
رواية جمعية حب الفصل الرابع عشر 14 بقلم شمس محمد بكري
|| وغدًا لناظره قريبٌ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
كيف أخبرك أن شخصًا بمِثل خِصالي يَكرهُ نظرات الشفقة..
أكرهُ كوني محط الأنظار ومحضَ الاهتمامِ والجميع يتجولون بأعينهم فوق ملامحيّ يُشفقون عليها؟
فأنا لا تؤلمني الجراح بذاتها، لا تؤلمني المصيبة حين تقع على رأسي، ولا يؤلمني الغدر حين يأتي من حبيبٍ، وإنما مثلي لا يؤلمه إلا نظرات الشفقة حين يُطالعونه الناسُ بصمتٍ ونظراتهم تتألم لأجلهِ، أنا الذي تراه مُبعثرًا مثل رمل الصحراء،
وهائجًا كما موجُ البحرِ، ورُغم ذلك شامخًا مثل رسو الجبالِ
لن تتوقع مني أنني أحترقُ والرماد يسكن مدينة قلبي..
ورُغم ذلك أبدو لكَ بكل ثباتي؟.
<"تقتلني أنتَ آلاف المرات، وأنا أقاتلن لأجلك العالم كله">
في دروب الحياةِ على كلا الجبهتين تُقام الحروب..
وكل حربٍ فيهن تحمل تضادًا قويًا، هناك حربٌ تقوم على أساس الدمِ، وحربٌ تقوم على أساس الروح، وهناك حربٌ تُقام لأجل الأحباب، وهناك حربٌ يُقيمها ضدنا الأحباب بذاتهم،
فتَقتُل في الكل السابقين وتربح،
وحِين تُداهِمُك الأخيرة تُقتَل وتُهزَم..
_مش هتأخر، بس الفلوس دي لو لعبت بيها وخسرتها برضه أنا ماليش دعوة، مالكش حاجة عندي تاني، تروح بقى تشوف حالك بعيد عني، وعلى الله تفكر تكلم "حلمي وتطلب منه حاجة، مش كفاية لبسته العِمة وفضلت تضحك عليه؟ إيه مابتشبعش؟.
نطقتها "لمار" عبر المكالمةِ وفي هذه اللحظة وجدت "حلمي" خلفها يخطف الهاتف من يدها فتوسعت عيناها بهلعٍ بينما هو قبض فوق خصلاتها بقوةٍ وقال بدون وعيٍ وكأنه وصل لذروة غضبه:
_هو لوحده اللي ملبسني العِمة؟ وأنتِ بتعملي إيه بتطرزيها؟.
دفعها فوق الأريكة وهي تتأوه بعنفٍ والقادم لا يعلمه إلا الله، وهي من المؤكد لا تعلم إلى أي نقطةٍ سوف يصل به الغضب وفي أي لحظةٍ سوف ينفجر من ضغطهِ، كانت أنفاسه هائجة بشكلٍ ملحوظٍ وهو يراقبها تنكمش فوق الأريكة خوفًا منه، وحتى لا يفعل ما لم يُحمد عقباه؛ تحرك مُسرعًا من أمامها نحو الداخل وأغلق الباب بقوةٍ جعلتها ترتعد بخوفٍ منه.
حركت رأسها للأمام تراقبهُ فتنهدت بقوةٍ ومسحت وجهها بعنفٍ وهي تتمنى أن يمر الأمر مرور الكرام، تعلم أنه يُحب لكن هذا الحُب حين يتعرض لأي شكلٍ من أشكال الغدرِ أو الخيانة يُصبح ملوثًا، وها هي تُلوث هذا الحُب في عينيه وإن كانت لا تقصد ذلك.
بينما في الداخل حيث الغرفة التي ولجها هو؛ أخرج هاتفه يطلب رقم أمها وكان لازال غاضبًا كما هو، نيرانه لم تخمد ولم تؤثرُ بها البرودة التي تجتاح الأجواء حوله، وبمجرد الرد اندفع هو يقول بجمودٍ ولهجةٍ بانت حادة بشكلٍ ملحوظٍ:
_هو أنا مش قولت أخوكِ الـ*** دا مالهوش دعوة بمراتي تاني؟ وقولت أنتِ وهو تبعدوا عنها؟ بيتصل بيها تاني ليه؟ اسمعي بقى علشان كدا أنتِ وبنتك هتخسروا كتير، لو حصل تاني وعرفت إنه فكر فيها بس؛ مش اتجرأ واتصل صدقيني هندمكم ندم عمركم، وأول واحدة هخربها عليها هتبقى أنتِ.
لاحظت أمها انفعاله فحاولت تُهديء من روعه بقولها المُتلهف:
_اهدا بس يا "حلمي" وماتزعلش نفسك، والله ما أعرف إنه وصلها تاني، أنا أصلًا مقاطعاه من ساعة اللي حصل آخر مرة ونبهت عليها مالهاش دعوة بيه، قولتلها لو كلمك عرفيني وأنا هتصرف، ماتزعلش نفسك واهدا وكل حاجة هتتحل.
أغلق الهاتف في وجهها وهو يسبها ويشتم حظه الذي أوقعه معها ومع أخيها ليصبح مُهددًا بهذا الشكل، وقد شعر أن الأرض بحالها تجثمُ فوق صدره، أثقلته الهموم وأصبح يشعر أنه ما يعيشه ثقيلًا عليه وعلى أعصابه، هو تزوجها حين أُتيحت له الفرصة، حين وجد أنه حكايتها ينقصها البطل فقبل بدور البطولة في حكايتها _رُغم كونه شريرًا في حكايةٍ أخرىٰ_ وارتضى لنفسه أن يخسر كل شيءٍ في سبيل الوصول إليها.
جلس فوق الأريكة ثم مال يتسطح بجسدهِ فوقها ثم أخرج سيجارًا يُشعله ويضعه بين شفتيه يستنشق هواه لداخل رئتيه فيطرد معه غضبه على شكل سُحبٍ شفافة تحمل لوث الأدخنة التي يعيش عليها، دون أن يُدرك شيئًا أو يعي لذلك وجد نفسه يغرق في الذكرى، حيث الليلة التي حُكِمَ عليه فيها أن يحيا بكلا الوجهين؛ ظالمٌ ومظلومٌ..
كان في معرضه الخاص آنذاك بعدما تمم بيعة كبيرة من أدوات معرضه وقد كان سعيدًا وهو ينتظر عودة "أدهـم" من سفره الخاص بشأن العملِ، وما إن جلس فوق المكتب يلتقط هاتفه وجد من تدخل معرضه بهرولةٍ كمن تبحث عن النجاةِ، كانت تدور برأسها حتى لمحته عند مكتبه، عقد حاجبيه وهو يُتابع قدومها نحوهِ، تعجب كون زوجة عم رفيقه تدخل مكانه بتلك اللهفة، شخص بعينيهِ نحوها وهي تقترب منها موضعهِ وتنطق بصوتٍ متقطعٍ:
_الحقني يا "حلمي" أنا في مصيبة سودا.
هوىٰ قلبه أرضًا لكنه لم يُبدِ ذلك، تصنع الجمود أمامها كي لا يُظهر اهتمامه لها فتتصيد هي ذلك؛ لكن هل يُخفى أمر الحُب من العينِ؟ كانت تفهم نظراته في كل مرةٍ تقع عيناه على ابنتها، تفهم أنه رجلٌ يعشق هذه الأنثىٰ، لذا تنهدت هي وقالت بتعبٍ بان أثره في صوتها حين قررت الفصح عن الحقيقة:
_عارفة إنك مستغرب مجيتي لحد عندك، بس أنا عارفة إنك بتحبها، وعارفة إنك بتتمنى قربها النهاردة قبل بكرة، بالله عليك "لمار" في مصيبة سودا ومحدش غيرك هيلحقها ويلحقني، ناس تبع "فواز" أخويا خطفوها علشان كان بيتنيل يلعب قمار وخسر، والمرة دي بنتي هي التمن، أبوس إيدك لو تقدر الحقها دا بيقول الراجل عاوز يتجوزها.
توسعت عيناه وشعر بالنيران تطول قلبه، اُستطير فؤاده من شدة الفزعِ عليها وتيقن أنه لن يقدر على نسيانها، حتى لو حاول ذلك طوال عمره بعد علاقتها برفيق حياته لن يستطع، فكيف ينسى الرجل إمرأةً حيت بقلبهِ فأحيته؟ تضاربت مشاعره وبحث عن مَخرجٍ دون أن يتخطى الحدود وأصول القرابة والصداقة، وجلَّ ما وصل إليه كان بقولهِ:
_تقدري تكلمي "أدهـم" أو "آدم" وهما ولاد عمامها وهيتصرفوا، أو عم "عـرفه" وهو هيقدر يتصرف أكيد، لكن أنا مش بأيدي حاجة طبعًا.
كان يهرب بتلك الطريقة كي لا يؤخذ عليه أي شيءٍ، ينسلت من المسؤولية التي ترميها هي على عاتقه، لكنها أبت ذلك وتشبثت بحبالِ الإصرارِ حيث قالت تقاطعه بحزنٍ ووجلٍ:
_أنتَ عارف اللي فيها، هي و "أدهـم" مبقاش فيه بينهم أي حاجة وهو مستحيل يتصرف ليها في حاجة بعد اللي حصل، وغير كدا "آدم" مش هيصدق اللي حصل ومش بعيد يشمت فيها بعد اللي حصل علشان الخلاف بينها وبينه من زمان، أنا جايالك وواقعة في عرضك، لو بتحبها بجد أبوس إيدك ألحقها، هي و"أدهم" خلاص مفيش حاجة بينهم، يبقى أنتَ أحق واحد بيها وإنك تلحقها، يا سيدي اعتبرها في ضيقة ومحتاجالك.
استطاعت بلؤمٍ أن تتّصيدهُ لِشِّباكِها، جعلتهُ مُرتابًا حِيالَ هذه الخُطوة وكَأنهُ كان ينتظر هذه الفُرصة كي يأخذَ قرارًا مصيبًا، هوىٰ بداخل دوامة سحيقة من الفِكر فوجدها هي تطرق فوق الحديد الساخن بقولها:
_والله العظيم محدش غيرك هيقدر يساعدني، أنتَ عارف هي فين دلوقتي؟ في كازينو وسط بنات الليل والسَكيرة ولو على أخويا يبيعها عادي علشان كيفه، بالله عليك تلحقها وتلحقني.
لم يكن هو ذاك الجاحد الذي يسمع حديثها هذا ويتجاهله، لم يكن هو الذي يُغامر بشرف وعرض إمرأةٍ لأجل شيءٍ آخرٍ، لذا أخذ منها رقم شقيقها قبل أي شيءٍ، وما إن جاوبه الآخر اندفع هو يقول بلهجةٍ حادة:
_أنتَ لسه هترحب؟ "لمار" فين يا "فـواز".
سكت الآخر عن الرد فتدخلت أمها تخطف الهاتف منه وقالت بلهفةٍ:
_دا "حلمي" اللي قولتلك هيساعدني، أبوس إيدك قوله فين مكانها وعاوزين إيه، بس بلاش حد يقرب منها، بنتي طول عمرها نضيفة مش زي قرفك وعيشتك، يا أخي ربنا ياخدك ويريحني منك ومن همك.
_افضلي كدا أغلطي وقلي أدبك يا "صفاء" ووريني مين هيتصرف ويجيب بنتك، بعدين ما قولتلك الراجل عاوز نص مليون جنيه حق الزفت اللي كنت راهنه، يا كدا يا يتجوزها، وبرضه هتبقي كسبانة أنتِ وبنتك، دا المكان دا كله بتاعه.
توسعت عيناها وفرغ فاهها، بينما "حلمي" خطف الهاتف مُجددًا وقال بحدةٍ أكبر تُعبر عن انفعاله وغضبه:
_مكان إيه يا زبالة يا *** أنتَ؟ بتتاجر بلحم بنت أختك بدل ما تدافع عنها؟ بس هستنى إيه من واحد صاحب سيجارة وكاس؟ أديني عنوان الزفت وأعمل حسابك إن الليلة دي "لمار" هترجع بيتها ومن النهاردة تخصني، اتنيل قولي مكانك فين.
وقتها رُغمًا عنها نطق وأفصح عن المكان، كان يرغب في تزويجها من الرجل لأنه المستفيد الوحيد، كان المال المعروض عليه أكبر بكثيرٍ مما خسر، لذا خسارته في تزويجها من "حلمي" تُصنف ضمن خسائر العُمر الفادحة، وعليه حاول أن يُسرع من تزويج الآخر لها..
بينما في هذا المكان المشبوه الممتليء بالمحرمات والأجساد العارية والخمر وكل حُرِم على الإنسان الاقتراب منه كانت هي بداخل غرفة حبيسة بداخلها، تجلس بخوفٍ وتتمنى الزمن يعود حتى لا تُنصت لحديث خالها بشأن مقابلته، كانت تبكي وهي تتمنى الخلاص من هذا المكان وتخرج بشرفٍ لم تتيقن من دوامه، بينما ولج هذا الرجل رفيق خالها الغرفة عليها يتفحصها بعينين جريئتين، يصول ويجول فوق جسدها بحريةٍ سمح بها لنفسهِ.
انزوت هي على نفسها تتحاشى سهام عينيهِ المُخترقتين لها، فاقترب وهمس لها بنبرةٍ أعربت عن رغبته فيها وفيما يرى:
_أنا بقول المسامح كريم وإيه رأيك نزيد القُرب الليلة دي؟.
توسعت عيناه حدَّ الجحوظِ وتمنت الموت في لحظةٍ كهذه رجلٌ غريب يتفحص جسدها بل ويُبدي رغبته فيها بعينيه قبل نطقه، وقد دفعته هي بكفها حين اقترب بيديه منها وهتفت بحدةٍ مفتعلة:
_إيدك اللي عاوزة قطعها دي متتمدش عليا، ابعد عني.
لاحظ جُرأتها ونظراتها الشَرِسة في الدفاع فابتسم وقال يتربص لها بشرٍ أكيدٍ دون أن تطوله لمحة لينٍ أو رأفةٍ بها:
_خلاص أيدي مش هتتمد، بس ماترجعيش تزعلي لما كل اللي تحت إيدهم وعينهم تاكلك كمان، وقتها هتتمني بس قُربي وإني أمد أيدي وألحقك منهم، ووقتها مش هاشوفك.
أولاها ظهره بعد الحديث ثم تحدث مع فتاةٍ شبه عاريةٍ كانت تُجاوره وظل يتهامس معها بما لم تسمعه الأخرىٰ ثم خرج من الغُرفةِ لتصبح هي مع الأخرى وحدها، وبعد مرور نصف ساعة بالتقريب نزلت لصالة العرض بملابس شبه عارية تكشف الكثير من جسدها ثم دفعتها الفتاة بجوار ذكرٍ تنقصه صفة الرجولة وقالت لها بحدةٍ:
_خليه يفرح ومزاجه يروق بدل ما أخليهم كلهم يتفرجوا على صورك الحلوة اللي معايا دي، أخلصي يا حلوة ورانا ليلة وناس عاوزة تفرح، هنوقف شغلنا عليكِ يعني؟.
تهاوت العبرات من عينيها وهي تجلس كما فتيات الرِق بزمن العبودية، شعرت بالاشمئزازِ من المكان ككلٍ وتمنت النجدة من حيث لا تدري، لا تعلم من يهمه أمرها كي يجيء لهُنا ويقوم بنجدتها لكنها تتمنى وعسى الأمنيات تتحقق.
وفي الخارج أوقف "حلمي" السيارة التي كان يقودها بجنونٍ، سحب حقيبة حمله فوق كتفهِ ثم ولج المكان القذر هذا وسأل عن خالها، وجد الكثيرين يعرفونه بصفتهِ شريكًا في هذا المكان، ولج حيث المكتب بالأعلىٰ فوجد "فـواز" خالها مع الرجل الآخر يتابعا شيئًا ما من النافذة الزجاجية.
نطق بحدةٍ بالغة كأنه فقد صبره:
_أديني جيت يا **** منك ليه، خدوا فلوسكم وأدوني "لمار".
التفت له صاحب خالها يبتسم بزاوية فمه ثم قال بسخريةٍ تهكمية:
_أوه !! البطل شجاع السيما وصل ينقذ حبيبته؟ قفلة حلوة والله وغير متوقعة، بس الغريبة أنها مش حبيبتك أنتَ باين، هي حبيبة صاحبك المفروض؟ دي خيانة مشروعة دي ولا إيه؟.
وزع "حلمي" نظراته بينه وبين خالها ثم سحب مقعدًا يجلس عليه وقال ببرودٍ وثباتٍ على حد السواء دون أن يُظهر قلقه عليها:
_مش هاقولك عرفت منين كل دا علشان باين أنه كلام صبي العالمة اللي جنبك دا، بس هاقولك الخلاصة بقى، أنا هخرج من هنا بيها ومش عاوز الفلوس، خليها فكة مني ليكم ودا آخركم، بس لو حد فكر يقرب منها دي هتبقى بزعلة مني وهخرب الدنيا فوق دماغكم، فالخُلاصة كدا بقى، هي فين؟.
رفع صوته بحدةٍ ثم ضرب فوق الطاولة، وحين لم يجد ردًا تحرك من مكانه ثم اقترب من الزجاج يبحث عنها وسط الكثيرات، فتيات كثيرات قد خلعن ثيابهن وأجسادهن تتمايل فوق الطاولات، أصابته نوبة اشمئزازٍ من المشاهد التي يراها نصب عينيه، ظل يُفتش بعينيه عنها بجنونٍ حتى وجدها تنكمش على نفسها فوق أريكة جلدية حمراء ورجلٌ كهلٌ يجلس بجوارها وفي يده كأس الخمر.
تيقن من هويتها وشعر بقلبه ينقبض لأجلها، تلك الحياة وإن كانت حربًا فهي الحرب الأكثر خديعة في حياته، وفي موقفٍ هكذا هو لم يجد حلًا إلا المواجهة، حتى لو لم يخرج من هُنا لكن يكفيه أن يفعل ذلك لأجلها هي، لذا وبغير تفكير التفت يحمل الحقيبة ثم رماها لهما فوق الطاولة وقال بلهفةٍ:
_فلوسكم أهيه واصطفلوا مع بعض، ياكش تقتلوا بعض.
خرج بعدها من المكتب يهرول فوق الدرج وهرع بخطواته للأسفل حيث تواجدها، يهرع كما الدمعِ فوق الخدينِ حتى يصل لها، لمح فتاة تجبرها أن تقف رغمًا عنها وتدفعها فوقف يراقبها بصمتٍ، لمحها تقف بخوفٍ وتبحث عن شيءٍ يسترها عن الأعين ولم تجد، فخلع سترته واقترب منها، تقابلت عيناهما في نظراتٍ عدة اختصرها هو حين اقترب ودثرها وسترها بسترته وخرج بها بدون جدالٍ، بدون قتالٍ، بدون أي شيءٍ غير أنه الوحيد الذي شهد انكسارها في هذه الليلة وأقسم ألا يراه غيره.
خرج "حلمي" من شروده على حركتها وهي تولج الغُرفةَ فأولاها ظهره كي لا يجمعه حديثٌ معها، بينما هي جلست على طرف الأريكة تقول بصوتٍ مبحوحٍ:
_والله العظيم ماليش علاقة بيه، هو اللي بيفضل يهددني إنه هيروح يقولهم في العيلة ويفضحني ويفضحك، أنا مش عاوزة مشاكل، أنا بتقي شره يا "حلمي" مش عاوزة حد يبصلي بصة مش كويسة، كفاية اللي حصل.
اعتدل هو بتروٍ وواجهها بعينيه ثم قال بجمودٍ:
_طب ما أنا استحملت وخسرت وساكت علشانك، خسرت صاحب عمري قصاد إن محدش يبصلك بصة مش كويسة وقولتلك سرك معايا في أمان مش هغامر بسمعتك علشان أبان بطل قدامهم، عندي أتكره ويتقال عني إني ظالم وزبالة بس محدش يبصلك بصة مش تمام ولا تتعايري بحاجة، بس بتعملي إيه؟ بتروحي تاني تسمعي كلام مش صح وتسلمي رقبتك لحد يتحكم فيها، لو هنفضل على الوضع هنتعب مع بعض، وأنا لما بتعب بسيب اللي يتعبني.
رفع بطاقة الخطر يُحذرها بها من التمادي في هذا الطريق فهوىٰ فؤادها، تجمدت عيناها وهي تطالعه بنظرةٍ ميتة بينما تحرك هو وانسحب من أمامها لتعلم أن غضبه تمكن منه، لن تستطع أن تُراضيه تلك المرة بسهولةٍ، والغريب أنها تجد الأمان معه،
من بعد تخلي أبوها عنها تراه أبًا لها، من بعد عدم اتفاقها هي و "أدهـم" وأصبح هو الذي يُقوم خطواتها ولم تفعل هي شيئًا غير أنها تخسره وفقط.
____________________________________
<"لولا خدعة الأمسِ ما كنت أبصرت ذات لحظةٍ أي حقائق">
الحقيقة حُلمٌ أم الحُلم هو الحقيقة؟..
قد لا تُبصر شيئًا في الحياة قط غير الخداعِ والكذب لدرجة أنك لا تُصدق أي حقائق بعد، تُسيء الظنونَ في كُلِ ما يُقالُ لكَ، وتأتي عند الصادق وتتهمهُ بالكذبِ لأنكَ أُصيبت بمرض تكذيب الحقائق، لكن ضع في عقلك أن لولا التضاد أمام التضاد ما ظهر النقيض.
ليلة أمسٍ أصعب ما مر عليها في مسيرتها التي لازالت في طورِ حداثتها، لم تنسَ لحظة معرفتها أنها مجرد ظالمة في حكاية أحدهم، لم تنسَ نظرة "ثُريا" التي طالعتها بكرهٍ صافٍ لأجل ابنها، لم تنسَ ولن تنسى نظرة "سُليمان" وهو يحدجها بكل كرهٍ ونفورٍ، ولأجل الحق وإنصافه هو معه كل الحق، فهي مهما كانت ستظل الفتاة التي أودت بحياة شقيقه وضيعته حيًا وميتًا.
ولجت لها "يارا" مُساعدتها وجلست أمامها فوق المقعد وقالت بثباتٍ وزهوٍ في نفسها:
_عرفت اللي طلبتيه مني، للأسف "صابرين" طلعت كدابة وجوزها دا بقاله شهور في المستشفى، ومش بس كدا دي طلعت بنت عمته، يعني قريبها قبل ما يكون جوزها، والسبب في جوازهم خالها لما صمم ابنه يتجوزها علشان أبوها كان هيجوزها لابن أخوه ويخلصه مصلحة ورث باين وأمها راحت لأخوها تستنجد بيه، الغريب بقى إيه اللي حصل لـ "سالم" علشان يوصل للمرحلة دي؟.
دارت "رحمة" بعينيها يمينًا ويسارًا ثم قالت بآخر ما توصلت إليه:
_اللي حصل دا إجابته عند "سليمان" أخوه، هو اللي هيكون عارف وهو اللي هيفيدني، بس لازم أقابل "صابرين" زي ما قولتلك، هي كلها شوية وتيجي، المهم أخرجي وخليكِ عادي قصادها، ولا كأننا عرفنا أي حاجة، لحد ما نشوف آخرتها، بس والله لأخليها تعرف أنا مين.
صممت وأصرت أن تُريها وتُعرفها بنفسها حق المعرفة، سوف تجعلها تعض أناملها ندمًا وقهرٍ على نفسها وعلى ما آلت إليه من صنع يديها، شردت "رحمة" في ليلة أمسٍ حين انتهى الليل بها باكيةً ودموعها تُصادق ليلها، هجرها النوم ورافقها البكاء حتى وهي تُقيم ليلها، لم تتمالك نفسها من البكاء وظلت ترجو الخالق أن يغفر لها مظلمتها في حق "سالم" وأولاده.
ظلت على حالتها حتى ولجت لها "يارا" تقول بمقدمة بديهية ذات طابعٍ عملي:
_مدام "صابرين" جت يا "رحمة" وعاوزة تقابلك.
انتبهت لها "رحمة" وأغصبت شفتيها على بسمةٍ ثلجية وهي تُتابع اقتراب "صابرين" منها بينما الأخرى جلست بلهفةٍ قلقة وهي تقول بخوفٍ من الحديث الذي قالته الأخرى لها:
_طمنيني إيه اللي حصل، قولتيلي إن "سليمان" جالك هنا، خير حصل إيه؟.
رسمت "رحمة" الأسف فوق ملامحها وهي تقول مُدعية الكذب:
_كلمني للأسف وفضل يقول حاجات غريبة زي إن "سالم" معاه وفيه ورق يثبت حالة مرضية لأخوه، وقال إن فيه وصايا منه على ولاد أخوه وفلوسه بصراحة قولت دا كداب وبطنه فاضية بيقول كدا علشان يعطلنا، بس كان فيه ثقة في كلامه غريبة، علشان كدا قولت أسألك فيه حاجة مخبياها عني؟ ساعديني علشان لو فيه حاجة أقدر آخد خطوة صح.
توقفت الدماء عن جريها في وجهها، وقد أوجس الحديث في نفسها خيفةً وامتقع لونها، أصبحت في موقفٍ لا تُحسد عليه، وقد لاحظت "رحمة" ذلك فلمعت عيناها بانتصارٍ، وشزرت بعينيها تعبر عن كرهها لتلك التي تجلس أمامها، وقد نطقت تجذب نظرها بقولها:
_ها يا مدام "صابرين" قولتي إيه؟.
_ها !!.
جاوبتها ببلاهةٍ فارغة الفاه ثم زفرت بقوةٍ وقالت بتلعثمٍ:
_لأ مفيش، ومستغربة حقيقي هو ليه قال كدا إن أخوه تعبان، أخوه ضربني وصحيت لاقيته اختفى من كل حياتي وحياة ولاده، بس مش جديدة عليه دي إنه يكدب في حاجة زي دي، طول عمره بيكره الفرحة لأخوه وشايف إن "سالم" واخد منه كتير وأكيد استغل كل دا علشان يوسخ سمعته أكتر، أرجوكِ أوعي تتخلي عني، هو يقدر يعمل كتير وياخد مني ولادي، في داهية كل حاجة بس ولادي لأ، يمكن "سالم" يرجعلي تاني وأولاده.
_طبعًا طبعًا من غير ما تقولي كمان، أنا في ضهرك ولو عاوزاني أسجن "سليمان" دا كمان ماعنديش أي مانع، المهم محدش يقرب منك أنتِ والولاد، ولازم تكسبي ولادك في صفك علشان لو رفع قضية هو كمان يبقوا الولاد معانا ومعاكِ، إحنا بقالنا شهور شغالين على القضية دي.
ردت عليها "رحمة" بذلك تُجاريها حتى اطمئن قلب الأخرى وسكتت عن الحديث، التزمت صمتًا إجباريًا وكأن كل الحديث فر منها، هربت منها الكلمات كما هرب الدمُ من جسدها، تحركت من المكان نحو وخرجت تتجه لسيارتها وفرائضها ترتعد خوفًا من القادم.
بينما في شقتها حيث بقاء الصغيرين وحدهما، كان "سليم" يتصفح الجهاز اللوحي الكبير في يده وسرعان ما تذكر أمر والده، حاول أن يصل لشيءٍ لكنه لم يجد، لم يتذكر رقم عمه ورقم والده لم يعد يعمل، حتى جدته، لكنه تذكر شيئًا رُبما ينفعه، تصفح بحثًا عن صفحة عمه الخاصة بمعرض السيارات فوجدها ووجد رقمه عليها، قام بنسخ الرقم بلهفةٍ ثم طلبه..
سنوات عمره الثمانية تسمح له أن يكون بهذا القدر من الذكاء، تعليمه في واحدةٍ من أفضل المدارس الأجنبية ساهمت في كِبر عمره العقلي، انتظر الجواب حتى تواصل معه صوتٌ غريبٌ عليه:
_مع حضرتك معرض "الإدريسي" للسيارات يا فندم نتعرف بحضرتك.
أُصيب بالإحباط لكنه قرر أن يسلك الطريق حتى نهايته، لذا قال بلهفةٍ:
_أنا "سليم" ممكن أكلم عمو "سليمان".
تعجب الشاب من الرد لكنه قال بعمليةٍ:
_الحقيقة هو مش متواجد هنا، بس أستاذ "أدهـم" هنا.
_ماشي عاوز أكلم عمو "أدهـم".
قالها بلهفةٍ كأنه وجد نجاته، وقد قام الشاب بإحضار "أدهـم" من الداخل دون أن يخبره من يريد التواصل معه، وما إن تحدث "أدهـم" بنفس الجمود، ذاب جموده أمام لهفة الصغير الذي قال:
_عمو "أدهـم" أنا "سليم" فين عمو "سليمان"؟.
أتاه الرد بلهفةٍ وخوفٍ واضطرابٍ:
_"سليم" حبيبي أنتَ فين؟ طمني أنتوا بخير؟.
بكى الصغير وقال بانكسارٍ:
_لأ، عاوز أشوف بابا وماما مش راضية، علشان خاطري يا خلي عمو "سليمان" ييجي ياخدني أشوف بابا، ماما عمالة كل شوية تزعلني وضربتني علشان كنت عاوز أمشي، أنا مش عاوز أفضل معاها، عاوز تيتة.
تفتت قلبه لأجل الصغير وشعر بالحزن لأجله، تمنى لو طار له وأتى به إلى بيته، وصله صوت شهقات الصغير فقال بثباتٍ يُشدد به أزرهِ:
_بس يا "سليم" بطل عياط، إحنا متفقين إنك قوي وقد كل حاجة، أوعي هخلي "سليمان" ييجي ياخدك أنتَ وأختك وتشوفوا بابا، بس تخلي بالك من نفسك وماتقولش لحد إنك اتصلت علينا، وأنا هخلي الرقم معايا وقبل ما أكلمك هبعتلك رسالة، بس لازم تمسح الرقم بعدها، ماشي؟ علشان ماما ماتعرفش وتزعلك تاني.
_حاضر، حاضر يا عمو "أدهـم" بس تعالوا بسرعة.
ترجاه بالحديث ثم أغلق المكالمة ومسح الرقم وسجل المكالمة، ثم نظر لذراعه الذي توسطته كدمة إثر دفعة أمه له حين ألحَ بالذهاب لوالدهِ وبكىٰ، وحين ظل يُلح قامت بتفريغ طاقتها فيه وتركت أثرًا عميقًا في نفسه قبل جسده، وتسببت في تخويف أخته التي ركضت واختبأت خلف الأريكة.
تمنى لو لم يطرد عمه ويتركه يرحل دونه، ياليته لم يفعلها وقتها وذهب معه بدلًا من بقاءه هُنا ذليلًا مُهانًا بهذه الطريقة، ياليته لم يُصدقها أنه أمه وستبقى كذلك، فهذه أقرب ما تكون للجنونِ وضعف القوى العقلية، شعر بألمٍ في قدمه ونظر لها ليرى جرح أول أمسٍ بضربة الحزامِ التي تركت أثرًا مُلتهبًا في قدمه.
تحرك يُجالس أخته التي ظلت وحيدة في الغرفة ثم قالت بصوتٍ باهتٍ:
_عاوزة أروح عند تيتة، مش عاوزة أقعد هنا تاني، هي هتفضل تضربك تاني كدا؟ المرة الجاية اضربها أنتَ كمان، مش عمو "سليمان" علمك إزاي تضرب أي حد يضربك.
ابتسم لها بقلة حيلة ثم التزم الصمت وهو يُفكر هل سيعود عمه لأجله؟ هل سيجيء إليه من جديد ويعود هو آمنًا بكنفهِ كما كان؟ تمنى أن يعود الزمن كما كان، تمنى أن ترحل "صابرين" هذه من حياتهم قبل أن تلوثُ الباقي من أيامهم وعُمرهم.
تمنىٰ الفتىٰ وياليت مُرادهُ بالتمنيّ آتٍ..
تمنىٰ عودة ما فات
وآهٍ علىٰ حُلمٍ تُرِك بموضعِ المماتِ..
____________________________________
<"ولجتُ الحربَ فقط لأجل إنصافك،
والإنصاف منكِ لم يكن ليّ">
تلك الحرب التي خُضتها أنا لأجلك لم أخشَ بها شيئًا سوى أن تُصيبك سهام العدوِ غدرًا؛
خشيت أن تُصاب أنتَ بمكروهٍ وتنازلت عن روحي لك، فوجدتك أنتَ عدوي ذاك، أنتَ الذي ارتضى ليّ الغدرَ واختار أن يطعني في الخفاءِ وأنا الذي كان يُحارب على كلتا الجبهتين لأُفديك شر الحروب ومقاليدها، وياليتك حتى قبلت بي فردًا بجيشك،
لكنك كنت قائدًا لجيشٍ يُعاديني..
في شقة "ربـاب" كانت وحدها بعد أن جهزت نفسها وحضرت بعض الأشياء التي قد تحتاجها لأجل زيارة ابنتها، رتبت كل شيءٍ لأجل هذه الزيارة وقد صدح صوت جرس شقتها فاتجهت تفتح الباب لتجد أمامها "لمار" ابنة شقيقها الثاني، رحبت بها بنبرةٍ عادية دون مبالغةٍ وولجت الشقة وهي تدعوها للدخول.
جلست "لمار" في غرفة الضيافة تنتظر قدوم عمتها التي أتت بصينية فوقها الكثير من ما لذَّ وطابَ للنفسِ وقد لاحظت عمتها جمود ملامحها وبهوتها فابتسمت بسخريةٍ وقالت:
_إيه منكد عليكِ ولا إيه؟ باين على خِلقتك.
تنهدت "لمار" بقوةٍ وقالت بصوتٍ مختنقٍ:
_عمتو الله يكرمك أنا مش ناقصة، جاية أشوفك علشان وحشتيني وأفك شوية، شادين مع بعض شوية زي أي اتنين عادي مش لازم يكون مضايقني يعني، طمنيني أنتِ بخير؟.
أومأت عمتها لها وناولتها كوب العصير ثم جلست معها تطمئن عليها وعلى حياتها الزوجية وقد تعمدت الأخرى أن تهرب بعينيها عنها وقد صدح الجرس مُجددًا في هذه اللحظة، تحركت "ربـاب" تفتحه فوجدت "عُـلا" أمامها ابتسمت لها بحبورٍ ودعتها للدخول، ولجت "عُـلا" على استحياءٍ وقد لمحتها "لمار" فوقفت أمامها تصافحها ببسمةٍ جامدة دون أن تعرف هويتها، بينما قامت الأخرى بتعريفهما بالاسم فقط دون صفةٍ.
جلست "عُـلا" أمام "ربـاب" وقالت بوجهٍ مُبتهجٍ:
_"آدم" كلمني وقالي إن حضرتك عاوزاني، اتفضلي.
ابتسمت الأخرى لها وقالت بحماسٍ:
_أنا عرفته وطلبت منه إنك تيجي معايا عند "ورد" واخدة ليها شوية حاجات وهاروح أشوفها، قالي أسألك ولو حابة تيجي، بصراحة هي هتفرح أوي لما تيجي معايا، ماهي أختك.
كانت "لمار" تجلس بينهما بجهلٍ تامٍ، بينما "عُـلا" حين احتارت في أمرها قالت بتلجلجٍ وهي تلجأ لمنقذها:
_طب معلش هكلم "آدم" أسأله عن حاجة وهرد عليكِ.
تحركت بهاتفها بينما "لمار" اندفعت تسأل عمتها بفضولٍ لم تُحجمه وتتمكن من أثرهِ:
_هي مين دي وإيه علاقتها بـ "آدم"؟.
_دي "عُـلا" أخت "آدم" من أمه.
توسعت عيناها فور أن أتاها الرد وقالت بدهشةٍ وذهولٍ تستنكر هويتها وتواجدها:
_هي جت !!.
في الداخل سألته "عُـلا" تستشيره فوجدته يقول بعقلانية وحكمة:
_روحي يا "عُـلا" معاها وشوفي "ورد" وفرحيها، "ورد" طول عمرها من غير أخت بنت وأنتِ أختها أهو، عاوزك تقربي منها علشان أكيد هتكوني محتاجاها أكتر مني، متقلقيش أنا قولت لعمتو علشان هي فكرت وخافت تقولك، طبعًا محدش هيجبرك على حاجة براحتك أنتِ، بس روحي وغيري جو.
ابتسمت هي كونها لمست تقديره لشخصها وشكرته وقبل أن تغلق الهاتف وجدته يقول بلهفةٍ من وسط صوت المطبخ المكتظ بالكثير من التكدسِ والزحام والأصوات المتداخلة:
_آه شوفي الحاجات اللي جبتهالك والبسي منها، لو فيه حاجة مش ذوقك أو مش عاجباكِ عرفيني، أنا اعتمدت على "ورد" وهي طلبتهم زي ما بتطلب لنفسها، ذوقها حلو متقلقيش.
من جديد ابتسمت لكن تلك المرة بمشاعر أكبر، تبتسم كونها أصبحت مُدللة في حماية رجلٍ بعدما عاشت هي بنصفين، نصف رجلٍ ونصف إمرأةٍ ماتت فيها الحياة، شكرته ودعت له ثم أغلقت الهاتف وخرجت لتسمع حديث "لمار" عنها وهي تقول:
_كمان جاب أخته؟ أنا قولت لـ "أدهـم" يخلي باله ويحط عينه في وسط راسه، قولتله "آدم" مش سهل زي ما باين عليه وهيحاول ياخد منه كله حاجة، ولما معرفش جاب أخته أهو علشان تبرطع هي هنا وهو يتطرد من البيت، حقيقي دماغه سم والله.
توسعت عينا "عُـلا" وشعرت بالعجزِ عن الردِ، لكن "ربـاب" لم تسمح لأخرى أن تغتابها فقالت بجمودٍ توقفها عند حدودها:
_عيب يا "لمار" كدا لو سمحتِ، كلامك عنها يكون بأدب علشان مهما كان هي في مقام بنتي، والبنت فعلًا ماشوفناش منها غير كل أدب وذوق واحترام، واللي بينها وبين أخوها كل حب وأدب، بطلي رفعة مناخيرك شوية ماتبقيش زي أمك كدا، صحيح أقرع ونُزهي.
ظلت "عُـلا" بموضعها تقف بصمتٍ لتجد "لمار" تقول بتهكمٍ:
_والله يا عمتو أنتِ طيبة زي "أدهـم" وعمو "توفيق" بالظبط، أمها جت تشتغل ولفت على عمو وضحكت عليه ودبسته فيها وخليته يخلف منها علشان تهبش من الورث، وهو علشان صعبت عليه هي وبنتها اتجوزها، وأهيه بنتها جاية تعمل زيها، بس المرة دي بمساعدة أخوها راس الأفعى دا كمان.
كادت "عُـلا" أن ترد عليها وتُقاتل وتدافع لكن صوت "ربـاب" أتى ينهرها حين رفعت صوتها في وجه الأخرى توبخها:
_والله العظيم لو ما قفلتي بوقك خالص وكتمتي لسانك من ناحيتهم لأكون مقطعة شبشبي عليكِ، فيه إيه يا بت أنتِ مابتعقليش؟ قولت يمكن جوازك من المحروس يعقلك بس إزاي، شكلك خيبتي أكتر من الأول، أقول إيه بس؟ الله يسامحه "هشام" أخويا.
حدجتها "لمار" بنظراتٍ أعربت عن الضيق ثم حملت حقيبتها واستعدت للرحيل في نفس لحظة ظهور "عُـلا" التي تبدلت ملامحها واختفت البهجة من معالم وجهها لتظهر النظرات العدائية بينهما، وقد راقبت "ربـاب" ملامح "عُـلا" تستبين منها أي شيءٍ لتجد الأخرى تسأل بحيرةٍ بعد رحيل الأخرىٰ:
_دي مين دي يا طنط "ربـاب"؟.
_دي يا ستي بنت "هشام" عم "آدم" و "أدهـم" بس هي رخمة شوية زي أمها كدا، رافعة مناخيرها في السما علطول ماعرفش على خيبة إيه، سيبك منها، هي علطول ناقر ونقير مع "آدم" جايين فوق روس بعض وأكتر كمان.
جاوبتها بذلك كي تقطع عليها السُبل في الحديث، وقد سألتها هي بثباتٍ:
_طب وهي و"أدهـم" فيه ناقر ونقير برضه ولا عادي؟.
في الحقيقة السؤال لم يكن بريئًا، هي فقط أرادت أن تعرف العلاقة بينهما حتى تعلم هل يجرؤ ويُخبرها هو عن تواجدها ويُفصح لها عن تفكيره بشأنها، أم مجرد تشابه في الأفكار الخاطئة والنوايا السيئة بينهما؟ بينما "ربـاب" فاحتارت أكثر بماذا تجاوبها؛ هل تخبرها أن "أدهـم" لا يعتبرها ذي صفةٍ من الأساس في حياته، أم تخبرها أنها أمست الغريمة الأولى من بعد أن كانت حبيبة وحيدة في قلبه؟.
_لأ "أدهـم" بيعزها علشان مربيها على أيده وبيعتبرها أخته.
جاوبتها "ربـاب" بهذه الجملة وهي لا تعلم نيَّة "عُـلا" في السؤال والأخرى تفكر هل يكون فعلها هو وأخبرها عن رحيله من البيت بسبب فتاةٍ لم تقربه بل مجرد روابط دم جمعته بها وبأخيه؟ لكن لمَّ تتحدث عن أمها بهذا القُبحِ؟ لمَّ تتكلم عنها بتلك الطريقة وتُسيء إليها وهي لم تفعل لها شيئًا؟.
بعد مرور ساعة ونصف..
استقرت السيارة أسفل بناية "ورد" التي تسكنها وقد ترجلتا من السيارةِ مع بعضهما، راقبت "عُـلا" البناية بتعجبٍ وهي تقارن بين هذه وبين التي تسكنها مع أخيها؛ شتان بين الأمرين، وقد لاحظت "ربـاب" نظراتها فقالت بسخريةٍ:
_الحب وعمايله، ربنا يكرمها بقى ويراضيها.
صعدت معها للأعلى حتى شقة "ورد" التي فتحت الباب بحماسٍ وارتمت تعانق أمها ثم رحبت بضيفتها بحماسٍ ودعتهما للدخول، ولجت "ورد" وهي تذكر الله وتُسمي بينما "ورد" فكانت في أوجِ حماسها، كانت سعيدة وباسمة وضاحكة لكونها وسطهما، وقد جلست أمها بقربها تسألها بتهكمٍ:
_أم أربعة وأربعين فين؟ الباب مقفول ودي مش عوايدها.
ضحكن الفتيات عليها بينما "ورد" دافعت عن زوجها بقولها:
_أكيد قصدك "خلف" بإذن الله علشان "منتصر" غلبان والله، بس راحوا عند أختها وخدت عمو معاها، قولت أحسن علشان أعرف أقعد معاكم، وكدا كدا "منتصر" مش بيحبني أروح هناك علشان عياله خالاته رخمين أوي وبيفضلوا يسخفوا ويهزروا برخامة، سيبك منهم بقى، خلينا في "عُـلا" تعالي أوريكِ الشقة.
أخذتها بحماسٍ من يدها ثم دارت بها في كل الشقة التي صُمِمَت على عكس هيئة البناية، قام "منتصر" بالمحاربة لأجلها حتى يختار لها هذه الشقة وينفذها وفقًا لذوقها، كانت بأكملها رقيقة، بأثاثٍ حديثٍ وجديدٍ، وإضاءات بأكملها حديثة، كل مكانٍ بها يليق بكونها شقة "ورد".
صدح صوت هاتفها برقمه للمرةِ العشرين وما يزيد أيضًا برقمه، لكنها تجاهلت الرد وأرسلت له بكيدٍ أنثوي:
_روح خلي "مروة" تنفعك يا بتاع "مروة" مش فاضيالك.
وصلته الرسالة فعقد حاجيه وسرعان ما تذكر ما حدث فضرب وجهه بيأسٍ ثم كتب لها بلهفةٍ:
_طب وأنتِ برضه تصدقي إني أرد على حد غيرك؟ هي اللي لزقت في التليفون ودي غلطتك، لو بتحبيني بجد كنتِ غيرتي وخدتي التليفون منها وقولتلها إن صوتي مابيتكشفش على ستات غيرك، أنتِ الغلطانة، مش عاوز هطل.
_"ما شاء الله يا منتصر بقيت فنان بتعرف تقلب الترابيزة من غير ولا غلطة، مهاراتك عليت يا ابن خيرية".
أرسلت له هذه الرسالة وهي تسكب العصير وتبتسم بسمة مكبوتة تحاول محوها، لتجده كتب لها بزهوٍ في نفسه تعرف كي يظهر فوق ملامحه:
_"خيرية لو موجودة وشايفة اللي بينا دا مش بعيد تزغرط في وشك من فرحتها بيا، يرضيكِ تشمتي أمي فيكِ؟ أنتِ حرة".
تحولت بسمتها لضحكة خافتة، ثم تنهدت بعمقٍ وأرسلت له:
_ماما هنا، لما تمشي هكلمك وآخد حقي منك.
ابتسم هو على الجهة الأخرى ثم أرسل لها رمزًا تعبيريًا عن الانتظار وقبل أن تُغلق وجدته أرسل لها مقطعًا من أغنية كأنه يُثير استفزازها قبل أن تغيب عنه هذه المدة:
_كلمة، كلمة توديك أو كلمة تجيبك
مين اللي قالك إني هسيبك؟
أوعى تصدق إن حبيبك هتهون عليه،
ارجع، ارجع ورا ياللي بتسمع
أي كلام يتقالك عني، عمري ما أضيع قلبك
مني، وأعمل كدا ليه؟
قولي، قولي ألاقي أنا زيك فين
ياللي مفيش في جمالك اتنين
هو إحنا عشرة بس يومين؟
دا أنا عايش ليك، وأنتَ !!
أنتَ حبيبي عارف من إمتى؟
قبل عينيا ما تيجي في عينيك
عيشت سنين وأنا بحلم بيك.
تنهدت "ورد" مبتسمة المُحيا ثم خرجت لهن بملامح متوردة وهي تشعر به بقربها، حتى والحدود تفصل بينهما وحتى وهو يهديها القليل من وقته ورعايته لكنها تشعر به كأنه أكثر ما لديه في حياته وحياتها، وقد لاحظت أمها هذا فالتزمت الصمت وغضت الطرف عن أي شيءٍ قد يُعكر صفو ابنتها، لطالما كانت ولازالت الوردة بخيرٍ.
____________________________________
<"هذا الطريق الذي سلكته بالخطأ كان أسرع ما يصلني بكِ">
قد نرتكب خطأً واحدًا فنجد الوصول أصبح أسرع ما يُخيل..
وبالأخص تلك الأخطاء التي تخص بعض المسالك التي نسلكها مُضطرين وآسفين دون أن نعلم إلى أي طريقٍ نصل أو أي جائزةٍ نُكافأ بها، فقد يكون ثمة غلطةٍ نقع بها، لكنها تساوي آلاف الخطوات الصحيحة في نتيجتها..
في بيت "طـاهر" عاد "غسان" من الخارج بعد أن تمم على بعض الأعمال الخاصة بولاية "طـاهر" عليها وشراكته بها وإدارته هو شخصيًا حتى يصبح كل شيءٍ بصفة قانونية، وقد ولج البيت ليرى أمه تتحدث في الهاتف ضاحكةً مع "فريدة" التي أمست في صفة حماته، فاقترب يجلس على طرف الطاولة ليراها تغلق المكالمة وهي تقول بلهفةٍ:
_حبيب ماما أخيرًا جيت؟ تحب أحضرلك العشا؟.
يا الله منذ متى وهي تهتم بهذا الشكل دون توبيخٍ على التأخير أو إيلامٍ لضياع اليوم بدونه؟ رفع حاجبه يراقب ملامحها ثم قال بسخريةٍ:
_ياه على الإنسان ياه !! عملتي اللي في بالك ودبستيني في جوازة؟ طب تصدقي إني هكلم أبوكِ وأقوله بنتك خطبتلي من غير ما تعرفك وتيجي يا جدي بنفسك تشوف وتختار.
رفعت حاجبيها بغير تصديقٍ لترى زوجها ولج خلف ابنها من بوابة البيت فالتفت هو له وقال بعتابٍ مرحٍ يليق به:
_أهلًا بسيادة اللوا، أهلًا بأبويا اللي فرحان بابنه علشان اتدبس في خطوبة، فرحان فيا يا "طاهر" وأنتَ بتحبسني؟ بتكلم أمها وتحجز معاد للقاعة؟ طب مش لما تتأكد من أخلاقي الأول؟ أفرض طلعت متجوز ومخلف؟ مش واجب أعرف مراتي؟.
ضحك "طاهر" وجلس بجوار زوجته وهو يقول بدهاءٍ يليق به كونه رجلًا في مركزٍ عسكري يستطع قراءة المُحيطين به:
_ولا !! مش على أبوك الشويتين دول أنا مش ناقص قلبة دماغ، أنتَ الموضوع دخل دماغك وحسيت إنك مرتاح علشان كدا كملت وخدت الخطوة، هل أنا ضربتك على إيدك؟ هل أمك جابتك من شعرك وحكمت عليك تخطب؟ أنتَ لاقيتها متيسرة قولت تكمل، وبصراحة كدا أحسن، أنا أصلًا كنت ناويهالك من بدري.
ضحك "غسان" رغمًا عنه ثم قرر التمرد على أبيه فقال:
_وأنا مابمشيش تحت طوع حد للأسف، اللي عاوزه طول عمري بعمله، بعدين محدش فيكم فهمني ولا فهم دماغي، ودا معناه إنكم مش عارفين ابنكم ولا عارفين دماغي فكرت في إيه وإيه اللي خلاني آخد الخطوة دي.
سألته أمه بنظراتها فارتسمت شقاوة على ملامحه وهو يقول:
_لما روحت شوفتها أول مرة كانت لابسة أسود في أسود بس زي القمر، تخيلي بقى دي في الفرح هتكون عاملة إزاي؟ بعدين لاقيتها دماغها حلوة ونادرة تتكلم وتدافع عن نفسها وليها رأي، يعني قطة مخربشة كدا، ذوقي بصراحة، خلاص رزقي وربنا بعتهالي، حد عاقل يقول للرزق لأ؟.
شهقت أمه بينما والده اقترب يضربه على ظهره حتى تعالت ضحكاتهم جميعًا، ارتفع صوته وهو يرجو والده أن يتوقف حتى عاد "طـاهر" للخلف جالسًا وهو يقول بتوبيخٍ:
_طول عمرك هتفضل سافل وبايظ، ياريتني سيبتك لـ "داغر" رباك وخلاك تمشي تكلم نفسك وتبص حواليك يمين وشمال.
ضحك "غسان" وكاد أن يرد لكنه توقف حين صدح صوت هاتفه، عقد حاجبيه وتحرك يجاوب على المكالمة والرقم المجهول ليجد صوتها يقول باضطرابٍ وخوفٍ:
_ألو، غسان معايا؟.
ميز صوتها وتلك البحة المميزة في نطقه وقال بثباتٍ:
_هو، إزيك يا "نـوف" أخبارك إيه؟.
نظرت بجانبها بخوف لرفيقتها التي دفعتها لتكملة المكالمة فكادت أن تبكي، لكن "آلاء" ضربتها في مرفقها وحينها قالت بلهفةٍ قبل أن تظهر عليها أعراض الغضب بما تفعله رفيقتها:
_بخير، بخير الحمدلله، أنا بس كنت عاوزة أكلمك وأشكرك على موقفك واللي عملته إمبارح وإنك يعني حافظت على شكلي قدامهم وأنتَ مش مُجبر على كدا، وآسفة لو كنت ورطتك في حاجة بس إحنا محتاجين نتكلم مع بعض علشان بالشكل دا أنا بهدلت كل ترتيباتك.
لاحظ تلعثمها وتوترها وضياع كلماتها منها في أغلب الأحايين فابتسم وظهر ذلك في صوتهِ حيثُ قال بنفس الطابع العقلي:
_مفيش شكر على أي حاجة، آخر حاجة مستنيها هي الشكر على حاجة عملتها أو بعملها أو لسه هعملها علشانك، ومفيش ورطة أو حاجة، بالعكس أنا عملت كدا من نفسي وشايف إن دا الصح، وفعلًا إحنا لازم نتكلم، مش معقول نكون مخطوبين ولسه ماتكلمناش، هعرف بابا واستأذنه إننا نتقابل لأنه للأسف حاططني في الحظر لسه واحتمال يرفضني ليكِ، حسك معانا بقى.
ضحكت ضحكة خافتة رغمًا عنها ثم قالت بيأسٍ:
_لسه دمك خفيف زي ما أنتَ من صغرك.
_وأنتِ لسه مميزة واستثنائية زي ما أنتِ.
رد عليها بهذا الرد الذي أصابها بالخجل وجعلها تضطر آسفةً لإغلاق المكالمة، بينما "آلاء" فكانت تُراقبها وحين أغلقت الهاتف وشردت باسمة الوجه قالت لها بصوتٍ عالٍ تُعيدها لِرُشدها:
_ياما !! إيه روحتي فين؟ أومال لو مش مكلماه بالغصب بقى؟.
انتبهت لها وقالت بلهفةٍ:
_بت اخرسي خالص كله بسببك، قولتلك بلاش أكلمه فضلتي تزني عليا وخليتي شكلي زفت، أهو كسفني أهو في التليفون وخلاني عاوزة أقفل في وشه، أنا على الوضع دا مستحيل أعرف أقابله، مش هقدر لأ.
_نعم !! يعني إيه؟ الراجل يخاطر علشانك وعلشان سُمعتك ويقف ويعمل نفسه حامي حمى القصر الملكي علشان خاطرك وبعدها ترجعي وتقولي مش هقابله؟ دا أنتِ عاوزة تتضربي والله، لأ هتقابليه وتشكريه كمان، وهتوافقي عليه، على الأقل علشان عمو "ناجي" كان نفسه يجوزكم وقالهالك قبل ما يموت قبل كدا، يبقى خلاص اعتبري رغبة والدك بتتحقق أهو.
تنهدت هي بقوةٍ ولملمت خصلاتها الفحمية للخلف وهي تقول بعجبٍ في الأمر ككلٍ من وجهة نظرها:
_الغريب في الموضوع هو التوقيت نفسه، تعرفي إنه رجع من السفر يوم وفاة بابا؟ وبابا قبلها بحاجات بسيطة كان بيسألني عن الموضوع كأنه كان بيتأكد من حاجة زي دي، وبعدها بابا يتوفى، وييجي "غسان" ويقف يدافع عني من غير ما يعرفني، سبحان الله على تدابيره، بس أيًا كان هو فعلًا يستحق الشكر.
أنهت الحديث وعادت تشرد من جديد، ربما تشرد فيه هو أو تشرد في شخصهِ ووصفهِ أو تشرد في موقفه ودفاعه المُستميت عنها أمام معشر الرجال وهم من ذويها وعائلتها، تعجبت لموقفه وللأمان الذي سلحها به وهو مجرد عابرٍ مرَّ على شاطئها صُدفةً، فوجد سُفنه ترسو عندها هي وهي تستقر كسفينةٍ تاهت في عرضِ البحرِ من قبل قدومه.
____________________________________
<"لو كان البحر وفيًا ما كانوا يومًا صنعوا ما يُغيثنا منه">
كل شيءٍ تثق به بنسبة كاملة عليك أن تتوخى الحذر منه ولو واحدًا بالمئةِ، عليك أن تفكر لمرةٍ أن هناك مكروهًا سوف يأتيك منه، عليك أن تُمرن قلبك على كل غدرٍ حتى لا تَصل لنقطة الجنون حين يأتيك الغدر طارقًا أبوابك كما زائرٍ لم تتوقع زيارته..
كان "يحيى" في محل عمله الذي وضع فيه كل طاقته وتركيزه كي يوفر حياة أكثر هناءً لابنته التي تحتاجه معها، وقد حضر "حمدان" لمقر العمل وألقى التحية على "يحيى" الذي التفت له بعدما ترك العُمال ينقلون السيراميك لسيارةٍ المشتري، وحينها راقب "حمدان" ملامحه وأثر الجروح فسأله بهدوءٍ:
_أنتَ روحت لدكتور يكشف عليك علشان جروحك دي؟ إيدك جرحها كان صعب، وشك هدي شوية بس برضه لازم تخلي بالك يا "يحيى" الجروح يا بني لو سيبتها للزمن يداويها لوحده كل خبطة هتفضل تأثر عليك وتنزف مع أقل حاجة، ربنا يبارك في عمرك ويباركلك في بنتك.
أومأ له موافقًا ثم أستأذن منه للخروج كي يُدخن سيجاره وما إن وقف وأشعل السيجار ووضعها بين شفتيه شرد في لحظة المواجهة، لحظة كشف الحقيقة التي كانت مخبوءةً عنه لتجعله نادمًا على كل شيءٍ، اللحظة التي اكتشف أنه مجرد هاوٍ يعيش الحياة على طرفها دون أن يكون بطلًا في الحكاية، بل أتى وتمسك بدور الشرير ليصبح هو الطرف الأكثر سوءًا في هذه القصة.
وقتها انقضى عزاء اليوم الأول لوفاة زوجته وهو لازال غريقًا بين الجموع، لا يعلم لمَّ لمْ يفق حتى هذه اللحظة من سُباته البشع، لمَّ لم تعد وتوقظه وتخبره أنه يعيش كابوسًا في غاية القسوة وأنها لازالت حية تُرزق تنتظر عناقه، وبمجرد أن فرغ البيت عليه مع العائلة اقترب منه "مُـراد" يمسك تلابيبه وهو يهدر في وجهه بصراخٍ:
_أنتَ إزاي تنزلها المياه وتغطس بيها؟ إزاي مافكرتش فيها ممكن يجرالها إيه؟ واحدة عندها سرطان في الرئة وتضخم في عضلة القلب تنزل مياه؟ مستحيل تكون واعي، أنتَ مخك فوت منك خلاص.
توسعت عيناه وتجمدت ملامحه وكذلك أطرافه وهو يُنصت لحديث توأمها، تبدلت تعابيره ونطق بصوتٍ مبحوحٍ يستنكر به القول:
_هي مين دي اللي عندها سرطان في الرئة؟ أنتَ بتتكلم عن مين؟.
_أنتَ هتستعبط !! هتعمل نفسك مش عارف؟ بقالنا شهر دايخين بيها عن الدكاترة علشان المرض دخل جسمها وعمالين نحافظ عليها وتيجي أنتَ في يومين بس تموتها !! أنتَ أعمى مابتشوفش؟ مش شايفنا كلنا عاملين إزاي قدامها؟ ماشوفتناش وإحنا مانعينها طول اليوم؟ مبتفكرش؟.
كان يصرخ في وجهه وهو يهزه بعنفٍ جعل أهل البيت بأكملهم يهرعون على صوت الصراخ حتى صرخ "يحيى" هو الآخر بألمٍ:
_وربنا ما أعرف، محدش قالي ولا جابولي سيرة، كل اللي هي قالته ليا دور برد وحساسية كانت عندها وخفت منها، تفتكر أنا هعرف إن مراتي عندها مرض زي دا وهسيبها؟ أنتَ إزاي تفكر كدا؟ إزاي ييجي في عقلك إني ممكن أعملها؟ أنتَ مجنون !!.
صرخ هو الآخر حتى وجده يُلكمه في وجهه ثم أكمل:
_طول عمرك أناني مابتفكرش غير في نفسك وبس، طبيعي تقول إنك ماتعرفش، بس هي قالتلي إنها عرفتك وقالتلك وأنتَ وعدتها هتتصرف، ماكنتش أعرف إنك أول واحد هيخلص عليها بدري بدري، يا أخي ياريتني ما وافقت تتجوزك، ياريتني كنت وقفتلها.
وهذه الليلة كانت هي بداية اللعنة عليه، بداية تحوله للجاني بعد أن كان متربعًا على عرشِ دور الضحية، وقتها وجد نفسه محض الاتهام وهو الوحيد المتسبب في موتها، نظروا له كقاتلٍ عاش وسطهم ليذهب بنورهم لعمق البحرِ ويتركهم غَرقى هُناك بدون رجوعٍ لشاطيءٍ آمنٍ.
خرج من شروده على صوت هاتفه فأخرجه يجاوب دون النظر في شاشة الهاتف ليجد خاله يقول بصراخٍ:
_الحقني يا "يحيى" بسرعة، "رحيق" جاتلها نوبة ومش عارف اتصرف، تعالى بسرعة ولا قولي أروح فين بيها.
هوى قلبه أرضًا وراحت ملامحه كأنه ميتٌ فوق الأرض خاصةً وهو يركض ليأخذ مفتاح سيارته، وركض نحوها يصارع طرقات الموت بها، وصل في وقتٍ لا يتذكره ولا يتذكر كيف سلك الطريق، ولج الشقة بعنفٍ ليجدها ترتجف بملامح شاحبة وعيناها جاحظتان في الفراغ بغير شيءٍ يُذكر، شكلها كان مُخيفًا، جسدها يرتجف وترتعش ولم تعِ بشيءٍ من حولها، جسدها تخشب وأصبح جامدًا، مختنقة ولم يصدر منها صوتٌ، وكأنها في عالمٍ آخرٍ لا عودة منه.
حملها من فوق ذراع خاله ثم هرول بها خارج الشقة يذهب بها لمشفى كي يُنقذها قبل أن ترحل من بين يديه هي الأخرى، ركض وقلبه يركض مثله بين الضلوعِ ويشعر ويكأن روحه على جُب هاوية من السقوط، وسوف يموت هو بدلًا عن ابنته التي تنازع فوق يديه.
____________________________________
<"يخوض الفتى مضمار السباق مستمتعًا ويقوده باسمًا">
الحياة سباقٌ؛ لكن في قانونه السباق حياةٌ..
هُنا حيثُ عالم السيارات والهوس الأكثر جنونًا، حيث الركض فوق ساحات الحياة ومضمار السباق مستمتعًا بالمغامرةِ على حياته وفي كل مرةٍ يكون الربح نصيبه، لم يتذكر أنه خسر سباقًا ولو لمرةٍ، بل دومًا يربح والربح أمسىٰ صديقًا له لا يُفارقه.
في مضمار السباق على أطراف مدينة القاهرة كان "سُليمان" موجودًا، يرتدي بذلة حمراء اللون ويخوض المضمار بأكمله بكل السيارات المتواجدة، ينزل من واحدةٍ يختبر أخرى، وهكذا حتى ترجل من الأخيرة ووقف بجوارها يلتقط أنفاسه وما إن اقترب منه عامل الصيانة وقف وقال بأنفاسٍ لاهثة:
_شدد على فراملها مش مظبوطة بتتهز كتير.
أنهى الحديث ثم تحرك يفتح هاتفه الذي أغلقه منذ الظهيرة فوجد رسائل عدة من "أدهـم" ومكالمات أيضًا جعلت الشك ينتابه، لذا كان أول رقمٍ يطلبه، وقد جاوبه الآخر بلهفةٍ:
_أنتَ فين يابني من الصبح؟ "سليم" كلمني وكان بيعيط عاوزك تروح تاخده يشوف أبوه علشان الزفتة مش راضية توديه، وتقريبًا شكله مضروب علشان فضل يعيط، شوف حل وتعالى خلينا نروح نجيبه أحسن، سيبك من القضايا والمحاميين يا "سليمان" حبالهم طويلة، خليني أكلم عم "طاهر" ويشوف حل.
تعجب "سُليمان" من الحديث وقال باندفاعٍ:
_هي بنت الكلب دي واخداهم علشان تضربهم؟ طب تصدق أنا كنت مستحرم أتبلى عليها وألبسها مصيبة، بس دلوقتي ورب الكعبة لألبسها مصيبة سودا وأخليها تتكسف ترفع عينها تاني، أنا مش فاهم جنس ملة اللي جابوها إيه، اتحسبن على أبويا طيب وعلى المصيبة اللي لبسنا فيها؟ ماشي يا "أدهـم" ساعتين بالكتير واجيلك، روح على شقتك في المعادي وهاجي عندك نشوف حل، وكلملي المحامي.
أنهى الحديث معه ثم أغلق الهاتف وترك موضعه بجوار السيارة التي كاد أن يقوم بتجربتها، وحين وصل للباب الذي يوصله بالخروج لمحها، هي بذاتها التي أقسم بإذلالها وبجرها لعندهِ تقف وهي تراقبهُ بعينين شغوفتين بما كان يفعل، ابتسم هو بسخريةٍ وضم خوذة رأسه يقترب بتعالٍ، فوجدها تُصفق له ثم قالت بإعجابٍ صريحٍ:
_كدا عرفت أنا بلعب مع مين، واحد واحد ونبقى متعادلين.
ابتسم بسخريةٍ وهو يراها أمامه بكل تجبرٍ دون أن تنكسر، هي كما هي سوف تظل متجبرة ولن يكسرها شيءٌ، لذا أدرك هو أن وصفها حرباءة مُلونة، لكن هويتها لازالت لي ولكم مجهولة، وغدًا ناظره قريبٌ..