلها اللحاق برشدي والاطمئنان عليه، ولكن الهاتف لم يتوقف عن الرنين، فأخرجته من حقيبتها وحينما رأت الاسم تنهدت بقلق وأجابت: أيوه يا رحمة إزيك؟

جاءها الرد: احنا هنستناكم ولا نمشي على المستشفى؟

شهقت مي: يا نهار أبيض! أنا نسيت خالص حوار العملية! خلاص روحوا إنتوا وأنا هجيلكم على هناك.

إجابتها: تمام مستنيينك.

أغلقت الخط، ونظرت إلى سيارة رشدي التي تبتعد أمامها، ثم إلى السائق الذي يحاول اللحاق به، ثم إلى هاتفها، ودار داخلها صراع بين شخص يهرب منها، وشخص آخر يحتاجها.

لم تعرف ماذا تفعل، لكن قلبها حسم القرار: اقف علي جمب لو سمحت.

نظر إليها باستغراب، فأكملت: أنا هنزل هنا علشان عندي مشوار مهم، وأنت خليك ورا رشدي بيه.

أومأ السائق، فنزلت سريعا وأوقفت تاكسي، ثم صعدت تقول: مستشفى النوري بسرعة لو سمحت.

وبالفعل توجهت إلى المستشفى، بينما كان رشدي يقود سيارته بشكل عشوائي كأنه يهرب من نفسه.

على اتجاه آخر... في المجموعة.

ربتت صافيناز  علي كتف عزت: اهدى يا بابي، هو خلاص مشي.

رد باختناق: محدش هيموتني ناقص عمر غيره..

ثم زفر وهو يقول: انا هقوم أروح الوزارة واحاول انقذ مايمكن انقاذه.

ثم أشار بصرامة: صافيناز أنا عايزك تركزي في المشروع ده كويس، متخلنيش أندم إني ادتهولك أنتِ كمان..

والتفت إلى سليم: وأنت يا سليم خليك معاها.

أومأ بهدوء: متقلقش يا باشا، إن شاء الله كله هيبقي تمام.

ثم نظر عزت إلى فايزة: وأنتِ حاولي تلمي الموضوع مينفعش ينتشر أكتر من كده.

هز الجميع رؤوسهم بالموافقة، بينما خرج عزت بخطوات سريعة، يحمل فوق كتفيه ثقل كارثة كاملة.

سادت لحظة صمت ثقيل قبل أن تنفجر الحركة داخل الغرفة؛ أوراق تجمع، مكالمات تجرى، وأصوات متداخلة تحاول السيطرة على الفوضى.

بدأ سليم يشرح بهدوء مدروس، ويوزع الأدوار، بينما كانت صافيناز تستمع وتضيف بعينين تلمعان بطموح واضح.

وبعد دقائق... انسحب سليم بهدوء واتجه إلى مكتبه.

وما إن دخل، حتى وجد مكي جالسا هناك يضع الحاسوب أمامه، ويتابع مايحدث بابتسامة مستمتعة.

أغلق الباب خلفه بابتسامة: كنت متأكد إني هاجي ألاقيك هنا.

رفع عينيه بابتسامة، ونزع السماعات: مهو مكانش ينفع أضيع على نفسي العرض الفاخر ده، أيه الجمدان ده كله الله عليك يا استاااذ، هايل كااات!

قهقه بصوت عالي، وقال وهو يتقدم نحوه ويفتح ذراعيه كدعوى لعناق يوثق الانتصار: أنت اللي جامد والله يامكوش، شغل من بتاع زمان على مايه بيضا، دى كفاية الفضايح بتاع انتشار الخبر الصبح بس، شوفت جننتهم أزاي؟ بجد تسلم ايدك.

عانقه مكي بأخوه وسعاده: أنت اللى تسلم أيدك ورجليك ودماغك كمان..

ثم مال ووضع قبلة خفيفة على رأسه: ربنا يخليهالنا المتكلفه دي، ايوة كده رجعنا لأمجاد زمان! لا وايه سالكه معاك علي الآخر..

قهقهه وتابع وهو يلوح بيده: يعني امبارح تبوظله الشغل يقوم عماد مديله اسفين معاها قبل ما الخبر يجيله بدقايق، ويجي النهارده لما يتهزأ على تكون هي واقفه وشايفه كل حاجه لايف!! دى أنت لو ظابط مواعيدك معاها على المسطره مش هتبقوا متناسقين كده!!    

ضحك سليم بخفة: هتحسدنا ولا إيه يا عم؟! لا، حاسب كده وأمسك الخشب..

ربت مكي على كتفه بمزاح: متقلقش أنا عيني خفيفه عليك.

ثم تابع بحماس: وبعدين إحنا لازم نحتفل باللي حصل ده، يلا ماتش بوكس!

ابتسم سليم بثقة مازحه: بس أنا اللي هكسب وهخيلك رشدي.

رفع مكي حاجبه سريعا: لا مادام هتتخيلني رشدي يبقى بلاها أحسن!

انفجرا الاثنان ضاحكين، وعانقا بعضهم مره أخري احتفالا بانتصارهم.

ربت مكي على صدره وقال: هافشيت غلك شوية؟ ولا لسه؟

تنهد وقال بنبرة هادئة تحمل رضا خفيا: يعني شوية، بس بصراحة تحس إن القدر الفترة دي واقف في صفي وبيسهلي كل حاجه.

توقف لحظة، ثم أكمل بابتسامة باردة: مكنتش متوقع إن مي تشوف اللي حصل ولا إن الباشا يمد إيده على رشدي بالشكل ده قصاد الناس مع موضوع إدمانه اللي اتعرف امبارح، 3 ضربات في مقتل..

أومأ مكي مؤيدا: ضربة تقيلة كسرته قدام الكل.

لمعت عينا سليم ببرود: وده اللي كنت عايزه، إنه ينكسر زى ما كسر ماسة.

اومأ مكي، وتحرك يمسك بحقيبه ويضعها على المكتب أمامه: صحيح انا خلصتلك موضوع الجامعة بتاع آلاء وماسة، وجبتلهم كل الكتب والملازم اللى محتاجينها.

أخذها منه، وقال: كويس والله، ماسة هتفرح أوي.

اومأ مكي وهو يحمل شنطه أخري: أنا هروح أوصل الحاجه لآلاء ودكتور مصطفي بنفسي وأشوف لو محتاجين حاجه تانيه.

اومأ سليم موافقا وأشار له: ماشي بس اقعد الأول عايزك.

جلس أمامه وتساءل بمزاح: خير، المره دي برج ولا مصنع!؟ 

قهقه سليم: يا عم لا، كنت بس عايزك تحطلي رشدي تحت عينك النهارده، أنا متأكد إنه هيغلط وممكن نمسك عليه حاجه، أخويا وأنا عارفه..

اومأ مكي بابتسامه: سهله، هيروح فين يعني؟ أكيد هيروح أي نايت من اللى بيروحهم..

تابع سليم بخث: ولو قدرت تزوق عليه بنت وتخليه يطلع معاها الأوضة، تبقى ميه ميه.

وقبل أن يرد مكي، تعالي رنين هاتف سليم، نظر إليه فوجد اسم "ياسين" يلمع على الشاشه، فقال: ثواني ده ياسين.

ضغط على زر الإجابه: ألو.

جاءه صوت ياسين القلق: ايوه سليم! إيه اللي حصل ده؟ بتصل عليكم من الصبح محدش بيرد.

اجابه بهدوء: معلش كنا مشغولين، زى ماشوفت كوبري وقع، بس متشغلش بالك أنت وخليك في شهر العسل.

ياسين بتوتر: إزاي يعني؟! أنا لازم أرجع!

اجابه بهدوء: يا ابني ملهاش لازمة هتيجي تعمل إيه؟ ما إحنا موجودين، اسمع الكلام واستمتع وسلملى على لوجين، سلام.

اغلق الهاتف ونظر لمكي قائلا: كنا بنقول ايه؟

مكي: كنا بنتكلم عن رشدي، عامة متقلقش أنا هعرف اتصرف وبالليل بإذن الله هيبقي معاك شوية صور وفيديوهات حلوه..

غمز له، فأومأ سليم ونهض يمسك بالحقيبه: ماشي، يلا أنا همشي معاك علشان أروح لماسة، وقول لعشري يغطي عليا.

أمسك مكي بالحقيبه الأخري: يلا بينا..

وخرجا معا بإبتسامة انتصار تزين وجوههم.

أحد المستشفيات الخاصة،11صباحا.

دخلت مي الغرفة، فوجدت جنة ممددة على الفراش، وبجوارها رحمة وإسعاد، والطبيب يجهزها للعملية.

ما إن رأتها جنة ابتسمت بتعب: مي جيتي، فين رشدي؟

اقتربت تربت على يدها وهي ترغم نفسها على الإبتسامة: جاي ورايا علطول، بيجيبلك ايس كريم.

تبسمت جنة: ماشي.

دخل الطبيب وقال بهدوء: احنا كدة جاهزين نبدأ العملية دلوقتي.

نظرت جنة بقلق: لا استنوا لما رشدي يجي.

تبادلت رحمة نظرة سريعة مع مي، وقالت بلطف: لا يا حبيبتى مينفعش، انت ادخلى دلوقتي علشان لما يجي تكوني فوقتي وتعرفي تلعبي معاه.

أشارت جنة بأصابعها لرحمه: لو طلعتي بتكديي عليل هخاصمك يوم ويوم ويوم.

رحمه بابتسامة: ماشي.

وبالفعل أخذتها الممرضات إلى الداخل، وأعطيت حقنة البنج، وبدأت العملية.

في الخارج...

جلس الجميع ينتظرون، وكانت مي صامتة شاردة، لم يفارق ذهنها ماحدث ليلة أمس، ومارأته صباحا؛ فرؤيتها لذلك الإنكسار في عينيه، جعل قلبها يضطرب رغم كل شيء، لكنها حاولت أن تُقسي قلبها، وتتذكر مافعله بها وماسببه لها، وكأنها تجبر نفسها ألا تضعف.

كانت رحمة تراقبها من حين إلى آخر بنظرات فاحصة. وفي تلك الأثناء، حاولت مي الاتصال برشدي أكثر من مرة، للاطمئنان عليه، وليأتي قبل خروج جنة لكن دون جدوى.

تسألت اسعاد: هو رشدي مش جاي؟

مي بحرج: شكله كدة، اصل في مشكلة كبيرة حصلت في الشغل.

رحمه بتأييد: فعلا انا قريت على فيسبوك إن فيه كوبري وقع من شغلهم، بس محدش يقول لجنه انه مش هيجي، نقولها انه جه وبص عليها وبعدين راح شغله وجي تاني، وهي كده كده هتكون تعبانه فمش هتزعل اوي وتلح. 

اومات مي برأسها بصمت.

وبعد وقت...انتهت العملية، وتم نقل جنة إلى غرفتها.
جلسوا جميعا ينتظرون حتى بدأت تستعيد وعيها...

فتحت عينيها ببطء، وأول كلمة خرجت منها: رشدي فين؟

ترددت مي لحظة، ثم قالت بهدوء: عنده شغل كتير، بس سأل عليكي وجه شافك وانتِ جوه ومشي.

لمعت عيناها بالحزن: يعني مش جاي؟

قبل ان ترد مي، سبقتها رحمة بسرعة: ممكن ميعرفش يجي النهارده، بس هو أكيد هيجيلك بكرة إن شاء الله، يلا ارتاحي ياحبيبتي، أنتِ موجوعة.

هزت جنة رأسها بخفة، التعب ظاهر عليها.

إسعاد بحنان: نامي، ومتتكلميش كتير.

همست بصوت واهن: حاضر يا تيته...

لم تكن قادرة على الكلام كثيرا، الألم والتعب كانوا ظاهرين عليها بشدة، عدلت مي الوسادة خلف رأسها لتساعدها علي النوم بشكل مريح، ثم جلست بجوارها تحاول تهدئتها وربما تهدئ نفسها أيضا.

الفيلا التي يمكث بها مصطفى،12ظهرا

وقف مكي مع مصطفى وآلاء في الردهة، وكانت آلاء تحمل بين يديها كومة من الكتب، بينما كان مصطفى يمسك حقيبة ممتلئة بالكتب والملازم.

مكي بنبرة عملية لطيفه: أنا جبتلك كل الملخصات والملازم، لما سألت مين أشطر واحدة في الدفعة، قالولي آلاء ومختفية، بعدين ذكروا اسم واحدة تانية قابلتها بنفسي وأخذت منها المحاضرات المهمة، وقابلت الدكاترة بتوعك وخليتهم يحددولك الحاجات المهمه اللي الامتحان مش هيخرج براها، ومتقلقيش موضوع الغياب كمان انتهى، واخدتي كل أعمال السنة.

ابتسمت بامتنان: بجد شكرا جدا، والله مش عارفة أقولك إيه، انت أنقذتني.

هز رأسه بتهذب: مفيش شكر علي واجب، ولو احتاجتي أي حاجة رقمي مع دكتور مصطفى، بلغيني علطول وهجيبهالك.

ثم أخرج ورقة من جيبه وأعطاها لها: ده رقم صديقتك اللي أخدت منها كل الحاجات المهمة، اسمها زينب عبد العال.

أجابت آلاء: أيوه، زينب صاحبتي، وشاطرة جدا.

تابع مكي: ممكن تتواصلي معاها بالرقم اللي معاكي..

ثم اضاف محذرا: بس مفيش تفاصيل تتقال، لو سألتك انتِ فين هتقولي مسافرة عند أهلي، أي حاجة تخص مكانك ممنوع مفهوم؟

أومأت برأسها: فاهمه، حاضر.

أضاف: وياريت تبلغيها إن الرقم مش خاص بيكي وانه رقم حد من العيلة وبلاش تديه لحد، وخليكي طبيعية جدا علشان متشكش في حاجة.

تنهد وتابع: وجدول الامتحانات إن شاء الله أول ماينزل هبلغك بيه، وهنظبط مع بعض موضوع مرواحك الامتحان. 

ابتسمت: تمام

سأل مكي وهو يمرر عينه عليهما: محتاجين أي حاجة تانية؟

أجاب مصطفى: لا، شكرا يا مكي وبلغ سلامي لسليم وماسة.

اومأ إيجابا بصمت، فسأل مصطفى: كنت عايزة أسألك على حاجة صحيح، هو حوار الكوبري اللي وقع ده هيأثر على أي حاجة؟

هز رأسه مطمئنا: لا مش هيأثر على أي حاجة، ده جزء من الانتقام متقلقش، وأي جديد، وأي تفاصيل هتجيلك علطول.

ثم هم بالمغادرة: بعد إذنكم.

وعقب مغادرته، نظر مصطفى الى الاء وقال بمرح: مش كنتي مستعجلة علي الشقي، اهو النهارده هيبدأ وأنا اللي هذاكرلك بنفسي، خصوصا الباطنة اللي مش طايقاها.

ابتسمت وهي تضم الكتب إلى صدرها: والله أنا مبسوطة جدا، اشتقت للدراسة.

ابتسم، وقال مداعبا، وهو يشير بإصبعه محذرا: واهو يا ستي من النهارده هنبدأ المذاكرة، بس خدي بالك أنا دكتور رخم اوي وإيدي طويلة!

ضحكت بمرح، فاهتز كتفاها بخفة، بينما ظل هو يتأمل ضحكتها للحظات، وعيناه تلمعان بابتسامة هادئة.

ثم قال وهو يومئ برأسه نحو الداخل: يلا اطلعي بقى ودي الحاجات فوق وبلغي الحاجة إننا هنتغدى علشان أنا جوعت.

أومأت برأسها بابتسامة وتحركت مبتعدة، بينما تابعها مصطفى بابتسامة خفيفة لا تزال على شفتيه، وبعد لحظات، أخرج نفسا هادئا، ثم استدار متجها نحو الحديقة.

القلج،1ظهرا

دخلت رحمة تحمل جنة بين ذراعيها وخلفها إسعاد ومي، توجهوا بها إلى الغرفة ووضعوها على الفراش برفق، ثم جلست مي من جهة، ورحمة من الجهة الأخرى.

تنهدت إسعاد بتعب: بقولكم إيه يا بنات أنا هروح أريح شوية علشان تعبت.

رحمة بهدوء: روحي يا خالتي، أنا قاعدة وهبات معاكم النهارده، وهعمل الغدا كمان.

ثم نظرت إلى مي من أعلي لأسفل: أنتِ هتتغدي معانا؟

هزت رأسها برفض: لا مش هينفع خالص، أنا شوية كده وماشية.

شدت جنة يدها بتعب: يعني مش هتقعدي معايا؟

ابتسمت بحنان ومسحت على يدها: هبقي اجيلك تاني، وهجيبلك حاجات حلوة ولعب وآيس كريم كمان.

هزت رأسها بصعوبة، وصوتها متقطع من التعب:
قولي لرشدي إني زعلانة منه وهخاصمه، يوم ويوم ويوم...بصي... 

رفعت أصابعها العشرة ببطء: قوليله إني زعلانة دول كلهم، ومش هكلمه تانى.

ابتسمت مي بحزن، ومسحت على شعرها: متزعليش منه، هو مجاش علشان حصله مشكلة كبيرة في الشغل، صح يا رحمة؟

رحمة بسرعة: آه وهو بيحبك وهيجي يشوفك.

تمتمت بعناد طفولي، بنبرة متعبه: لا، أنا زعلانة منه، وقوليله كمان إني زعلانة من بابا وماما، ومخاصماهم مش هكلم حد فيهم، هكلمك أنتِ ورحمة وتيتة بس.

ابتسمت مي وقالت بمهاوده: طيب يا ستي، مش أنتِ كنتي عايزة تنامي؟

اومأت جنه: أمم...

مي: طب يلا نامي.

سحبتها إلي صدها وأخذت تربت على شعرها بهدوء حتي استسلمت للنوم، ظلت بجوارها لدقائق تتأكد من انتظام أنفاسها، ثم نهضت بهدوء: أنا همشي بقى...

رحمة: ماشي، بس بالله عليكي قوليله فعلا إنها زعلانة، ولازم ييجي يشوفها.

أومأت مي وغادرت الغرفة تاركة خلفها هدوءا ثقيلا وطفلة نائمة، تحمل في قلبها حزنا أكبر من عمرها.

قصر الراوي٢م.

جلست ماسة تستمع إلى الأغاني، وهي تقوم بحياكة قطعة تريكو، بعد لحظات، دوى صوت ثلاث خبطات (الإشارة المتفق عليها)

رفعت رأسها، بإبتسامة واسعه، دخل سليم يحمل شنطه بين يديه، وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، ثم نظر لها بابتسامة دافئة وهو يقترب: قطعة السكر الحلوة عاملة إيه؟ وإيه الأغاني دي؟ عامله احتفال عشان اللي حصل ولا ايه؟

قالت بدلال: تؤ عشان أتسلى، أصل كان نفسي أمسح كل الميكاب ده، وأحط ميكاب طبيعي، وألبس فستان أحمر وأعمل اللوك اللي إنت بتحبه عليا عارفه؟

هز رأسه بإعجاب وهو يبتسم، فنهضت تقترب منه  وأكملت: كان نفسي اقعد ارقص كمان بس خوفت لحد ييجي واتقفش.

ضحك بمزاح: الحمد لله إنك خوفتي، خلاص ياقطتي الشقية، فاضل شوية وهنرتاح.

تساءل وهو يقرص خدها بمدعبه: شوفتي اللي حصل في رشدي؟؟ 

اومات بأسف، وقالت بطيبة: بصراحة صعب عليا.

رفع أحد حاجبيه: مالك؟!

اجابت مسرعه بتوضيح: بجد صعب عليا، خصوصا كسرته قدام مراته، بعدين أنا كان نفسي القلمين دول يبقوا لصافيناز.

تغيرت ملامحه، وقال بحدة: ميصعبش عليكي غالي، كلهم ديابة مستنيين اللحظة اللي ينهشوا فيها الضحية اللي تقع تحت ايديهم بطلي طيبة يا ماسة.

تسألت بضجر: طب وصافي؟! دي واحدة تستاهل أكتر من اللي حصل لرشدي، هتنتقم منها إمتى؟

ثم أضافت بنوع من القسوة: صدقني، انت لو مفشتش غليلي منها الاسبوع ده، هتيجي تلاقيها هي وجوزها مدبوحين، أنا كل يوم بيجيلي أفكار وبمسك نفسي بالعافية



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة