
رواية جمعية حب الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم شمس محمد بكري
|| سؤال لكن بدون جواب ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ "نسمة" ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
لو كان المناضل بحث يومًا عن مقابلٍ لنضاله ما كانت قامت ثورةٌ قط؛ وكذلك هو وضع المُحب يا عزيزي، يصعب عليه أن يجد سببًا لحبه ولا يجد تفسيرًا واضحًا لتضحيته، كأنه يُضحيّ لأنه فقط يُحب وليس كي يُحَّب، فالحُب يشبه ميدانًا في وسط العاصمة تعرض للقصف، تخترقه الرشقات النارية بين كل حينٍ وآخرٍ، وفي النهاية لا يحميّ هذا البيت إلا المناضل القوي، تجده يهرول وسط المئات كي يدخل بيته ويقوم بسد فجواته، تجده يُدافع عنه باستماتة مقاتلٍ كي يظل هذا البيت قائمًا قبل أن تسقط رايته..
فلا تسأل المُناضل عن سببٍ لنضاله،
ولا مُحبًا عن تضحيته، لكن إذا أردت فسِل لمَّ يُعاقب كليهما في النهاية ويكون الرد أقسىٰ من الاحتمال؟.
<"لا تلوم خاسرًا على تمسكه بعدم عودته للمباراة">
لا مفر ولا مهرب..
فنصيبك قادمٌ إليك مهما هربت،
حيثُ أنتَ تدور في الحلقات المُفرغة ونصيبك يدور خلفك كي يواجهك بما لم تستطع أنتَ مواجهته ولو في خيالك حتى..
_في البحر سمكة، بتزق سمكة..
على الشط واقف صياد بشبكة.
قامت "رحيق" بتشغيل هذه الأغنية فيما ابتسم "يحيى" بحزنٍ وتذكر "مـودة" وكأنه يراها نصب عينيه، مر طيفها أمامه مما جعله يتنهد بشوقٍ وحزنٍ عليها، مزقه غيابها وأتعبه موتها، عانىٰ في حياته الويلات ولازال يعاني بدونها، كأنه فتى صغير ضاع من أمه في دنيا كبيرة فأصبح أمر إنقاذه منها مستحيلًا، رجلٌ فارغٌ من كل معنى، كأنه كتابٌ بلغةٍ لا يعرفها غير قاريءٍ واحد فقط وكأنه زهد عالم القراءةِ..
صدح صوت جرس الشقة فترك ابنته وتحرك يفتح الباب بحركةٍ عادية كأنه اعتاد الزيارة في هذا الوقت، وقد فتح الباب فكان الزائر غير متوقعٍ، فرغ فاههُ وثَقُلت أنفاسه، بل اُستطيرت ملامحه بالكليةِ حين وجد الزائر شقيق زوجته وتوأم روحها، وهذا يُعني أن الهلاك أصبح أكيدًا، زاغ بصره حيث الفراغ وقال باستنكارٍ:
_"يُـسري" !!.
والآخر وقف أمامه مذهولًا كأنما لا يُصدق نفسه أنه بصدد هذه المواجهة التي ظنها تكاد تكون مستحيلة، مواجهة لا يكاد يظنها حقيقية بمثقال ذرةٍ من صدقٍ، وقد تباينت مشاعره كُلها، ما بين الحزن، الغضب، الشوق، اللهفة، الحُب، الخذلان؛ كلها مشاعر ضربته في قلبه فأصبح مهمومًا بها، وعلى الرغم من قصر المدة لكنها بدت كأنها سنة ضوئية بأكملها تمر عليهما، وقد ولج "يُـسري" وباشره حين ثبت عينيه عليه، نظرة واحدة بمليون شعور جميعهم ضد بعضهم..
مد يده له بصوتٍ مهتريء ومهتز وكذلك حركة كفه الراجفة وهو يقول:
_إزيك يا "يحيى" ليك وحشة والله.
رفع "يحيى" عينيه الزائغتين بطيفٍ شفافٍ من العبرات وقال أخيرًا كمن وجد صوته الهارب منه وسط كومة قشٍ من الكآبة:
_بخير، الحمدلله يا "يُـسري" أنتَ إيه أخبارك؟.
مد يده يصافحه وهو يتمنى أن يفيق بمجرد لمسه، كأنه تمناه مجرد كابوسٍ ويصحو منه، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه حيث تلامست الكفوف ببعضها فتيقن لكلٍ منهما أن الآخر حقيقة لا خيال ولا مقابلته محض خبالٍ، وأول من بادر بالحديث كان "يُـسري" الذي طالبه بإحراجٍ غلفه بضحكةٍ منقوصة:
_مش هتقولي أدخل ولا إيه؟.
في الحقيقة هو يخشى القادم منه، يخشى دخوله هذا المكان ورؤية ابنته، يخشى أن يكون قد نصب له فخًا فيسحبه لساحته كي ينتقم منه في أرضه كيفما يشاء، تمامًا كعصفورٍ تُطلق سراحه من القفص؛ فيطير في سماءٍ مُلبدة بالرصاص الغادر؛ لمح حيرته بائنة بشكلٍ لا يُكذب فقال بضحكةٍ خافتة:
_محدش يعرف إني عندك هنا، اتطمن مش جاي أضرك ولا جاي حتى بصفتي ابن عمك وأخو "مـودة" الله يرحمها، أنا جاي بصفتي أب وحاسس باللي أنتَ حاسس بيه لو حد فكر يقرب من ابني، وجاي لصاحبي أشوفه وأتطمن عليه، إيه ماوحشتكش؟.
حديثه نوعًا ما بث الطُمأنينة في قلب "يحيى" كأنه رسىٰ فوق شاطيءٍ بعدما تاه في عرض البحرِ، وقد شده "يُـسري" لعناقه فاستسلم له الآخر وترك نفسه للعناق بعد حرمانٍ شارف على سنتين وأكثر، وقد رفع ذراعيه بحالة غير مفهومة، فكيف يرمي المرء نفسه في عناقٍ يأويه وبذات الوقت يكون أشد المخاوف عليه؟.
بدا كأنه يعانق أبيه في عمر المراهقة بعد شجارٍ حاد في الشارع مع الصبية وهم يركضون خلفه وبمجرد أن لمح أباه ارتمى عليه يحتمي فيه _رُغم يقينه بموقف والده وضجره منه_ لكنه أراد أن يَطمئن وفقط، دام العناق لدقيقة يُطفيء بها الآخر جمر الأيام بهما حتى خرجت "رحيق" تركض بحثًا عن أبيها، وبمجرد أن خرجت تجمدت كتمثالٍ نُصب بلا روحٍ..
تفرق العناق بهما لتبقى هي خائفة بموضعها، علا صوته صرخت الماضي في أذنها حيث صرخات جدتها، وصوت جدها الغاضب على أبيها، ركض "مُـراد" بها من البيت كي لا يأخذها "يحيى" وتوسل "حُسني" لهم بتركها لأبيها، وما زاد الطين بللًا كانت صورة جثمان أمها حين أكل السمك نصف وجهها وخرجت بشكلٍ مروعٍ..
عند صراع الماضي والحاضر هرول لها "يُـسري" يحملها فوق ذراعيه، يضمها بقوةٍ ويُطفيء لهبه هو الآخر بها وهو يشتم عبيرها ورائحة عطرها المميزة، كان يتمسك بها ولم تبادله هي المشاعر بسبب خوفها، لذا حين هرع الدمع من عينيها اقترب "يحيى" يحملها منه بخوفٍ واضطرابٍ وقال بتوترٍ وارتباكٍ ملحوظٍ:
_معلش يا "يُـسري" هي خايفة شوية وممكن تجيلها نوبة دلوقتي، اتفضل أقعد لحد ما أطمنها شوية وأتكلم معاها، معلش.
راقبها خالها بعينين لم يجرؤ على كبح جماح عبراته فيهما، فتكون غُلافٌ شفاف المرأىٰ لمع بمقلتيهِ حين وجد الذعر باديًا هكذا عليها وهي ترجف في عناق أبيها، والأهم هل حالتها هذه تُعني عدم عودة صوتها حتى الآن؟ لذا سأله بغير استيعابٍ:
_هي لسه ماتكلمتش يا "يحيى" لحد دلوقتي؟.
رفع "يحيى" عينيه له يحذره من الحديث وهي تُخبيء رأسها في صدره وتتمسك بسترته، وحينها أيقن "يُـسري" بالضرسِ القاطع أنه أخته دمرت كل شيءٍ في وجهها، الحقيقة المرة التي لم يجرؤ هو على النطق بها أمام الجميع، لكنه يعلمها في قرارة نفسه، لذا تحرك يجلس على طرف الأريكة يُشبك كفيه ببعضهما وهو يحرك رأسه متصفحًا الشقة وتركهما معًا، وقد أحس حقًا أنها تليق بمسكن "يحيى"..
شقة ذو ذوق رفيع، حديثة التصاميم والأثاث والإضاءة، منسقة ومنمقة كأنها حقًا تنتمي لساكنها وهو ينتمي لها، ابتسم حين لمح صورة شقيقته وتحرك يمسح بكفه فوق الصورة وهو يدعو الله أن يغفر لها ذنبها ويرحمها وأن تكون نيتها خيرٌ حين فعلت ما فعلته.
في الداخل ولج بها "يحيى" غرفتها فوجدها تتمسك به أكثر، حينها علم سبب خوفها لذا ثبتها أكثر في عناقهِ ثم تنهد بقوةٍ يحاول تهدئة نفسه من توتره هذا ثم جلس بها على الأريكة ومسح فوق رأسها فناظرته مباشرةً، وقتها قال هو بحنوٍ محاولًا بثها أكبر الأقدار من الطمأنينة:
_متخافيش من حاجة طول ما أنتِ معايا، محدش هيقدر يقرب منك ولا ياخدك مني، مش أنا وعدتك إنك علطول هتفضلي معايا ومش هسيبك أبدًا؟ خايفة ليه؟ بعدين دا خالو "يُـسري" مش أنتِ بتحبيه؟ فاكراه وفاكرة "صُهيب"؟.
حركت رأسها توميء له بخفوتٍ، وقد مسح هو فوق خصلاتها يُساويها إثر حركتها في عناقهِ، ووقتها عاود الحديث بقوله الهاديء نوعًا ما:
_مش عاوزك تخافي وتطلعي معايا تسلمي عليه وخلاص، هو مش جاي أصلًا علشان ياخدك مني، محدش هيقدر ياخدك مني حضني، دا أنا ما صدقت إنك رجعتي تضحكيلي تاني.
خرج بها من الغرفة حيث وجود ابن عمه وهي تسير بجانبه، لمحها خالها فانتفض من موضعه وابتسم لها وقد اقترب هو منها يجلس على رُكبتيه مقابلها وقال بلهفةٍ مختلطة بصوتٍ أقرب للبكاء:
_وحشتيني أوي، فاكراني صح؟ فاكرة طيب كنتِ بتقوليلي إيه؟ "يايا" طب فاكرة "صُهيب" صح؟.
حركت رأسها توميء بخوفٍ فابتسم هو ثم ضمها لعناقه من جديد، ثبتها داخل عناقه وأغلق عليها حصاره كأنه يسترق اللحظات معها قبل أن يعود ويفترق عنها، غريبٌ هو الأمر حين يعيش المرء لحظةً وبذات اللحظة يخشى فراقها؛ حتى في لحظة الأمان يظل مضطربًا، راقبهما "يحيى" وأخذته الذكرى للماضي، حيث الحنين لمشاعر ماتت وأمست رُفاتًا..
تذكر حين كانوا عائلة واحدة؛
ببيتٍ واحد،
تحت سقفٍ واحد
بصوت ضحكاتٍ متناغمة
حين كانت القلوب هي التي تُضلل على بعضها من ومضة حزنٍ، والآن لم يجمع اسمهم في جملة واحدة سوىٰ الفراق والكَبَد..
____________________________________
<"حين يخونك موطنك لن تجد ملجأً إلا جيش العدو">
ذاك المُحارب القوي الذي يقف في مجابهة الأعداء ويُعيث بأرضهِ الفوضى؛ فيما بعد سوف يتهمه الوطن بخراب الأراضي وتدميرها، لن يذكر كفاحه ونضاله لأجل سلامة أراضيه، لكنه سيذُّكره بكل قبحٍ حين أشعل حرائق الحقيقة وهَيَّج أمواج المَرج..
لازال حديث والده يتعبه، نبرته، طريقة حديثه، سخطه الواضح منه، طريقته التي تعبر عن كل كرهٍ له ولحياته، كل شيءٍ مع أبٍ مثله مكروهٌ للغاية، الحكاية لم تبدأ من الآن أو حتى من قريبٍ، الحكاية بدأت حين تزوج أخرىٰ غير أمه وأتى بها تشاركها في بيتها وحياتها وقلب زوجها، لازال يذكر يوم النقاش حين هدر في وجهه بانفعالٍ:
_مين الست دي؟ وإزاي تجيبها بيتي وبيت أمي؟.
وقتها قال بارتباكٍ كونه يفاتح صبىٰ مراهق في هذه الأحاديث الخاصة:
_ماما مابقيتش زي الأول يا "حلمي" وبقت تعبانة علطول وساعات كتيرة بتفضل علطول نايمة ومش قادرة تتحرك، أنا راجل ومحتاج ست تكون معايا، مش هقدر أعيش كدا، وعلى فكرة أنا بحب ماما أوي، ومش بكرهها، أنا لو بكرهها كان زماني بفكر في نفسي بس، لكن "أشجان" هتكون معانا وتساعدنا وتساعد ماما وتخلي بالها منك.
كان وقتها صغيرًا لكن الغضب في قلبه ملأ عُمق البحر، نظراته نطقت بالانكسارِ والكُره في نفس اللحظة، قطع وعدًا على نفسه أن يكون هو درعًا لأمهِ، سيكون الحامي لها من أي فردٍ يتخطى حدوده معها، حتى أن "أشجان" تلك لم تفلح في مكرها ضد أمه إلا حين ضاعت بسببها، اللعنة عليهم جميعًا وعلى أبيه وعلى أخوته، التوأم الذي أنجبتهما "أشجان" ليكونا حجرًا في طريق راحة "حلمي".
كان شاردًا فوق الفراش وهو ينام ويضم "لمار" لعناقه وقد سقط نظره عليها، تتمسك بعناقه بقوةٍ وكأنه سبيل النجاة الوحيد، ابتسم حين تذكر كيف ضمته واحتوته وظلت تعتذر منه نيابةً عن العالم، أخبرها أنه تشاجر مع أبيه مشاجرة حادة كما المعتاد، فقالت هي بأسىٰ تتضامن معه:
_ماتزعلش نفسك، مفيش حاجة تستاهل إنك تضايق نفسك كدا، المهم إنك بخير ومعايا يا "حلمي" أصلًا نفسي كل الناس دي تختفي من حياتنا ونعيش أنا وأنتَ بس، لو تطاوعني ونبعد عن الكل كل حاجة هتكون كويسة، بس أنتَ لسه بتحبهم.
توسعت بسمته ومال بجانبه يراقبها وهو يفكر هل حقًا حقق حلم طفولته وأمست معه وله، ابتسم أكثر ثم لثم وجنتها وحينها تململت حين شوكته ذقنها، كادت أن تلتفت وتوليه ظهرها لكنه أوقف حركتها وقال بضجرٍ مفتعلٍ:
_هتفضلي نايمة كتير كدا؟ أصحي بقى.
بدأت تستيقظ ورمشت بأهدابها بثقلٍ ثم ألقت رأسها فوق كتفه وهي تقول بصوتٍ غلَّبه النعاس وأثر النوم:
_حرام عليك سيبني أنام، أنتَ ماعندكش وسط خالص؟ نام ربنا يهديك يا "حلمي" عليا نام يا بابا.
نطقت بسخريةٍ جعلته يضحك رُغمًا عنه ثم مسد فوق جبينها وقال بحنوٍ وراحة تخللت صوته:
_طب والله صحيت وزهقان وجعان، هتقومي ولا ألبس وأنزل أنا أروق على نفسي برة؟ ها بسرعة علشان لو قومت هترجعي تلوي بوزك في وشي.
انتفضت من موضعها ثم ضحكت بيأسٍ وتحركت تخطف المأزر الحريري وقالت بمزاحٍ ومشاكسةٍ له:
_اؤمرني يا سي "حلمي" بيه، تحب تاكل إيه؟.
تحرك من موضعه ووقف في مواجهتها ثم تصنع صفعها فوق وجهها بخفةٍ وقال يمازحها بسخريةٍ مماثلة:
_أجري يا شاطرة شوفي عندكم إيه يتعمل وأعمليه ليا، بسرعة.
ضحكت ثم أمسكت كفه وسحبته معها وهي تقول بضحكةٍ واسعة:
_لأ أنتَ تيجي تعمل معايا بدل ما أفتح الباب وأخليك تنزل أنتَ.
عادت الحياة تتلون تدريجيًا في عينيه، حبيبته معه وشقته تحتويهما، وهي دونًا عن كل نساء الأرض هي معه وحدها من أصبحت تلازمه، لا يعلم هل كان عليه أن يدفع كل هذه الأثمان نظير الحصول عليه فتكون هي ملاذه في مثل هذه الأوقات، أتعلم معني أن تطردك بلدك من أرضك فتصبح غريبًا ومُشردًا في كل أرضٍ؟ هما الاثنان هكذا، كلاهما طرده موطنه، فالتقيا غريبان ببعضهما ليأنسا أُنس الغريب بالغريب في الغُربةِ..
وقف "حلمي" في مطبخ الشقة يعاونها في تحضير الطعام، وعلى هذا الذكر لقد تعلمت الطعام لأجله، الآن هي تصنع له اللحم المُتبل ببهاراتٍ وتوابل من صنعها هي، تقوم بطهيها لأجله رغم دلالها الذي اعتادت عليه في بيت أمها، تلك اللحظات القليلة التي تحظى فيها برفقته وتستأنس به تجعلها راغبةً في الالتصاق به، كعصفورٍ يرغب في السجن داخل قفصه، شردت في هدوء ملامحه وهو يقطع شرائح الفلفل البصل فصدح صوت هاتفه.
وضع الهاتف على الرُخام وجاوب على المتصل الذي كان عمه، وبعد الترحاب قال "حمدان" يعتذر منه بقوله:
_أبوك قالي اللي حصل بينكم وأنا بهدلته علشانك، قولتله مالكش دعوة خالص بـ "حلمي" وفلوسه وحياته وعيشته، ماعرفش أنا هيكلمك أنتَ علشان يقولك، أنتَ فين بقالك كتير؟ حتى "تقوى" بتحاول توصلك مش عارفة.
زاغت نظراته حيث ملامح زوجته التي تبدلت وهي تتصيده بعينيها فقال بثباتٍ بعدما ترك ما في يده:
_مش فارقة يا عمي والله، هو قال اللي جواه ليا وخلاص، بس قوله بقى يبطل يجيب سيرة أمي ويعايرني بموضوع نسيانها دا، علشان لو في حاجة بجد اتعاير بيها يبقى إنه راح جاب واحدة من الشارع ومن وسط موقف مليان رجالة وعملها ست البيت وجاب منها عيال يعرونا كل يوم بنسبهم، لو سيرة أمي جت على لسانه تاني أنا هاخد اللي وراه واللي قدامه.
_استهدى بالله بس يابني، عارف إنه مخه مش فيه ولما بينطق بيقول كلام مايصحش يتقال، بس دا برضه أبوك واللي بينكم عمره ما يهون، هو راح ولا جيه مالهوش غيرك أنتَ سنده وضهره، دا أنا متكل عليك إنك في ضهري، ماتزعلش نفسك وروق على حالك وشوف مراتك وسيبك منه، ربنا يسعدك يابني.
رد عليه عمه بتلك الكلمات التي أوضحت حميمية مشاعره وحبه البالغ له، وقد وقفت "لمار" تتابع نضج الطعام، لكن بملامح واجمة، سيرة الأخرى ما إن تُنطق في محيط بيتها تُقلقها، وقد لاحظ ذلك "حلمي" فحمحم يخرجها من الشرود وسألها بلامبالاةٍ مفتعلة:
_مالك وشك قلب كدا ليه؟ ما كنا كويسين.
حركت رأسها ترمقه بطرف عينها وقالت بثباتٍ كاذب:
_مفيش حاجة، عادي يعني.
رفع حاجبه مُشككًا في صدق ما تقول ثم اقترب منها ونطق:
_لأ فيه، وشك قلب كأنك اتبدلتي، ما إحنا من الصبح كويسين مع بعض ومبسوطين ومفيش أي حاجة، بتقلبي مرة واحدة ليه بقى؟.
ظنها سوف تكذب وتكذبه، وربما تراوغه في الجواب لكنها أذهلته حين سألته بثباتٍ:
_وهي "تقوى" بتحاول توصلك ليه؟ ومالها ومالك أصلًا؟.
_ما أنتِ عارفة إننا متربيين مع بعض من صغرنا، دي أختي أصلًا وأعز كمان، غيرتك منها مالهاش لازمة، لأنك عارفة موقفي من بدري، بعدين هي من بدري قدامي، بس أنا يوم ما اخترت حد، اخترتك أنتِ، ولو هختار تاني برضه هتكون أنتِ، اعقلي كدا وافتكري إنها أختي.
حين جاء الرد منه شعرت بالتناقض منه، رغبت في عناقه بقوةٍ ثم فصل عناقه لأنه يسمح لأخرى أن تبقى في محيطه، لذا مدت يدها تقبض فوق سترته وقالت بغضبٍ مكبوتٍ لكن نظراتها فضحته:
_لأ هي مش أختك، أمك رضعتها؟ أمها رضعتك؟ لأ طبعًا، يبقى خلاص ماتعصبنيش بقى، لو عاوز ليلتك دي تعدي وجناني مايخرجش عليك تقطع السيرة دي، مفيش سيرة واحدة غيري تيجي في البيت دا غير واحدة بس، أمك يا "حلمي".
استشف الغيرة التي تنطق فوق ملامحها، عيناها ملتهبتان بالجمرِ المشتعل، لم يعلم هل يضحك على غيرتها غير المنطقية أم يتجاهل الأمر لأنها تملأ قلبه وحدها بدون منافسةٍ مع غيرها، أم يثبت لها أنها وحدها حبيبته؟ ضمها لعناقه فجأةً فخمدت نيرانها كأن كتل الهواء ابتعدت عنها، ظلت صامتة في عناقه بينما هو لم ينطق بأي حديثٍ بل التزم الصمت وكأن حبه لها لا يُقال بكلماتٍ فقط..
____________________________________
<"حين يدخل السارق حقل الزهور لن تُرضيه حتى ولو باقة">
السارق لن يرضى بالقليل..
سيظل طامعًا فيما هو أكثر، يتمنى ما لم تطُله يده قط ويتمناه طوع يديه وملك يمينه، ففكر أنتَ هل لو ولج السارق الحقل سيقتنع بالقليل؟ أم أنه سيرغب في كل شيءٍ حتى أرض الحقل بذاته؟ وقتها حين يقضي عليها وعلى رحيق زهورها، سوف يتهم الأرض أنها مُجرفة لا تصلح للزراعةِ..
طوال اليوم وهي تجلس معهما، تجلس بجوار ابنها العائد من غربته، لم تبتعد عنه، لم تتركه حتى وحده رفقة زوجته التي يحق لها أن تكون معه بحق انتظارها لها طوال الأشهر الماضية، وأخيرًا حين أتت الساعة التاسعة ونصف بدأت رأسها تثقل، لكنها بدت كمن تعاند نومها؛ فتحرك "منتصر" يحرك رأسها وقال بهدوءٍ:
_أنتِ نمتي يا ماما؟ تحبي تدخلي تريحي جوة شوية؟.
استفاقت من غفوتها ومسحت وجهها وهي تقول بصوتٍ مبحوحٍ غلبه النعاس والنوم:
_لأ أنا صاحية يا حبيبي عاوزة أقعد معاك شوية.
شعر بالإحراجِ منها وجلس بصمتٍ يراقب وجه زوجته التي بدأت تنزعج حقًا من وجود أمه، لمَّ عليها أن تتحمل هذا الضغط العصبي حتى تنفذ طاقتها؟ ولمَّ هذا الزوج خلوقًا لهذا الحد؟ هل كان عليها أن تستشير مجموعة النسوة في موقع "فيسبوك" بداخل مجموعة "الست للست" وتستفتيهن في أمرها مع حماةٍ مثل هذه؟ وضعت جهاز التحكم بغضبٍ مكبوتٍ اتضح بمجرد الصوت فانتبهت لها كلاهما..
عادت للخلف بإحراجٍ تمط شفتيها بيأسٍ فصدح صوت جرس الشقة وحينها تحرك "منتصر" وترك حرب النظرات دائرة بينهما، وبمجرد أن فتح الباب لمح شقيقه، وقتها ذُهِلت ملامحه وضمه لعناقه بقوةٍ وهو يصدر ضحكة عالية، وقد ضمه الآخر مستشعرًا شيئًا آمنًا في عناقه، شيئًا ما يبدو أنه كان يجهله من قبل، وقد ابتعد عنه ورسم بسمة جامدة وهو يقول:
_لسه راجع وقولت آجي أسلم عليك، معلش ناديلي أمك من جوة علشان أبوك عاوزها وهي شكلها مبلطة جوة.
_ياعم ما تيجي تقعد معايا شوية، دا أنا لسه شايفك دلوقتي، وحشتني أوي يا "خلف" تعالى بس أقعد معايا.
حبه هذا ونظرته يؤكدان له أن "ورد" لم تنطق بشيءٍ في حقه، ربما هي التزمت الصمت لفترة مؤقتة، ربما هي تنتظر وقت راحته وبعدها تقلب البيت رأسًا على عقبٍ، وقد تكون فتاة طيبة ذات أصلٍ لا تريد خراب البيت وتدمير علاقة الأخوين، شرد في بحر قلقه فيما ناداه أخوه يُنبهه لكنه قال بأسفٍ:
_معلش خليها مرة تانية علشان عاوز أنام، ناديلي أمك بس.
ولج "منتصر" للداخل وقال لأمه ببسمةٍ بشوشة:
_"خلف" جه يا ماما وعاوزك برة، اتحايلت عليه يدخل بس هو مش راضي، قوليله أنتِ ييجي طيب يمكن يسمع كلامك.
تبدلت ملامح "ورد" وأحست بسجنٍ يحكم حصاره عليها، بينما أمه رمقتها بطرف عينها كأنها تحذرها بصمتٍ ثم ثبتت عينيها على ابنها وقالت بلهفةٍ وهي تستعد للتحرك:
_لأ يا حبيبي يادوب ألحق أنزل علشان أخليه ياكل لقمة وبعدين أبوك تلاقيه نايم من بدري هصحيه ياخد العلاج وياكل مع أخوك، ما تيجي تقعد معانا شوية وكمل السهرة معانا.
تركته "ورد" يرد هو حتى لا ترد هي وتخرج عن صمتها، ولبى هو مطلبها حين قال ببسمةٍ ابدت اعتراضه بقوله:
_لأ كفاية سهر بقى مازهقتيش مني؟ يادوب ألحق آخد "ورد" أنيمها في حضني شوية، البت وحشاني يا "خيرية" دول سنتين ونص غياب عنها.
ابتسمت "ورد" وهي تشعر أن "منتصر" ينصرها حقًا، فياليته هو من يقود كل صراعاتها بدلًا عنها هي، وهذا ما أحسته أمه لذا تحركت بعد بسمة صفراء أهدتها لهما وتركت المكان وأغلقت الباب خلفها، وقد استعد هو واقترب من زوجته مفرقًا ذراعيه استعدادًا لضمها، فعزفت هي عنه وقالت بتهكمٍ:
_روح كمل السهرة مع أمك خليها تنفعك.
_طب ولازمته إيه الكلام دا بقى؟ ما أنا قولتلها هنيم "ورد" في حضني وهي فهمت أهيه، أنا ذنبي إيه تقلبي عليا؟ ما أنا طول اليوم بحاول والله أعمل اللي يرضيكِ، عاوزاني أطردها يعني؟.
زفرت هي بقوةٍ وقد ملت فعلًا من تدخلهم في شؤونهما بهذا الحد، هو يفعل ما عليه، وهي تحاول لأجله، لكن من الأساس لمَّ كل هذا المجهود المبذول لأجل الحفاظ على علاقةٍ قائمة من أصلها؟ كلاهما يحب الآخر ويُقدره ويحترمه لكن تلك النزاعات التي تفرضها أسرته هي العائق بينهما، وهو لن يسمح بإفساد أيامه معها.
وجدها تتحرك وتُلملم أشياء السهرة التي تناولتها أمه وتنظف المكان وهي تتجاهله، اقترب يساعدها حتى أنهيا التنظيف فوجدته يفتح سحاب سترته وحينها سألته بجمودٍ:
_أنتَ بتقلع ليه؟ هتعمل إيه أنتَ؟.
حرك كتفيه ببساطةٍ وقال ببراءةٍ لا تُكذب:
_بعدل الجاكيت علشان أعرف أساعدك، مخك راح فين بس؟.
التفتت توليه ظهرها فصدح صوت هاتفها، تحركت تلتقطه وتجاوب على المتصل لكنه خطف الهاتف من يدها وحملها بيده الأخرى حتى شهقت هي بقوةٍ وظلت تضربه لكنه أحكم حصاره حين ضمها لصدره وهمس بشقاوةٍ:
_مفيش رد على التليفون غير لما تفردي وشك وتجيبي بوسة.
من جديد ترد له ضربته في صدره لكنه قبل التحدي ففتح المكالمة وحمحم وتصنع النوم وهو يقول:
_ألو !! مين معايا.
_أنا "آدم" يا حيلة "خيرية" إيه خلاص النظر بعافية، "ورد" فين؟ بكلمها أتطمن عليها مش بترد على رسايلي ولا الموبايل.
جاء الرد من أخيها بهذه السخرية، بينما هي سمعته وكادت أن تجاوب لكنه كمم فاهها وقال يغيظه بقوله:
_"ورد" نايمة في حضني أهيه، تحب أصيحهالك؟.
توسعت عيناها وظلت تُحرك رأسها وهي تُصدر همهمات مكتومة أسفل يد زوجها الذي ضحك وقال متصنعًا الرد على أخيها:
_يا عم تيجي تنور، حاضر بكرة هنيجي نقضي اليوم معاكم، مع إني أحب أقضيه مع مراتي بصراحة بس ماشي، أعملي أكل حلو بقى علشان مقلبش عليك.
ضحك "آدم" وأغلق المكالمة معه بعد الاتفاق على لقاء الغد، بينما هي بمجرد أن أزاح كفه عن فمها بدأت الكلمات كما الشلال المنفجر من خلف السد، فقالت باندفاعٍ بالغٍ:
_أنتَ بتكدب عليه ليه؟ وبتخطف التليفون ترد ليه؟ أفرض أنا مش عاوزة أرد على حد؟ وإيه نايمة في حضني دي؟ كمان بقيت بتكدب وتزين الكدب؟.
_الله !! يعني عاوزاني أقوله طول اليوم أنا قاعد في حضن أمي؟ دا يقطع فروتي ويعرني، بعدين يعني أنا ماكدبتش في حاجة، أنا قولت اللي هيحصل كمان شوية، هاخدك أنيمك جوة، مالك؟.
رمقته بطرف عينها وأرادت أن تثأر لنفسها منه ومن عائلته حتى يعلم قيمتها جيدًا ويُقدر تواجدها:
_نام أنتَ براحتك وأنا هنام على الرُكنة من غيرك.
أولته ظهرها وكادت أن تتحرك لكنه حملها فوق ذراعيه بشكلٍ مفاجيءٍ جعلها تضحك رغمًا عنها وهي تُطيح بقدميها وتتوسله ضاحكةً أن يدعها وشأنها لكنه كان يعلم أنه لو تركها غاضبة منه، سيطول الخصام وقد يزداد الهجر بينهما، وهو يكفيه أنه تحمل أمه طوال اليوم دون أن تفارقه..
كأنها سارقة ولجت الحقل ولملمت في ذراعيها كل الرحيق وتركت له من الورد ذبوله فقط..
____________________________________
<"حين طال ليليّ ازداد في الخوف قلقي، لكني غريقٌ">
يقولون اللقاء بعد الغُربة قتال..
قد يقطع في طريقه كل شيءٍ وكل وقتٍ، حيث يجلس المرء مع أنيسه وكأنه يُجالس نفسه بغير تزييفٍ أو قلقٍ، تلك اللحظات المسروقة من الزمن حين تتذكرها وتتذكر حرمانك منها، سوف تعلم أنك اخترت في طريقك كل شيءٍ مباح لأجل هذه اللحظة فقط..
طال الليل عليهما مع بعضهما، انتصف الوقت دون أن يشعر به "يُسري" معهما، تناول الطعام مع ابن عمه، جلس يمازح الصغيرة ويلعب معها بعدما أقسم له أن لن يأخذها من أبيها، حتى "يحيى" كأنه يشعر كأنه مجرد سجينٌ أتاه فردٌ من عائلته في زيارةٍ رسمية يطمئن عليه خلالها، جلسا سويًا فنامت الصغيرة في عناقِ "يحيى" فوضعها في فراشها وخرج للآخر الذي ابتسم له وربت فوق ساقه وقال بهدوءٍ:
_ربنا يقدرك عليها ويباركلك فيها، أحلوت أوي وبقت نسخة من جدتها، وارثة الجمال المصري بالجمال الفلسطيني، عقبال ما تشوفها عروسة وتفرح بيها.
ابتسم له "يحيى" بسخريةٍ والتزم الصمت، الحقيقة صمته كان ظاهريًا فقط، لكنه لم يهدأ بداخله، كان لديه أكثر من سؤالٍ، يخشى أن ينطق فتخرب تلك اللحظات ويُفسد على نفسه لحظات أُنسه، عاود الصمت والشرود وأشعل سيجاره فقال "يُـسري" بهدوء ما قبل العاصفة:
_عارف إنك مش ساكت، وإنك عندك ألف سؤال، بس أنا هجاوب وخلاص، أنا روحت لخالك "أنيس" وقولتله إنهم عرفوا مكانك لأن "مراد" فعلًا خلى حد يمشي ورا خالك ويعرف، ووعدته إني لو عرفت محدش هيقرب منك، وخليت الواد اللي "مراد" مخليه يتابع خالك يجيلي وتوهته في سكة تانية، وجيتلك أنا علشان أشوفك، بس قصاد دا خالك حلفني على مصحف ربنا لو دا كان كدب، قالي إنه مش هيخليني أقف على رجلي تاني، وأنا مش هقولك على جبروت خالك، يعملها، اللي خلاه ياخد البت من البيت وإحنا حواليها يخليه يعمل فيا إيه؟.
استحوذ على تركيز "يحيى" الذي تبدلت ملامحه كُليًا، بدأت تعابيره تختلف كُلها وبدأ جموده يتلاشىٰ، أصبح الاهتمام ملحوظًا في عينيه والآخر يُكمِل:
_شوف يا "يحيى" علشان أقصر عليك وعليا التعب والتفكير، أنا عمري ما خدت نفس موقفهم منك، بالعكس أنا طول عمري حاسس إن الموضوع فيه حاجة مش مفهومة للكل، كلنا كان غايب عننا الحقيقة، ومراتي أكدتهالي مليون مرة إن "مودة" خبت عليك، وأنا عارف إنك موجوع منها على قد وجعك عليها، هي غلطت في حقك ودي حاجة أكيدة ومعروفة.
ابتسم "يحيى" بوجعٍ وأطفأ سيجاره واعتدل بنصف جلسةٍ وقال بتهكمٍ مريرٍ أعرب عن ألم روحه:
_عارف أنا إيه بجد اللي وجعني؟ إني عمري ما كنت وحش معاها لدرجة إنها تخاف مني أو حتى تخبي عليا، أنا وأنتَ عارفينها كويس، واللي مراتك قالته مش كدب، واللي مأكدلي إني صح موقف والدتك، عارف ليه؟ علشان هي أم وأكيد عارفة إن بنتها ممكن تفكر كدا، أقولك بقى "مـودة" فكرت في إيه؟ هي خافت مني أتجوز عليها ولا أسيبها وأهملها لما أعرف مرضها دا، رغم إن كان ممكن أفديها بروحي، كان ممكن أقعد تحت رجليها العمر كله، أنا لو عارف إنها مريضة مرض زي دا ونزلت المياه علشان كان نفسها زي ما قالت، أنا ماكنتش هخرج من وأخلي روحي تحصل روحها، بس أنا مش فاهم ليه؟ ليه خلتني أعيش العمر كله بعقدة ذنبها وذنب بنتي؟ أنا ذنبي إيه؟.
كأن فرصته أتته أخيرًا كي يتحدث عن وجعه وألم روحه، كانت الطريقة الوحيدة للتنفيس عن غضبه وضيقه، وقد كان شقيقها على يقينٍ بهذا الوضع، لذا قال بلهفةٍ يستجديه بالغفران:
_أنا عارف كل كلامك، وحاسس بيك ومش هبالغ كمان لو قولتلك حاسس بوضعك ويمكن كلنا غلطنا لما خبينا عليك حاجة زي دي، بس بالله عليك سامحها، هي تستاهل إنك تسامحها على الأقل علشان بنتك، بنتك اللي مالهاش غيرك دلوقتي، أنا لو مش عارف اللي أنتَ بتقوله دا عمري ما هسيبك تقوله في حقها، بس أنا عارف إن دا حقك، وحقك عليا إني أقولك إني في ضهرك لحد ما ترجع تاني بيتك وشغلك، قولي صحيح أنتَ بتشتغل إزاي؟.
مسح وجهه وقال بضيقٍ:
_بشتغل عند تاجر سيراميك هنا، ماسكله محلاته والمخازن، راجل محترم وذوق بصراحة وبيثق فيا، والمرتب مناسب ليا ولا "رحيق" والوقت كمان، والشقة دي بتاعة صاحب العمارة وهو تبع خالي ومابيخدش إيجار، قالي إن هو وخالي ليهم حساب مع بعض، وأهيه ماشية لحد ما أظبط أموري بس شوية وأخلص ورقي وأسافر.
_فين؟.
نطقها "يُـسري" بلهفةٍ قلقة فجاوب الآخر:
_هاروح سويسرا، كنت شغال فيها قبل كدا وبرتاح فيها ومتأكد إن بنتي هترتاح هناك، مستني بس أتطمن على أبويا واتأكد إن كل حاجة بخير وإن أبوك مش مخلي علاقاته تدور عليا علشان أعرف أخرج من مصر، ادعيلي.
تألم "يُـسري" لأجله، شعر بالسجن يزداد ضيقًا عليهما، يعلم أن رفيقه يتألم والألم ينخر في روحه مهما صمت والتزم الصمت، لذا لم يجد من الحديث ما يُقال من جديد، تابع الساعة فوجدها تخطت منتصف الليل، حينها استعد للرحيل وودع رفيقه، بنفس العناق ودعه، لكن بخلاف الروح التي ازدادت ألمًا فتمنى أنه لو لو يأتِ لهنا، طلب منه أن يدخل يرى الفتاة قبل الرحيل، فولج غرفتها ولثم كفها وجبينها ورأسها، وطلب من أبيها أن يلتقط لها صورة وهي نائمة كي تكون ذكرى لهما..
بالطبع لم يرفض "يحيى" مطلبه وافق على الفور وتركه يودعها بطريقته، كأنه أمسى على درايةٍ كافية أن الوداع يختلق فرقًا قويًا، بالأخص العناق الأخير قبيل الوداع والرحيل، رحل "يُـسري" بعدما وصاه على ابنته وأخذ منه رقمه وقطع له عهدًا أنه لن ينطق لأحدٍ ما بمكانه قط، سوف يبقى سرًا مع تعداد وتكرار الزيارة السرية.
عادت الغُربة تُغلف المكان..
عاد البيت بلا أنسٍ وبلا صوتٍ
الهدوء يملأ أركانه والصمت يسود
عاد دُخان التبغ يرافق الوحيد في ليله
عاد الغريق يسوده الظلام ويا ويله..
____________________________________
<"تلك المرة سوف أسامحك لأنك قد تكون لطيفًا">
هل يكفيك السبعين عذرًا كي التمسهم لك؟.
في الحقيقة قد ألتمس لأجلك أنتَ وحدك سبعين ألف عذرًا،
ليس لضعفٍ مني، لكن تقديرًا للُطفك وكرمك أيها السيد، وقد أكسر لأجلك سبعين حاجزًا كي أمد يدي وأمسك بك، أتدري لماذا؟ لأني فقط حين عرفت كلمة الأمان، عرفتها مقترنة باسمك..
يقولون الليل حين يطول تنفتح الجروح وتنزف..
كأن الليل سكينٌ وأصاب جُرحًا كان غائرًا، لكن هناك بعض الأشخاص ينتظرون مجيء الليل كي يتخفوون فيه من وضح النهار، يرتمون في ظلامه كي لا تخطفهم الأعين ويصبحون محط الأنظارِ..
كان "سُليمان" في المشفى لم يبرح موضعه، وقد كان "أدهـم" طوال اليوم معه مرافقه، يقف بجانبه ويؤازره كأنه الابن الثالث لهذه العائلة، قضى تقريبًا اليوم بأكمله حتى رحل نظرًا لانتهاء موعد الزيارة ووجود المرافقين فقط هو المسموح به، ولولا حالة أمه المزدرية ونقلها لغرفة أخرى كانت رحلت للبيت، لكن "سعاد" ظلت بقربها ترافقها وتراقب المحلول الطبي الموصل بيدها..
خرج من غرفة أمه بعدما اطمئن عليها وولج الغرفة التي ينام بها شقيقه بعد خروجه من الرعاية المُركزة، تلك المرة توسعت الفجوة بينه وبين العالم، ظن الأمور أصبحت على ما يُرام لكنها تدهورت أكثر، رفع عينيه نحو شقيقه فهرع الدمع من مُقلتيه، اشتاق لصوته وعناقه وأمانه، اشتاق أن يعود ويحتمي فيه كما كان منذ أن اعتاد.
في الخارج كانت هي تطيء الأرض وصوت الحذاء يضرب الأرض الرخامية فيُصدر نغمًا، كانت تحمل في يدها حقائب ومعرفتها بمالك المشفى سهلت عليها الكثير في هذا التوقيت، لذا ولجت أولًا غرفة "ثُريا" فقابلتها "سُعاد" التي ابتسمت لها ورحبت بها وبعد الترحيب قالت "رحمة" بهدوءٍ حين لاحظت نومها:
_أنا جيت أتطمن عليكم وقولت أجيبلك الهدوم دي علشان تنامي براحتك، وفيه عندك مصحف وهتلاقي حاجات جديدة كلها تقدري تستخدميها، شوفي كدا محتاجة حاجة تاني؟.
شعرت "سُعاد" بالإحراج منها وكأنها تزيد حملها، لذا نطقت تعبر عن امتنانها لها بقولها:
_مش محتاجة حاجة تاني بجد، كفاية كل اللي عملتيه وبتعمليه معانا، أنا في حياتي ماشوفتش حد في جدعنتك دي، شكرًا بجد وحقك علينا، مفيش حاجة توفيكِ حقك وحق اللي بتعمليه معانا كله.
ابتسمت الأخرى بالتبعية وقالت ببساطةٍ:
_مش محتاجة منك شكر والله، أنا بعمل واجبي وأي حد مكاني كان هيعمل كدا ومش هيبخل بوقته وجهده على حد، أنتِ بس لسه ماتعرفيش المصريين كويس، لما تعشريهم هتقولي ياريتني ما عرفتهم، مش علشان حاجة، بس علشان هتعرفي إنهم طيبين بزيادة عن اللزوم.
خرجت من الغرفة بعدما تركت الأخرى تنام ولو لقليلٍ من الوقت وقد طمئنتها على الصغار أيضًا، تحركت بتوترٍ وارتباكٍ وقد قاد التردد دربها، كانت حائرة في أمرها ما بين التكملة والانسحاب من أرض المعركة، أصبحت بجوار الغرفة وقبل أن تطرق الباب التفتت كي ترحل، لكنه فتح الباب ولمحها توليه ظهرها.
عقد حاجبيه ونطق اسمها بهدوءٍ عميقٍ:
_"رحمة" !!.
توسعت عيناها وفرغ فاهها بذهولٍ، لكن ما إن استوعبت الأمر عضت فوق شفتها السُفلىٰ بضجرٍ ثم التفتت له تواجهه بعينيها التائهتين في اللاشيء من مرمى البصرِ، اقترب منها يسألها هو بعجبٍ في الأمر:
_بتعملي إيه هنا دلوقتي؟ حصل حاجة؟.
ازداد قلقه واضطرابه فقالت هي بلهفةٍ توقف سيل أفكاره:
_لأ لأ متخافش، أنا جيت بس وجيبت حاجات لـ "سُعاد" ولطنط برضه، وكنت هتطمن على أستاذ "سالم" بس اتحرجت وكنت همشي وأسيبلك الحاجات دي في الريسيبشن، بس طالما اتقابلنا اتفضل.
مدت يدها بحقيبة بها طقم رياضي أكثر أريحية يرتديه بدلًا من تلك الثياب المُقيدة له، وأتت بمنشفةٍ وبعض الأدوات التي قد يحتاجها في وجوده هنا، رفع عينيه لها بحيرةٍ بعدما تفحص الأشياء وشعر أنه أصبح أكثر من مجرد مديونٍ لها، لقد تخطى الأمر هذه الحدود، لذا قال بامتنانٍ حقيقي:
_شكرًا يا "رحمة" ربنا يقدرني وأردلك جمايلك.
تذكرت كيف رد الجميل لها في المرة السابقة فصحكت رغمًا عنها وقالت بلهفةٍ يائسة:
_بلاش، آخر مرة رديت فيها الجِميل حصل مشكلة، بلاش صدقني، أنا مسامحة ومش عاوزة مقابل.
رُغمًا عنه ابتسم بعينيه وزاحمت البسمة ملامحه، بينما هي شعرت بوجهها تزداد سخونته فتنهدت وقررت تبديل الموضوع بسؤالها الذي ظهر مناسبًا:
_أنتَ صح كنت خارج ليه؟.
_كنت مخنوق قولت أطلع أشرب كوباية قهوة.
رد عليها بهذا الرد فحركت رأسها توميء له بينما هو قال بدون تفكير كأنها مجرد فكرة طُرِحت بعقله فأخرجها لسانه:
_تيجي أعزمك على القهوة؟ أهو يبقى في أي حاجة عدلة بينا.
رفعت حاجبها له فتحرك هو وأشار لها أن تجاوره، وقد سارا بجانب بعضهما وهي تشعر بالندم كونها فعلت ما فعلته وأتت لهنا في هذا التوقيت، لمَّ هي تشعر بكل هذا التيه؟ هذه هي القضية الأولى التي تُكلفها كل هذا الثمن نظير توليها، يبدو أن شعورها بالذنب لن يتركها حتى تؤمن مستقبل الصغار وتتركهما في قاعة الزفاف كي يهدأ ضميرها اللعين، تُرىٰ هل ضمير العالم بأكمله مثل ضميرها يئنِ بهذه السهولة؟ أم هو ضميرها فقط الذي يحيا بهذه الطريقة؟.
وصلا سويًا للمكانِ وجلست هي أمامه فطلب لهما سويًا القهوة، انتظرت هي بصمتٍ وهو أيضًا التزم الصمت، كأنه لا يجد أي حديثٍ يُقال، كأنه يحتاج ليكسر سبعين ألف حاجز بينهما كي ينطق، وهو في الحقيقة لم يملك حتى طاقة الحديث، طال الصمت حتى مرت ابنة مالك المشفى وبمجرد أن رأت "رحمة" صاحت باسمها وهرولت نحوها ترحب بها، ودارت بينهما أحاديث ودية عن العمل ثم تركتها ورحلت، وما إن جلست "رحمة" سألها هو بفضولٍ:
_هو أنتِ إيه علاقتك بيها؟ وإزاي عارفة ناس زي دول؟.
ابتسمت له بثقةٍ وسألته بمراوغةٍ:
_إيه؟ ماشبِهش ولا إيه؟.
_لأ مش مسألة ماتشبيهيش، أنتِ تشبهي بلد بأختها اللي جنبها.
تبدلت تعابيرها ورفعت حاجبها تلقائيًا وحركت لسانها تعضه وهي تحاول كظم غيظها فأضاف هو متابعًا حديثه بمزاحٍ:
_لأ بجد أنتِ تشبهي والله، دا أخويا الراقد مسلمش من دماغك وجيبتيله حكم وهو راقد، متخيلة لو دا كان صاحي كان حصله إيه منك؟ كان زمانه اتفرم معاكِ.
ضحكت رُغمًا عنها حين ضحك هو مُعلنًا سُخريته؛ ثم مسحت وجهها وقالت بهدوءٍ ظهر فيه أثر ضحكتها:
_ماشي هعديهالك علشان أنتَ راجل مسكين دلوقتي وأنا مباجيش على غلابة زيك، بالنسبة لعلاقتي بـ "راندا" صاحبة المستشفى هي وأبوها فأنا يا سيدي كسبتلها قضيتها وطلقتها من جوزها، وقبل ما تقول خربت بيتها، هاقولك إنه للأسف كان بيدوفيلي، كان غاوي علاقات مع بنات صغيرة وليه تاريخ أسود، ودا بسبب مشاكل شخصية عنده، فكان بيعالج المشكلة دي مع البنات الصغيرين، منه لله بقى الدكتور اللي نصحه بالطريقة دي، سجنتهم هما الاتنين وخدت اللي وراه وقدامه.
تعجب "سُليمان" وظهر ذلك فوق محياه وسألها بحيرةٍ:
_يعني إيه مش فاهم؟ كان بيهبب إيه؟.
زفرت هي وقالت بإحراجٍ منه كونها تتحدث عن هذا الشيء المحرج أمامه:
_يعني للأسف كان عنده مشاكل خاصة كراجل وميقدرش يخلف وكان حاسس بالنقص، كان ليه صاحبه دكتور هنا برضه نصحه إنه يسيبه من الناس الكبيرة ويركز مع البنات الصغيرة علشان مش بيكونوا طبعًا فاهمين ولا على دراية كافية باللي المفروض يحصل، فكان البيه بينزل منطقة شعبية يدور فيها على ناس على قد حالهم مش لاقيين ياكلوا، يدفع التمن وياخد البنت يقضي معاها شهر ويمارس عليها أمراضه وبعدها يرميها لأهلها تاني ويروح يشوف غيرها تاني، فضلت وراه لحدما رميته في السجن، ووقتها كنت لسه بادئة بقالي وقت بسيط بس شغفي وحماسي كانوا مخلييني مش شايفة غير طريقي وبس.
أومأ لها موافقًا وشرد أمامه وكأنها ذّكرته هي بحماسه وشغفه في سباق السيارات، حين كان يقود الطريق وحده ويخوض المضمار بكل شجاعةٍ، حين كان لا يعترف بمنافسٍ قط غير نفسه الضعيفة التي قد تهزمه في أي لحظةٍ،
وإحقاقًا للحق فهي تُشبهه كثيرًا، ويبدو أن الشبيه يعرف جيدًا صفات شبيهه؛ حتى ولو كان خصمًا له في ساحة الحرب..
____________________________________
<"حين يطول الليل سأعانق أملي وأتحدث عن حُلمي">
تلك الهزائم التي تضربنا كل يومٍ لا تعتبر هزائم..
بعضها يُعتبر كما درسٍ يأتينا كل يومٍ، درسٌ قد يكون نجدةً لما هو قادم علينا، فبدلًا من الندم علينا أن نكون مُمتنين لكل درسٍ يمر في يومنا ويُعلمنا..
كانت "نـوف" حُرة هذه الليلة عكس سابقتها، شتان ما بين الحالتين في كلتا الليلتين، اليوم هي تعلم أنها ربحت الرهان مع نفسها، تذكرت كيف أنهيا ليلتهما سويًا وكيف انتهى اللقاء بينهما وهو يُقسم لها أنها أكبر لديه من أن يستغلها لأجل أي شيءٍ، هي لا تستحق منه أن تكون مجرد فتاة يتخطى بها ماضيه، لذا كانت تبتسم وبدأ الأمل يعود لقلبها من جديد.
ولجت "إسراء" شقيقتها وأمها خلفها فانتبهت هي لهن، وقد قفزت شقيقتها بجوارها وهي تقول بتطفلٍ غير محكومٍ:
_انطقي قالك إيه؟ رجعتي مبسوطة ودخلتي قفلتي على نفسك ومحدش عرف ياخد منك كلمة، انطقي عملتي إيه؟.
حركت عينيها ثم اعتدلت تجلس فوق الفراش وتنهدت بقوةٍ ثم قالت بثباتٍ:
_بصي يا ستي، قالي إنه مش بيستغلني وحكالي حكايته كلها وأنا صدقته…
بدأت تسرد عليهما الحديث الذي صار بينها وبينه، وقد لمحت الراحة فوق وجهيهما، وللحق هي أرادت ذلك، أرادت أن تُطمئن قلوبهم، أرادت أن تمحو أثر إنزعاجهما منه، ليس لشيءٍ لأنه حقًا يستحق الإنصاف كما نصفها هو أمام القريب والغريب، وقد تنهدت أمها براحةٍ وقالت:
_الحمدلله يا حبيبتي ربنا يسعدك ويكرمك أنتِ وهو بكل خير، أنا عارفة أصلًا "داغر" دا صعب أوي، دا بهدل بنته "فريال" الله يرحمها وماتت بحسرتها منه، وياريته سكت على كدا، دا بهدل ابنها وتعبه هو وأخوه "آدم" صاحب "غسان" وعلشان كدا قولتلك ماتحكميش قبل ما تعرفي اللي فيها، وأظن يعني "غسان" ماكدبش عليكِ وأنتِ مالكيش تحكمي عليه بناءً على ماضيه وعلى حاجة كنت قبل ظهورك في حياته.
حركت رأسها موافقةً تؤكد حديث أمها، وقد انتبهت لصوت اهتزاز الهاتف أسفل الوسادةِ فسحبته لتجد رقمه يزين شاشتها، لا تعلم هل هو أصابه الجنون كي يتصل في توقيتٍ مثل هذا، أم أن هناك كارثة حلت فوق رأسيهما !! لاحظت أمها ارتباكها فأشارت لابنتها الثانية التي انسحبت معها وتركتاها وحدها، وقد جاوبته هي بارتباكٍ فوجدته يقول بصوتِ مضطرب:
_آسف لو صحيتك بس مجاليش نوم وكان لازم أكلمك.
_لأ..عادي ولا يهمك، خير حصل حاجة؟.
على الطرف الآخر مسح وجهه وقال بضيقٍ بدأت قشرته تتلاشى ويظهر أثر كتمانه منذ الصباح أو بالأحرىٰ منذ أن تذكر الموقف الذي أغصبه:
_آه حصل، الواد اللي كنتِ بتكلميه الصبح دا وتضحكي معاه معصبني، الموقف كله مش عاجبني ومضايقني، ماعرفش هما قالولك عني إيه ولا أنتِ فكرتي فيها إزاي، بس أنا ماقبلش إن خطيبتي اللي هتبقى مراتي يبقى في كلام بينها وبين أي راجل غيري، وبصراحة أنا مش قابل الموقف.
نظرت في ساعة غرفتها وعادت له تسأله باستنكارٍ:
_وأنتَ بتتصل بيا الساعة واحدة بليل علشان تقولي الكلام دا؟ مكانش ينفع لبكرة يعني؟ بعدين ما قولتلك دا "شريف" كان باباه صاحب بابا وعارفه من بدري من وإحنا صغيرين…
كادت أن تُكمل الحديث لكنه قاطعها منفعلًا بقوله الذي خرج دون أن يشعر به كأنها رفعت قدر غضبه:
_يعني إيه يعني؟ بقى معاه ختم حسن سير وسلوك في حياتك؟ بقولك إيه ماتعصبينيش، أنا عديتها بمزاجي الصبح وقولت عديها لحد ما نشوف هترسى على إيه، بس أنا مش هقبلها إنك تضحكي وتهزري مع راجل تاني وأنا زي اللمبة في حياتك.
وقتها أنفعلت هي الأخرى وقالت بنفس الغضب:
_والله؟ تصدق ماشوفتش في بجاحتك حد؟ يا جدع دا أنا شايفة صورك وأنتَ مع واحدة وواخدها في حضنك وتقولي مش عارف إيه؟ دنيا غريبة والله، على الأقل أنا مابمدش إيدي وأسلم لحد مش بمشي أحضن هنا وهناك..
كادت أن تُكمل الحديث لكنه أوقفها حين قال بثباتٍ:
_وقتها ماكنتش عارف إنه غلط، وماكنتش عارف إنه مايصحش، والنتيجة إيه؟ ماكملناش مع بعض ودفعت التمن غالي، لكن دلوقتي أنا عارف اللي فيها وعارف إن فيه حدود، أنا عاوز أحافظ عليكِ حتى من نفسي، فهمتي بقى بقولك ليه؟ ولا برضه مصممة تحكمي عليا؟.
مطت شفتيها بيأسٍ حين أدركت مقصده، كما أن نبرته بها شيءٌ من الصدق جعلها تكف عن الجدالِ معه، حتى أنها بدأت تنتقي كلماتها وتُنقحها بعنايةٍ، فقالت بهدوءٍ روضت نفسها عليه:
_مش بحكم عليك يا "غسان" بس إحنا لسه في مرحلة التعارف ولما يادوب أطمنت شوية كل حاجة لاقيتها بتبوظ، يمكن عزايا الوحيد في موضوعنا هو وجود عمو "طـاهر" اللي طول عمره بيعتبرني بنته وعارفة ومتأكدة إنه عمره ما يضرني.
_وأنا ابنه وزيي زيه، عمري ما أضرك ولا أقصد أوجعك، ويمكن كمان أكون ظهرت في وقتي المناسب ليكِ زي ما أنتِ جيتي في وقتك المناسب لأحلامي الجديدة، عرفتي بقى قصدي إيه؟.
حين جاء الرد منه هدأت كُليًا، تبخر غضبها وأضحت ساكنة كُليًا، لذا تنهدت بصوتٍ وصله فسألها بهدوءٍ كأن صوته حمل رسالة السلام بعد حربٍ دامية حامية الوطيس:
_يعني اعتبر كدا خلاص، صافي يا لبن؟.
_صافي، وعلى فكرة أنا مفيش أي حاجة بيني وبين "شريف" غير إننا من بدري زمايل وكان ماسك شغل بابا كله في فترة قبل كدا في الجمعية، وعمومًا أنا فاهمة كلامك ومستوعباه، يلا تصبح على خير.
أعلنت الوداع وحين رد هو أغلقت الهاتف ونامت على جانبها الأيمن وهي تبتسم، تبتسم لأن هناك رجلٌ ولج تلك الأرض الفضاء ويبدو أنها يستثمر وقته في جعلها أرضًا تصلح للعيش، هو الرجل الأول الذي ولج هذه الحياة، رغم أنها تبدو كأنها جزيرة بها كل متطلبات الحياة، لكنها مهجورة غير آهلة للعيش بها.
بينما هو فكان يشعر أنها كما الفخ المنصوب بإحكامٍ كي يوقعه، فتاة تشبه مثالية فتيات الأحلام لدى الشباب، بخلاف سطحية المظهر والجمال الفائق، لكن الشخصية بذاتها جديدة على أفكاره، جديدة على أحلامه التي أصبحت واقعية، كأنها تشبه الحجر النادر على شاطيء ولم يعرف قيمتها أي زائر، لقد عرف عنها الكثير، تقريبًا بحث عن كل ما يخصها، ترك والدته تتحدث عنها وتزبد في كلامها كأنه يريد دراسة حدودها، لكنه لم يتخيل أن تقتحم هي فراغ حياته..
ولأن المُحب يحاول؛
هو يحاول كي يكون الحبيب..
____________________________________
<"عليكِ معي بهدنة، فالحرب مع العالم صعبة عليَّ">
طول الليل لا يعني عدم مجيء النهار..
وغياب الشمس لا يوحي بسرمدية الليل بلا نورٍ..
فكما يقال أن الشمس هي بداية الأمل لكل يومٍ
فهذا يؤكد أن لكل ليل نهار..
بزغ الفجر وانتشر النور تزامنًا مع وصول "يُـسري" مدينة الغردقة، عاد مباشرةً بعدما عرف مكان "يحيى" واطمئن عليه هو وصغيرته وعرف أنه الوحيد الذي دفع ثمن فعلة شقيقته قبل موتها، هذا ما يدعى عليه "ومن الحب ما قتل" فهي قبل أن تدفع الثمن بروحها، دفعته بحياة زوجها وصغيرتها، شيءٌ ما ارتاح في قلبه برؤية وضع الآخر، رُبما بعده عن الصراع القائم في العائلة هو أفلح الأشياء التي حدثت مؤخرًا، فكيف كان يصمد أمام هجوم "حسين" وعناد صغيره "مُـراد"؟.
مر على ردهة البيت المظلمة وعبر نحو الدرج حين تأكد من عدم مجيء "مراد" حتى الآن، بالطبع بعد أن فشل في الوصول لابن عمه سوف يتجرع كؤوس الخمر كي ينسى هزيمته هذه، حسنًا سيأتي دوره يومًا ما بعد أن يرتاح من سفره هذا، وقد ولج غرفته وهو يعلم أنها فارغة، فزوجته منذ عامين وهي تبتعد عنه، أخبرته أنها في البيت فقط لأجل ابنها، العلاقة بينهما تعد علاقة زوجين بالاسم فقط، حتى هو وأسرته دفعوا الثمن لشيءٍ لم ينتفعوا به قط..
فتح الضوء فوجدها هي تنتفض من فوق الأريكة وما إن لمحته هرولت نحوه تقول بلهفةٍ مضطربة كأن روحها عادت لها:
_أنتَ كنت فين يا "يُـسري" كل دا؟ قافل موبايلك ومش عارفة أوصلك لا أنا ولا أي حد، وأخوك مش عارفة هو فين علشان حتى يطمني عليك، أنتَ كويس؟.
وقف أمامها بصمتٍ، لم يُجِب بكلمةٍ وكأن لهفتها وقلقها قاما بخطفه من وعي عمقه، أصبح منعمًا في جهالةٍ محببة، نظرتها القلقة، خوفها عليه، لهفتها وهي تتفحص وجهه وملامحه كأنها تتأكد أنه بخير فعليًا، كلها أفعال جعلته يكتم بسمته الفرحة ثم تنهد وقال بصوتٍ مُغطىٰ كُليًا تحت وطأة المشاعر:
_أنا بخير وكويس متقلقيش، لو كنت أعرف إنك هتقلقي عليا كدا كنت كلمتك وعرفتك، بس ماجاش في بالي إني أشوفك كدا.
توترت "ولاء" من حديثه ونظراته وحاولت إيجاد مبرر قوي يخرجها من لهفتها هكذا كأنها مراهقة تواعد حبيبها سرًا، بينما هو فلم يمنع نفسه من الاقتراب حين مال بجسده للأمام ولثم جبينها كأنه يخبرها بدون حديثٍ أنه ممتنٌ لها ولهذه المشاعر منها بشأنه، توترت هي وانسحبت من أمامه كي تهرب منه ومن سطوته على قلبها، لكنه أوقفها حين طلب منها بلهفةٍ:
_"ولاء"...ينفع تنامي هنا النهاردة؟.
كان يقصد غرفتهما التي تركتها هي منذ توتر الأوضاع بينهما، حين أخبرته بعدائية شديدة أن أمر البقاء في هذا البيت فقط أمسى يتعلق بابنها، ولولا تواجده لكانت هجرته منذ زمنٍ، التفتت هي له برأسها وقالت بثباتٍ على موقفها:
_قولتلك يا "يُـسري" مفيش مكان هيجمعنا مع بعض طالما أنتَ راضي بالظلم وساكت عن الحق، ومش علشان "يحيى" بس ولا علشان حتى موقف أبوك معايا لما طردني من البيت، بس علشان شوفتك وأنتَ مستعد تكسب رضاه على حساب غيرك، فخوفت.
أنهت حديثها حين التفتت تواجهه بعينيها وتصارحه، بينما هو فاضطر آسفًا كي يحنث بوعدهِ لِـ "يحيى" حين أخبره أن سره سيبقى سرًا، لذا اقترب بطوله يُهيمن على نظرها ومرأى عينيها ومرمى بصرها فارتبكت هي من قربه، بينما هو قال بثباتٍ:
_زي ما شوفتيني وأنا وحش يبقى من حقي تشوفيني وأنا بحاول علشانك وعلشان نفسي وعلشان حياتنا، فكرك يعني راضي أعيش بعيد عنك كدا؟ سنتين وأكتر مفيش أوضة جمعتنا مع بعض، وقدام الناس عادي وبينا كل واحد بقى في وادي، أنا مش هقبل تضيعي مني لا أنتِ ولا ابني ولا حياتي علشان غلطة واحدة ماليش ذنب فيها، وكلنا بندفع تمنها، وعلشان تصدقي استني.
أخرج هاتفه ووضعه نصب عينيها فرأت صورته مع "رحيق" حين كانت تجلس بين أحضانه وطالب هو "يحيى" بتصويره معها، فرغ فاهها وقامت بخطف الهاتف منه فقال هو بنفس الهدوء:
_أنا روحت لـ "يحيى" البيت وشوفته هو وبنته، لحقته قبل ما حد منهم يوصله وغيرت العنوان اللي وصل "مراد" علشان مايعرفش يوصله، من ساعة ما فكرت في الموضوع وأنا مش شايف حد بيدفع تمن غيري أنا و "يحيى" وبس، هو اتحرم من مراته وبيته وعيلته وشغله وصوت بنته، وأنا اتحرمت منك ومن بصتك ليا، دا عذاب حد يرضى بيه؟.
هرع الدمع من عينيها وهي تنظر في وجهه ثم قالت بوجعٍ كتمته طوال الوقت الماضي وكأنها صدقت الفرصة كي تنتهزها وتنفجر:
_ومكانش سهل عليا أشوف الراجل اللي حبيته بيغير ضميره وذمته، مكانش سهل عليا إن أبوك يطردني من البيت ويهددني إني لو خرجت أنسى إن ليا ابن وكل دا علشان قولت اللي أعرفه وقتها، مكانش سهل أبعد عنك كل دا وأفضل زي بيت الوقف مرمية زيي زي أي حاجة وجودها زي عدمه، أنتَ ليه خليتهم يظلموه ويظلموني؟ ليه ماصدقتش من الأول؟ ليه ضيعتني منك؟.
كانت تعاتبه ببكاءٍ كأنه خيب أملها فيه، أما هو فلم يعد يتحمل أكثر، حديثه يؤلمه كأن ضميره الميت صحىٰ وتجسد فيها، لذا ضمها لعناقه وأغلق عليها بذراعيه وهو يقول بلهفةٍ وصوت مضطرب:
_مكانش بأيدي، والله العظيم كان غصب عني، السكينة كانت سرقاني وقتها، كنت خايف كل حاجة تضيع مني، كان بأبسط حاجة ممكن يرميني ولا حتى ياخد مني تعبي وشقايا، كان ممكن بكلمة منه يخليني مرمي في الشارع، اللي راحت دي كانت أختي، وأنتِ بتروحي مني أهو، علشان خاطري خليكِ معايا، أنا محتاجلك.
لم تستطع أن ترفض مطلبه وترده خائب الرجا، لم تملك القسوة الكافية كي تدفعه عن طريقها، أطبق عليها بجسده وضمها له فوجدها تبكي كأنها حقًا ضائعة في دربه ولم ترد الخروج من هذا الطريق، ضمته تحتمي فيه هي الأخرى لعلها بذلك تكون عادت لنفسها الضائعة منها..
عادت القلوب تتعانق والأرواح تتلاقى..
عاد التائه من دربهِ وروحه لازالت لروحها مشتاقة
عاد بكل حنينٍ ويدفع الثمن برقة قلبه في حرب الإراقة..
____________________________________
<"حُبك كما الحرب يتوجب علينا انتزاع الراء منها">
حين تحين الحرب وتُقرع الطبول لن تجد مفرًا..
ولن تجد مأوىٰ لكَ وكأن الحرب كُلها ضدك أنتَ وحدك، وقد لا تجد مُنصفًا لكَ إلا ذاك الجُندي المخلص الوحيد الذي أخبرته ذات يومٍ عن أهمية الانتصار لك في هذه الحرب، ووقتها لن تجد غيره يحميك بروحه ونفسه..
في منتصف النهار من اليوم التالي..
في بناية الشيمي كانت الشقة بها روح غريبة، كانت "ربـاب" مع ابنتها في مطبخ الشقة تحضران الطعام لأجل العزيمة، وفي الخارج جلس "منتصر" مع "عرفه" يتحدثان سويًا في شتى المواضيع، اقتصادية وسياسية واجتماعية وكافة المواضيع الأخرى وقد ظل يسأله عن غُربته وعن أحوالها بها..
في نفس اللحظة كانت "عُلا" بالأعلى تتجهز وترتدي ثيابًا مناسبة لتلك العزيمة بعدما عاونت "آدم" في طهي الأصناف التي يمتاز بصنعها، كلما فكرت في الأمر أحست بالخجل، وكُلما تذكرت قول العمة وهي تقول أن تلك العزيمة لأجل اجتماعها بـ "أدهـم" تصاب بالخجل أكثر، خاصةً أنه منذ الأمس اختفى ولم تلمح له أثرًا ولم تسمع له صوتًا، شغلها أمره لثوانٍ قليلة ثم تجاهلت أمره كأنه لم يشغلها قط، ظهر أمامها أخوها بعدما أنزل الطعام للأسفل وقال بصوتٍ ظهر فيه أثر بسمته:
_حلو أوي الفستان دا عليكِ، أنا اللي منقيه على فكرة.
_ذوقك حلو أوي على فكرة.
مازحته بنفس طريقته وقد تحرك معها لشقة عمته، ولجت معه تلقي التحية عليهم وقد عرفها "آدم" على "منتصر" حين قال يمازحه بسخريةٍ:
_دا يا ستي الراجل الغامض بسلامته، جوز أختك "ورد" وعدوي اللدود وللأسف صاحبي وبحبه، أفهميها زي ما تفهميها.
ابتسمت له وقالت بهدوء:
_حمدًا لله على سلامتك يا أستاذ "منتصر".
_الله يسلمك، وعلى فكرة الواد دا بيحبك أوي، ماتعرفيش كان بيفضل يتمنى رجوعك إزاي، وعلطول كان بيقول إنه عمره ما هيقدر يعمل حاجة في حياته غير لما يلاقيكِ أو على الأقل يتطمن إنك بخير، ربنا يبارك فيكم لبعض.
حركت عينيها نحو "آدم" تختصه بنظرةٍ حنونة جعلته يبتسم لها بصدقٍ، وقد تحركت هي نحو الداخل حيث المطبخ تعاون العمة "ربـاب" وابنتها التي انتفضت تحضتنها وتخبرها أنها افتقدتها طوال اليومين المارين، وأتى الجواب من "عُـلا" بمزاحٍ:
_خلاص يا ستي مَن لقىٰ أحبابه بقى.
لكزتها الأخرى بسخطٍ مفتعلٍ ثم جلست بجوارها بينما "ربـاب" فتركت الصينية التي تمسكها في يدها وقالت مستفسرةً:
_ماتعرفيش "أدهـم" هييجي إمتى؟ مقالكيش؟.
وهل هو يتحدث معها كي يخبرها عن شيءٍ يخصه؟ لمَّ تُعّامل الأمر كأنه طبيعي وأكثر؟ خجلت تخبرها أنه لم يُحدثها منذ أن رحل يوم خطبتهما، وهذا ما اتضح فوق معالم وجهها لكن صوت "ربـاب" حين نطقت بضجرٍ منه انتشلها من شرودها حين قالت:
_نفسي أمسكه أعيد ربايته من تاني، كبر وبقى مستطول نفسه عليا ولا إيه ابن "فريال" ماشي يا أنا يا أنتَ يا "أدهـم".
_يبقى أنا، أنا من إمتى حد جه على سكتي وسيبته؟.
أتى صوته من عند الباب حين وقف يستمع لتوبيخها في حقه في لحظة غفلةٍ من الأُخريات عن تواجده، وقد اضطربت "عُـلا" من مجرد سماع صوته، بينما هو اقترب ومال على عمته يطبع قُبلة فوق جبينها فوجدها تبتسم له بحنوٍ وكأن غضبها منه تخبر بالكليةِ، فيما استقام هو واعتدل ورحب بـ "ورد" التي ابتسمت له بوجهٍ مشرقٍ، وقد رمق "عُـلا" بطرف عينه فلم يُخفَ عليه توترها وارتباكها من مجرد ظهوره، فاقترب يقف بقرب جهتها وقال بثباتٍ رسم عليه الود:
_إزيك يا "عُـلا" أخبارك إيه؟ كويسة؟.
_الحمدلله…كويسة آه.
بنفس الارتباك جاوبته وكأن رائحة عطره وحدها استطاعت أن تفرض هيمنة غريبة عليها، وجدت نفسها تشعر بأمانٍ غريب بمجرد أن عبرت رائحة عطره لأنفها، ويبدو أنه أحب الوقوف بجوارها هكذا، ثبت مكانه واستند على الطاولة بكلتا كفيه ومال للأمام يستكشف الأصناف التي صنعتها له عمته، تاركًا تلك المسكينة تشعر بالخجل من الاقتراب الغريب هذا، تود الركض من جواره، لكنه يتجاهل أنها بجواره ويتعامل بأريحية ثم استقام مجددًا وقال بهدوءٍ وهو باسم الوجه:
_هطلع أقعد مع الرجالة برة، لو عندكم بواقي لموهالي في علب، بطني تعبت من أكل الشارع خلاص.
كان يقصد عيشه في شقةٍ بمفرده بعيدًا عنهم بسبب وجود "عُـلا" في الشقة لحين يتم الزواج، وقد رفعت عينيها له فتلاقت النظرات بينهما لبرهةٍ عابرة ثم انقطعت حين أخفضت عينيها عنه، وقد خرجت "ورد" حين ناداها زوجها، وتحركت "ربـاب" تنقل الصواني حيث المائدة استعدادًا لتناول الطعام..
فرغ المكان عليهما؛ فهَبَّت من مكانها وحينهل واجهته من جديد حيث تقابلا وجهًا لوجهٍ فراقبها هو وتفحص هيئتها، حيث كانت ترتدي فستانًا من خامة الجينز بأكمامٍ بيضاء من خامة أخرى حريرية، ينزل باستقامة ويتسع بدايةً من عند الخصر، وترتدي حجابًا باللون الأبيض به نقوش صغيرة بنفس لون الفستان، منمقة ومنسقة وتختلف كثيرًا عن طلتها الأولى حين كانت منطفأة، ابتسم بعينيه وهو يراها تتصنع الإنشغال عنه في غرف الأطباق، فوقف خلفها تاركًا مسافة لا بأس بها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_كنت عاوز أكلمك خوفت تضايقي، كنت عاوز أسألك لو عاوزة حاجة أجيبهالك وأنا جاي، عمومًا أنا طلبت من "آدم" ننزل مع بعض أنا وأنتِ نتكلم سوا وهو معترضش، بعد الأكل إن شاء الله هننزل أنا وأنتِ.
لمَّ لَمْ يترُك لها أي خيارٍ في حياتهِ؟ ماذا إذا كانت ترفض أو لم ترغب في هذا المشوار معه؟ كيف تنزل معه وحدها وهي لازالت تخشى الاقتراب من مواطنه؟ تنهدت بقوةٍ والتفتت تواجهه من جديد فرأت بسمته تزداد ثم اقترب سنتيمترات قليلة يهمس لها بقوله:
_شكلك حلو أوي كدا، جميلة.
بكلمات قليلة أثار بداخلها فوضى كبيرة، لو كان غيره مثلما كان يحدث بالمشفى لكانت انفجرت فيه ووبخته، لكنها بكل أسفٍ التزمت بالصمت وجاهدت لكتم بسمتها لكنه لمحها، لمح ضوء عينيها وهي تخفي حالة الهرج في ميدان عينيها عن عامة الشعب، لكنه رمى جملته المعتادة:
_خبيلك ضحكة للعيد.
من جديد يثير استفزازها فضربت الملعقة بالصحن ونبست بضيقٍ:
_دا أنتَ مستفز.
_سمعتك على فكرة، براحتك.
بعد قليلٍ اجتمعوا حول المائدة مع بعضهم، يرأس "عرفه" الطاولة وبجواره زوجته وابنتها التي يجاورها "منتصر" وعلى الجهة الأخرى يجلس "أدهم" و بجواره "آدم" وبجواره "عُـلا" وسط جو من الألفة والحُب والحماس والدفء العائلي، تحدث "عرفه" يطمئن من "أدهـم" على أحواله وأحوال رفيقه، ثم قال في النهاية بنبرةٍ ضاحكة:
_هانت كلها أيام وتتجوز وتستقر شوية، ياه الدنيا غريبة، كنت دايمًا أتمنى أجمعكم كلكم قريب مع حبايبكم، أدينا أهو كلنا مع بعض، ناقص واحد بس ربنا يهديه علينا.
كان يقصد "آدم" الذي انتبه له وناظره يتشدق بنزقٍ:
_ما تطلعني من دماغك، يا سيدي أنا مش بتاع جواز، بعرف أعمل كل حاجة الحمدلله، أنا فيا حيل أجيب واحدة تاكل دماغي؟ سيبك مني وخليك في الباقيين.
وهنا نطق "منتصر" يثير استفزازه بقوله:
_تصدق إنك صعبان عليا؟ يا عيني جيت أنا خدت منك "ورد" وبقت ليا، وفضلت تتمنى ربنا يكرمك وتلاقي أختك ولما لاقيتها سبحان الله أخوك ياخدها منك، لو منك بأمانة أخرج حاجة لله علشان تتعدل معاك شوية.
رمقه "آدم" بنظرات مستهزأة وقال بسخريةٍ:
_وليه أخرج حاجة لله لما ممكن أخرجكم أنتوا ذات نفسكم من حياتي وحياتهم؟ بص في طبقك بدل ما أقوم أنتشه منك.
انتشرت الضحكات عليهما خاصةً بعد النظرات التي تبادلاها سويًا وكأنهما طفلان يتنافسان على لعبةٍ كي تصبح ملكه وحده، كانت "عُـلا" تبتسم وهي ترى مزاح "منتصر" مع أخيها واكتشفت أنهما صديقين رغم حالة الشد والجذب بينهما، لكن "أدهـم" فهو يتعامل معه عادي وذلك لأنه يفرض حدودًا بينه وبين "ورد" دومًا.
صدح صوت جرس الباب في هذه اللحظة فتحرك "أدهـم" يفتحه لأنه يعلم أن الطارق تابع لشركة التوصيل الذي طلب منها توصيل علبة الشوكولاتة المميزة، وقد فتح الباب ليجد أمامه شابًا يقف بثباتٍ يضم كفيه فوق بعضهما، وحينها حرك رأسه يسأله بعجبٍ من هيئته:
_نعم؟ مين حضرتك؟.
_"عُـلا" هنا؟.
داهمه بالسؤال عن خطيبته بطريقةٍ مباشرة جعلته يرفع حاجبه وكشر عن أنيابه استعدادًا للهجومِ عليه، وقد ظهر ذلك في سؤاله:
_وأنتَ مين وبتسأل عنها ليه؟.
_أنا "مـأمون" ابن عمها وخطيبها.
تبدلت ملامح "أدهـم" ووقف في ساحة عراكٍ بداخل نفسه وهو يفكر أي طريقة أرقى لإزهاق روحٍ بدون صوتٍ، وبدون آداة حادة وبدون نقطة دمٍ، وبدون سجنٍ في شابٍ بهذا الرخص؟ حقًا أنه سؤال لن تجد جوابًا دبلوماسيًا عليه إلا حين تُجرب بنفسك عمليًا.
#يُتَبَع.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.