
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم ليله عادل
{"الهدوء الذي سبق العاصفة، لم يكن هدوءا أبدا، بل كان وعدا مؤجلا بالانتقام."}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الحادي والثلاثون🤫❤️
[بعنوان: إنتقام بطعم العسل]
قبض على رقبتها بعينين غائمتين بالغضب والسواد، بينما حاولت صافيناز إبعاده بذعر وهي تحاول التقاط أنفاسها.
وفي نفس اللحظة.
كانت فايزة في مكتبها تقرأ ملفا، حين اندفعت مريم وزين يصرخان: نانااا! أنكل سليم بيخنق مامي!
نظرت لهما باستغراب: إيه؟ أنكل إيه؟
زين يلهث: خالو سليم بيخنق مامي.
اتسعت عيناها بصدمة، ألقت الملف ونهضت تركض فورا.
الجهة الأخرى.
كان سليم لايزال يضغط على رقبتها رغم محاولات الحراس للتدخل، لكنه صرخ بجنون: ماحدش يقرب! أرجعوا بدل ما أخلص عليكم!
ثم ظهرت فايزة وهي تهتف بغضب: سليم! أبعد عنها هتموت في إيدك!
صرخ بعنف وهو يخنقها: خليها تموت!
نظرت فايزة للحراس بغضب: واقفين تتفرجوا؟! أبعدوه عنها يلا!
اندفع الحراس نحوه يحاولون سحبه بعيدا، بينما كان يصرخ ويقاوم بعنف: أوعوا ! أبعدوا!
وأخيرا سحبوه بالقوة، لتسقط صافيناز بين ذراعي فايزة تلهث بصعوبة.
لكن سليم لم يهدأ بل أخذ يضرب الحراس بعنف كالمجنون.
في تلك اللحظة...
خرجت ماسة إلي الشرفة تتمطع بتلقائية، وحين وقعت عيناها على مايحدث بالأسفل اتسعت عيناها بصدمة، تحركت مسرعة وكادت تندفع للخارج، فتحت الاوكرة لكنها توقفت فجأة عند عتبة الباب..
تذكرت أنه لا يجب أن تهبط فقد يفشل مخططهم، أغلقت الباب بسرعة أخرجت هاتفها من البياجاما، واتصلت بمكي، تحدثت بتوتر: ألو يا مكي! إنت فين؟ ألحق سليم بيتخانق مع الحراس!
سمعها مكي المتوقف بالقرب من البوابة، فاتسعت عيناه وركض بسرعة نحو الداخل.
عادت ماسة إلى الشرفة، تضع يدها على فمها، وعيناها لا تفارق المشهد، مازالت غير مستوعبة مايحدث.
كان سليم مازال يضرب الحراس، وهم يستقبلون ضربه دون مقاومة.
يصرخ بجنون: بتوقفوني يا كلاب؟! ده آخر يوم ليكم.
انتصب فجأة قائلا بأمر: ماحدش يدخل وإلا هايكون آخر يوم في عمره..
ثم اندفع نحو صافيناز مرة أخرى، أمسكها من شعرها بعنف وانتزعها من حضن فايزة، وقبض على رقبتها من جديد وفايزة تحاول إيقافه والحراس يشاهدون ولم يستطيعوا التدخل تلك المرة.
في تلك اللحظة...اندفع مكي نحوه، وشده بعنف وهو يصرخ: في إيه يا سليم، أهدي!
صرخ سليم بجنون: أوعى يا مكي!
حاول دفعه، لكنه لم يفلح.
صرخت فايزة: مكي أبعده!
صرخ سليم وهو يقاوم: هاقتلهالك، والله لأقتلها!
كاد يندفع مرة أخرى نحو صافيناز، لكن مكي لوى ذراعه خلف ظهره بإحكام، ثم اقترب منه أكثر واضعا شفتيه قرب أذنه، من الخلف وهمس بحدة خافتة: هاتبوظ كل حاجة باللي بتعمله ده، مهما عملت لازم تهدى، فوق؟!
جز سليم على أسنانه بعنف، وعيناه مازالتا تقدحان شررا، لكنه بدا وكأنه استمع لشيء أعاده إلى صوابه ولو بنسبة بسيطة.
استغل مكي تلك اللحظة، ودفعه نحو القصر، وهو يقول بحزم: تعالي معايا!
سحبه مكي للداخل بالقوة، بينما كان يلتفت سليم خلفه بنظرات مشتعلة وأنفاسه تخرج كزفير وحش جريح...
بينما كانت فايزة تمسح على شعر صافيناز تحاول تهدئتها: خلاص يا صافي خدي نفسك بالراحة.
اقترب زين ومريم ومسحوا على قدميها وكتفها بحزن وخوف..
كانت صافيناز تلهث بصعوبة، وآثار أصابع سليم تظهر بوضوح على عنقها.
في الأعلى، كانت ماسة ما تزال واقفة في الشرفة قلبها يخفق بعنف، غير قادرة على فهم سبب إشعال هذا الجنون المفاجئ!
بينما أدخل مكي سليم إلى الهول، وقال بغضب: إيه إللي إنت عملته ده؟! عملتلك إيه علشان توصل لكده؟!
نظر له بعينين متوحشتين، وأنفاسه مضطربة: أنا مش عايز أتكلم.
ثم تحرك مسرعا نحو الدرج بخطوات سريعة وغاضبة.
ظل مكي ينظر إلى أثره بعدم فهم، ثم أخرج هاتفه واتصل بماسة: أيوة يا ماسة، أنا تقريبا خلصت الموضوع، هو طالعلك، بس مش عايز يتكلم ومتعصب جامد، خدي بالك... ولو عرفتي حاجة قوليلي.
جاءه صوتها وهي تتحرك داخل الغرفة: خلاص ماشي، حاضر.
أغلق الهاتف وخرج إلى الخارج، فرأى صافيناز مازالت بين ذراعي فايزة، تتنفس بصعوبة، لم يعلق بشيء، بل نظر إلى الحراس وقال بصرامة: يلا كل واحد على مكانه.
تحركوا مبتعدين سريعا، نظرت فايزة إلى الطفلين وقالت بنبرة هادئه: زين مريم يلا على أوضكم دلوقتي، محتاجة اتكلم مع مامي لوحدنا، وياريت إللي حصل ده تنسوه خالص.
مريم ببراءة ممزوجة بالخوف: هو ليه أنكل سليم عمل كده؟
ابتسمت فايزة ابتسامة مصطنعة: أنكل سليم كان بيمثل دي كانت بروفا، هو ومامي هيعملوا مسرحية.
زين باعتراض : نانااا، إحنا مش صغيرين علشان تضحكي علينا.
تصلبت ملامحها وقالت بحزم: عيب تقول كده يا زين، أكيد أنا مش هكذب عليك يلا على أوضتك إنت وأختك.
أومأ برأسيهما وتحركا مبتعدين.
اعتدلت فايزة في جلستها، وتحولت ملامحها إلى صرامة باردة، ثم نظرت إلى صافيناز، وتساءلت بهدوء حاد: هو سؤال واحد، إيه إللي حصل وصل سليم للجنون ده؟ عملتيله إيه؟
وضعت صافيناز يدها على رقبتها، وهي تلهث بغضب:
ده حيوان!
فايزة ببرود: طلعتي الحيوان إللي جواه أزاي يا صافيناز؟ أنا عايزة إجابة.
رفعت رأسها بتحدي، وقالت بغل: علشان قولتله الحقيقة إللي مقدرش يستحملها! قولتله إنه مش راجل، وإنه مبيخلفش، ومستحيل يبقي أب، وإن ماسة خانته علشان مش راجل ومقدرش يلبي احتياجاتها، فمستحملش، الحقيقة وجعته.
نظرت لها فايزة بهدوء مريب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية باردة، وفجأة هبطت على خدها بصفعة قوية لم تتوقعها قط.
وضعت يدها على خدها بصدمة: إنتِ بتضربيني يا مامي؟!
فايزة ببرود قاتل: إنتِ غبية وهتفضلي طول عمرك غبية.
ثم نظرت لها من أعلى إلى أسفل بازدراء، لم تضف كلمة أخرى، تحركت مبتعدة بخطوات ثابتة.
أما صافيناز جزت على اسنانها، وعيناها امتلأتا بغل أسود.
وفجأة أطلقت صرخة مدوية خرجت من أعماق قلب ممتلئ بالكراهية، صرخة تحمل كل الحقد والغل والرغبة في الانتقام.
علي إتجاه آخر
دخل سليم غرفته وهو يشتعل كالنار، أنفاسه متلاحقة كمن يختنق، يدور في الغرفة كالمجنون لا يعرف كيف يهدأ.
نزع التيشيرت بعصبية من شدة ضيقه، ورغم ذلك ظل صدره يعلو ويهبط بعنف، غير قادر على التقاط أنفاسه.
كلمات صافيناز مازالت تتردد في رأسه، كان يريد أن يحرقها بكلماته، فإذا بها هي من أشعلت النار داخله.
مد يده بعنف، أمسك أقرب شيء أمامه، وقذفه في الحائط، تحطمت القطعة وسقطت على الأرض بصوت مدوي.
في تلك اللحظة...
دخلت ماسة تنظر إليه بقلق: إيه إللي حصل يا سليم؟
أعطاها ظهره وهو يلهث، وقال بحدة: أنا مش عايز أتكلم دلوقتي، لو سمحتي أرجعي أوضتك.
اقتربت خطوة وقالت بإصرار: يعني إيه أرجع أوضتي؟ لا إحنا لازم نتكلم، في إيه؟ إيه إللي حصل؟
هم بالالتفاف لها، يلوح بيده وهو يصرخ: قولتلك سيبيني دلوق_!
وفي لحظة اندفاعه اصطدم وجهها بكفه، فصرخت متألمة، وتراجعت خطوة، واضعة يدها على أنفها: آه!
اقترب منها بسرعة، وملامح الندم ظهرت على وجهه: أنا آسف..
فجأة سحبها إلى صدره، وضمها بقوة، ثم وضع قبلة طويلة أعلى رأسها: ماكنتش أقصد آسف.
كانت تضع يدها على أنفها وشفتيها من الألم، فرفع ذقنها بيده ينظر إليه بقلق: إنتِ كويسة؟
وضعت يدها فوق يده التي تمسك بذقنها، وقالت باهتمام: سيبك مني، قولي الأول إنت فيك إيه؟
زفر بضيق شديد، ابتعد عنها متحركا كام خطوة وهو يعطيها ظهره وقال بصوت مخنوق: أنا مخنوق أوي يا ماسة ومش قادر أتكلم، من فضلك أرجعي أوضتك ونبقي نتكلم بعدين.
قالت بإصرار عقلاني وهي تقترب: طب فضفض معايا، يمكن لما تتكلم ترتاح!
الفتت اليها، بعينين يغلب عليهما السواد بحسم: وأنا قولت مش عايز أتكلم، روحي علي أوضتك يلا!
نظرت له طويلا، ثم مسحت على وجهها، تفكر بين البقاء والرحيل، تعرف أن سليم الآن خارج نطاق أي تفاهم.
نظرت حولها، فرأت التيشيرت ملقى على الأرض، والمزهرية مكسورة، والفوضى تملأ المكان
فهزت رأسها برفض، وقالت بإصرار: لا مش همشي، وفهمني ليه عملت إللي عملته تحت ده؟! أنا ماشوفتش حاجة، كل إللي شوفته إنك كنت بتضرب الحراس، وصافيناز كانت في حضن الهانم، إيه إللي حصل؟!
زفر بضيق خانق، ثم أمسك كتفيها بقوة: ماسة، مش هقولك تاني، أنا مش عايز أتكلم ولسة مخنوق منك، تخيلي كل ده في دماغي دلوقتي، أنا لحد دلوقتي ماسك نفسي بصعوبة، بعد كده مش هيبقى كويس، يلا.
امسكها من ذراعها، وسحبها نحو الباب ثم دفعها برفق نحو الخارج، وأغلق الباب خلفها، وأدار المفتاح.
وقفت أمام الباب، تضرب عليه بيدها: يا سليم أفتح نتكلم بس! .. ياسليم، سلـــــيم.
نظرت حولها بتوتر، وتذكرت أن وقوفها هكذا لن يكون له أي مبرر إن رآها أحد، فزادت حيرتها وغضبها.
ضربت الباب بعصبية، ثم تحركت نحو غرفتها قبل أن يراها أحد.
دخلت غرفتها، تتحرك فيها ذهابا وإيابا بتوتر، لا تعرف ماذا تفعل
ثم فجأة أمسكت هاتفها واتصلت بمكي: أيوة يا مكي بقولك إيه، أنا مش عارفة أتكلم مع سليم.
جاءها صوته هادئا: ما أنا قولتلك، هو دلوقتي متعصب جدا، استني شوية وبعدين نحاول نتكلم معاه.
ردت بضجر: لا أنا مش هفضل كده قاعدة عايزة أعرف إيه إللي حصل.
صمتت لحظة، ثم قالت: بقولك إيه، هو المكان إللي كانوا قاعدين فيه مافيهوش أي كاميرا أو ميكروفون؟
أجابها: آه حاطط ميكروفون بس مش عارف الصوت هيبقى واضح ولا لأ.
قالت بسرعة: طيب هات التسجيلات إللي من نص ساعة أو ساعة وتعالى نسمعهم سوا، يمكن نلاقي تفصيلة صغيرة نفهم منها.
أجاب: طيب اديني 10 دقايق وهبقى عندك.
أغلقت الهاتف، وجلست على الفراش، صدرها يعلو ويهبط بتوتر وهي تنتظر.
وبعد دقائق طرق الباب.
قالت بترقب: مين؟
أجاب: أنا مكي.
فتحت له بسرعة: أدخل بسرعة.
دخل مكي، فأغلقت الباب خلفه.
قال فورا: لا ماتقفليش الباب، مش هاينفع.
ردت بتوتر: طب أفرض حد شافك؟
أجابها بتوضيح: أفتحي الباب شوية، هما تحت مستحيل يطلعوا دلوقتي، كدة أفضل.
فتحت الباب قليلا، ثم جلسا معا: سمعت التسجيل؟
هز رأسه: لسة.
وضعوا سماعة البلوتوث في أذنيهما، وشغل التسجيل
كان الصوت مشوشا؛ أصوات عصافير وضوضاء نافورة... وكلمات متقطعة.
ظلوا يعيدون المقطع أكثر من مرة حتى بدأت بعض الكلمات تتضح.
بدأ مكي يكتب مايسمعه وهي أيضا تقول ما سمعته وبعد دقائق...
أغلقت التسجيل وقالت بقلق: كتبت إيه؟
نظر لها قائلا: سليم بيقولها نعمل DNA... وبيقول إن الولاد مش شبهك وهي قالت كلام عن احتياجات... العملية... خانتك، مصطفى... وإنت مابتخلفش... هاتفهم إزاي؟! .... مش راجل.
صمتا للحظات وكانهما يفكران في الحديث لتكوين جملة مفهومه.
فجاه اتسعت عينا ماسة: إنت فهمت؟
أومأ مكي ببطء: أكيد فهمت، هي قالتله إنه مش راجل، وإن مراتك خانتك علشان تلبي احتياجاتها.
زفرت ماسة بضجر: بصراحة له حق يقتلها.
أجابها بعقلانية: بس إحنا عايزين نهديه، مش نولعها أكتر.
أومأت براسها بصمت وهي تزم شفتيها، ثم أضاف وهو يهم بالتوقف: طيب هنزل أنا..
هزت رأسها، ثم قالت فجأة: لا استنى جتلي فكرة بس بقولك إيه! هاتنفذها من غير مناقشة خليك أخ جدع.
ابتسم: لما أسمع الأول.
اومأت بتذمر: ما هو هاتسمع وهاتنفذ، اتفقنا؟
رفع حاجبيه بإصرار: أسمع الأول!
تنهدت بضيق: أقسم بالله إنت عيل رخم، عشري أحسن منك، بس للأسف بس ماقداميش غيرك دلوقت، يلا فتح مخك معايا، هقولك الخطة.
أحد الكافيهات،٤م.
جلس رشدي ومي على أحد الطاولات، أثناء ذلك جاء الجرسون ووضع على الطاولة أمامهما قطعة كيك وكوبان من الشاي ثم رحل.
مي بإبتسامة: جنة دي عسولة أوي، اتصالحت بسهولة.
ابتسم بخفة: هي بتفضل تعمل نفسها مقموصة شوية وبعدين تتصالح بسرعة.
نظرت له بشك لطيف: شكلك مش أول مرة تزعلها.
هز كتفيه: مش بالظبط، بس أنا مش بقدر أزورها كتير.
صمتت لحظة، ثم قالت فجأة بحماس: طب إيه رأيك نتبناها؟
ضحك بسخرية: يا سلام!
ردت بجدية: بكلمك جد، إيه المشكلة؟!
تنهد وقال بواقعية مريرة ساخرة: علشان سلسلة الترقيات والتهزيق تكمل؟
لوح بيده: لا، أنا مش عايز صورتي تتهز في عنيها، هي أحسن كده في مكانها، يمكن لو في المستقبل بقى لينا حياة لوحدنا، ساعتها ممكن أفكر.
أومأت بعقلانية: بس ده إللي لازم يحصل يا رشدي، لازم يكون لينا حياة بعيدة ومستقلة عن العيلة.
أومأ برأسه بصمت بينما تابعت حديثها بتساؤل: طب إنت ناوي تعمل إيه؟!
ضيق عينه بعدم فهم: أعمل إيه في إيه؟
اومأت توضح بعقلانية: يعني لما إن شاء الله تتعافى وتبطل؟! مافكرتش هتعمل إيه بعد كدة؟!
هز رأسه وهو يعود للخلف: سيبيها لوقتها خلينا في دلوقتي؟!
هزت رأسها باعتراض: لا طبعا، لازم تحط لنفسك حافز علشان يساعدك تبطل بسرعة..
أجابها بابتسامة: طب ما أنا حاطك إنتِ حافز.
هزت رأسها: لا غيري.
صمتت للحظة ثم قالت بحماس: إنت ليه مافكرتش قبل كده تفتح جاليري وتعرض فيه الأشكال اليدوية إللي إنت بتعملها؟
ضحك بسخرية: أنا بعمل شوية أشكال تافهة يا مي، مين إللي هايروح يشتري حتة حديدة على شكل وردة ولا حيوان؟ مالهاش لازمة.
هزت رأسها بأعتراض، وقالت بجدية: بالعكس الأشكال دي ناس كتير بتشتريها وبتتباع غالية..
مالت عليه، وعيناها تلمعان بالحماس: اشتغل على نفسك وطور موهبتك، أعمل أشكال كتير ومختلفة ونبيعها أكيد في الأول المبيعات هاتبقى قليلة، بس مع الوقت المشروع هايكبر.
ثم أضافت كأنها تجعله يرى أشياء لم يراها من قبل: وإللي يعرف يعمل من حتة حديد شكل، يعرف يعمل من أي حاجة شكل، النهاردة حديد وأسلاك، بكرة بلاستيك بعده خشب، وبعده ممكن دهب وده أصل شغلكم.
ابتسمت بثقة وأمسكت يده: بجد يا رشدي الموهبة إللي عندك دي تقدر تطلع منها أفكار كتير.
زمت وجهها بضيق وضجر: أنا أصلا مش فاهمة إزاي أهلك كانوا بالسطحية دي وشايفين إن إللى بتعمله مالوش قيمة! ده لو كانوا أدوك حتة دهب تشكلها كنت هاتطلع منها تحف، حقيقي كانوا في منتهى السطحية ومعرفوش يقدرو موهبتك صح.
كان ينظر إليها بابتسامة، فهذه المرة الأولى التي يشعر فيها بحماس أحد تجاهه، ودفعه للأمام بكل هذا الإيمان.
ابتسم ابتسامة جانبية معلقا: تعرفي إن إنتِ الشخص الوحيد إللي بيتحمس للي بعمله ويشوفه من زوايا تانية؟!
أمسكت يده بحماس أكبر: طب اتفقنا ولا إيه؟!
نظر لها طويلا بصمت يفكر ثم قال وهو يمد شفتيه للإمام بحيرة: مش عارف يا مي، أنا عمري مافكرت في الموضوع ده.
سألته بهدوء: هو إنت ناوي تكمل شغل مع العيلة؟
أجابها بسخرية: أنا اطردت قدامك.
قالت بتفاؤل: ما إنتم أكيد هاتتصالحوا.
هز رأسه: حتى لو اتصالحنا، أنا أثبت إني فاشل...
صمت للحظى ثم تابع بثقل يخرج من قلبه قبل عينه:
أقولك الحق يا مي، أنا طول عمري بحارب في الشغل ده عشان آخد مكانة مش حب في الشغل، بس علشان أبقى زي سليم ويشوفوني زيه، أشوف نظرة الاحترام والتقدير، والخوف، ويعملولي حساب..
تنهد بعمق: حاولت كتير وفشلت، يمكن لإني مابعملش ده بحب، بعمله لهدف والهدف إللي جوايا مش شريف، يمكن سليم نجح لإنه حابب ده.
صمت لحظة، مد شفتيه السفلية قائلا بصدق: مش عارف سبب فشلي؟! بس إللي متأكد منه إني مش بحب شغلهم، الأرقام والحسابات والمناقصات الكلام ده بمل منه..
ابتسم ابتسامة مشرقة: بحب أعمل شغل بأيدي بستمتع بيه جدا، علشان كدة كان نفسي أدخل هندسة.
ابتسمت بهدوء، وقالت بتحميس: خلاص، مادام إنت مش حابب شغلهم اشتغل في الحاجة إللي بتحبها، حتى لو هاتكسب مبلغ صغير، يكفي إنك بتحبها وهاتكون مستمتع باللي بتعمله، وصدقني طول مابتشتغل بحب هاتنجح وتوصل، هاتخسر إيه لو جربت؟
صمت لحظة يزن كلماتها في رأسه، بدا وكأن الفكرة راقت له، فقال بهدوء: عندك حق، ها أجرب.
ابتسمت وأشارت بيدها: حلو، بس خد بالك، أول حاجة هانشتغل عليها دلوقتي هي موضوع الإدمان، ده رقم واحد.
ثم تابعت بإبتسامة مشجعة: وبعد كده نبدأ نشوف المشروع، ندور على مكان صغير، نفتح فيه ونبيع الحاجات إللي إنت هاتعملها.
عدلت ياقة قميصها وقالت بغرور مازح: وأنا هكسب فيك ثواب وها أبقي رئيس مجلس الإدارة.
رفع حاجبه بمزاح: قولي بقي إنك داخلة على طمع.
ردت بمزاح، وهي ترفع ذقنها بتحدي لطيف: إنت تطول أصلا؟! وبعدين أنا صاحبة الفكرة وفكرت بالاسم، استنى ها أوريك.
أخرجت هاتفها وبدأت تقرأ ما كتبته، قالت بحماس: إيه رأيك نسميه... «حين صارت مي وطنا لرشدي»؟
رشدي ساخرا: إحنا كده بنكتب موضوع تعبير!
رفعت حاجبها بضيق: سخيف! طب بص... ده "مابين اسمين وقلب"
ضحك ساخرا، وهو يحتسي بعض الماء: ده زي مابين شطين ومية؟
عبست بوجهها، وقالت بتذمر: مافيش حاجة عجباك خالص!
رد بنبرة مستفزة قليلا: ما إنتي إللى مختارة أسماء حمضانة، خشي على إللي بعده، وياريت يكون قصير شوية.
بعد تفكير سريع: خلاص نسميه «ما بيننا».
رشدي بسخرية أكبر وهو يشير بأصابعه: ما بينا يفضل بينا... غيرووه!
تنفخت بضيق، وعقدت ذراعيها أمام صدرها: خلاص آخر اسم عندي «ميروش».
عقد حاجبيه باستغراب: إيه الاسم المايع ده؟!
مي بحماس، وهي تشرح بفخر: ده أول حرفين من اسمي، وأول تلات حروف من اسمك.
نظر لها بنصف ابتسامة ساخرا: إنتِ هاتستعبطي؟ اسمك كله حرفين أصلا!
ضحكت وهي تضربه بخفة على كتفه: ما عشان اسمي واسمك يبقوا ملتصقين!
تنهد قائلا: طيب يا مي، نبقى نشوف الموضوع ده بعدين.
رفعت حاجبها، وقالت بنبرة غليظة: بقولك إيه هو«ميروش» مش هايتغير! مالكش دعوة... بدل ما أتحول عليك!
ضحك بسخرية: محمود، إنت حضرت؟، بقالك فترة غايب ليك وحشة والله، خلاص ياعم بالراحة علينا، موافق..
ثم أمسك يدها، وقبلها بخفة، وقال بنبرة صادقة: إنتِ تعملي إللى إنتِ عايزاه، إنتِ أصلا هاتكوني صاحبة كل حاجة، وأنا مجرد عامل عندك، ربنا يخليكي ليا.
سحبت يدها، وابتسمت بخجل: طب خلص الشاي والكيك بتاعك، علشان عندنا معاد دكتور.
عقد حاجبيه باستغراب: دكتور ليه؟! إنتِ تعبانة؟
تمتمت وهي تتحاشى النظر في عينيه، وتعبث بطرف حجابها: لا عشان اااا
ثم تابعت بتلعثم واضح: بص بصراحة أنا كلمت أخو زميلتي علشان موضوع الإدمان دى، و..
اتسعت عيناه بصدمة، واعتدل في جلسته: إيه؟
رفعت يدها بسرعة، محاولة تهدئته: استنى بس أسمعني! لازم أفهم منه، لازم حد يوجهني، أومال هعالجك أزاي؟! وإنت مش راضي تروح مصحة؟
بدا الضيق واضحا على ملامحه، وانقبض فكه بعصبية، فأمسكت يده برفق، وضغطت عليها، وقالت بنبرة صادقة: أنا مش ها أقوله إنه ليك، والله ماها أقول، بس ده الحل الوحيد، لازم حد يرشدني، ياتروح مصحة يا تسيبني أسأل حد فاهم يساعدني.
ظل ينظر إليها بصمت، تتصارع داخله مشاعر الغضب والحرج والخوف.
ثم زفر بضيق، وقال أخيرا بنبرة متحفظة: ماشي..
أضاف بتحذير واضح: بس ماتقوليش إنه أنا ولا تخليه يحس.
اومأت له، وتنفست بارتياح وكأن حملا ثقيلا انزاح عن صدرها.
في ورشة الحج شاهين4عصرا.
جلس شاهين خلف المكتب على ملامحه هدوء مريب، وقف توتو أمامه.
سأله شاهين بنبرة مقتضبة، مشحونة بالشك: صاحبك فين يا توتو؟
أجاب: مسافر الأقصر زي ما إنت عارف ياحج.
هز شاهين رأسه بعدم تصديق: كل ده في الأقصر؟!
أجابه مسرعا: أكيد قرايبه مسكوا فيه يقعد كام يوم، ده بقاله سنين ماسافرش.
تبسم شاهين ثم نهض من مكانه وتحرك، حتى وقف أمامه مباشرة قائلا بنبرة لا تحتمل النقاش: طب بلغ صاحبك لو ناوي يطير بالفلوس ويخلي بالاتفاق بلاش أحسنله.
ابتلع توتو ريقه وحاول تحسين موقف: يطير إزاي بس؟ ده إنت أبو نسب، وفيه بينكم مصالح يعني مش هيهبأ
أصر شاهين وهو ينظر بعينه: بلغ صاحبك إني بدأت أزعل، ولو زعلت هو عارف كويس أنا ممكن أعمل إيه.
أجابه بتوتر: والله يا حاج لو عرفت أوصله ها أبلغه، وإنت ماتقلقش هي مسألة أسبوع ولا أسبوعين ويرجع.
تبسم شاهين وخبط على كتفه: روح يا توتو بلغ صاحبك بالكلمتين دول، وقوله يخرج من الجحر إللي هو فيه، أنا مش هعمله حاجة، بس آخر الأسبوع لو جوة جحر التعبان هجيبه، لسة ماجابتوش أمه إللي يفكر يضحك على المعلم شاهين.
هز توتو رأسه بإيجاب، وتحرك إلي خارج الورشة.
بينما ابتسم شاهين وجلس على المقعد الأمامي للمكتب، مدركا أن محمود يخفي شيئا، ربما لم يستطع إقناع شقيقته أو الوصول إليها، لكنه صابر، لأنه يعرف أن الورقة التي معه رابحة.
على إتجاه آخر.
تحرك توتو في الشوارع والأزقة حتى دخل إحدى البيوت القديمة.
صعد أحد الطوابق وطرق على الباب طرقات معينة
فتح له محمود وهو يدخن سيجارته بقلق: إيه كان عايزك ليه؟
دخل توتو وتوجه نحو التلاجة اخذ زجاجه مياه احتسى منها، ثم جلس على الكنبة ينظر لمحمود: ما إنت فاهم كان عايزني ليه؟
ثم نظر له بتحذير شديد اللهجة: لازم تحل الحوار ده، إللي إنت فيه ده مش صح! هاتستخبى لحد إمتى؟
تنهد محمود يخرج دخان سجارته: يعني أعمل إيه؟!
ما هي بنت الكلب دي ما أعرفش فين؟!
رد بنبرة لازعة: أختك عند الدكتور، أكيد خدها وحطها في حتة، إحنا دلوقتي في مصيبة، إنت بتقول أختك اتجوزت يعني هي دلوقتي متجوزة اثنين إنت عارف يعني إيه؟
حك محمود خده وهو ينظر أمامه بضجر: عارف وأنا إللي ها ألبس وأنا مش عايز اتحبس تاني مش عارف أعمل إيه؟! الدنيا اتكعبلت فوق دماغي.
توتو بفحيح أفاعي: حلك مافيهوش غير اللي اتكلمنا فيه قبل كدة..
نظر له محمود بارتباك، بينما تابع توتو بنفس الوتيرة: أختك قصاد أخته، نجيب البت أخته هنا ونساومه عليها، الدكتور يطلقها ونرجعها للحج.
ابتلع محمود ريقه وقال بتردد: حتي لو رجعت، تفتكر هتكون قعدت معاه كل ده من غير ما يلمسها؟ الحج هايفضحنا في المنطقة.
توتو ببساطة: سهلة، وديها للبت كوثر، عملية صغيرة وترجعها زى ما كانت.
محمود باستهجان: إنت بتقول ايه يا عم، دى أختي برضو، استحالة أوديها أماكن زى دى.
توتو بضجر: خلاص يبقي استحمل الفضايح إللى هاتحصل، ما هي مالهاش حل إلا كده، ويا عم لو مشكلتك في المكان خلي كوثر تعملها لها في البيت.
محمود بتوتر: مش عارف يا توتو حاسس إننا بنورط نفسنا أكتر، وبعدين هانخطف أخته إزاى وأنا مش عارف أنزل؟
ربت توتو على كتفه: سيب الموضوع ده عليا، ها أجيبلك البت أخته هنا ونكلمه ونخلص.. ولما أختك تيجي نبقي نكلم كوثر تيجي البيت وتعملها اللازم.
تابع بتحذير: بس لازم ننجز، الحاج شكله مرقدلك.
نظر له محمود بتردد، ثم أومأ ببطء: ماشي، الله يسامحك يا آلاء على البهدلة إللى مبهدلاها لنفسك وليا معاكي دى.
قصر الراوي،5مساء.
غرف صافيناز
نرى صافيناز تتحرك في الغرفة بقلق وضيق شديد، تتنقل بين الخمر والحبوب والسجائر بأنفاس متوترة.
ما فعله سليم بها زادها انهيارا، وحتى صفعة فايزة كانت صدمة لم تتوقعها.
لكن أكثر ما كان يزعجها حقا؛ أن عماد لن يستطيع أخذ حقها كما تريد، فإذا أخبرته بما حدث فستجبر على مواجهة لا تعلم عواقبها..
وأثناء ذلك، فتح الباب فجأة، ودخل عزت بملامح مشتعلة بالغضب: إيه إللي أنا سمعته ده يا صافي!
أغلقت سيجارتها بسرعة، وتوجهت نحوه بإنفعال: إنت لازم تجيبلي حقي!
نظر لها باستهجان: أنتِ عايزة تقوليله إنه مش راجل ومابيخلفش، ويقعد ساكت؟! وبعدين، إيه أللي خلاكي تقوليله الكلام ده أصلا؟!
نظرت له بقلق واضح: علشان سليم شكله عرف.
سألها بحدة: عرف إيه؟!
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت خافت: عرف إن زين ومريم مش ولادي، أصل مش معقول يعني امبارح تيجيلي رسالة إن "السر مهما استخبى سنين أكيد هاييجي يوم وينكشف، تفتكر عماد لما يعرف إن زين ومريم مش ولاده، وإني مابخلفش وشلت الرحم، هايعمل إيه؟!" والنهاردة ألاقيه بيلمح التلميحات دى، أكيد هو إللى باعتها.
مد عزت يده بعصبية: فين الرسالة دي؟ وريهالي..
أعطته الهاتف بيد مرتعشة.
نظر إلى الرسالة، ثم سأل: جاتلك إمبارح؟
اومأت برأسها بتوتر: أيوة إمبارح بالليل.
فلاش باك.
كانت صافيناز تجلس أمام اللابتوب، بينما عماد يجلس بجوارها منشغلا بهاتفه.
وفجأة وصلت رسالة إلى هاتفها وما إن رأتها حتي تغير لون وجهها فورا واتسعت عينها، لاحظ عماد توترها فسألها: فيه إيه يا صافيناز؟
ارتبكت قليلا، ثم قالت بسرعة: لا مافيش، دى رسالة تبع الشغل، تقرير يعني.
بدأت أنفاسها تتسارع، وقلبها يخفق بسرعة، تشعر بالبرد يزحف إلى أطرافها، نظرت بطرف عينها نحو عماد، كانت تخشى أن يشعر بتوترها فنهضت مسرعة، واتجهت إلى الحمام وهي تحمل الهاتف، محاولة أن تخفي ارتباكها، بينما عقد عماد حاجبيه بدهشة.
بعد أن أغلقت الباب خلفها، توقفت لحظة، وضعت يدها على خدها بدهشة: مين عرف؟ يا نهار أسود!
بدأت الدموع تملئ عينيها من الخوف...
أمسكت الهاتف مجددا، ونظرت إليه بفزع، ثم تحركت نحو الحوض، فتحت الصنبور، واتصلت بالرقم الذي أرسل الرسالة، فوجدته مغلق.
ضغطت على أسنانها بغيظ، ثم أعادت الاتصال مرة أخري بلا جدوى.
بعدها اتصلت بشخص آخر، وقالت بصوت حاد: هابعتلك رقم لازم تجيبهولي، لو جوة قبر... تجيبه! وأوعى تقولي زي الرقم إللي فات "مش عارف أوصله"، فاهم؟!
أغلقت الهاتف وأخذت تحدق في المرآه والقلق يكسو ملامحها.
بينما عماد كان واقفا خلف الباب يستمع، ابتسم بخبث، ثم تحرك نحو الشرفة، وأخرج هاتفه وأتصل بسارة.
قال بصوت خافت: إنتِ بعتيلها الرسالة؟
جاءه صوت سارة: أيوة.
رد متعجبا: بسرعة كده؟
ضحكت بخفة: وإيه إللى يخلينا نستني؟ خليها تلف حوالين نفسها وتبعد عننا، لحد ما نضرب ضربتنا ونمشي، على رأي المثل أضرب الحديد وهو حامي.
تبسم بشيطانية: عندك حق، سلام دلوقتي، هبقي أكلمك تانى.
أغلق الهاتف، وعاد إلى مكانه وكأن شيئا لم يكن، وبعد لحظات، خرجت صافيناز وجلست أمام اللابتوب من جديد
حاولت التركيز في العمل، لكنها لم تستطع، فإذا انكشف هذا السر، ستكون كارثة حقيقية.
باااك
وقفت أمام عزت، تروي له ماحدث.
وفجأة...
انفجر عزت ضاحكا بسخرية: إنتِ فاكرة إن سليم غبي للدرجة دي؟! في اليوم إللي يهددك فيه، تاني يوم هاييجي يحرقلك نفسه!
تابع بسخط: ده لو عيل في كيجي وان مايعملهاش!
ثم أشار إليها بحدة: طول ما إنتِ بتتصرفي بالغباء ده، كل حاجة هاتنكشف قريب.
نظرت له بقلق: طب وإنت هاتسيبه كده؟!
رد ببرود: وأنا مطلوب مني أعمل إيه؟ إنتِ طولتي لسانك عليه وهو ضربك، خلصت...
ثم أضاف بصرامة: قولي بس يا رب تيجي على قد كده، وآخر مرة تتصرفي من دماغك، وبطلي غباء.
كاد أن يتحرك، لكنها أمسكت ذراعه: طب مش هاتساعدني؟ عايزة أعرف مين إللى بيهددني؟
ألتفت نحوها بهدوء: أنا دلوقتي عندي أمور أهم، بعدين نبقى نشوف موضوعك ده.
قال كلماته وخرج من الغرفة، أما صافيناز فوقفت للحظات تتنفس بسرعة والغضب يتصاعد داخلها.
ثم فجأة ألقت بكل ما على التسريحة بعنف؛ لم يكن ضرب سليم لها هو أكثر ما يؤلمها، بل خوفها من انكشاف سرها.
سيارة رشدي،6مساء
توقف أمام إحدى العمارات، فنظرت إليه مي وهي تفك حزام الأمان: استناني هنا، ومش هتأخر عليك.
كادت تفتح الباب، لكنه أوقفها منبها بجدية: أوعي تقولي اسمي.
أجابته مطمئنة: ماتقلقش مش ها أحسسه إنه أنت.
وبالفعل هبطت من السيارة، بينما ظل رشدي جالسا ينتظرها بعينين متوترتين.
عيادة الطبيب
توقفت مي أمام مكتب الاستقبال، وأعطت الممرضة الاسم.
نظرت الممرضة في الدفتر، ثم قالت بهدوء: الدكتور مستني حضرتك، اتفضلي.
أومأت برأسها، واتجهت للداخل.
غرفة الطبيب.
استقبلها الطبيب بإبتسامة ترحيب: أزيك يا مي؟
أجابته بهدوء: الحمد لله أزيك يا علي.
جلست على المقعد المقابل لمكتبه، بينما نظر إليها بإهتمام: خير؟ إيه الموضوع المهم إللى عايزة تستشريني فيه؟
ترددت لحظة، ثم قالت بجدية: فيه شخص عزيز عليا، للأسف مدمن هيروين من أكتر من سنتين.
زم شفتيه وهز رأسه بجدية: كملي.
تنفست بعمق، وتابعت: كنت حابة أساعده يبطل.
اومأ برأسه: تمام، أنا أعرف مصحى كويسة يتعالج فيها.
هزت رأسها: للأسف هو رافض المصحة خالص.
تنهد ببطء، وقال بنبرة حازمة: بس ده لازم، الموضوع صعب جدا، ده مش إدمان تدخين، ده سم وانسحابه بيبقى خطير.
أجابته بثبات: أنا فاهمة، بس هو عايز يبطل، ودي أهم خطوة في العلاج
أومأ موافقا: مظبوط، بس لازم قوة تحمل، أعراض الانسحاب خطيرة جدا، وممكن يأذي نفسه أو إللي حواليه، المصحة بتكون مجهزة للحالات دي.
قالت بإصرار: أنا فاهمة كلامك، بس خلينا نجرب، أنا محتاجة منك تساعدني: العلاج اللازم، الجرعات، طريقة التعامل وكده..
نظر إليها لحظات، ثم قال بجدية: تمام، أولا هاتحتاجي تضبطي الكميات بنسب معينة، أنا هكتبلك جدول واضح، مع أدوية مسكنة، ومهدئات، ومنوم وكمان نظام غذائي مناسب..
تنهد قليلا، وتابع بنبرة أكثر حزما: بس لازم تعرفي إن الموضوع مش سهل، خصوصا في أول 10 أيام..
نظرت له باهتمام، فاستكمل كلامه: هاتلاقيه شخص مختلف تماما عن الشخص إللي تعرفيه، شخص ضعيف، عصبي، عنيف، وممكن يبقى خطير جدا، ممكن يعمل أي حاجة، حتى لو القتل لإنه بيكون في حالة صعبة جدا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما واصل الطبيب حديثه: يعني أي تصرف أو مشهد يحصل منه، لازم تكوني مهيأة نفسيا ليه، هاتجيله لحظات ضعف شديدة، وهايتذللك علشان شمة واحدة، ممكن يبوس إيدك ورجلك، ممكن يشمها من على رجلك..
توقف لحظة، ثم نظر في عينيها مباشرة وقال بحزم:
ماينفعش تضعفي ولا يصعب عليكي، المشاعر هنا نحطها بره الأوضة..
أومأت ببطء، بينما تابع: وطبعا المكان إللي هيكون فيه، ماينفعش يكون فيه أي آلة حادة، جسمه ممكن يترعش ويحصله انهيار حاولي وقتها تتكلمي معاه وتهديه..
ثم أضاف بجدية أكبر: ياريت تتكلمي معاه وتقنعيه بموضوع المصحة، إدمان الهيروين مش حاجة سهلة، خصوصا إنك بتقولي أكتر من سنتين يعني السم بقى جزء من جسمه
تنفست بعمق، ثم قالت بثبات رغم القلق الذي ظهر في عينيها: أنا عارفة كل ده، بس زي ماقولتك، مش عايزة أضيع الفرصة، يمكن أنجح، وإنت هاتكون معايا، بس أرجوك، مش عايزة الكلام ده يخرج لحد.
هز رأسه مطمئنا: أكيد الكلام ده مش هايخرج لحد..
ثم نظر لها نظرة فاحصة، وتساءل: هو الشخص إللي بتتكلمي عليه رشدي، صح؟
رمشت مي بعينيها في ارتباك خفيف، وكانت تلك الرمشة كافية للإجابة.
تنهد بخفة: عموما أنا معاكي أول بأول ولازم تبدأي من النهاردة، مادام هو ناوي.
ثم مال قليلا للأمام، وقال بنبرة جادة: ركزي بقى معايا في الكلام الجاي ده، لإن هو ده المهم، وهو ده إللي هاتمشي عليه.
سحبت نفسا عميقا وشعرت بشيء من الارتياح، كأنها أخيرا أمسكت بأول خيط في طريق طويل وصعب.
انتهت الجلسة بعد أن حصلت على خطة العلاج الصحيحة التي ستساعده بها على التخلص من سمومه.
نزلت إلى الأسفل، فوجدته ينتظرها داخل السيارة، فتحت الباب، فنظر إليها وهو يحتسي قهوته، وقال متذمرا: كل ده؟ كنتي بتي معاه.
قالت وهي تجلس بجانبه: معلش، بس كان لازم الجلسة دي.
نظرت إلى الكوب في يده وسألته: جبتها منين القهوة دي؟
أشار برأسه ناحية الخارج: من كافيه هناك كده، المهم عملتي إيه؟ عرف حاجة؟
هزت رأسها: لا معرفش حاجة، المهم دلوقتي هانطلع على محل كده معين، هو قريب من هنا علشان نشتري شوية حاجات.
نظر لها باستغراب: هانشتري إيه؟
ابتسمت بمكر: خليها مفاجأة، يلا.
زفر بضيق خفيف، ثم ألقى كوب القهوة من النافذة، وأدار السيارة حتى وصل إلى المحل الذي أشارت إليه.
قالت وهي تنظر حولها: أيوه هنا بالظبط، خليك هنا بقى استناني.
نظر لها معترضا: طب ما أجي معاكي.
التفتت إليه بسرعة: تيجي معايا فين؟ ماينفعش.
قلد طريقتها بتهكم: ماينفعش ليه؟ هاتجيبي حاجات بنات ولا إيه؟!
غمز بعينه: الله الله أموت أنا في الكلام ده كتري أحمرات.
رمقته بنظرة مستنكرة: هو إنت مفيش في دماغك غير الأفكار السافله دي؟
ضحك بخفة وقال بمشاكسة: مهو طبيعي لما الواحد يشوف البطة دى قدامه تبقى أفكاره كده، حد قالك إن اسمي رشيدة.
فتحت الباب وهي تتمتم: أنا نازلة علشان مش هخلص من لماضتك.
تبسم وهو يشغل أغاني، بينما هبطت هي من السيارة ودخلت إلى المحل.
بعد دقائق، جاءت وهي تحمل شنطة كبيرة، فتحت باب السيارة الخلفي، ووضعتها بداخله.
نظر بطرف عينه، وكاد يمد يده ليمسك الكيس ويتفحصه، لكنها أمسكت ذراعه بسرعة وقالت بحزم:
أقف عندك... لا.
ابتسم بمكر: مسيري هشوفه.
أغلقت الباب الخلفي، وجلست بجانبه: طب يلا نروح.
أدار السيارة وهو يبتسم بخفة: يلا بينا.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،6مساء
جلس سليم على مقعده الهزاز، يدخن سيجارته ببطء، وعيناه ثابتتان أمامه بشرود ثقيل ويجز على أسنانه بضيق مكتوم.
على إتجاه آخر... في الحديقة.
كانت ماسة تقف في الأسفل أمام مكي، الذي أمسك سلما طويلا وأسنده على الحائط، وهو يتمتم بتوتر: يلا أطلعي... أقسم بالله إنتِ هاتودينا في داهية أنا مش عارف سمعت كلامك إزاي؟!
ردت بمزاح :خلاص ماتسمعش كلامي واخليه يرفدك!
ثم اخرجت لسانها بمرح تبسم مكي على طفلتها ثم تحركت وهي تهم ان تصعد قالت له بتحذير: أمسك كويس بس، مش عايزة أتكسر الفترة دي.
تنهد بيأس: أطلعي!
بدأت تصعد السلم بحذر، حتى وصلت إلى شرفة سليم ثم قفزت بخفة، وبدأت تخبط على الزجاج.
داخل الغرفة
كان لايزال يجلس على المقعد شاردا، حتى قطع شروده صوت الطرق على الزجاج.
التفت باستغراب نحو مصدر الصوت واتسعت عيناه بدهشة عندما رآها واقفة هناك تبتسم له بدلال.
نهض سريعا، وفتح الزجاج وهو يقول بذهول: إنتِ جيتي هنا إزاي؟!
ابتسمت بخفة: عملت زيك.
شدها من يدها للداخل بسرعة، وقال بحدة ممزوجة بالقلق: زي إيه؟! عايزة تفهميني إنك طلعتي على السور؟!
هزت رأسها وقالت بدلال: بصراحة ما أعرفتش أعمل كده، خوفت توازني يختل وأقع، فعملت فكرة تانية، جبت سلم وخليت مكي يمسكه، وطلعت.
عقد حاجبيه وقال بدهشة: مكي؟!
اومأت براسها بتزمر: آه وكان غلس جدا! قعدت نص ساعة أتحايل عليه، وحياة ربنا عشري أجدع منه، أنا عايزة عشري بعد كده، بيسمع الكلام ومطرقع زيي.
تحرك سليم نحو الشرفة، ونظر للأسفل، فوجد مكي يقف هناك، ينظر لهما بتهكم.
مكي بسخرية مازحا: استلمتها؟! براءه أنا، إنتوا الاتنين مجانين زي بعض! واحد يمشيلي على السور فاكر نفسه سبايدر مان، والثانية تطلعلي على السلالم فاكره نفسها السوبر ومون.
خرجت ماسة بدلال قالت: لا سوبر كات.
ثم أخرجت لسانها، ضرب كف فوق كف وتحرك مبتعدا وهو يضحك..
بينما نظر سليم لها من أعلى إلى أسفل بضيق واضح، أمسك بكفها فجأة، وجذبها إلى الداخل بخطوة سريعة، حتى أوقفها في منتصف الغرفة بدفعة هادئة لكنها حازمة، دفعة تحمل ضيقه من أفعالها المتهورة التي لا تنتهي.
لكنها لم تهتم ظلت واقفة مكانها بثبات، ترفع رأسها إليه وكأن شيئا لم يحدث.
نظر لها بنظرة حادة، ثم أغلق الزجاج خلفه بعصبية، واستدار يقول بحدة مكتومة: ممكن أفهم إيه الجنان ده؟!
اقتربت منه بدلال، وأمسكت يده برفق تحاول إذابه جنونه: أعملك إيه يا سالوملوم؟ ما إنت طردتني وقفلت الباب على نفسك ومش عايز تفتحلي، وأنا مش هقعد أخبط عليك ولا أنام على الباب زي شحاتة الغرام، كده هنتعكش وهانبقى فرجة الموسم!
رفع حاجبه باستغراب: نتعكش وفرجة موسم؟!
ضحكت وقالت معلقة: آه نسيت إني بكلم سي سليم الراوي!
وفجأه قلبت صوتها وتحدثت باستقراطية: أقصد إنهم هايمسكونا، وموضوعنا هاينكشف يا سليم... فاضطريت أعمل كده.
تمتم وهو يهز رأسه: بتبقي رخمة أوي لما بتتكلمي كده.
ثم قال بنبرة أهدأ قليلا: طب وليه اللفة دي كلها؟ لو كنتي خبطتي شوية كمان كنت هافتحلك بدل ما كان حصلك حاجة.
ابتسمت بخبث خفيف وهي تقرصه من أنفه: ما أنا حبيت ألعب معاك شوية يا سالوملوم وبعدين ماتستصغرنيشي، أنا جامدة.
تنهد بضيق: بس أنا بجد متضايق منك.
لوحت بيدها بعقلانية: إحنا مش عايزين نتكلم في الموضوع ده دلوقتي خلينا في إللي إنت عملته تحت.
أدار وجهه بعيدا وقال بإنهاك: أنا مش عايز أتكلم، بجد عايز أبقى لوحدي، سيبيني شوية.
هزت رأسها برفض: لا والله ما هسيبك،
صمتت للحظه ثم قالت وعي تشير نحو الاريكة:
بص أنا عندي فكره حلوة، هقعد على الكنبة وهفضل ساكتة لحد ما تهدى ونتكلم.
ثم تحركت نحو الأريكة وجلست، وهي تضع يدها على فمها.
ظل ينظر إليها لثواني، وهي تجلس كطفل عبث بدلال ثم فجأة ضحك، فهي الوحيدة التي تستطيع أن تنتزع منه الابتسامة بدلالها في عز غضبه وهو كالعاصفة الهوجاء.
اقترب منها ببطء، ووقف أمامها، ومد يده نحوها، فابتسمت ووضعت كفها في كفه ونهضت، ضمها إليه بقوة، وأسند رأسه على كتفها وهو يتمتم بصوت مثقل: حاسس إن جوايا بيغلي يا ماسة...
ربتت على ظهره بلطف وقالت بحنان: ما إنت نارك مبتهداش غير معايا، مش أنا دوائك وهدوءك، وبوصلتك؟ مش هو ده الحضن إللي بيريحك.
أومأ برأسه ومازال بين ذراعيها، وقال بضيق: صافيناز استفزتني أوي، قولت أهددها بالورقة إللي معايا، بس قلبتها عليا ووجعتني.
قالت بهدوء حكيم وهي تربت على شعره: بس مهما كان، مكانش ينفع تفقد أعصابك يا سليم، بالعكس كنت تقولها إنك خفيت وبقيت كويس، وتبصلها بإبتسامة باردة كدة، إللي هو لو إنتِ فاكرة إللي بتقوليه ده هايعصبني تبقي عبيطة، كنت حرقتها..
ابتعد عنها قليلا وهو يضيق عينه باستغراب وقبل أن يسأل، أجابته بتوضيح: طلبت من مكي يجيب التسجيل وسمعناه لحد ما وصلنا للسبب.
تساءلت باستغراب: ليه يا سليم خليتها تعصبك، الرد البارد صدقني كان هايحرقها.
هز رأسه معترضا: الكلام ده تعملوه إنتوا الستات، تكسبوا بعض بالكلام ده، إنما إحنا كرجالة مانعملش كده يا ماسة، إحنا مانتحملش الطعن في الشرف، حتى لو كل كلمة قالتها غلط، وأنا عارف إنها بتعمل كده عشان تغيظني، بس ماقدرتش أتحمل وهي بتهينك، وبتقول كلام وحش عليكي.
صمت لحظة، ثم قال بصوت مكسور: وبعدين موضوع الخلفة ده وجعني أوي لما قالتلي عمرك ما هتخلي ماسة أم، حسيت إحساس وحش أوي..
ربتت على خده بلطف، وقالت بمزاح حنون: يا سلام ما انا أم فعلا، ما إنت ابني الكبير المشاغب!
مالت شفتيه بابتسامة صغيرة: إبنك إزاي بالعشر سنين الفرق إللي بينا؟!
قرصت خده بخفة ودلال: مش بالسن يا كوتي كوتي.
زمت بوجهها كالأطفال وتساءلت: كراميل، إحنا اتصالحنا؟
هز رأسه برفض: لا.
ذمت شفتيها للأمام ثم اقتربت منه وضعت قبلة على خده وأضافت بدلال: طب كدة اتصالحنا.
ابتعد وهو يلوح بيده: بلاش نتكلم في الموضوع ده ويلا روحي أوضتك.
هزت رأسها بعند: لا مش هروح أوضتي.
جلست على الفراش بعند: أنا هنام معاك هنا النهاردة وبطل بقى.
زفر بإختناق، وصوته خرج متعبا وهو يجلس جانبها معطيها ظهره: يا ماسة أسمعي الكلام، حقيقي أنا متضايق ومتعصب.
هزت رأسها برفض هادئ، واقتربت منه أكثر: وأنا مستحيل أسيبك لوحدك، أنا آسفة والله ما كان قصدي، دي مشاعر إنسانية يا سليم بتحصلي غصب عني، يمكن ربنا حاطط المشاعر دي جوايا عشان أفكرك أو أرجعك عن أي طريق خطر.
تنهدت، وأضافت بنبرة أهدأ: يا سيدي أنا مش هقولك تاني سامح رشدي، أعمل فيه إللي إنت عايزه، إن شا الله تعمل منه بطاطس محمرة، بس عشان خاطري خلاص..
قرصته من خده بدلال فتبسم رغما عنه، ثم تابعت بعقلانية ونصح: وأوعى تخلي صافيناز أو غيرها يعصبوك، حاول تمسك نفسك، إنت قولت إن كل حاجة هاتنتهي في الحفلة، وخلاص فاضل كام يوم... علشان خاطري اهدى.
ظل ينظر إليها بتأثر واضح، ثم فجأة مال برأسه ووضعها على صدرها، كأن كل ثقله إنهار دفعة واحدة، ضمته بحنان، وأخذت تمسح على شعره وخده برفق.
قال بصوت منخفض، يحمل تعب سنين: عارفة ساعات بقول أخدك وأمشي أسيب كل حاجة ورايا، ونعيش أنا وإنتِ في البيت الصغير إللي حلمنا بيه طول عمرنا، ونخلف ونرجع كل السنين إللي ضاعت مننا.
صمت لحظة، ثم أكمل بمرارة: سرقوا مننا سنين كتير أوي يا ماسة، بس برجع وأقول لا..
تابع من بين أسنانه بغل: مستحيل، لازم كل ثانية وجعوكي فيها أدوقهالهم أضعاف.
ربتت على ظهره برفق، وقالت بصوت هادئ مطمئن:
أرتاح يا سليم، ريح قلبك وعقلك شوية.
ثم أضافت بإبتسامة خفيفة: أقولك على حاجة حلوة؟ تيجي ناخد أجازة حتى لو يوم واحد أو كام ساعة، نختفي شوية، مانسمعش عن حد، نريح دماغنا ونقعد مع بعض.
تنهدت وهي تمسح على شعره: أنا حاسة إنك حتى وإنت معايا، دماغك لسة معاهم.
هز رأسه ببطء وقال بإصرار متعب: مش هعرف أرتاح خالص غير وأنا شايفهم مزلولين وبيشربوا من نفس الكاس..
ابتسمت له ابتسامة دافئة، وقالت بدلال خفيف: هاتشوفهم قريب بس ريح قلبك وعقلك شوية..
ثم أضافت بمشاكسة لطيفة: صالحتني، ولا لسة زعلان؟
تنهد بخفوت، وقال وهو يمسك يدها: ما إنتِ عارفة إني مبعرفش أزعل منك.
قبل خدها، ثم ضم كفها بين كفه، وأسند رأسه أكثر على صدرها، وأغمض عينيه وهو يتمتم بصوت متعب: سيبينى أنام وأرتاح شوية في حضنك.
هزت رأسها بإيجاب، عادت بظهرها للخلف مستنده على ظهر الفراش، وظلت تمسح على شعره بحنان
حتى بدأت أنفاسه تهدأ تدريجيا، وكأن حضنها المكان الوحيد القادر على إطفاء نيرانه.
على إتجاه آخر عند البوابة.
دخل رشدي بسيارته، وكان شوقي في استقباله.
وفور أن هبط منها، قال شوقي: رشدي بيه ممكن كلمة؟
شعر رشدي من طريقته أن هناك أمر ما يستدعى التحدث بمفردهم، اوما برأسه وقال لمي: اسبقيني إنتِ يا حبببتى وأنا شوية وجاي وراكي.
هزت رأسها وصعدت مسرعة للأعلى، بينما اقترب رشدي من شوقي: خير؟
أجابه بنبرة منخفضة: هانعمل إيه في منى هانم؟ مش مبطلة صريخ.
ضرب رشدي على رأسه: ده أنا سقطتها خالص!
شوقي: طب إيه؟
صمت رشدي لحظة يفكر بعمق، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية، وقال بنبرة خبيثة: بص... خليها مكانها وكمل في الحقن، وخليها تكلم طه طبعا تقوله مسافره مع حسام اي حاجة عشان طه ميشكش او وقت يرن عليها خليها ترد بس طبعا هددها بالعيال، ويوم الحفلة خرجها... ماشي؟
ثم تمتم داخله بغل: والله لأفضحكم زي ما فضحتوني وسط الشركة...
اوما شوقي: تمام يا رياسة، فيه حاجة كمان؟! سليم بيه مسك صافيناز هانم من شوية، كان هايقتلها.
اتسعت عينا رشدي بصدمة: ليه؟!
أجابه: لا والله يا باشا ما أعرفش، بس كان عامل زي الثور الهايج، ونزل ضرب في الحراس لما الهانم الكبيرة قالتلهم يبعدوه، بس مكي وقفه ومن ساعتها وهو فوق مانزلش.
مسح رشدي وجهه بضيق، بينما تضاربت الأسئلة داخل رأسه هل يمكن أن يكون سليم علم بشيء؟ لكن إن كان علم... لكان أشعل القصر نارا دون استثناء.
فكر أن يذهب إلى صافيناز ويسألها، لكنه تذكر توتر علاقتهما بعد أن أفشت هي وزوجها أمر إدمانه، فتراجع عن الفكرة.
وفجأة لمع خاطر في ذهنه...لماذا لا يسأل سليم نفسه؟ لكن بطريقة غير مباشرة.
أومأ برأسه بحسم، وقد قال سريعا: تمام يا شوقي نفذ إللى قولتلك عليه، ولو حصل أي جديد بلغني.
قال كلماته ثم دخل وصعد الدرج متجها إلي غرفة سليم.
جناح سليم.
كان لايزال مستندا برأسه على صدر ماسة، وهي متمدد على الفراش تداعب شعره برفق، فيما يملأ المكان هدوء مشحون بالحنان، وفجأة دوى طرق على الباب، فاتسعت عينا ماسة، وفتح سليم عينيه بسرعة متأهبا.
ماسة بقلق: هنعمل إيه؟
وضع يده على شفتيها محذرا: هششش!
من الخارج، حاول رشدي فتح الباب كعادته: سليم إنت صاحى؟
رد وهو يتوقف بجمود: عايز إيه؟!
رشدي: عايز أكلمك، أفتح.
سليم بضجر: مش عايز أتكلم.
ألح رشدي: أسمع بس افتح محتاج أكلمك في حاجة مهمة.
سليم مستسلما: طيب.
همست وهي تتوقف: أعمل إيه؟
لوح بيده نحو خزانة الملابس بهمس: روحي استخبي في الدولاب.
فهرعت مختبئة في الخزانه وعندما تأكد من دخولها، فتح الباب وهو يسند يده على الحائط بمنع.
رشدي بإبتسامة متهكمة: ايه ياعم قافل الباب على نفسك ليه؟! جايب نسوان في الأوضة ولا إيه!
ثم غمز له..
سليم بجمود: عايز إيه يا رشدي؟
دخل للداخل بطريقته المعتادة وهو يرفع يد سليم، كأن الغرفة غرفته وقال مازحا: لو فيه نسوان قولي سرك في بير.
سليم بجدية: أكيد إنت مش جي تستخف دمك الرخم هنا.
التفتت له وأجابه بثقة وهو يغمز له: بذمتك أنا دمي رخم، إنت الوحيد إللي بيقوللي كده علي فكرة، قول إنك بتغير مني علشان دمي خفيف وإنت لا..
سليم بضجر: عايز إيه يا رشدي أخلص؟
قال رشدي معاتبا يحاول فتح مجال للتحدث: مش تيجي تسأل عني بعد إللي عمله الباشا فيا؟ مفيش أخوة؟
تنهد سليم موضحا: كنت مشغول الفترة إللي فاتت، يدوب اخدت ساعتين راحة أختك عكننت عليا.
اومأ برأسه، وقال مستغلا للفرصة: قالولي إن الحربوقة فورت دمك ورنتها علقة، تسلم أيدك بصراحة هي تستاهل، بس عملتلك إيه؟!
سليم بجمود: هو أنا المفروض أبررلك؟! عملت كدة وخلاص؟
رشدي مفسرا: ياعم لا تبرير ولا حاجة، بسألك عادي، أصلك ماتوصلش لعصبيتك دي إلا لو عملتلك حاجه كبيرة.
سليم ساخرا: وده من إمتى الاهتمام ده؟!
أجابه وهو يمد وجهه للأمام: افتكرت كلامك لما قولتلي زمان تعالي نقرب من بعض ونبقى أخوات، وأنا حابب نقرب من بعض..
صمت للحظة ثم تابع بصدق: تعرف إن إحنا فينا من بعض، أنا وإنت مابنتلونش، بنقول للوسخ إنت وسخ في وشه، بس أنا ساعات بلعب في الظهر، انما إنت لا بتشوط الجول قدام كل الناس، يمكن دي مشكلتك، أحيانا الوساخة واللعب بظهر، بيكون أحسن كتير من اللعبة النظيفة، خدها مني نصيحة.
سأل سليم بنفس الهدوء لمن بملل: أنا برضو مش فاهم، إنت عايز إيه؟
كانت ماسة تستمع لكل ذلك من الداخل، تزفر باختناق، فقد طال الحديث كثيرا.
بينما ابتلع رشدي ريقه: مافيش كنت حابب أسالك عملت إيه في موضوع ماسة؟! والحربوقة عملت إيه لو ينفع تقول من غير أنا مش مضطر أجاوب أو أبرر..
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه سليم وأجابه بهدوء فهو يفهم لماذا رشدي أتى لهنا: مالحقتش أعمل حاجة في موضوع ماسة بسبب إللي حصل بس هي ليها الأمان أنا وعدتك.. أما موضوع صافي؟ كانت بس عايزة ترجع عماد المجموعة، فرخمت عليا بالكلام، يعني عايرتني اني مابخلفش بسبب الحادثة..
لا يعلم رشدي لماذا أهتز قليلا وبربشت عيونه وغص داخله، فهو من تسبب في تلك الحادثة التي خرج سليم منها عقيما.
قال بنبرة موجوعة قليلا: مش إنت لو شلت الرصاصة إللى في ظهرك هاتخف؟
سليم بثبات: آها بس لو شلتها فيها خطر على حياتي إنت نسيت، فباخد علاج علشان الخلفة بس لسه النسبة مش عالية؟!
ذم شفتيه بحزن مبطن: إن شاء الله هاتخلف وهاتبقي كويس، وسيبك من الحربوقة، ماحدش بياخد على كلامها.
صمت للحظة ثم قال: أنا كنت عايز أطلب منك طلب..
عقد سليم حاجبيه، تابع رشدي: عايز أنتقم من عماد، على إللى عمله لما قال لمي إنى مدمن، عايزك تساعدني أنا مش هعرف لوحدي..
نظر إليه سليم مطولا؛ فهذه فرصته ليؤذي عماد، وفي الوقت ذاته رشدي من يتصدر المشهد، وبتلك الطريقة يستطيع أن يضربهم ببعض.
أومأ برأسه قائلا: تمام... نفكر فيها، بس أنا مش هظهر في الصورة.
رشدي بسرعة: تمام ممكن نبوظ شغله مثلا..
تنهد سليم: سبنى أفكر فيها وأقولك..
داخل الدولاب
كانت ماسة تستمع إلى حديثهما، وقد بدأ الضجر ينهش صبرها بعدما طال الحديث بينهما طويلا، فبدافع الملل حاولت أن تغير وضعيتها... لكنها اصطدمت بشيء بجانبها، فأصدر صوتا خافتا.
وضعت يدها على فمها، واتسعت عينيها بصدمة.
بينما ابتلع سليم ريقه ومثل الثبات بقوة
بينما ألتفتت رشدي على صوت متسائلا:إيه الصوت ده؟
سليم بثبات: تلاقي الهوا وقع حاجة جوا.
ضحك رشدي وهو يغمز: هوا!!! والله إنت جايب نسوان جوة.
علق سليم وهو يتك على كلمة: نسوان؟ يعني ماعملتهاش في العشرين، هعملها دلوقتي؟
أجابه مبتسما: أيوه، عادي راجل وليك احتياجاتك برضو، لو فيه بنات قسم مع أخوك ونعتبرها أول صفقة صلح بينا.
سليم معلقا بمزاح: صفقة صلح نجسة.
رشدي مازحا: لازم تبقى نجسة ما إنت بتعملها مع رشدي، مش مع أمام جامع.
ضحك سليم رغما عنه.
سأل رشدي مرة أخري هو يغمز: بجد مين إللي جوه؟ أعترف دي ماسة لو عرفت هاتشعلقك؟؟
دفعه سليم من كتفه: روح يا رشدي شوف هتعمل إيه، أنا عايز أنام.
علق رشدي هو يتحرك: أسمع مني لو فيه بنات ممكن نستر على بعض.
سليم هو مازل يدفعه للخارج: والله العظيم أنا مافايق لهزارك.
ألتفت له رشدي وهو على العتبة: ماشي، والعة معاك ياعم، الله يسهلووو، سلام.
أغلق سليم الباب خلفه، ثم تنهد بعمق، وتحرك سريعا نحو الخزانة.
فتح الدرفة فظهرت ماسة بنفس وضعها، ارتسمت على وجهها إبتسامة طفولية بلهاء.
قال معلقا بضيق: إيه يا ماسة؟! مش عارفة تقعدي عشر دقايق من غير فرط حركة؟
رفعت حاجبها بتمرد لطيف: أعملك إيه؟! بقالكم ساعة بترغوا!
ضحك وهو يمد يده لها: طب تعالي.
وضعت يدها في يده وخرجت، ثم توقفا أمام بعضهما.
قالت فجأة ببراءة: بقولك إيه إنت مش جعان؟
نظر لها باندهاش ساخر: نفسي أعرف إنتِ بتعملي إيه في حياتك غير الأكل وفرط الحركة!
لفت ذراعيها حول رقبته بدلال: بنام... وبحب فيك... وبتفرج على التلفزيون علشان أجيبلك منه معلومات وأبهرك!
ثم داعبت أنفها بأنفه، ضحك سليم بخفة وهو يقرص أنفها بحركة المقص: طب تعالي يا غلباوية، ها كلم سحر أخليها تعملنا أكل.
أومأت برفضٍ وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بدلال: لا، أنا عايزة شاورما فراخ ولحمة… والفراخ اللي بحبها، وعصير جوافة كمان وكرز نفسي فيه
نظر إليها بدهشة ورفع حاجبيه: هتاكلي كل ده؟
رفعت كفها في وجهه بخفةٍ وكأنها تزجره:
الله أكبر! خمس،خمس.
انفجر ضاحكًا وهو يهز رأسه باستسلام:
حاضر يا ماسة، هجيب لك كل اللي إنتِ عايزاه… وهجيب لك كمان شيبسي ليون بالكاتشب.
اقتربت منه وربتت على خده بخفةٍ وهي تبتسم بمكر: إنت أحلى سليم في كوكب.
ثم أحاطت خصره بذراعيها بدلالٍ طفولي وقالت بنبرةٍ مستعجلة: يلا بقى يا كراميلا، اتصل بسرعة
في جناح رشدي ومي.
فتح رشدي الباب، فوجد مى أمامه ترتدي كمامة وقفازات، وأمامها طاولة موضوع عليها أكياسا صغيرة، وأطباقا، ومسطرة، وميزانا دقيقا...
نظر لها بدهشة، ثم أخرج رأسه خارج الغرفة كأنه يتأكد منها: هو أنا دخلت أوضة غلط ولا إيه؟
ضحكت بخفة: أدخل يا خفيف.
دخل يردد بدهشة: إيه إللى أنتِ عاملاه في نفسك ده؟
أجابته بهدوء: علشان أقسم الحاجات زي ما الدكتور قال.
نظر لها باستغراب قائلا بطريقة معتادة: داخلة حامية كدة ليه؟ طب نتغدى الأول، تاخدي شاور.
هزت رأسها: لا نقسمهم الأول، أسمع الكلام يا رشدي وبطل دلع وروح هاتهم.
تنهد باستسلام: طيب.
توجه نحو الحمام، ثم خرج بعد دقيقة يحمل في يده كيسا صغيرا من البودرة.
نظرت له بشتكك من طرف عينيها: هو ده الكيس؟
رد بثقة مصطنعة: أيوه يا ستي ده يكفي تلات أيام.
ضيقت عينيها وقالت بحدة: والله؟ عايز تفهمني إن مامعاكش غير الكيس ده؟
زم وجه بتصنع: أيوة
نظرت له بشك من أسفل عينيها: يا رشدي...
رفع يده كأنه يقسم: وحياة خالتي خضرا، ماعنديش غير الكيس ده!
رفعت حاجبيها باستنكار: خالتك خضرا؟
اومأ بتاكيد: إها خالتي خضرا.
قلبت عينها وقالت بحزم وهي تتك على كل كلمة: رشدي، روح، هات، كل، إللي، عندك.
قلدها بسخرية: إنتِ، بتتكلمي، كده، ليه؟
قالت بنبرة حاسمة: رشدي...
تنهد باستسلام: حاضر يا ستي ماتزعقيش.
تحرك نحو الدريسنج، وكانت خلفه مباشرة.
ألتفت لها باستغراب: إنتِ جاية ورايا ليه؟
رفعت حاجبها: يلا
قالت بطريقته المعتادة: أنا بتكسف، مابحبش حد يشوف هدومي الداخلية.
نظرت له نظره حادة لا تحتمل النقاش: رشدي..
ضحك بخفة: خلاص بهزر معاكي، ده إنتي رخمة أوي...
فتح درجا سريا بطريقته، فنظرت له بدهشة: هو إنت عندك درج سري؟
ردت ساخرا: أكيد يعني مش هحط الحاجات في وشك كده، كان عندي واحد تاني في المكتبة بس غيرته لما غيرنا الديكور.
لكن فور أن فتح الدرج، اتسعت عيناها بدهشة حقيقية عندما رأت كمية كبيرة من الأكياس.
قالت بصدمة: يخرب بيتك! إيه كل ده؟! ده إنت تاجر بقى!
اومأ برأسه: لا يعني، بحب أخزن شوية خصوصا لو الصنف عجبني ويبقي فاخر من الآخر.
قلدته بسخرية: فاخر من الآخر!! بتجيب الكلام ده منين؟
ثم أخذت الكمية دون تردد، وخرجت ووضعتها على الطاولة وقبل أن تبدأ في صب البودرة في الطبق، تقدم نحوها، وأمسك بقطعة كمامة أخري وثبتها فوق الكمامة التي ترتديها، وقال بجدية غير معتادة: معلهش كده أفضل، ماتقربيش وشك من الحاجات دي.
كان يخشى عليها أن تستنشق البودرة، لذلك ظل يراقبها بعين حذرة، بينما واصلت عملها بهدوء، فجلس هو على الكرسي يراقبها بدهشة.
بدأت تقسم البودرة بالميزان، تضع الكمية المطلوبة بعناية، ثم ترفع الميزان بين يديها لتتأكد من الوزن مرة أخرى، كأنها ديلر مخدرات محترفة، لا زوجة تحاول إنقاذ زوجها.
نظر لها من تحت عينيه بدهشة: الحلوة كانت بتشتغل في الباطنية قبل كده وأنا معرفش؟
قالت بحدة: أسكت ماتلخبطنيش خليني أخلص.
ابتسم بمزاح: بس بجد منظرك غريب، إنتِ عارفة أصلا الميزان إللي إنتِ ماسكاه ده بنوزن بيه الحشيش؟ حلو برضو هاينفع، حاسس إن الواد إللي بيديني بيضحك عليا.
رفعت عينيها بتهكم، ثم نظرت أمامها واستمرت في تقسيم البودرة، وكتبت على كل كيس اليوم المخصص له، ثم رتبت الأدوية حسب الأيام وعدد الجرعات... حتى أصبحت كل الأشياء جاهزة، ولم يتبق سوى أن يلتزم بمواعيدها.
ابتسمت بحماس واضح، وكأنها أنجزت أمرا عظيما:
خلصت... أنا بجد مبسوطة أوي.
ابتسم لها وقال بسخرية: مبسوطة أوي؟ يا ترى بقي الانبساط ده سلطنة ولا حماس، مش مرتاحكلك؟!
مالت نحوه وضربته بخفة على ساقه: يا ابني بطل بقى أتكلم شوية جد في حياتك.
رفع يده بإستسلام: حاضر هتكلم جد.
ثم نظر إلى الأكياس وقال بشك: إيه بقى العينات إللي إنتِ حاطاها في الأكياس دي؟ أكيد مش حاطاها علشان تعذبيني!
ردت بجدية: الدكتور إللي قال، دي الكمية إللي المفروض تاخدها، وأنا قسمتها بالأيام.
أشارت بيدها: دول أول يومين، ودول الثلاث أيام إللي بعدهم وهكذا.
هز رأسه بتردد: ماشي بس يعني مش لازم نبقى دقيقين أوي، ممكن تبحبحي أيدك في حبة كمان ده أنا رشروشك برضو.
نظرت له بصرامة: الكلام ده مافيهوش رشروش يا حبيبي، فيه ألتزام ولا عايز تزعلني منك؟
ثم سألته بجدية واضحة: أنا عايزة أفهم إنت عايز تخف ولا لأ؟
تنهد وقال بنبرة مترددة: أكيد عايز بس حاسس إن الكمية صغيرة أوي.
نهضت من مكانها وجلست بجانبه، ثم أمسكت يديه برفق: الدكتور إللي قال كده يا رشدي، أسمع الكلام بقى إحنا لسه مبدأناش، ومن دلوقتي بتقول لا؟
قرصها من خدها بخفة وهو يبتسم: يا ستي بتدلع عليكي، مابتهزرش يا محمود.
ابتسمت رغما عنها، ثم قالت بحزم: لا بهزر، بس إحنا نبدأ من النهاردة جد.
نظرت له بجدية، وأمسكت يده بقوة أكبر: بص بقى يا رشدي، أهم حاجة إنك تكون قد الخطوات إللي ماشي فيها، وتكون من جواك عايز تبطل، لإن دي أول خطوة في العلاج ومش بس كده، ماتكدبش عليا، وحارب نفسك، واستعين بربنا سبحانه وتعالى يقويك.
صمتت لحظة، ثم أضافت بهدوء: وعلشان تستعين بربنا، لازم تقرب منه وتصلي، أنا ملاحظة إنك مابتصليش خالص، إيه رأيك نبدأ من النهاردة؟ فاضل حوالي نص ساعة والمغرب يأذن، نصلي سوا؟
نظر لها بتردد، ثم قال: ماعنديش مانع، بس أنا مبعرفش أصلي.
اتسعت عيناها بدهشة: مابتعرفش تصلي إزاى؟
رفع كتفه ببساطة: عمري ماصليت.
ردت بصدمة: طب إنت عارف الصلاة إيه أصلا؟
قال بثقة: آه طبعا، الفجر، عصر، عيشة، مغرب...
قطبت حاجبيها: عيشة؟! اسمها العشاء! طب والظهر إللي وقع منك؟!
نظر لها بإحراج، فتابعت: وطبعا أنا هبقى غبية لو سألتك إنت حافظ قرآن ولا لأ؟
هز رأسه بتأكيد وهو يضحك، فتابعت بسخرية: طب حافظ الفاتحة على الأقل؟ دي مافيش حد مش حافظها...
قال بثقة: طبعا حافظها، استني، بسم الله الرحمن "الحمد رب العالمين، الرحمن الرحيم .."
صمت فجأة، ورفع عينيه للسقف: لحظة هافتكر.
طال صمته، فنظر لها وهو يزم شفتيه: تصدقي نسيتها.
نظرت له بذهول: نسيت؟! أومال لما كنت بتقرأ إيه يوم قراية فتحتنا.
قال ببساطة: ماقرأتش حاجة، لقيتكم رافعين أيديكم فرفعت ايدي زيكم، وبصراحة كنت حاسس إنكم عبط شوية.
فتحت فمها بصدمة: إحنا إللي عبط؟! مش إنت اللي فيك المشكلة؟!
تنهدت تهز رأسها: عموما، أنا هتعامل معاك على إنك هندوسي لسة داخل الإسلام جديد، وهابدأ أعلمك كل حاجة من أول وجديد.
رفع يديه أمامها مبتسما: بالظبط، وأنا شاطر وبتعلم بسرعة.
نظرت له بملل مصطنع: شوفلنا بقى الغدا الأول، علشان أنا نفسي آكل وأبلع كل الصدمات إللي في وشي دي.
قبلها من خدها ثم دغدغها في بطنها بمداعبة: بعد الشر عليكي من الصدمة يا مشمشتي.
وبعد قليل، وصل الغداء، فتناولاه سويا في هدوء.
وما إن أذن المغرب، حتى نهضت مي بعزم، وقد عقدت النية على أن تبدأ أول خطوة حقيقية.
وقفت أمامه وقالت: يلا يا رشدي... هانبدأ.
ثم اتجهت إلى الحمام، وبدأت تتوضأ أمامه ببطء، تشرح له كل خطوة وهي تقوم بها، حتى يرى ويتعلم.
وبعد أن انتهت، التفتت إليه: يلا... جرب إنت.
في البداية تلعثم في ترتيب الخطوات، لكن في المرة الثانية، بدأ يفهم، ويعيد مافعلته حتى أتم وضوءه بشكل صحيح.
ثم أحضرت المصحف، ووقفت أمامه، وبدأت تعلمه الصلاة خطوة خطوة، كانت تشرح له ماذا يقول في كل حركة
في البداية، بدت كأنها "بروفة" للصلاة، كرر خلفها الحركات أكثر من مرة، حتى تمكن أخيرا من أداء الصلاة بمفرده.
وبعد أن انتهوا خلعت مي الإسدال، وجلست أمامه تتأمل ملامحه باهتمام، وتساءلت: ها... حاسس بإيه؟
رفع عينيه للأعلى قليلا، وكأنه يبحث عن إجابة: مش عارف، مش حاسس بحاجة.
نظرت له بتفهم وسألته: ماحستش بأي حاجة خالص؟!
هز كتفيه: بصراحة لا.
تنهدت، وقالت بهدوء: هاتحس إن شاء الله، لما تقرأ بتركيز، وتصلي بتركيز، هاتحس باللي أنا عايزاك تحسه.
هز رأسه موافقا: إن شاء الله.
قالت بحزم لطيف: لازم تشغل قرآن كتير لازم ودنك تتعود على القرآن وتحفظ الفاتحة وصورة صغيرة على الأقل عشان ماينفعش كل مرة تقرا من المصحف
اومأ برأسه، فنهضت تجمع الأشياء التي كانت أمامها، وقالت: أنا هشيل الحاجات دي... مش ها أقولك مكانها، بس هسيبلك واحدة بس كل يوم، علشان وقت ما تحس إنك محتاج... تاخدها.
قال بتذمر خفيف: ماشي...
ثم لوحت بيدها قائلة: يلا وسع.
نظر لها باستنكار مازح: أوسع؟ هو أنا شحات؟
ضحكت بخفة، وتحركت وهو خلفها يحاول معرفة ماستفعل.
التفتت إليه وقالت بصرامة لطيفة: رشدي أرجع مكانك.
ضحك وهو يعود للخلف: يخرب إللي يقع تحت إيدك يا شيخة!
جلس في مكانه أمام التلفاز، يراقبها بطرف عينه، بينما كانت تخبئ الأشياء في أحد أماكن بالدريسنج الخاصة بها.
وبعد أن انتهت، عادت وجلست بجواره، فشدها بين ذراعيه، وبدآ يشاهدان التلفاز معا في هدوء.
أما مي، فكان بداخلها شعور عظيم بالسعادة وكأنها أنجزت شيئا كبيرا، نعم لم تخط خطوة ملموسة بعد، لكن مجرد أن يبدأ السير في هذا الطريق، كان إنجاز ضخما في نظرها.