رواية جمعية حب الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم شمس محمد بكري




|| الهلاك أصبح أكيدًا  ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


مُلخص الأحداث السابقة في الفصل الأخير..

-خطوبة "أدهم" و "علا".

-رجوع "منتصر" من السفر ولقاءه بزوجته والعائلة

-"يحيى" بدأ يتحرك ويخرج بنته من الحالة دي.

-"سالم" أخو "سليمان" تعب و"رحمة" ساعدته يدخل مستشفى

-ظهرت بعض أعراض حالة "لمار" النفسية قدام "حلمي".

-"داغر" كان سبب خراب العلاقة بين "نـوف" و"غسان" علشان راح وقالها على ماضي "غسان" مع البنت اللي كان بيحبها وقالها إنه بيستغلها.

-دي أهم الأحداث الأخيرة ونبدأ نكمل من بعدها ودا فصل استثنائي والعودة بعد رمضان بأمر الله الواحد الأحد.
____________________________________

فوق درب الهوىٰ أنا هُنا لازلت عالقًا بالمنتصفِ..
هُنا حيث بداية لم تُشبهني ونهاية لم أعرفها،
 حيث أنا بدون نصفي ولا أعرف كيف العلم يُنصفني
لم اختر يومًا البداية التي تسوقني لتلك النهاية، بل أنا فقط اندفعت وفي النهاية بالنيران احترقت..
أتعلمين عزيزتي أن الخيانة لا تُعد خيانةً إلا حين تأتينا من المُقربين؟ من هؤلاء الذين نضع فيهم ثقتنا ونأمن على نفسنا بقربهم فيفاجؤننا بخيانةٍ لا تُنسىٰ ولا تُغتفر؟ تمامًا كما المُناضل الذي يهتف ويصرخ لأجل حقوق شعبٍ جاهلٍ، فيسلمونه للحكومات خوفًا على قوت يومهم، لو كان يعلم المناضل أن نهايته تكون على يد من ناضل لأجلهم، لكان ناضل لأجل حقوق الحيوان، لأنهم حقًا يتمتعون بالوفاءِ..

      <"كنتُ أخبر العالم عنك، واليوم أخشى ذِكرك">

النهاية، 
نقطة الختام،
عبارة نهائية،
جملة ينتهي بها اللقاء،
كلها نهايات تُوضع عند التقاء دُفتي الحكاية لتكون بذلك بغير رجعة، نهاية وُضِعت وانتهى بذلك الأمر حتى نهايته الأخيرة، لكن في أغلب الأحايين تكون النهاية هي البداية الجديدة لشيءٍ لم نضعه ذات يومٍ في الحُسبانِ، وقد تكون النهاية هي البداية بذاتها.

تحمل عنوةً غيابها طوال الأيام السابقة، التفتت عنه وولته دُبرًا، غابت عن عينيه كشمسٍ غربت وطال ليله في غيابها، وقد وصل لمكانها في جمعية والدها التي تُديرها وقد جاءه صوتها وهي تضحك من بعيدٍ مع شابٍ في المكان، وبمجرد أن اقترب منها يرفع أحد حاجبيه لمحته وتعجبت هي من قدومه، لكنها تعاملت برسمية شديدة للغاية وهي ترحب به بفتورٍ قائلة:

_أهلًا يا أستاذ "غسان" نورت المكان.

ماذا دهاها؟ بماذا أصيب عقلها كي تتحدث معي بهذه الطريقة؟ هل هي مُصابة بمرض ازدواجية الشخصية أو ما شابه ذلك؟ ماذا عن بوادر قصة الحب والمشاعر الصادقة التي حدثتها عنها؟ أهي معتوهة أم مخبولة في عقلها؟.

كان يفكر بهذه الطريقة حتى عرفته هي بالآخر قائلةً:

_دا أستاذ "غسان" ابن الاستاذ "طاهر" يا "شريف" أعرفك بالأستاذ "شريف" الـ Hr هنا في الجمعية ومسؤول التطوع والكشف والاستكشاف يا أستاذ "غسان".

طريقتها غريبة ولم يُحبها هو ولم يتقبلها أيضًا، لذا كان رده عليها فظًا وجامدًا حين أضاف حقيقة أخرى لحديثها:

_وخطيبك يا "نوف" أظن يعني الموضوع مش هيفضل كتير في السر، كلها أيام وكل حاجة هتبان للناس وتوضح، وأكيد هنعزمهم كلهم علشان يكونوا معانا، ولا لسه مصممة كل حاجة تتم من بعيد لبعيد.

يرد لها صاع حديثها صاعين بأكثر قوةً وقسوةً..
اتقدت نيران الغضب في صدرها خاصةً حين انسحب "شريف" من بينهما بعد أن بارك لهما وتحرك يتركهما في خصوصية لحظتهما، بينما هي لم تتحمل أكثر فقالت باندفاعٍ:

_كنت وخلاص كل واحد راح لحاله، عرفت اللي فيها خلاص وسبب إنك بالسرعة دي عاوز الجوازة تتم، جدك جه وقالي كل حاجة، قالي إنك عاوز موضوعنا يتم بس علشان تبعد "بسملة" عن طريقك وترجع للنادي من تاني علشان أبوها يسيبك في حالك، ومش بس كدا دا وراني حياتك معاها قبل كدا، هو أنا يعني كنت ناقصة استغلال؟.

توسعت عيناه من جديد وتخشب جسده بينما هي ففتحت الهاتف على صورته مع الفتاة الأخرى وهي تقف بجوارهِ وتضم ذراعه بينما يحمل هو كأس البطولة ويضحك بسعادةٍ يومها ضحكة يدفع ثمنها حتى الآن، ولم يتوقع أن تأتي هي له بماضيه قبل أن يخبرها هو عنه، خرج من مضمار دهشته وذهوله وثبت عينيه عليها بنظرةٍ أذهلتها، حيث بدت نظراته قاتلة، مُرعبة، قوية بقدر لطافته، وجارحة بقدر حنوهِ..

تلاقت الأعين في تضادٍ بين النظراتِ وقد رفع رأسه كما هو بشموخٍ وابتسم بزاوية فمه وقال بتهكمٍ وهو يصطفي لها نظرة ناقمة:

_وأنتِ علشان تريحي نفسك صدقتيه؟ عمومًا ألف شكر، وكدا أنا عرفت اللي فيها، وأكيد مش هضايقك تاني بظهوري في حياتك ولو حد من عيلتك أتعرض ليكِ أنا موجود، بس دا مش علشانك، دا علشان شكل أبويا قدامهم، وأنتِ بمجرد خروجي من هنا أنسي خالص إنك قابلتيني، علشان لو اديتك ضهري هتبقى خلاص كدا.

أنهى الحديث والتفت قاصدًا الرحيل فوقفت هي تنظر في أثره كما التائهة هو يرحل عنها ويقصد بذلك الغياب للأبد، قصد النهاية المفتوحة وهي أكثر ما تكرهه أن تبقى الأشياء عالقة في المُنتصفِ هكذا، لذا حسمت أمرها في دقيقةٍ، تصيدته بعينيها من على بُعدٍ وهو يغيب عنها فهرولت تُناديه بملء صوتها، تركض خلفه وتُسرع في خطاها، وهو يتجاهلها حتى وصل لسيارته وقبل أن يفتح بابها وجدها تقطع عليه الطريق لاهثةً بأنفاسٍ مقطوعة.

رفع عينيه باستفهامٍ تصاحبه نظرة حادة كسهامٍ قاتلة، فقالت هي بلهفةٍ تجاوب سؤاله الحائر في عينيه ونظراته:

_طالما هتمشي يبقى على الأقل تعرفني قبل ما تمشي الحكاية إيه، ماتسيبنيش في النص متعلقة كدا بحاجة ماعرفش نهايتها، وليه جدك يجيلي أنا علشان يقولي الكلام دا؟ وأنتَ مين أصلًا وظهرت إمتى؟ ليه كل البهدلة دي؟.

_أنتِ دلوقتي بتسأليني أنا؟ كنت فين وأنتِ بتحكمي عليا إني يستغلك وبضحك عليكِ؟ مسألتيش نفسك ليه جدي جالك أنتِ واختارك يقولك اللي فيها؟ ماجاش في دماغك إنه عاوز يضرني؟ حكمتي عليا وخلاص، وأنا قبلت حكمك، اعتبري إنك ماتعرفيش أنا مين وصدقيني مش هضايقك بظهوري تاني.

رد عليه بهذا الرد وهو يستعد للرحيل وقد فتح السيارة وولجها فوجدها تفتح الباب المجاور لها بعد أن التفتت مُسرعةً وولجتها قبل أن يتحرك هو، وما إن انتبه لها قالت هي بحدةٍ مفتعلة يراها لمرتهِ الأولىٰ منها:

_أنا مش هامشي غير لما أفهم إيه الحكاية، عرفني على الأقل وطالما عاوز تنهي الموضوع يبقى ننهيه باحترام، لكن كدا هتفضل بالنسبة ليا راجل بيتلكك وبيلعب ببنات الناس، أظن يعني دي مش تربية عمو "طـاهر" وعمره ما يربي كدا أبدًا.

حديثها ونظراتها بثوا فيه شيئًا من الأملِ، تبدو كأنها تتمسك فيه دون أن تُظهر لهفتها، تتمسك بالحياة معه دون أن تُبدي له خوفها من دونه، نظراته تقول الشيء وكلماتها تنفيه خارج حدودها، لذا تكبد عناء وأد البسمة المعلونة، ورسم الجمود وهو يقود السيارة ويتحرك بها لنقطةٍ ما قريبة هُنا.

رُغم التيه وغياب العقل الذي كانت هي عليه لكنها كانت تأمل فيه، تتمنى ألا تنخدع فيه هو أيضًا، تتمنى أن يكون صادقًا كما فعلتها عيناه وقالت الصدق في حقها وحق نفسه، فاقت من فكرها فيه حين وقفت السيارة أمام مطعمٍ شهيرٍ ذي شهرة واسعة، ولجا سويًا وقد جلسا مقابل بعضهما فضمت ذراعيها تعقدهما عند صدرها وقالت بتأهبٍ لسماعه:

_اكسب فيا ثواب وفهمني إيه اللي بيحصل؟ وأنتَ إيه علاقتك بكل دا؟ لو فعلًا جدك كلامه غلط ليه مصمم مثلًا يعملك مشاكل؟.

_دي بقى هو يجاوبك عليها مش أنا، بس على العموم أنا هاقولك، علشان أنتِ عندك استعداد تسمعيني، هبدأ من عند "بسملة" دي كانت معايا من صُغري، جيران وصحاب وكل حياتنا مع بعض، كبرت على أساس إنها أساسية في حياتي، بتشاركني كل خطواتي، وحتى لما كبرنا ودخلت جامعة وهي جامعة تانية العلاقة فضلت ثابتة، بالعكس بدأنا نحس إننا محتاجين لوجود بعض، معايا تقريبًا في كل لحظات حياتي، عمرها ما فارقتني.

بدأت ملامحها تتحول دون أن تشعر، غيرة الأنثى ولو كانت عاقلة تظل شيئًا لا تستطع المرأة أن تتحكم فيه، عيناها تنطقان بالشرِ بينما هو تجاهل هذه النظرة التي ترمقه بها وأكمل حديثه مُتابعًا باستفاضة:

_المهم بدأت علاقتنا تتطور وتعدي مرحلة الصداقة وبد….

قبل أن يُكمل حديثه بترته هي بنبرةٍ حادة بانت في كلماتها:

_يعني إيه علاقتكم تطور دي؟ أنتوا كانت إيه حكايتكم؟.

نبرتها لم تُنذر بخيرٍ قط، اندفاعها في وجهه جعله يتيقن أن مشاعرها ترفض أن تشاركها أخرى فيه حتى ولو في ماضيه، لذا رسم الثبات وقال بلامبالاةٍ لم تُعجبها وتروقها:

_ماتديني فرصة أكمل كلامي، يعني تخطينا فكرة إننا ناس معارف وجيران وبدأنا ننجذب لبعض، كان ورايا بطولات كتيرة وتاريخ رياضي يخليني أكمل غصب عني ومابصش لأي حاجة من دي، وهي كانت معايا خطوة بخطوة، بصراحة كانت داعم كبير ليا، واتخرجت فعلًا، وبدأت شغل مع الرياضة، كنت طموح أوي، بدأت هي تتهمني إني أناني، مش بفكر غير في نفسي، يمكن أكون وقتها فعلًا كان اللي يهمني نفسي، بس أنا كنت لسه في أول حماسي وجنوني، وبدأت الحكاية تقلب من هنا..

تبدلت تعابيره، كأن راحته سُرِقت منه وهو يتذكر ما حدث وقتذاك، حتى نبرته بانت فيها خيبة الأملِ وهو يُكمل مُتابعًا:

_بدأت تصمم أني أتقدم ليها، كل يوم مشاكل وخناقات، حتى في عز التدريبات والبطولات كانت تيجي تصمم إني أوقف كل حاجة علشانها هي، كان عندي بطولة سباحة وكانت أهم بطولة ليا، وعدتها أخلص المسابقة وهاروح أتقدم، وقتها سكتت وكانت معايا وخدت البطولة، وروحت قابلت أبوها، وهنا بقى اكتشفت إني مجرد كمالة عاوزينها وسطهم، قلل مني ومن شغلي، قالي إن ابن أخوه بيلعب بلايستيشن وعمره ما خسر مرة، وبكدا هو أفضل مني..

تنهد معبرًا عن ضيقه بينما هي بدأت ملامحها تتبدل، شيءٌ من التعاطف بدأ يظهر عليها وهي تُنصت له، وقد أكمل هو كأنه يُزيح ثُقل حجرٍ من فوق صدره بقوله:

_شرط عليا أكون فرد من عيلتهم بس مقابل دا أعيش في البيت عندهم وأكون من بينهم، وأنسى الرياضة وشغلي وأي حاجة وأتطوع وأمسك شغل عيلتهم زيي زي جوز أختها الكبيرة وبكدا هو بيخدمني، عن شرط !! إني أبعد عن عيشتي مع أهلي وأكون بينهم ووسطهم، ويعتبر طردني أنا وأهلي، ساعتها الدنيا قفلت في وشي، زهقت وتعبت ورفضت طبعًا وقولت لو آخر بنت في الدنيا مش هتنفعني، أنا راجل مش عيل، وللأسف بدأت مشاكل كتيرة تحصل وهي تقولي أحاول علشانها، وأكون قد طلبي وقد المسؤولية بس ماقدرتش، ساعتها ابن عمها شافها معايا في النادي ودخل عليا بصحابه وكسروا عضمي، خدوني غدر، كانوا تسعة عليا لوحدي…

توقف هنا حقًا، ملامحه استحالت وتغضنت، وجهه احتقنت دماؤه والتقط أنفاسه وازدرد ريقهُ بصعوبةٍ كما شوكة انتصفت عرضًا في حلقه:

_ضربوني ورموني على الأرض بنزف، وخدوها ومشيوا علشان مايحصلهاش شوشرة، كل دا كوم وإن هي أنكرت إن ابن عمها عمل كدا كوم تاني، مكانش فيه كاميرات في المكان دا، ولا كان فيه شهود مجرد ناس بيعدوا وخلاص، وعلشان عيلتها واصلة المحضر أتقفل وهددوا عيلتي إني ماقربش من حد منهم تاني ولا هي ألمحها صدفة، طبعًا الكلام ماعجبش "داغـر" باشا قفلب عليا وعلى أمي، اتدخل في الموضوع ووقف قصاد أبوها والموضوع دخلت فيه التجارة بينهم وبقت مصلحة للطرفين، وقتها حسيت إني لعبة في إيد الكل، وأول قرار خدته السفر، وسافرت فعلًا بس وأنا ناسي نفسي، مش بس ناسي "بسملة" دي وتغفيلتي فيها.

كانت نظرتها بها شيءٌ حنونٌ، هل هي حمقاء بهذا القدر كي تتعاطف مع حبيبٍ مستقبلي على ماضٍ فات بدونها؟ تشفق على غدر الحبيبة له وتتمنى له لو لم يُكابد كل هذا العناء؟ أي منطقٍ هذا الذي يجعلها تتحمل؟ لذا اندفعت تُخرس صوت عقلها باندفاعها قائلة:

_ممكن طيب تنساهم وتقفل على السيرة دي؟ معلش حاسة إني اتخانقت بزيادة وأنا مش ناقصة والله، حقك عليا يا سيدي، عندي أنا دي إني شكيت فيك، أنا اللي مستغلة، لو بأيدي هاروح أصالحكم على بعض بدل المرار دا.

رُغمًا عنه ضحك، أتت ضحكته من شرخٍ في جدار حزنه كما ينبثق شعاع النور من بين العتمة ويظهر للجميع، علت ضحكته أكثر ثم تنهد بعدها وقال بنبرةٍ مُغايرة لسابقتها كُليًا حيث اتصفت بالعاطفةِ:

_بس عارفة؟ ماعرفش دا نضج ولا إيه، بس الموضوع معاكِ اختلف، يعني لو جينا نقيس الكفتين هتلاقي إني تقريبًا اتحطيت في نفس الموقف مرتين، مرة علشان "بسملة" ومرة علشانك، بس في المرتين إحساسين عكس بعض خالص، ساعتها هي كنت مستتقل أعمل حاجة، حاسس إني مجبور على الحاجة، لكن أنتِ وضع تاني، حاجة مختلفة خالص.

وبتوجسٍ جاءه السؤال بارتيابٍ وقلقٍ:

_إزاي يعني؟.

_بكون حابب، حابب أحاول علشانك.

ألجمها بصراحته، بثقته قطع الشك باليقين وأخبرها بالضرسِ القاطع أنه حقًا يحمل لها مشاعر أخرى مختلفة، مشاعر فريدة من نوعها، تمامًا كما لمعة بشرتها السمراء، أو ربما الحقيقة حجمها كبيرٌ بقدرِ اتساعِ عّينيها الرَّيمية، رُبما مشاعره مخبوءة كما أهدابها التي تختفي أسفل ضوءِ المُقلِ اللامعة، وقد يكون هو الفارس المغوار الذي يحارب لأجل مدينة لا تهتم بشؤونه..

لكن يكفيه، أن تلك المرة لمعت العين لأجله هو وحده..
____________________________________

      <"قالوا الربيع قد عاد، قُلت لكنه خلف الميعاد">

"أن تأتي متأخرًا خيرًا من ألا تاتي"..
هي العبارة الأكثر إلهامًا في حياةِ الآخرين، حيث يكون التأخر الصفة متأصلة في جنس البشرِ، كأنهم ينتظرون فوات الأوان وضياع الميعاد كي يأتون، وكأنهم يتفضلون علينا بعودتهم، لكن هل فكر أحدهم ولو لمرةٍ؛ ما العمل لو أن الربيع قد عاد بعد فوات الأوان وضياع الزهور؟..

الصباح أتى وأضاء الحياة معه، سقطت الشمس على الحقلِ فتنفست في طريقها الزهور، الحياة عادت لنورها من جديد، وهي أيضًا استيقظت بحالٍ غير الحالِ، لقد اعتادت أن هذه الوسادة التي أسفل رأسها تحمل رأسًا واحدًا ، اليوم ما بالها تحمل اثنين؟ الفراش دافيء بغير صقيعٍ، هي مختبئة في عناقهِ وهو يضمها بقوةٍ بين ذراعيه، لقد كادت أن تنسى هذه المشاعر وهذه الحياة، لقد أكلتها الوحدة حتى باتت تعتاد الحياة بغير أنسٍ..

فتحت "ورد" عينيها بتروٍ فسقط الضوء داخل عينيها، ظل تُرفرف بتلك الأهداب ثم تحركت تواجهه وتُملي عينيها من ملامحه ورُغمًا عنها ابتسمت، ابتسمت حين تذكرت أنه عاد حقًا وأنها قضت ليلتها أمسًا معه هو وفي عناقه وعادت تأمن في كنفه، ظلت تراقبه وتؤكد لنفسها أنه لم يكن حُلمًا، هو حقيقة وهي معها الدليل، الدليل ضمته لها طوال الليل حتى هذه اللحظة، فلو كان حُلمًا لكانت استفاقت منذ وهلته الأولى وهو يتمسك بها بهذه الطريقة.

انسحبت من بين عناقه وانسلتت من ذراعه وهي تعلم أنه لن يستيقظ الآن، لن يستفيق لطالما تعب من السفر والإرهاق وقلة النوم وسهره معها طوال الليل، فبالطبع لن يستيقظ وحده، وقد خرجت هي من الغرفة وبدأت يومها، تحممت وقضت فرض الضهر وبدأت تتحرك في الشقة، تقوم بتنظيفها في نفس توقيت تحضير الفطور، تصنع له ما يُحب ويُفضل وتنظف المكان الذي طالته أيدي الأذىٰ، لكنها لن تُفسد فرحتها بسببهم، سوف تأخذ نصيبها كاملًا من الفرحة قبل أن يسرقونها منها.

وبعد ساعة بالتقريب أنهت تنظيف الصالة والمطبخ واستأنفت تحضير الفطور، كانت تتحرك بحماسٍ جلي، تذهب وتجيء من جديد بانسيابية شديدة، عادت روحها خفيفة تهفو في الأرجاء وهي تُدندن بنعومةٍ أغنية لـ "فيروز" تلائم نسمات الشتاء الباردة، وقد جاء من الخلف وولج يضم كفيه على خصرها ويقربها منه ثم همس في أذنها بقوله الأجش المختلط بأثر نومه:

_تخيلي الواحد محروم من الصباح دا كل يوم؟ صباح الورد.

ابتسمت بسعادةٍ ورفعت رأسها تطالعه بعينين لامعتين ببسمةٍ شغوفة بقراءة حبه، بينما هو أدارها حتى واجهته ثم لثَّم جبينها بعدما كوب وجهها بين راحتيه ثم تنهد وقال بحبٍ بالغٍ:

_ربنا يقدرني وأفرحك وأخليكِ أسعد إنسانة في الدنيا.

_كفاية إنك هنا بس، صدقني خليك معايا ومش عاوزة حاجة تانية، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنك جيت أخيرًا، دي أحلى مفاجأة حصلتلي تقريبًا، أنا نسيت كل حاجة أول ما شوفتك.

ردت عليه هي بحماسٍ وبراءةٍ حقيقية لم يشك هو فيها ولو مرةٍ، لذا ضمها تتوسد عناقه برأسها ثم مسح فوق وجهها وفي هذه اللحظة صدح صوت جرس الباب، ابتعدت عنه هي بخوفٍ جعله يتعجب من طريقتها، لكن بوصول صوت أمه أدرك سبب اضطرابها، لذا تركها وتحرك يفتح الباب فوجد أمه وزوجة عمه أمامه، رحب بهما ودعاهما للداخلِ بينما "ورد" فبدأت تستاء من جديد.

جلس هو بقرب أمه في مواجهة زوجة عمه التي عاتبته بقولها:

_بقى كدا يا سي "مُنتصر" دي أصول؟ تيجي وتختفي من غير ما تسلم علينا؟ طب بلاش أنا غريبة، سلم على عمك وشوفه واتطمن عليه، تطلع تجري علطول محدش يعرف حاجة عنك غير بالصدفة؟ مكانش العشم، ياخويا مش عاوزين منك حاجة عندنا اللي يكفينا، ومستورة الحمدلله، كفاية بس نشوفك.

تبدلت ملامحه للحيرة وقال بأدبٍ يرفع الحرج عن الكلِ بقوله:

_لأ طبعًا الموضوع مش كدا خالص، أنا أجيبلكم الدنيا كلها لحد عندكم هنا، بس والله جيت متأخر وامبارح كانت خطوبة "أدهـم" ورجعت متأخر اتحرجت أخبط عليكم، وكنت عامل حسابي أفطر وأنزل أسلم على عمي وعليكِ، طمنيني عليكم أخباركم إيه؟.

ضحكت وكادت أن تجاوب لكنها لمحت حركة "ورد" داخل المطبخ ويبدو أنها منشغلة عنهم فرفعت صوتها وهي تضحك بملء صوتها ورفعت صوتها أكثر وهي تقول بلكنة خبثٍ:

_يوه شوفي الواد خايف يسأل عليها إزاي؟ يا واد بخير الحمدلله وشغالة في الصيدلية بتاعة دكتور "عبدالله" اللي في الشارع، دكتورة قد الدنيا، بتسلم عليك أوي وكان نفسها تشوفك بس تتعوض بإذن الله.

وقفت "ورد" عند القطعة الرُخامية تتعجب من طريقة الحديث وقد نظر لها بتيهٍ ثم عاد لزوجة عمه يقول بذات التيه كأنه يُلملم بعثرة شتات الأمر:

_ربنا يسعدها ويكرمها بابن الحلال يا رب، سلميلي عليها وبإذن الله هبقى أنزلها مع "ورد" ونقعد مع بعض كلنا، ومع عمي.

أتت "ورد" تضع أمامهم العصير وقطع حلوى وجدتها في الثلاجة بتفضلٍ من عائلة زوجها أنهم لم يأخذونها، وجلست ترحب بهما وقد رمقتها الأعين بنظراتٍ نارية لم تفهم هي لها سببًا، وقد دعاتهما للفطور معهما بأدبٍ وذوقٍ حتى وافقت حماتها ودعت الأخرى معها وشاركاها هي وزوجها في أول يومٍ بعد عودته.

في الأسفل في شقة "مُرسي" كان يجلس فوق المقعد المتحرك الخاص به يتابع التلفاز وقد انتبه لحركة ابنه الثاني الذي خرج من غرفته يتوجه نحو المرحاض، فناداه بصوتهِ العالي حتى أتى له فعاتبه بقوله:

_يابني الله يكرمك قولتلك شوف أخوك وسلم عليه وأطلع شوفه، مكبر دماغك، أهي أمك طلعت وخدت معاها مرات عمك، أطلع سلم على أخوك وهاتهم وخليهم يسيبوهم مع بعض، الاتنين هيفضلوا قاعدين على قلبهم فوق، عيب كدا.

زفر "خـلف" وقال بقنوطٍ وضُجرٍ:

_وأنا هطلع أعمل إيه بقى؟ خليه يرتاح ويقعد مع مراته وأمه ويشبع منه وقبل ما أنزل هبقى أشوفه، بعدين ماهو جري وخدت ست الحسن بتاعته ومشي، ماستناش ليه لحد ما أنا أرجع يعني؟.

_أنتَ بجح يالا؟ بترجع وش الفجر وعاوزه هو اللي يقعد يستناك؟ وصاحي دلوقتي ومش هاين عليك تطلع تشوفه؟ الحنية مابتتشحتش، براحتك بس ماترجعش تشتكي وتقول أصله مش بيحبني، أهو الفرق بينكم دور وأنتَ اللي باعد نفسك عنه.

تجاهل والده وحديثه والتفت يوليه ظهره متجهًا للمرحاض وظل يرطن بحديثه، يعرف أن عودة شقيقه سوف تجلب له وجع الرأس، المجموع سوف يلتصقون به ويعبرون لهم عن اشتياقهم وهو وحده سوف يلتزم الصمت لأنه في المعتاد غير مُرحبٍ به، لذا هو غنىٰ تامٍ عن تلك المُزايدات الشاعرية التي لم يكن في حاجتها..
____________________________________

   <"أنتَ مديون ليَّ بالاعتذار والأسف ومعهم روحك">

"لا أثق بحافي القدمين الذي يناضل من أجل 
الحصول على حذاء..
لكني أثق بالذي يرتدي حذاءً ويناضل مع الحفاة
 ليحصلوا على أحذية."

-"تروتسكي"

قد تحسب نفسك مُخيرًا ومالك القرار، وتظن أنك الوحيد الذي يستطع فعل أي شيءٍ وكل شيءٍ، لكنك قد لا تظن ولو لمرةٍ أنك مجرد شخصٍ يُساير الحقيقة ويتماشىٰ مع الأحداث، حيث تُجبر على فعلٍ لم ترغبه، وعلى تصديق حقيقة لم تؤمن يومًا بتواجدها قط، أن تنظر من زاويةٍ كنت تعميّ عينيك عنها حتى لا ترى ما رُكنها، أن تبدو لك الأشياء مجردة من أي زيفٍ أو سوء ظنٍ..

الأوضاع استقرت كثيرًا عن يوم أمسٍ، حالة "سالم" أصبحت أفضل بعد أن تم توصيله على الأجهزة من جديد، استقرت نسبة الأكسجين بعد أن تضائلت وكادت تودي بحياته إلى الوفاةِ، لكن الفضل بعد رب العالمين يعود لوجود "رحمة" التي فعلت ما بوسعها لأجل دخوله هذه المشفى، وهذا ما أكده الطبيب أن مجرد لحظات أخرى فارقة كان استحال بعدها إنقاذه، وخاصةً أن القلب حينها توقف دوره وكأنه موتٌ بالبطيءِ..

وقف "سُليمان" بجوار غرفة شقيقه في هذا المشفى الفاخر يتابعه من الزجاج الفاصل بينهما وهو يُرثي حاله وحال شقيقه، هذا الذي كان يسير كما الملك فوق الأرضِ، لم يكرهه يومًا إنسانٌ، ولم يبغضه حتى المكروه من أهل الأرض، هو الأكثر حكمة، وأكثر طيبًا، وأكثر خُلقًا حتى عنه هو، وفي النهاية أصبح يلتزم الفراش بهذا العجز، والسبب تلك الحية التي تحمل من دَمِهم.

 وقد وقفت "رحمة" التي لم ترحل من هُنا تراقبه بهذا السكون، أشفقت عليه وعلى العائلة بأكملها، على أمه التي لم تبرح سجادة الصلاة وهي تُناجي ربها لأجل عودة ابنها، ومعها "سُعـاد" أيضًا التي كانت تبكيه وتبكي نفسها وتبكي كل ذكرى حلوة كانت لها بينهم وبينه هو بوجهٍ خاص، وفي هذه اللحظة ظهرت "سُعاد" واقتربت من "سُليمان" وهي تقول بصوتٍ مبحوحٍ:

_حاول تقعد شوية وتاكل أي حاجة، أنتَ من امبارح واقف على رجلك وماكلتش أي حاجة، كل حتى علشان خالتو تعرف تاكل هي كمان، مايبقاش قلبها واجعها عليه وعليك، علشان خاطره هو حتى.

زفر بقوةٍ ومسح وجهه بحركةٍ عنيفة ثم سألها بصوتٍ مختنقٍ كأنه يتجاهل حديثها وما تريده هي منه:

_"سليم" و "سدره" فين؟ فطروا؟.

مطت شفتيها بيأسٍ منه ثم جاوبته بثباتٍ وامتنانٍ في نفس الآنِ:

_هُما مش هنا للأسف علشان "رحمة" الله يباركلها خدتهم البيت عندها، جت ست تبعها اسمها طنط "فايزة" وجابت شوية حاجات وخدت "سليم" و "سدره" في عربية بسواق ومشيوا، كنت هرفض بس لاقيت "رحمة" مصممة ولاقيت "سليم" فعلًا باين عليه التعب، بجد كتر ألف خيرها، إحنا كلنا مديونين ليها.

_مديونين !!.

رددها هو باستنكارِ كأن الكلمة لم تُعجبه، بينما هي تبدلت نظراتها وهي تقول مؤكدةً ما تفوهت به دون أن تُزيفه أو تُخفيه:

_آه مديونين، أنتَ فاكر إن بعد اللي حصل دا هينفع حتى نعاملها وحش؟ ولا حتى ناخدها بذنب "صابرين" وعمايلها؟ صدقني مش هينفع تاني يا "سليمان" خلاص، من إمبارح وهي معانا شايلة همنا، شايلة هم مامتك، شايلة هم ولاد أخوك، واقفة على رجليها مش عاوزة تمشي، ومش بس كدا؟ دي هي السبب بعد ربنا إن الإسعاف تيجي وتاخده بعدما الأولانيين رفضوا وقالوا إنه خلاص كدا، ماتخليش عيونك تتعمي عن الحقيقة اللي ظاهرة للكل إن دي معدنها نضيف، وإنك لازم تشكرها، مش أنا اللي هقولك على الأصول يعني.

حديثها وتره للحدِّ الذي لم يتوقعه، لم يكن بصدد تلك المواجهة مع ذاته وأن الجانية في حقه هي بذاتها المحامية التي تنقذه من الموت، أي قدرٍ هذا الذي يجعل موازينه تختل لأجلها هذا الإختلال كله؟ بالطبع هي كارثة وحلَّت فوق رأسه.

ظهرت هي من العدمِ تتحدث في الهاتف بعد أن تركت أمه في المسجد، وما إن لمحته توترت هي لكنها قصدته واقتربت منه تقول بهدوءٍ بعدما رسمت بسمة هادئة:

_الحمدلله دكتور "ممدوح" طمني وقالي إن للأسف جاله نوبة امبارح ودا عمل خلل في الوظائف الحيوية وجاله زي بانيك، للأسف الأعراض دي كلها اتسببت في نقص الأكسجين، الحمدلله حاليًا الوضع مستقر جدًا، والآشعة لما تظهر هتطمنا أكتر، الحمدلله عدت على خير.

قالت جملتها الأخيرة ببسمةٍ بشوشة جعلته يوزع نظراته على ملامح وجهها، كأنه يراها لمرتهِ الأولى، رفع عينيه من جديد يستقر فوق ملامحها بصمتٍ غريبٍ جذب انتباه "سُعـاد" التي لامست مرفقه بمرفقها فعاد لواقعه وتنهد بعمقٍ والتزم الصمت من جديد، بينما هي التفتت كي تختفي عن عينيه لكنه ألجمها بجملة أسطورية، جملة لا تُقال إلا في عالم الخيال أو تُعايشها في الأحلام _بالطبع لأنها منه هو بشخصهِ_ لذا لم تُصدق نفسها حين قال:

_شكرًا يا "رحـمة".

يا الله هل سيتبعها بسبٍ وقصفٍ أم شَتيمة وإهانة لها ولحقها؟ لم تصدق نفسها أنه يشكرها من نفسه دون أن تطلب هي منه، وما إن التفتت وهي تحت وطأة الذهول والصدمة كررها هو مُكملًا:

_شكرًا على تعبك معانا وعلى كل حاجة عملتيها وهي مش فرض عليكِ، جميلك دا في رقبتي ليوم الدين وهفضل مديونلك بكتير أوي طول حياتي، من النهاردة لو احتاجتي أي حاجة أتمنى تعرفي إني تحت أمرك.

لو قامت الساعة الآن لن تتعجب، ما يحدث أمامها أعجوبة ثامنة تُضاف للعجائب السبع، أو هي معجزة لا يستطيع عقلها الصغير أن يُصدقها ويستوعبها حقًا، يتحدث معها بهدوءٍ، بكل أدبٍ وذوقٍ، طريقته راقية ومُنمقة، هل تأدب هو بالابتلاءِ؟ أم أن الكوارث تُخرج من المرء أسمىٰ وأندر صفاته؟.

ابتسمت له بتوترٍ كأنها تُعايش هذا الموقف لمرتها الأولى ثم قالت بصوتٍ بانت فيه إمارات التوتر والإحراج:

_بلاش الكلام دا أنا ماعملتش حاجة يعني، دا موقف طبيعي وصدقني أنا اللي عملته دا حاجة طبيعية عند أي حد عنده ضمير وبيفهم، بعدين شكلك ماتعرفش جدعنة الاسكندرانية، مابيسيبوش حد مهما كان بينهم إيه، المهم خليك مع أخوك وولاده علشان هما كلهم محتاجينك، وأنا في الخدمة.

أنهت الحديث وولته الدُبر وهي تشعر بنبضات قلبها تتعالىٰ..
لقد استطاع أن يؤثر على رأيها فيه بحديثه وكلامه وطريقته، رُبما سوف تختلق لأجله آلاف الأعذار وسوف تراه من الزاوية الأخرى لجانبه المعتم، سوف تبحث في نفسها عن كل دليلٍ يبريء صورته أمامها.
 لطالما مد يده لها بمعاهدةٍ للسلامِ؛ فلا داعي للحرب.
____________________________________

          <"بالأمس كُنت أملًا واليوم أمسيت ألمًا">

ما بين حُلم الأمس وتحقيق اليوم فجوة شاسعة..
حيث ما تتمناه أنتَ أمسًا قد تتمنى الخلاص منه اليوم، فما بين ما يتمناه المرء وما يُجنيه مسافة لا تُقاس وكأنه المرء يرضى في النهاية بفتاتِ الأحلام، وكأنه يقبل أن يعيش ما ينقصه بالأوهام..

الحياة إن أعطته شيئًا؛ سلبت منه أشياءً..
هذه الحقيقة التي يعلمها "حلمي" ويُصدق عليها، يعرف أن الشيء إذا أتاه فرحته تكون منقوصة، كل شيءٍ بلا مبالغة، حتى حب زوجته يأتيه بسبب شعورها الدائم بالدونية والنقص ممن حولها، وهو يطحن نفسه في العمل كي يهرب من أي فكرٍ يستوطنه، وخاصةً حين يتذكر أمه وفشله في إيجادها.

صدح صوت هاتفه للمرة العاشرة خلال نفس الساعة من والده، وحينها قرر أن يجاوب مُصدرًا جموده غير مستوردٍ لأي حديثٍ، وقد قال والده بجمودٍ وهو يندفع في وجهه:

_أنا هشحت سيادتك علشان تيجي؟ بحاول أكلمك من إمتى أنا؟ أنا في البيت عدي عليا علشان عاوزك في موضوع مهم.

زفر دون أن يرد الكلمة بأختها واكتفىٰ بقوله:

_طيب، سلام.

أغلق المكالمة ووقف يرتدي سترته بعد أن أطفأ سيجاره في مرمدة السجائر ثم سحب متعلقاته وخرج يقود السيارة، يذهب للبيت الذي أحتواه طوال أيام عمره وما إن اشتد عوده طُرِد من هذا البيت ليعيش مشاعر التشرد واليُتمِ، لذا يكره حتى نفسه القديمة التي كانت في هذا البيت..

وصل بعد دقائق نظرًا لقرب البيت من سوق التجارة والمعارض، وبعد أن ولج البيت بصمتٍ وجلس في مواجهة أبيه الذي رمقه بطرف عينه ثم تنهد وبدأ يباشره في الحديث بقوله:

_أخيرًا حنيت عليا وجيت؟ عاوز أتكلم معاك ضروري.

_أنا أهو جيتلك، خير بس بسرعة مش فاضيلك والله.

ظهرت في هذه اللحظة "أشجان" زوجة أبيه وابتسمت بتهكمٍ ما إن لمحته جالسًا وقالت بطريقة درامية مصطنعة التأثر:

_يا خبر !! "حلمي" عندنا وقاعد في صالة البيت عادي كدا؟ حِكم والله، منور الدنيا يا غالي يا ابن الغالية.

تتهكم وترمي الحديث إليه بنبرةٍ لعوبٍ لم تُعجبه ولم يكن هو ليمررها، خاصةً نظراتها وهي ترمقه بتلك النظرة العدائية، لذا التزم صمتًا مريرًا ثم انتفض ولملم ما تركه فوق الطاولة وقال لوالده بلهجةٍ حادة وصلدة:

_أنا ماشي لما تبقى لوحدك كلمني هاجيلك.

وقف والده أمامه ثم أمسك يده وقاده حيث الداخل نحو غرفة أمه الغائبة وقد كان يدفعه لها دفعًا حتى ولجها هو مُستاءً ومُتضررًا لكن والده تركه في منتصفها وأغلق الباب ثم عاد له يقول بنبرةٍ أهدأ:

_خلاص جيبتك أوضتها أهو، أنا عارف أنتَ بترتاح لما تيجي هنا، خليني بس أكلمك في الموضوع اللي عاوزك فيه علشان لو تم هخلص النهاردة بأمر الله، أقعد بس.

جلس "حُلمي" على طرف الفراش ورفع عينيه لوالده بوضعٍ ملولٍ وقد سحب الآخر مقعدًا وقال بعجالةٍ في أمره كمن يكشف كنزًا لأهل قريته:

_اسمع بقى، عرفت إن محلات البطل الروماني بتاعة المعلم "عادل رفقي" هتقفل علشان هيغير نشاطه كله، عنده محلين ومخزن كبير يملا قدهم ١٠ مرات، إيه رأيك بقى ناخدهم إحنا؟ نبقى شُركا أنا وأنتَ فيهم، وأخلي أخوك "ريان" يمسكهم وأهو يبقى ليه مكان وسط السوق، إيه رأيك؟.

ابتسم بزاوية فمه وقال بسخريةٍ تهكمية:

_وليه بتقولي؟ ما تشيل لوحدك أنتَ ومبروك عليك.

_علشان سعرهم عالي أوي، مش معايا يكفي أشيل أنا لوحدي وبطولي، قولت تشاركني وفي النهاية إحنا أولىٰ، مش بدل ما "أدهـم" يعرف ويلهفهم هما كمان زي ما لهف محلات "عبدالحق" وحطها في عِبه كلها؟ فكر فيها كدا.

بدأت ملامح "حلمي" تتبدل وترسم تعابير أخرى ثم وقف هو في مواجهة والده وقال بسخريةٍ أكبر من سابقتها:

_ومين قالك بقى إني مستعد أدفع فلوس وأعمل قيمة لابن "أشجان" لدرجة إني أخليه معلم؟ عاوزني أحط رقبتي تحت أيده هو وأمه علشان يضيعني ويضيع فلوسي على النسوان والكباريهات؟ دا أنا عندي أروح أشارك بيهم "أدهـم" ولا إني أعمل كدا في نفسي وفي فلوسي.

رمقه والده بمشاعر مغايرة لسابقتها، حيث بدأ الضُجر يبدو واضحًا عليه وبدأت ملامحه تنطق بالكرهِ له، لم يجرؤ ويخفي تعابيره خاصةً عند قوله:

_أنتَ شكلك مخك فوت خلاص يا "حلمي" وعقلك مابقاش موزون، بقى مستكتر على أخوك يبقى ليه شغل زيه زيك؟ أنتَ ليه وحش أوي وأسود كدا من جواك؟ يا أخي جرب بس تمدله إيدك وشوف الوضع هيكون إيه، طول عمرك مخيب أملي فيك.

وقتها انفجر "حلمي" في وجهه وقال بلهجةٍ حادة أقرب للصراخِ الهادر:

_خلاص سيبك مني، اعتبر نفسك مخلفتش غير البيه بتاعك وأخته وانساني، انساني زي ما نسيتها ونسيت في يوم كل حاجة عملتها علشانك ووقفت في ضهرك لحد ما بقيت معلم في السوق والكل بيعملك حساب، اعتبر نفسك مخلفتينيش أصلًا، انساني.

_أنساك أنا كمان؟ مش كفاية هي نسيتك وراحت حتى من غير ما تفتكرك وتعرف أنتَ مين؟ دا أنتَ أمرك عجيب يا أخي، بس الحق مش عليك، أنا غلطان علشان فكرت إن ليا ابن كبير ممكن اتسند عليه، روح للهانم بتاعتك وخليها تلعب بيك وتسحب اللي وراك وقدامك.

الحديث هذه المرة أقسى من ألف سلاحٍ، كلماته نحرته وقدمته قُربانًا للأحلامِ حتى دون أن تتحقق، أحس بجسده يصبح كقطعة ثلجٍ انتهى ليلها وها هي تتعرض للانصهار في شمس الظهيرة وبوضح النهارِ، أي مشاعر كريهة هذه التي يشعر بها لدرجةٍ جعلته يتمنى الموت في هذه اللحظة، تمنى لو كان تُرابًا فوق الأرضِ، لذا لم يُزِد في الحديث أكثر وإنما تحرك من المكانِ مُسرعًا..

لا يعلم كيف وصل لشقته وكيف قاد سيارته لهناك دون أن يفتعل حادثة أو يصدم أحدهم، لا يعلم كيف ضاق الكون به حتى فكر أن يلوذ بنفسه بعيدًا عن ضجيجِ العالم، وقد ولج الشقة بعد أن صفع الباب بقوةٍ فأجفل جسد "لمار" التي تركت موضعها وهرولت خلفه نحو الداخل، كان هو ارتمى فوق الفراش كما الطفل حين توبخه أمه أمام الغرباء، لكن الأمر قد يكون أشد قسوةً على رجلٍ بالغٍ مثله.

مسدت فوق خصلاته فأجفل جسده من لمستها، بينما هي فشعرت أنها تحمل في قلبها الكثير لأجله، لذا كانت كما الضماد فوق جرحه حيث جاورته وضمته لها وظلت تُربت بحنوٍ عليه وفقط قالت أبلغ ما يُقال وقتذاك:

_أنا معاك يا "حلمي" وكل حاجة هتعدي طالما مع بعض.

رفع عينيه حيث وجهها الذي يعشقه هو ويعشق تفاصيله بينما أهدته هي بسمة معاتبة تذكره بهجرانه لها ليلة أمسٍ حين تركها وحدها وعزف عنها، ملامحها بريئة بنفس قدر جُرأة فكرها وأفعالها، لذا ترك نفسه في عناقها وهي تحتويه وكأنها تخبره بصمتٍ أنها حتى في حبها له وفي مشاعرها هي الأكثر جُرأة واعترافًا، وهو الخائف الذي يتلجلج هُنا وهُناك، لكن على غرار قولها؛ يكفيه أنهما معًا.
____________________________________

 <"يقولون كان الفرح أمسًا ضيفنا، عساه يصبح فردًا منا">

حين يُجرب المرء مذاق الفرحة قد لا يستقبل غيرها..
سوف ينقم على كل لحظة بؤسٍ وفشلٍ واختيارات مغلوطة أدت به لحزنٍ دائم، سوف يعيش على أمل الفرحِ طوال أيام عمره، 
بل وقد يرفض كل شكلٍ للحزنِ؛ حتى ولو سيرة عابرة..

بالأمس كانت الخطبة، أول لقاءٍ رسمي بينهما بصفة رسمية، حيث أصبح خاتمه يتوسط بنصرها ويزينه، للمرة الثانية ترتدي هذه القطعة المعدنية وفي كلتا المرتين جربت شعوريْن مُختلفيْن، بالأمس رأت فيه شخص أكثر حنوًا ولُطفًا، لازالت أسيرة هيئته حين رقص مع أخيها، حين كانا سويًا بجوار بعضهما يعبران عن فرحتهما بهذه المناسبة.

شردت "عُـلا" في تفاصيل الأمس وكيف مر اليوم بسعادة جديدة على نمط حياتها كُليًا، لولا فقط غياب صديقتها فجاةً واعتذارها منها برسالة وهي تخبرها أنها سوف تُعلمها بكل شيءٍ ما كان هناك ما ضايقها قط، وقفت أمام المرآة العريضة التي تقع في صالة الشقة وابتسمت لرؤية ملامحها، لا تصدق الخبال الذي يُقال حيال جن المرآةِ، فكانت جدتها تقول لها بنبرةٍ ضاحكة:

_"بطلي تبصي في المراية، الجن هيعشقك".

لم تكن ساذجة وقتها لتصدقها، كانت ناضجة وتضحك وتأخذ الأمر بمزحةٍ ثم تراقب ملامحها، اليوم ترى نفسها وتفكر من هي، كأنها تائهة في عالمٍ آخرٍ، تحركت تفتح أغنيتها المفضلة وتركت خصلاتها تتحرر من قيد المشبك البلاستيكي.

 راقبت الملابس البيتية التي ترتديها وكأنها لم تُصدق نفسها، لقد أصبحت مُرفهة بشكل لا تُصدقه، ترتدي ملابس على أحدث الصيحات، تتمتع بيومٍ كامل تنام فيه كما تريد وكيفما يحتاج جسمها دون أن تنزوي فوق الفراش المتهالك، اليوم هي أميرة في هذا البيت وكأنها عادت لقصرها من جديد.

_"حبيبي ليه تغيب وتيسبيني لحالي..
وحشاني ليه ما كنتِ معايا بثواني
بتسأليني حاسس بإيه وأكيد في إجابة في دماغي
مش حاساها ولا إيه هاقولها وأنتِ قوليهالي
كلمة حبيبي باينة في عينيه،
بس مابيقولهاليش مش عارف ليه
لخبطتيلي مفاهيمي، سكوتك معناه إيه
لو مابتحبينيش، طب معايا ليه؟.".

كانت تبتسم وهي تتذكر الإسكندرية وبحرها وهواها وكل شبرٍ بها، لازالت أسيرة الهوىٰ فيها، رُغم حبها للقاهرة لكنها تعرف تمام المعرفةِ أن من يغادر الإسكندرية لم تغادره هي، تعيش فيها دون مفارقةٍ، وقد علا الصوت تزامنًا مع دخول "آدم" للشقةِ، وقد لمحها وهي تتمايل بخفة الفراشات فابتسم حين رآها بتلك الحالة لأول مرةٍ منذ أن عادت، وقد انتبهت له فتوقفت تقول بخجلٍ وإحراجٍ:

_أنا، أنا بس كنت قاعدة زهقانة وقولت..

كانت تتلعثم كمراهقةٍ تم كشف أمرها حيال الحب والدلال الفطري، بينما هو ابتسم لها وقال حتى لا يُحرجها أكثر من ذلك:

_براحتك عادي، كأني ماشوفتش حاجة خالص، عروسة بقى ومن حقك تتدلعي، أنا جيت أتطمن عليكِ وأرتاح شوية علشان هسهر في المطعم النهاردة، عندنا حفلة ساعتين بس أنامهم وأصحى أتحرك.

حركت رأسها موافقةً وقبل أن يتحرك بكامل خطواته عاد لها من جديد يقول بنبرةٍ أكثر مرحًا وهو يُثني على جمالها المتواضع:

_على فكرة شكلك أحلى كدا، خلي شعرك علطول كدا.

تذكرت أخاه حين غازلها أمسًا فتضرج وجهها وهي تشعر أن الأنثى التي بداخلها تظهر أخيرًا بعدما كانت أعلنت خبر وفاتها لنفسها قبل الآخرين، شردت هي فيه بينما لاحظها "آدم" الذي اقترب يقف مقابلها وقال بهدوءٍ دافيءٍ لم يوترها قط:

_أنا كنت عاوز أتكلم معاكِ في حاجة ضرورية، بصي يمكن "أدهـم" خلاص بقى خطيبك ويمكن كل حاجة بينكم جت بسرعة بس أنا أضمنلك برقبتي إنه مستحيل يأذيكِ، مش علشان هو أخويا بس أنا عاشرته وعارفه أكتر من نفسه، عمره ما زعل حد ولا قل بأصله مع حد، بالعكس، عاوزك تتعودي على وجوده، تطمنيله، عارفة ليه؟ علشان نفسه عزيزة وفكرة إنه يكون مش مقبول وفارض نفسه بتوجعه أوي، وأنا زي ما وصيته عليكِ يهمني أوصيكِ عليه، اللي يوجعه هو قيراط يوجعني أنا ٢٤ يا "عُـلا".

لاحظت حبه الكبير لأخيه فابتسمت بعينين لامعتين وقالت بصوتٍ ظهر فيه تأثرها بالحديث:

_ربنا ما يوجع قلب حد منكم؛ لا من التاني ولا عليه، وعلشان خاطر الكلمتين دول صدقني أنا عمري ما أذيت حد، ولا قصدت الوجع لحد، أنا كنت بتأذي وأتوجع وأسكت وبكدا أظلم نفسي، ربنا يقدم اللي فيه الخير.

_وطبعًا مش محتاجة أقولك إن أي وقت "أدهـم" يحصل منه حاجة تضايقك أو يحصل موقف يزعلك فأنتِ مش مُجبرة إطلاقًا تتحملي وتسكتي علشان علاقتي بيه، عرفيني علشان وقتها نحط النقط على الحروف، ماتخبيش حاجة عني، إلا طبعًا خصوصياتكم ولو أنتوا اتفقتوا تحلوا كل حاجة بينكم، فوقتها أنا ماليش أي علاقة.

حركت رأسها توميء له بصمتِ فاقترب ولثم جبينها بحركةٍ حنونة أصبحت تفضلها منه يومًا بعد يومٍ، تشعر بالانتماء له يزداد كُلما أظهر لها مشاعره ويبدأ التعود على تواجدها في حياته كأختٍ له، لكن الفارق أنه يُعاملها كأنه هو الذي يكبرها ويتحمل مسؤوليتها.

بين ليلةٍ وضُحاها قد يتبدل حال المرء كما تتبدل أحوال الطقس..
حيث السماء المُلبدة بالغيوم هي بنفسها التي تُشرق فيها شمسك وتُنير دربك من بعد الغمام المعتمة التي قد تُضلل طريقك، لكن النور حين يَسطُع في دربك سوف تعلم أن تلك العتمة التي فارقتها، كانت هي سبب إدراكك بنعمة الضوء.

كان "أدهـم" في معرضه جالسًا وهو يبتسم لكل المارين حين يباركون له خطبته، كل مارٍ وعابرٍ يمر ويصافحه ويبارك له ويعتذر أسفًا أنه لم يُشاركه فرحته أمسًا؛ بل سوف يعوضونها في ليلة الزفاف الكبرى، وهو على عكس ما ظن لم يشعر بأي ضيقِ، بل بالعكسِ كان مُرتاحًا بل انتظر مرور الوقت لحين هذا اليوم.

وقد ولج له "غـسان" الذي دخل إليه مُباشرةً وجلس مقابلًا له عند مكتبه، وقد انتبه له فحرك رأسه مستفسرًا بنظراتٍ مدهوشة ومذهولة من تواجده أمامه بهذه الطريقة، وقد قال الآخر بنبرةٍ أعربت عن الضُجر وفقد كل ذرات الصبر والثبات:

_شوف بقى علشان الوش التاني مايظهرش مني وساعتها كلكم تستغربوا، نهاية جدك هتبقى على أيدي، يا ألبسه مصيبة تخليه مايلاقيش مكان يلمه بعدها، أو أقف قدامه لحدما يقع من طوله، أنا مش هستنى لحد ما يخرب الدنيا عليا، راح لخطيبتي ليه وقالها على موضوع "بسملة" الزفت دي؟ ماهو حرام أكون أنا بحاول ابني وهو واقفلي الناحية التانية يهد اللي أنا ببني فيه.

ذُهل هو من هجوم ابن خالته بهذه الطريقة وسأله عن السبب وقد أخبره "غـسان" عن السبب وقال له عن فعلة جده مع "نـوف" وحينها تبدلت تعابير "أدهـم" وزفر بقوةٍ ثم نطق أخيرًا بجمودٍ:

_أخلص بس موضوع خطوبتي دا وأتمم الجواز من بنت الناس اللي بقت ملزومة مني دي ووقتها يحلها الحلَّال، بس اتقل وماتعملش حاجة علشان مايحطناش في دماغه، ويبدأ يدور ورانا، أنا مش عاوزه يعرف حاجة عن "عُـلا" دلوقتي، يعني على الأقل الأوضاع تهدا شوية، وأضمن أنها بقت على ذمتي علشان لو رفع فيها عين أرفعله الاتنين.

التزم "غسان" بالصمت وهو يشرد في "نـوف" وقد تذكر ختام مشهدهما حين ابتسمت له بخجلٍ وعادت تتعامل معه على طبيعتها كما كانت، كأنها أعادت لحياته الباهتة رونقها وزهوها، وأصبح وطنه فيه ما يُحب هو ويقاتل لأجلهِ..
بينما "أدهـم" فأمنيته الوحيدة أن يتم أمر زواجه قبل أن يعرفه جده، تمنىٰ ألا يعترض طريق أخيه وأخته معه وإلا حينها سوف تقوم الحرب بلا هدنة ولا رجعة إلا بإراقة دماء أحد الطرفين بها..
____________________________________

 <"يا بحر أخبرني، هل كنت أنا أعمى أم موجك هو الغادر">

حين مات الغريق في عرض المياه، 
ألقوا عليه اللوم والعتاب، قالوا أن البحرَ غدارٌ وغدره واضحٌ، ولم يُفكر أيًا منهم أنه قد يكون لجأ للبحرِ كي ينقذه، فهل كان الموج غدارًا، أم كان الغريق أعمىٰ عن غدرهِ؟..

انتهي النهار ومعه انتصف جهده، ما بين العمل الدؤوب الذي يرمي "يحيى" نفسه فيه حتى يكون معه متسع من الوقتِ كي يعوض ابنته فراغها، لقد اعتاد على روتينٍ جديدٍ لما يُقارب الأسبوع وأكثر، الحياة تسير إلى حدٍ ما بوجهٍ معتدلٍ، وهو لن يُنكر أنه لاحظ الفرق بل وأدركه جيدًا، حتى في روحها وحيويتها وهي تركض أمامه في المحل وتلعب مع أبناء الجيران وحارس العقار الذي يعامله كابنته، هو وزوجته يقفا في تلبية أوامرها طوال اليوم حتى تركها "يحيى" بعدما فشل في إيقافهما عن خدمتها.

أتت "تقوى" في هذه اللحظة بملامح منبسطة وابتسمت أكثر حين لمحت الصغيرة، اقتربت منها تجثو فوق رُكبتيها ثم رحبت بها ومدت يدها لها بقاعة حلوىٰ جعلت الصغيرة تبتسم بسعادةٍ ثم أومأت لها تشكرها على لُطفها، وقتها تركتها وولجت لداخل المعرض ولمحت "يحيى" الذي جلس يمسك في يده ورقة الجرد الأخير ويدون كل شيءٍ، حمحمت تجذب أنظاره فرفع عينيه نحو ولم تتبدل ملامحه قط، كما هي جامدة، خالية من أي تعبيرٍ، حتى بؤبؤاه كما هما؛ ظلا ثابتين..

جلست على المقعد وقالت بهدوءٍ بعدما أزاحت ستار لهفتها:

_جيت علشان كنت محتاجة بابا في موضوع مهم، لو تحب تتحرك خلاص ميعادك خلص، الساعة بقت ٧ بليل هتقعد ليه تاني؟ خُد "رحيق" وهاتلها حاجة حلوة وخليها تتبسط، يلا دي ضحكتها حلوة أوي، بس خلي بالك منها بالله عليك.

وافق حديثها وأنهى ما يفعل ثم اعتدل وهندم ثيابه وشكرها بخفوتٍ وتحرك وهي تتبع أثره، تراقبه بعينين مبتسمتين وترى فيه ما لم تجده في رجلٍ غيره، تفانيه في العمل، حبه لابنته، ضميره الحي في كل شيءٍ، حتى زوجته الراحلة لازال يتصدق عليها كل يومٍ، وهذا ما يجعله مميزًا عن غيره.

تحرك هو حاملًا ابنته ووقف يشتري لها ما تريد من المحل القريب وقد اختارت كراسات تلوين كبيرة الحجم وعلبة ألوان كبيرة كذلك وأشارت على كليهما فقال بتخمينٍ لمقصدها وهي تضحك بخبثٍ جعله يبتسم:

_قصدك أنا وأنتِ نلون مع بعض؟.

حركت رأسها موافقةً بلهفةٍ كأنها ما كانت تُصدق أنه سوف يفهم مقصدها، لذا ضمها بقوةٍ ولثم جبينها وأكمل تسوقه معها، لا يعلم لمَّ زاد مُرتبه مؤخرًا بنسبة كبيرة عن السابق، لكن الأمر لم يثير تعجبه لأن جميع العاملين بالمكان زادوا معه في الرواتب، رغم شكوكه أن المتسببة هي "تـقوى" لكنه قرر أن يبذل قصارى جهده لأجل العمل.

ذهب للبيت مع ابنته وولج بها ثم جعلها تُساعده في تحضير الطعام، لم يتركها وحدها بعد نوبتها الأخيرة، لذا ترافقه في كل مكانٍ، وقد وقفت هي بجواره تُريد أغنية على هاتفه، تشير له بضجرٍ وضيقٍ جعل ملامحها عابسة، وحينها بعثر خصلاتها ثم فتح الهاتف وتركها تختار، وقد ابتسمت بشوقٍ حين تذكرت أغنية أمها المُفضلة:

_في البحر سمكة، بتزق سمكة..
على الشط واقف صياد بشبكة.

ابتسم بحزنٍ وتذكر "مـودة" وكأنه يراها نصب عينيه، مر طيفها أمامه يتنهد بشوقٍ وحزنٍ، مزقه غيابها وأتعبه موتها، عانىٰ في حياته الويلات ولازال يعاني بدونها، كأنه فتى صغير ضاع من أمه في دنيا كبيرة فأصبح أمر إنقاذه منها مستحيلًا، رجلٌ فارغٌ من كل معنى، كأنه كتابٌ بلغةٍ لا يعرفها غير قاريءٍ واحد فقط وكأنه زهد عالم القراءةِ..

صدح صوت جرس الشقة فترك ابنته وتحرك يفتح الباب بحركةٍ عادية كأنه اعتاد الزيارة في هذا الوقت، وقد فتح الباب فكان الزائر غير متوقعٍ، فرغ فاههُ وثَقُلت أنفاسه، بل اُستطيرت ملامحه بالكليةِ حين وجد الزائر شقيق زوجته وتوأم روحها، وهذا يُعني أن الهلاك أصبح أكيدًا....



            الفصل الثاني والعشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة