رواية جمعية حب الفصل الخامس عشر 15 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الخامس عشر 15 بقلم شمس محمد بكري




|| يجلس بصمتٍ طوع التنفيذ ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


كل الهزائمِ حين أدهشتني لم تكن بقدر صاحبها ذاته..
وبالأخصِ تلك الهزائمِ التي أذهلتني من نفسي، 
حين تفاجأت بها من شخصي أنا، حتى في مواساتي عجزت نفسي عنها، وكأن ذراعيّ تم بترهما عن ذلك الفعل البسيط، كنت أتحملُ جلد نفسي لنفسي، وكأن تلك التي في داخلي لم تعرفُني، كأنها غريبة عنيّ، أرىٰ عجب العُجاب من الناس ولم أُذّهَل، بل أعلم في قرارةَ نفسي أنَّ هذهِ هي صنيعةُ يدايِّ..
فتِلكَ التي عجزت عن مواساتي والتربيت فوق جراحيّ وهي بداخلي أنا؛ هل كنت أنتظر منها أن تقف في صفيّ حين يُعاديني العالم ويُعلن عليّ الخصومة؟
 كل الهزائم أتت من صنيعة ذاتيّ
وفي النهاية أقف أنا وحدي ضد العالم، وضدي تقف نفسي.

     <"حين تدخل عرين الأسد؛ أعلم أنك مجرد قطة">

خطوات الغبي غير محسوبةٍ..
بل يسير مُنصاعًا خلف صوتٍ بداخلهِ أذن له أن يتحرك، مُجرّد صوتٍ فحسب دون حسبةٍ لتبعياته أو انتباهٍ لخسائره، والمعتاد دومًا من الغبي أن يفترض الربحَ قبل الخوضِ، ويفترض الوصول قبل رؤية المضمار..

أنهى "سُليمان" الحديث مع "أدهـم" ثم أغلق الهاتف وترك موضعه بجوار السيارة التي كاد أن يقوم بتجربتها، وحين وصل للباب الذي يوصله بالخروج لمحها، هي بذاتها التي أقسم بإذلالها وبجرها لعندهِ تقف وهي تراقبهُ بعينين شغوفتين بما كان يفعل، ابتسم هو بسخريةٍ وضم خوذة رأسه يقترب بتعالٍ، فوجدها تُصفق له ثم قالت بإعجابٍ صريحٍ:

_كدا عرفت أنا بلعب مع مين، واحد واحد ونبقى متعادلين.

ابتسم بسخريةٍ وهو يراها أمامه بكل تجبرٍ دون أن تنكسر، هي كما هي سوف تظل مُتجبرة ولن يكسرها شيءٌ، لذا أدرك هو أن وصفها حرباءة مُلونة، لكن هويتها لازالت لي ولكم مجهولة، وغدًا ناظره قريبٌ، اقتربت توازي وقفتها بخطواتهِ ثم قالت بميوعةٍ تليق بها:

_جيتلك علشان نشوف آخرتها، بدل ما نفضل وندور ورا بعض جاية ليك أقولك عاوزين الخُلاصة مع بعض يا "سليمان" واللي يجيب النهاية، اللي يخليك تروح لـ "رحمة" لحد عندها وتقولها إن القضية فيها حاجات تانية، يخليني أقولك نفتح صفحة جديدة.

كان يراها بعينين ناقمتين عليها، عينان تنطقان بالبُغضِ والكُرهِ، عيناه تختصها هي وحدها دونًا عن البقيةِ بالكُرهِ، لذا ترك ما يمسكه في يده ثم رفع كفيه يُقلبهما أمام عينيها حتى استحوذ على دهشتها واستغرابها؛ ثم قال بنبرةٍ استهزاءٍ تهكمي:

_مش شايف يعني معلقة في أيدي ولا إيدك.

جملته الغريبة جعلتها تُطالعه بدهشةٍ فأضاف هو مُكملًا بذات نبرة الاستهزاءِ والسُخرية:

_ماهو أصل بطريقتك دي أنتِ جاية تأكليني الأونطة، فأنا مش عاوز منك حاجة، وشكلك يا "صابرين" ناسية إن قبل الليلة دي كلها والسباقات والهيلمان دا كله إني تاجر وابن سوق، يعني ببيع بس عمري ما كنت زبون لحد، وأنتِ بالذات مش هخليكِ تبيعي وتشتري فيا، ولو اللي أنتِ بتعمليه دا مفرحك عاوزك تفرحي أكتر علشان تلحقي تتهني قبل ما أخليكِ تقعدي تعيطي على خيبتك.

ابتسمت ترد له سُخريته منها وعادت تسير بخيلاءٍ أمامه وتتفحص المكان بعينيها ثم قالت بصراحةٍ يعهدها من شخصها كثيرًا:

_صحيح طلقت "مها" ليه يا "سليمان".

_كانت رغاية وغاوية كلام كتير.

جاوب عليها بذلك الرد ساخرًا حتى التفتت له تسأله بعينيها فجاراها هو واقترب يقف أمامها وهو يقول بنبرةٍ تحولت للجمودِ والكُرهِ والنفور حتى من مجرد النظر إليها:

_تخيلي مراتي وكلامها الكتير خلاني رميت عليها اليمين، أنتِ بقى هاعمل فيكِ إيه؟ أكيد هدوسك في طريقي، عاوزة نبدأ صفحة جديدة يبقى عيال أخويا ييجوا لحضني وأنتِ تشوفي سكتك، تاخديلك قرشين وتغوري في داهية تاخدك وتحلي عن راسنا، مش كدا أحسن؟ علشان بصراحة ظهورك ووجودك بوخ أوي.

رمى الحديث في وجهها ثم حمل الخوذة التي كان يمسكها وقال بثباتٍ دون أن يخفي عنها نظرته الكارهة وبُغضه الواضح لها:

_وهييجي يوم عليكِ وتعرفي إنك ضيعتي الدفا من إيدك ومش هتلاقي حاجة بعد كدا تلمك لما البرد ينهشك في الشوارع، علشان روحتي ولا جيتي أنتِ ست خاينة متستاهلش تعيش عيشة نضيفة.

هل حرق الكبرياء الطاغي فيها؟ نعم وبقوةٍ حتى أمست رمادًا، لقد أحرق قلبها وأنوثتها ودمر فيها كل جميلٍ كانت تحبه في نفسه، لطالما تمنت حبه هو، وتمنت قربه هو، وتمنت وصاله هو، لذا اقتربت هي تلك المرة ترمي نفسها أمامه وهي تسأله بلهفةٍ لم تبذل جُهدًا كي تُواريها عنه:

_ليه ماحبتنيش أنتَ يا "سليمان" وكنت ليا؟ ليه ماخدتش بالك كل العمر دا مني؟ ليه جيبت "سالم" يتجوزني وأنتَ عارف إني عاوزاك أنتَ؟ ليه وصلتنا كلنا لكدا؟.

توسعت عيناه تلك المرة ووقف أمامها مذهولًا، رفرف بأهدابهِ كثيرًا وفرغ فاههِ أمام جُرأتها وهو يُفكر من أين لها أن تكون بتلك الوضاعةِ؟ كيف أظهرت صفاقة طِباعها وهذا العُهر في حديثها؟ ألم تنل من الأخلاق ولو قسطًا؟ كيف تنل هي من الشرف بتلك الوضاعةِ؟ وجدها تلمس ذراعه بلمسة لعوبة كأنها تغويه فابتعد عنها كأنها حيَّة تلتف على ذراعه وقال بصوتٍ هادرٍ:

_أنتِ أكيد مجنونة، مش طبيعية واللي فيكِ دا مرض نفسي، بتبصي لأخو جوزك؟ فوقي يا "صابرين" وبطلي هبل وشوفي أنتِ بتقولي إيه، كلامك دا المفروض تتدبحي عليه، المفروض اللي زيك تتقتل، إزاي "سالم" استحملك كل العمر دا؟ إزاي بجد كان بيفضل يحاول علشانك وأنتِ بتعملي كدا؟.

كان صوته لازال غائبًا تحت وطأة صدمته، تحدث ونبرته تستنكر كل الكلامِ منها أو منه، يتحدث وهو يبحث عن ألف جوابٍ، يبحث عن شيءٍ يخبره أنها لم تفعل ذلك وتخون شقيقه بهذه الطريقة، بينما هي تمسكت بذراعيه وهي تقول بلهفةٍ كأنها تستجديه:

_علشان خاطري يا "سليمان" إحنا فيها، هطلب الطلاق وأخلي "سالم" يطلقني، وبعدها اتجوزني أنتَ وهسيبلك "سليم" و "سدره" حتى لو عاوز تخليني في السر بعيد عنك وعن حياتك ماعنديش أي مشكلة، بس بلاش تخليني لوحدي من غيرك.

هُنا حقًا وطفح الكيلُ منها، لقد ضافت به الأرض ولم تعد تتحمله وهو كبركانٍ ثائرٍ، لم يستطع تحمل بشاعة المشهد أكثر من ذلك، حتى ظنَّ بها الكذبَ، لكن حين وجد نظرتها تصرخ بحقيقة مشاعرها قبض فوق خُصلاتها وقال بذات النبرة الجهورية الغاضبة:

_أنتِ جنس مِلتك إيه؟ مابتقرفيش من نفسك وأنتِ بالقرف دا؟ قال وأنا كنت خايف عليكِ من بهدلة الشوارع وبفكر أشوفلك مكان يلمك؟ دا أنا هاشوفلك قبر يلمك علشان قرفك وكلامك دا، غوري في داهية.

دفعها من جهته حتى ارتمت على سيارة من الطراز القديم موضوعة كتحفةٍ فنية ثم بصق عليها وترك مُحيطها وتحرك، بينما هي ظلت تتلظىٰ بنيرانها هكذا أمامه، ظلت ساكنة وهي ترمق أثره بعينين انبثقت النيران منهما، تمنت بعقل طفلة ساذجة لو تملك قوى خارقة تحرقه بها كما أشعل هو لهيب الانتقام وأحرق أنوثتها ودهسَ كبريائها بهذه الطريقة.

بينما "سُليمان" فالتقط أنفاسه أخيرًا بعد خروجه من أمامها..
أحس بموضع لسمتها فاشمئز من نفسه، لمح رغبتها فيه بكل وضوحٍ دون أن تواري هذا الشيء وتكتمه حتى في سريرتها، لذا ضرب وجهه بكلا كفيه ثم وقف هكذا يلتزم الصمت بعيدًا عنها وعن مرأى عينيها حتى تأكد من رحيلها بنفسها قبل أن يفعل أي شيءٍ غير محسوبٍ من جهتهِ..

وفي مسكن الصغيرين..
كانت "سدره" تنام بجوار أخيها الساهر بعد أن جفاه النوم، شقيقته تنام وهي تمسك بعناقه كأنه الأمان الوحيد لها، وهو يسهر بغير سببٍ، يتعجب لمَّ الدنيا تُعامله بتلك القسوةِ، لمَّ يُعامل بهذه الطريقة وهو لم يفعل أي شيءٍ، بيته لم يكن طبيعيًا، يحيا مغامرة غريبة على سنوات عمره، يعيش على هوامش الحياة دون أن يعرف أوسطها كيف يكون.

لديه أبٌ لكنه غائب عن الوعي، له أمٌ لكنها لم تعرف كيف تكون صفات الأمومة، له عائلة لكن صدر حُكمًا قانونيًا يُغربه عنها، له أملاكٌ لكنها تُشبه الفواكه المُحرمة عليه وهو الجائع، له من الدنيا كل ما قد يحتاجه السائل، لكنه لم يملك أمر التمتع به، صغيرٌ الفتىٰ على قسوةِ العالم، وياليت العالم يدرك كم هو قاسٍ مع فتىٰ صغيرٍ مزقته الحروب..

صدح صوت الإشعارات من جهازه اللوحي فسحبه سريعًا ليجد رسالة نصية من "أدهـم" مفداها مستفسرًا:

_أنا "أدهـم" يا "سليم" هاعرف أكلمك؟.

أرسل له يعطيه الموافقة فصدح الهاتف في لحظتها وجاوبه هو بصوتٍ مخنوقٍ كأن الحياة بأكملها تجثُم فوق صدرهِ الصغير، أتى صوتهُ باكيًا وهو يقول:

_هو عمو "سليمان" مش هييجي ياخدني؟ هو لسه زعلان مني؟.

لاحظ "أدهـم" انكساره وتجبر الدُنيا عليه فتنهد بقوةٍ وقال:

_تفتكر "سليمان" هيزعل منك لدرجة إنه حتى ميحاولش يكلمك؟ هو مش وراه حاجة غير إنه يرجعكم ليه من تاني، بس وقتها بقى هتبقى الكلمة منكم أنتوا الاتنين، لازم وقتها تختاروا تعيشوا مع مين، أظن يعني أنتَ بنفسك شوفت الوضع، محدش عمره زعلك يا "سليم" بالعكس "سليمان" طول عمره روحه فيك.

_ماشي بس قوله ميتأخرش، خليه ييجي بسرعة علشان خاطري، وأنا مش هقول لحد خالص إني كلمتك حتى "سدره" وقول لتيتة إنها وحشتني أوي، ينفع تبقى تيجي تشوفني؟.

كان يرجو بكل أملٍ ولم يعلم أن الأمل قد يكون سببًا في شقاءِ المرءِ، لم يُخيل له أن يدفع الثمن بهذه الطريقة القاسية، جُرمه أنه ظنَّ البساطة في دُنيا قاسية لم تلِق بأحلامٍ بسيطة مثله، وقد ظل "أدهـم" يُحدثه حتى لا يختلي الخوف بقلبه، حتى طلب الصغير أن ينام أخيرًا فتركه وأغلق معه المكالمة وهو يحاول الوصول لـ "سُليمان" الذي لم يجاوبه حتى هذه اللحظة.
____________________________________

<"مَن يَنجُ مِن الغرقِ كَيفَ تُخبرهُ أنَّ الأنفاسَ لازالت مجانًا">

في عُمقِ البحرِ حين تغرق لن ترىٰ الموتَ..
بل سترىٰ الحياة التي كنت تَرميها خَلف ظّهرِكَ، لن تجد إلا أنفاسك المقطوعة وأنتَ تُجاهد كي تلتقطها، لن تستطِع فعل شيءٍ إلا تمني عودة الحياة وأنتَ علىٰ يابستها، حتى إن نجوت سوف تخشىٰ النفس بحريةٍ؛ كأنك سوف تُحاسب على أنفاسك..
ومَن يَنجُ مِن الغرقِ كَيفَ نُخبرهُ أنَّ الأنفاسَ لازالت مجانًا..

انتقل "يحيى" بابنته إلى المشفىٰ، كان يحملها ويدفنها بعمق عناقه، يأويها بين ذراعيهِ ويتمنى أن تظل الأنفاس تعبر لرئتيها، نوبة غضبٍ كتمت حُرية أنفاسها حتى كادت أن تُلقى حِتفها، تلقفها منه ممرضٌ وولج بها غُرفة، استدعى لها طبيبًا وطاقم عمل، بدأت المعالجة بإبرة طبية مُهدئة لحالة الهياج هذه حتى ارتخى جسدها بالكليةِ وخمدت تلك الثورة أخيرًا وهي تسكن فوق الفراش كطيرٍ حطَّ فوق غصنٍ بعدما أضناهُ الطير بغير فائدةٍ.

راقبها "يحيى" بنظراتٍ مقتولة، عيناه لم تُبرحا موضعها وفؤاده اُستطير ذُعرًا عليها، يرى الحياة في هذه اللحظة من أضيق منظورٍ لها، لا يعلم ماذا فعل كي يُعاقب بهذه الطريقة، أو عفوًا لمَّ هو عبدٌ مُبتلىٰ بهذه الطريقة؟ راقب ابنته وهي تسكن فوق الفراش بعد أن عاملها الطاقم بطواريء خاصة نظرًا لصغر سنها.

التفت يرتمي على المقاعد بجوار خاله ثم أطلق زفيرًا قويًا وسأله بصوتٍ مُحشرجٍ:

_هي إيه اللي حصلها يا خالي؟ وإيه اللي وصلها للنوبة دي؟.

حرك خاله عينيه بتيهٍ ثم تلاقت الأعين في سُبلِ الحزن والوجع وهو يقول بنبرةٍ أعلن فيها عن الحزنِ صراحةً:

_والله يابني ماعرفش، هي كانت في الأوضة بتلعب وماكلتش، صليت في الشقة علشان ماسيبهاش ورجعت الأوضة ألعب معاها لاقيتها قاعدة اللعب حواليها كلها مرمية وهي مكشرة وقاعدة لوحدها، قربت منها أضحك وألاعبها زي ما بعمل كل مرة بس دا ماحصلش، لاقيتها بتزقني بإيدها وشكلها زعلان، حاولت أعرف مالها وأعرض حلول لاقيتها مرة واحدة قامت تتدبدب في الأرض وفضلت تضرب في وشها وتلطم، وكل ما أقرب منها تزيد أكتر، جريت أكلمك ولما جيت شوفتها كدا، مش واعية وجسمها كله أزرق بيتنفض، إيه اللي فيها بس يابني؟.

التزم "يحيى" بالصمتِ لأن الجوابَ جارحٌ، التزم به لأنه يعلم السبب عظيم المعرفة، حين تنتابها هذه النوبة تكون غير قادرةٍ على الحديثِ، وحينها تُعاد صورة أمها لعقلها وتتذكر شكلها وقتها وشكل جُثمانها فتصل لهذه المرحلة الصعبة، نوبة غضبٍ وجنونٍ حين تعجز عن التعبير، لقد حاول معها حتى يتخلص من تلك النوبة اللعينة لكن يبدو فقط أن الأيام كانت تُجاريه فوق موجها.

شرد بالوقتِ وصوت الصرخات يعلو في سمعهِ، تذكر يوم أن ملأ الرمل أجسادهم حين ركضوا نحو الجثمان الغارق، تذكر صرخات أمها حين علت تنادي ابنتها وتُطالبها بالرحيلِ، تذكر حين تعلقت ابنته بجسد أمها ولمحتها بهذه الحالة وصرخت للمرة الأخيرة وذهب صوتها مع رحيل أمها وحتى الآن لم يعد.

بعد مرور الكثير من الوقت عليهما أتى الطبيب وأمر بدعوتهما، ورغم لمحة الخوف والاضطراب لكنه طمئنهما وولج بهما داخل غرفة أخرى وأجلسهما فيها بهدوءٍ ثم جلس أمام "يحيى" وسأله بذات الهدوءِ:

_أولًا أنا آسف لو قلقت حضرتك بس أنا حابب استفسر عن حالة بنت حضرتك معلش مش متذكر اسمها أوي، يعني بس تقدر تشرحلي حالتها بالتفصيل بحيث أقدر أقدم اللعلاج الأفضل، لأني شايف حالة نفسية مش عضوية، يعني البنت ماعندهاش مشاكل في القلب، ولا عندها مشاكل عضوية وفيه تحاليل كاملة هنطلبها من حضرتك برضه علشان نتأكد بصورة كاملة، لكن السبب مش عضوي.

تنهد "يحيى" بثقلٍ وعجز عن الرد، فأناب خاله عنه وتحدث يخبر الطبيب بحالة الصغيرة واسمها، أخبره عن الحالة التي انتابتها منذ وفاة أمها، أخبره عن رحيل أمها وعن صوتها الذي تجمد منذ عامين، وقد أدرك الطبيب حالتها كُليًا، فقال بنبرةٍ عملية يحاول طي الحزن عنها:

_البقاء لله وحده ربنا يرحمها ويصبركم، طب على العموم كدا "رحيق" محتاجة معالجة نفسية، يعني مش دكتور تخاطب ولا مركز لتنمية المهارات، هي محتاجة أخصائي نفسي علشان تتعالج، وبخصوص النوبة دي دا نابع من الحالة نفسها، يعني هي سامعة كل حاجة، ومدركة بكل الناس اللي حواليها، وعاوزة تتكلم وتتفاعل، لكن فكرة إنها مش قادرة وعندها عجز عن الرد بيخلي الغضب يخرج منها بعنف على شكل نوبات زي دي، علشان كدا أسلم حل أنها تتعرض على دكتور نفسي، وصدقني كل ما حاولت بدري كل ما كان الحل أسرع.

أغمض "يحيى" جفونه يُطبقهما فوق بعضهما وهو يشعر أن الخطوات تزداد ألمًا وصعوبةً عليه، هذه الخطوة التي يُطالبه الطبيب بها لن يستطع إقناع ابنته بها، هي لم تسمح لأحدهم أن يقترب هذا الحدِّ منها، فكيف يُخبرها ويُقنعها دون أن تغضب وتخشى الجميع حولها؟.

في مدينة الغردقة، خاصةً بداخل بيت عائلة "نصار"..
كان الطبيب موجودًا بعد كومة سكر داهمت "ميراف" زوجة "حسين" انقلب البيت حين سقطت مغشيًا عليها وهي تلعب مع حفيدها الصغير، وقتها هرولوا جميعًا وأتوا بطبيبٍ يسكن في بيتٍ مجاور لهم وقام بقياس السكر وحقنها بإبرة الأنسولين على الفور بعد أن علا السكر في دمها، جعل الله وجوده سببًا في إفاقتها فعادت لوعيها لتجدهم حولها جمعًا.

كان "حسين" أول الحاضرين بجوارها فرفعت عينيها تبحث عنها لتجده معها، وقد ركض "صُهيب" حفيدها الصغير نحوها فضمته بقوةٍ وبدأت الحشد حولها ينفض برحيل الطبيب، وقد ولج "حُسني" شقيق زوجها الغرفة يطمئن عليها فوجدها تبتسم له بوهنٍ وهي تقول:

_بخير يا "حُسني" متقلقش، طلعت ليه بس كتر خيرك.

_إزاي بقى يا "ميراف" أنتِ أختي، خلي بالك من نفسك.

كان "حسين" يُطالعه بنظراتٍ جامدة وخاصةً بعد موقف قدوم "يحيى" آخر مرةٍ والأمور بينهما لم تكن على ما يُرام، لذا لاحظت هي هذه النظرات فآثرت الصمت وتركت الشقيقين لبعضهما، وقد هرول "يُـسري" للغرفة بعدما علم وأتى من مقر العمل وولج لها يقول بلهفةٍ:

_أنتِ كويسة يا ماما؟ مش قولنا تخلي بالك من نفسك؟.

_متقلقش والله كويسة وبخير، بس أنتَ عارف السكر صعب أوي، حتى لو واخد بالك هو مبياخدش باله، متقلقش يا "يُسري" بخير يا حبيبي كفاية إنكم حواليا هنا.

عانقها "صُهيب" حفيدها بقوةٍ وكذلك فعلت هي وهي تُفكر في الحفيدة الغائبة عنها، تُفكر في حالها حال الضياع الذي كانت تحياه، وفي أغلب الأحايين تشعر أن الصواب كان بفعل "يحيى" وفي الأحايين الأخرى تشعر أن الفتاة كانت في حاجةٍ كبرى لهم، لذا تعلقت عيناها بـ "حُسني" ترجوه أن يُطمئن قلبها على الصغيرة ولم تعلم أنه مِثلُها يبحث بلا فائدة.

في الأسفل ولج "مُراد" البيت بخطواتٍ واسعة فتلاقىٰ بـ "ولاء" زوجة شقيقه، وهي اقتربت منه تقول بهدوءٍ كي تُطمئنه:

_مامتك بخير متقلقش، أنا بس عاوزة أطلب منك طلب بشكل شخصي، ينفع يا "مراد" تقفل معاها على سيرة "رحيق" خالص وبلاش تفكرها بإنك قربت توصلها، بلاش الكلام في حاجة هتوجعها، مامتك مش حمل حاجة تانية تزعلها.

ناظرها بنظراتٍ ثاقبة ثم وقف في مواجهتها وقال بتهكمٍ:

_ودا علشان إيه بقى؟ علشان خاطر "يحيى" وبنته؟ أنا مش عارف إزاي أنتِ كنتِ صاحبة "مودة" والمفروض إنك قريبة منها ولسه بتدافعي عنه، يا ستي هصدقك وكلامك صح، هو مكانش يعرف، ماهتمش ليه بتعبها؟ ليه ولا مرة حاول يعرف مالها.

كان حقًا فاض بها منه، هو يتحدث من منظوره هو، وهي تعرف أن الأمر في غاية التعقيد، لكنها لن نصمت عن الحق، لذا قالت بنبرةٍ صدرت فيها الجمود له:

_علشان أختك الله يرحمها ولا مرة كانت بتوضحله تعبها، كل مرة كانت بتقوله دور برد، كحة شديدة، نزلت في المطر، وهو كان في شغله قصادك وقصاد الكُل، ماعرفش ليه مصمم تطلعه خاين ومتهور وأنا قولتلك مليون مرة يا "مراد" أختك خبت عليه موضوع المرض، وآخر حاجة الدكتور قالها إنه انتشر وبدأ يطلع على اللسان وكدا الموضوع بقى صعب، وهي خافت عليه، قررت إنها تعيش اللي فاضل معاه هو، أنا بقى هتبلىٰ على واحدة ماتت وبقت بين إيدين ربنا؟.

نزل "يُـسري" على الصوت المرتفع بينهما، وراقب الحديث بينهما، راقب انفعال زوجته في وجه أخيه فاقترب يقول بصرامةٍ:

_هو أنا مش قولت نقفل على الحوار دا؟ خلاص مش ورانا غيره علشان نفضل نعيد ونزيد فيه؟ آخر مرة أشوفكم أنتوا الاتنين بتتكلموا فيه تاني، خلاص نشوف اللي بين إيدينا واللي راح ربنا يصبرنا عليه، "مُـراد" طلع موضوع "يحيى" من دماغك خلاص، قفلت كدا هو حُر في بنته وحياته وهو المسؤول عنها.

طالعته زوجته بذهولٍ كأنها لا تصدقه، بينما "مُّـراد" انتفخت أوداجه غضبًا فأخذ يرطنُ بالكلامِ وهو يتحرك للأعلى قافزًا الدرجة باثنتين، والنار تلعب في قلبه بسبب الغضب، بينما شقيقه فنظر لزوجته بنظرة أملٍ في عودتها كما كانت معه، لكنها تجاهلت نظرته وصعدت للأعلى، تاركة إياه وحده هكذا يُصارع كي يقف على بداية الخطوات الصحيحة.
____________________________________

  <"لا شيء وليد اللحظة، بل كل شيءٍ له ماضٍ عصيف">

لا شيء في هذه اللحظة وليد الصُدفِ..
بل كل شيءٍ له ماضٍ قوي، ماضي لم يمر بدون أثرٍ، نقطة من أصلها بدأ كل شيءٍ، ولم تمر تبعياته بدون أن تترك بصمتها القوية في النفسِ أو في العقلِ، كل شيءٍ رُتِبَ لأجلهِ وأثره دائم وباقٍ حتى لحظة الكشفِ..

كانت "عُـلا" عادت من عند زيارة "ورد" بعد ليلٍ ممتعٍ قضته عند الأخرىٰ، كانت تشعر أنها تزور أختها حقًا، معاملة "ربـاب" لها جعلتها تشعر بالألفةِ وسط غربة المدينة الجديدة، خاصةً بعد أن غادرت الاسكندرية ولازالت الاسكندرية تسكنها، تلك المدينة الساحرة بكل شبرٍ فيها، كيف تستطع نسيانها بهذه السهولة؟.

خرجت تقف في الشُرفة تتابع المجمع السكني الباهر الذي تعيش فيه وهو مزود بالزرع والإضاءة الحديثة وتمت بنايته على أحدث طرازٍ، ترمي بصرها لآخر مدهِ وتتعجب كيف يعيش المرء في القاهرة بدون رائحة البحرِ؟ كيف يشخصون الناس ببصرهم من الشُرفة دون أن تلتقط أعينهم البحرَ؟ كيف يحييون هُنا بغير صوت الموجِ الممتد من آخر الزُقاق الضيق؟ كيف يحيا المرء في المدينة اليابسة بعد أن خرج من المدينة الزرقاء؟.

ظلت تتعجب وتتذكر ذكريات الاسكندرية _رغم قسوة الأغلبية_ وتبتسم وهي تتذكر البحر وموجاته وكل ليلةٍ مرت عليها هُناك، دارت بعينيها للحديقة فلمحت "لمار" تجلس بها ويبدو أنها لم ترحل حتى هذه اللحظة، تغضنت ملامحها وهي تتذكر حديثها عن أخيها وتذكرت أمر الإفصاح الذي قد يكون وصلها عن طريق "أدهـم" فعاد سُخطها عليه من جديد.

علا صوت الهاتف في جيب الرداء الصوفي الذي ترتديه فسحبته تجاوب على خطيبها، تنهدت تتجهز لمكالمته بأنفاسٍ هادئة وقد وصله صوتها وهي تُرحب به، بينما هو قال مُبديًا إعجابه بصوتها المرمري:

_إيه الروقان دا كله؟ شكلك فايقة خالص، كلمتك من ساعتين كدا مارديتيش ليه كنتِ فين؟.

_كنت عند "ورد" مع طنط "ربـاب" بتزورها، بصراحة بيعاملوني حلو أوي يا "مأمون" بطريقة أول مرة حد يعاملني بيها، حاسة إني ليا عيلة وأخت بتحبني، وكمان "آدم" جابلي حاجات كتيرة أوي، حاجات أول مرة آخد بالي إنها مش عندي، وعارف كمان كلهم بيساعدوه هنا علشان أكون مبسوطة، لو كنت فضلت معاهم من صُغري كان الوضع اختلف.

كانت تجاوبه بحماسٍ بالغٍ تحكي له عن يومها الذي اختبرت فيه مشاعر الفراشة الحُرة من كل قيدٍ، أخبرته عن ليلةٍ عاشت فيها كما لم تظنُ من قبلٍ، تتحدث وتشاركه تحقيق ما حلُمَت به، بينما هو قال بنبرةٍ ضاحكة باردة من كل شغفٍ وحماسٍ:

_طب يا ستي ماشية معاكِ أهو، بس متاخديش على الدلع دا علشان لما ترجعي اسكندرية تاني هامشي على القد الله يكرمك، ماتخليهمش يدلعوكِ أوي كدا، دا أنا لسه بقول يا هادي.

شعرت هي بالحنقِ منه، أحست أنه يضغط عليها بكلماته كي تتنازل عن أبسط الحقوق في الحياة وبذلك تحفظ ماء وجهه هو وتضمن له هو حقوقه، حتى صاحت تعبر عن مدى الحُنق الساكن بقلبها منه:

_يعني أنتَ شايف إني مستاهلش يا "مأمون" إني حتى أعيشلي يومين حلوين؟ كل اللي شاغلك في دا إني ماخدش على الدلع علشان أنتَ مش هتقدر على طلباتي بعد كدا؟ دا اللي همك في كل كلامي؟.

لاحظ هو انفعالها والضيق المُخيم عليها فقال مُدافعًا:

_أنا قولت إيه يا "عُـلا" يعني؟ باقولك إنك تخلي بالك علشان واضح من كلامك إن دي مش عيشتنا، أخوكِ إذا كان وارث ولقى اللي يسيبله فأنا شقيان مش لاقي، ولأ يا ستي متستاهليش كل دا، علشان لما دا كله يتمنع عنك هيوجعك.

لا تعلم لمَّ الجملة الأخيرة منه لم تكن بموضعها، أو رُبما هي كانت تستحق أخرى مشابهة قد قيلت لها، بالأخص تلك التي سبق وقالها "أدهـم" في اللقاء الأخير بينهما حين قال لها:

_"أنتِ وعيونك تستاهلوا كل حاجة حلوة".

شتّان بين الجُملتين وبين الطريقتين، شتّان بين اثنين بحديثين مُختلفين وهي وحدها من تُلاقي الطريقة والأثر، أدركت أنه يتفنن في التقليل منها ومن شأنها، لذا قالت بلهجةٍ صلدة:

_يا سيدي خلاص أنا غلطانة إني قولتلك، تصدق بعد كدا هسكت خالص عن أي حاجة تخصني ومش هاقولك أي حاجة؟ عارف ليه؟ علشان من يومك بتحرق دمي بكلامك، حتى في اللي أنا فيه دا أنتَ برضه مش شايف إنهم غلطوا في حقي، بتتعامل كأن كل حاجة عادية، مش شايف إني مطرودة ومتهانة ومرمية في الشارع، كأنك من عيلة تانية، آخرتها إيه يا "مأمون"؟.

كانت انفجرت حقًا ولم تعد قادرةً على أن تُحجم ضغطها، كأن كلماته زرٌ ضغط عليه فانفجرت هي فيه، ولأن عنفوانه وكبرياء رجولته لم يسمحا له أن تصرخ فيه بهذا الشكل قال منفعلًا ومُبديًا غضبه:

_أنتِ في الآخر بترمي اللوم عليا أنا؟ ما أنا قولتلك مابحبش وجع الدماغ وكل دا مش شاغلني، عاوزة ترجعي وتكوني مع "ياقوت" هنزل ونتجوز وتقعدي معاهم هناك، وقعدتك مع أخوكِ دي هتخليكِ تتفرعني وتشوفي نفسك عليا؟ ياما قولتلك العيشة دي مش عيشتنا، ومش قد إيدنا، واللي عندي قولته، بكيفك بقى.

في هذه اللحظة وصل "آدم" الشقة ولمحها في الشُرفة تقول بصوتٍ لم يُنذر بأي خيرٍ وكأنها في خِضم مشاجرة كلامية:

_هو بكيفي فعلًا، بس هاقولك على حاجة تانية أنتَ عمال تهرب منها، إن أنتَ اللي ملزم تصرف عليا وتتحملني بعد اللي أهلك عملوه فيا، وأنتَ حتى مش قادر تدافع عني ومش مكلف خاطرك تشوف إيه اللي حاصل فيا، وكل اللي شاغلك إني ماخدش على العيشة دي علشان هتبقى صعبة عليك تعيشهالي تاني؟ تصدق فعلًا أنا اللي وحشة؟.

اقترب "آدم" في هذه اللحظة يخطف الهاتف منها حتى تيبست هي، بينما رفع هو الصوت وحذّرها من الحديثِ فالتزمت الصمت بخوفٍ منه، وقد أرهف هو السمع لحديث "مأمون" الذي قال بتهكمٍ:

_هو أنا كان مطلوب مني إيه يعني؟ عاوزاني آجي لحد عندك ونقعد ندور عليهم يعني؟ ما أنتِ اللي مش عاجبك العجب، دلوقتي عمالة تقوليلي جابلي وعامليّ واشتراليّ وآخرتها طيب؟ اسمعي يا "عُـلا" علشان نقطم الكلام خالص، أنا اللي عندي إني لما آجي نكتب الكتاب وترجعي البيت تقعدي في الشقة مع أمي وجدتك، وتعيشي زي ما أي واحدة بنت حلال عاوزة تعيش، مش عاجبك خليكِ بقى وريني هتعملي إيه.

هرع الدمعُ من عينيها فورما تحدث وظهر الحديث منه، رفعت عينيها الحزينتين لأخيها الذي عاتبها بعينيه ثم تحدث بصوتٍ عالٍ لخطيبها ولأول مرةٍ يتمنى أن يكون القتل سهلًا عليه:

_اسمع يالا أنتَ دا كدا آخرك معانا، وشقة أمك دي شوفلك بهيمة تقعد فيها مش أختي، عاوزلك خدامة تقعد تحت رجلك يبقى استنضف وكلف وادفع وهات حد يخدم أهلك، و "عُـلا" هنا في بيتها مُعززة مكرمة بعزها وعز أخوها، والحمدلله إنك مالكش أي حاجة عندها، والله العظيم لو لمحت رقمك ولا فكرت بس توصلها تاني، آخرتك هتبقى مترحل على هنا زي الكلب، ويلا غور في داهية.

أغلق الهاتف في وجههِ وهي تبكي أمامه، تبكي ولا تعلم سببًا مُحددًا لهذا البكاء، تبكي وهي لا تعرف من فيهما يستحق البكاءَ، بينما "آدم" فنظر لها مُطولًا، نظرة مليئة بالكثير من المشاعر ويُرأسها العتابُ ثم تجرأ ورفع كفه يمسح عينيها من أثر الدمع وقال بعاطفةٍ سمح لها بالظهورِ:

_ماتخليش حد في الدنيا دي ينزل دموعك، حتى لو أنا نفسي يا "عُـلا" اللي هعمل كدا، دا مش راجل وميستاهلش واحدة زيك، واحدة عاشت وعملت اللي هو ماعملهوش، مش دا اللي كنتِ بتصرفي على أمه وأهله وجدتك في الوقت اللي هو نفسه برة البلد وسايبهم مش سائل فيهم؟ يا "عُـلا" الراجل مش فلوس وبس، الراجل دا حاجة كبيرة أوي، لما عيشت مع "أدهـم" هنا وبقينا مع بعض عرفت يعني إيه راجل، والراجل هو اللي يسد حاجة أهله وناسه بعدها يشوف هو عاوز إيه، غير كدا مابيبقاش راجل، بيبقى حاجة تانية عيب أقولهالك.

مازحها بعبارته الأخيرة حتى ضحكت هي من بين عبراتها المنسابة، ظلت تُطالعه بحنينٍ وشوقٍ، وهو يقف أمامها، الغريب في هذا الأمر أنها كانت تحتاج منه شيئًا لا تعلم كيف تطلبه منه، تحتاج لأمانهِ وأمنه، تحتاج أن تعرف كيف يكون الأمان وسط الخوف، لذا سألته بتوسلٍ:

_تعرف إني نفسي تاخدني في حضنك؟ مش عارفة ليه بس حاسة إني محتاجة أتطمن في حضنك يا "آدم".

أذهلته بمطلبها حين أفصحت عنه، وقف يُناظرها بدهشةٍ وهي تُطالعه بنظرات شجنٍ فوجدته يُضمها بحنوٍ، وضع رأسها فوق صدره ومسد فوق ذراعها بذات الحنو، كان يُخبرها بصمتٍ أنه أمانها، جعلها تتكيء عليه كأنها تميل على مشارف السقوطِ ليُساند هو ويدعم هذا السقوط، وجدها تجهش في البكاءِ..

تركها تبكي كما تُريدُ هي، تبكي لأنها لم تعد قادرة على مواجهة الحياة بجناح فراشة ضعيفة ورقيقة، يكفيها أن تعيش محاربة لهذا الحدِّ، على الأقل تريد أن تختبر الحياة وهي فتاة تستحق العيش، فتاة ناعمة دون أي زوائد عن شخصها كي تحمي نفسها من كلابِ الطُرقات، وقد لاحظ "آدم" أن البكاء يزداد فسألها بلهفةٍ:

_أنتِ زعلانة علشانه؟ هو مكانش يستاهلك والله، دا مش بيحبك يا "عُـلا" دا بيستغلك، بيستغل مشاعرك علشان يسكتك ويضمن إنك ماتعمليش حاجة تضره وتضر عيلته، لو بتحبيه أنا مش هامنعك عنه، بس أبقى عارف إنه يستاهلك، على الأقل يحاول علشانك يا "عُـلا".

أغصبت شفتيها على التبسمِ وقالت بصوتٍ بانت فيه إمارات الراحة حين وجدته يُحارب الحياة لأجلها هي:

_صدقني مش بعيط علشانه هو، بعيط علشان اللي أنا فيه، كل يوم أقعد أقول طب وآخرتها إيه؟ المفروض هاعيش إمتى؟ مش واخد بالك إني عندي دلوقتي ٢٩ سنة؟ مفيش سنة فيهم ضمنت حاجة ليا، حتى وجودي هنا مش من حقي ومش هنكدب على بعض، علشان خاطري سيبني أمشي وخلي أخوك يرجع هنا تاني، مالهاش لازمة قعدتي هنا ومش من حقي، شوفلي مكان أقعد فيه ويا سيدي أبقى تعالى بس طُل عليا.

_أنتِ بتقولي إيه؟ مستحيل أوافق إني أخليكِ لوحدك، دي تيجي إزاي أبقى راجل وأخلي أختي بعيد عني في مكان تاني؟ "أدهـم" مسامح ولو متضايق كان قالي، على الأقل كان هيرفض وجودك، بس دا مش طبعه ولا أخلاقه، صحيح ما بينكم مصانع الحداد بس هو راجل وبيفهم، ومش بقول كدا علشان هو أخويا، أنتِ ليه مصممة تخليني دايمًا محتار فيكِ؟.

سألها بنبرةٍ أعربت عن إحباطه في الوصول لتفكيرها، بينما هي قالت بغلبٍ على أمرها وحيرة حقيقية في القلب والأمر معًا:

_علشان أنا ماليش مكان في أي حتة، سواء هنا أو في اسكندرية أو في أي مكان هفضل واحدة موجودة بتقضي أيام وبس، وزي ما قولتلك كفاية إني عرفت إنك في ضهري، بأمر الله آخر الأسبوع هرجع اسكندرية تاني وخلي أخوك يرجع بيته، كفاية بهدلة ليه لحد كدا، هو برضه ذنبه إيه؟ ولو ماقلهاش علشان هو شهم وجدع، بينه وبين نفسه هيفكر هو ليه سايب بيته لواحدة غريبة؟ فكر في كلامي وهتعرف الحل.

تركته حائرًا ونظرت نظرة أخيرة له قبل الوداعِ، نظرة تخبره أنها تفعل الصواب قبل أن تلمح المزيد من الامتهان لكرامتها، الجميع حولها من المؤكد سوف يفكرون بمثل طريقة "لـمار" دون تجميلٍ، هي مجرد فتاة أتت تحتل أرضًا لم تكن ملكها ولا هي تنتمي لها، والغريب أن الأرض التي تنتمي هي لها تُغربها وترميها خارج حدودها، في حين أن كل أراضي الأوطان المجاورة تتهافت عليها لتصبح فردًا فيها.
____________________________________

   <"لأن الحياةَ تسيرُ علىٰ خطيْن، والخطين لن يلتقيا">

في دربين متناقضين تسير بعض الحكايا.. 
تسير بأطرافها نحو طريقٍ وفي المنتصف تسلك ما يُناقضه، تتمسك في البداية بأطرافٍ من المباديء وعند النهاية تُخالف كل مبدأٍ، بعض الحكايا تسير على خطٍ وتأخذ غيره في المنتصف ظنًا منها أن الوصولَ يبدأ من هُنا، 
وفي النهاية لا وصول ولا حلول.

بزغ الفجرُ وانتشرت السكينة، أهدل الليل ستائره وبدأت الدنيا تعهد الهدنة على ساكنيها، الحياة الطاحنة تتوقف قليلًا عن دهسِ الناس بين تروسها، الجميع في حالة سكونٍ عدا "ورد" التي كانت تتحدث مع زوجها عبر الهاتف، مكالمة كان يُقدم في اعتزاره، مُتغزلًا فيها كي ترضاه، يخبرها عن كل محاسنها ومحاسن جمالها، يخبرها أنه صريع الهوىٰ فدا عينيها، وهي بكلمةٍ حلوة فقط أعلنت الصُلحَ وقالت بضحكةٍ واسعة:

_خلاص لم نفسك وبطل هزار، لو سمحت أنا مقموصة.

ضحك هو الآخر وقال ساخرًا:

_كل دا ومقموصة؟ دا أنتِ ضحكتك وصلتني من عندك، يرضيكِ إيه يا "ورد" يخليكِ مبسوطة؟ أنتِ عارفة إنه كله إلا زعلك عندي، ماعرفش بتقفل في وشي ليه لما بتزعلي، شكلك بتدعي عليا.

_والله أبدًا ولا عمري أعمل كدا، أنا بس بيصعب عليا يا "منتصر" مش أكتر والله، وبالذات لما أفكر إنك مش معايا والعمر بيجري من غيرك، علشان خاطري تعالى وخليك معايا هنا، والله قولتلك هاعيشها معاك لو بعيش وملح، مش عاوزة فلوس بس عاوزاك أنتَ، أقولك إيه تاني؟.

كانت في غاية الإحباط وهي تُحدثه، هي حقًا تحتاج له معها، تحتاج لونيس الليالي أن يحضر، تحتاج للزوج الذي عاهدها أن يكون حامي لياليها، وهو لم يكن مالك الأمر بيده، وإنما هو في خطٍ آخر يوازي خط رغباتها، فقال بهدوءٍ قبل غضب كل مرةٍ:

_يا "ورد" ليه بنعيد تاني في الكلام دا؟ ماقولتلك والله غصب عني، مين قالك إني مش محتاجلك؟ مين قالك إني مش عاوزك جنبي ومعايا زي أي اتنين متجوزين عايشين حياتهم، بس اللي في رقبتي متعلقين دول أعمل معاهم إيه؟ غصب عني والله وعارف إنك بتدفعي التمن زيي، إيه الحل؟ عاوزة تسيبيني؟.

سألها بصوتٍ أعرب عن لوعته وقلقه فقالت هي بقلة حيلة:

_لو عاوزة يا "منتصر" كنت سيبتك من زمان، ومفيش واحدة عاقلة هتسيب جوزها علشان ظروف مادية، أنتَ اللي سايب مش أنا، عجبتك الغُربة شكلك كدا، عمومًا أنا هنا كل يوم بحارب نفسي والدنيا علشانك، بحارب علشان أفضل كل يوم "ورد" اللي أنتَ عارفها، مش عاوزة أبقى بالوش اللي كل الناس عاوزاه، أنا عاوزة أفضل "ورد" اللي أنتَ عارفها، بس بالوضع دا أنا كل يوم هفضل أتغير لحد ما أخسر نفسي.

وكالعادة المكالمة وصلت للنقطة المعهودة في كل مرةٍ..
نفسها الكلمات المُتعبة ونفسها اللوعة المُشتاقة ونفسه القلب الذي تعطّب من القسوة والغربة والضياع هو الخاص بنفس المشاعر، هكذا يُختتم الحديث وهي تُخبره عن قسوة الحال دونه، عن أفعال أمه ونظرات شقيقه، عن أبيه العاجز الذي يحتاج لرعايتها، وهو كالعادة يقطع وعدًا أن يُحاول، يخبرها أنه سوف يستمسكُ بالعروةِ الوثقىٰ في علاقته بها، سوف يحاول لأجلها ولأجل الجميع.

في الأعلى حيث الغُرفة الموجودة بأعلى البناية، غرفة تحت الإنشاء لازالت جُدرانها غير مطلية، وبجوارها أريكة خشبية قديمة متهالكة، يجلس عليها شابان وأمامهما مرمدة السجائر وزجاجة مشروب كُحولي زهيدة الثمن، وطعام مشوي، كلاهما يأكل بنهمٍ وجشعٍ كأن هذا آخر زادهما في الحياة..

ثم أتى دور السجائر المحشوة بموادٍ مُخدرة "حشيش" ومادة أخرى تستسغاها الدماغ المُعتادة عليها "كيتامين" ذي الرائحة النّفاذة القوية، كلاهما يطير فوق السُحبِ ويُحلق من موضعه، يغطيان العقل بمادة تُستره عن الوعيّ، ليلة كانت تستحق أن تُخلد ضمن ليالي ألف ليلة وليلة لتصبح ألف ليلة وليلتين، غير عابئين بنداء الرحمن لصلاة الفجرِ. 

تحرك الشاب الذي يُجالس "خـلف" يلتقط زجاجة المشروب الكحولي وتجرع منها بالتقريب مُنتصفها، ثم قام بتركها بحركةٍ حادة ثم تنهد وقال بنبرةٍ لم تكن طيبة:

_الليلة ناقصها كتير، بس يادوب هلحق اتحرك.

طالعه "خلف" بنظراتٍ مُزدرية وهو يقول:

_أنتَ لحقت !! ما لسه بدري أقعد يا عم كمل أكلك.

_يا عم خليني أمشي ألحق اتهنى بالنفسّين، أبويا هياكل دماغي الصبح علشان أم المصنع وهيفضل يحرق في دمي ولو الدماغ دي طارت هتبقى خراب على الصبح، خليني أمشي يا عم، هتنزل معايا ولا هتفضل مكانك.

سحب "خـلف" نفسًا من سيجاره المحشو ثم أطلق الزفير وقال بلامبالاةٍ وعدم اكتراثٍ:

_لأ يا أسطى مش ناقصة قلبة دماغ هنام هنا أحسن، لو نزلت أبويا هيقعد ياكل دماغي ويقولي انزل صلي وكنت فين وحكم ومواعظ ماهي مش ناقصة قلبة دماغ، خلي النفسين بخيرهم أحسن.

لوح له رفيقه ثم نزل من السطح وهو يرسم في رأسهِ آلاف الخيالات الوقحة، رأسه لم ترحمه وعقله لم تنفك عنه الخيالات الوقحة الفجّة، وقد مر أمام شقة "ورد" فوقف هُناك، ازدرد لُعابه وحاول ترطيب حلقه الجاف ثم ضرب الجرس باصبعه وطرق الباب بطرقةٍ خفيفة.

في الداخل كانت هي تتحضر لصلاةِ الفجرِ وما إن وصلها صوت طرق الباب هوىٰ قلبها بقلقٍ ثم اقتربت من الباب تتمسك بإسدالها وهي تسأل بنبرةٍ قلقة أوضحت خوفها:

_مين؟.

_لامؤاخذة يا أبلة، ممكن أدخل الحمام؟.

توسعت عيناها وقالت بصوتٍ عالٍ تُحذره من التمادي:

_احترم نفسك يا حيوان أنتَ وبطل قلة أدبك دي، والله العظيم لو ما غورت في داهية لأكون مصرخة ولمة الناس عليك يا حيوان يا زبالة أنتَ.

_خلاص خلاص بشوقك، مالكيش في الطيب نصيب.

كانت ضربات قلبها مُتعالية، قلبها يخفق بسرعةٍ كُبرىٰ من شدة الخوف حتى أنها ظلت بموضعها جامدة عن الحِراك، الموقف كان له رهبة عليها جعلت قلبها يؤلمها، أصاب الخوف قلبها حتى كاد أن يتوقف، لذا ركضت تهرول نحو الشُرفة فلمحته يُخرج من البيت وحينها التقطت أنفاسها ثم ارتمت بموضعها تُدلك موضع نبضها، لكنها أقسمت أن هذه المرة لن تسكت أبدًا.
____________________________________

   <"لأن الكارثة لا تأتي بتمهيدٍ، مهد لنفسك استقبالها">

لن تجرؤ على العيشِ هكذا بصمتٍ أمام الكوارث..
لأنها حين تأتيك عليك إدراك شيئين، أولهما أن الكارثة تأتيك بغير تمهيدٍ، والثاني أن الكارثة لا تأتي فُرادىٰ، المصائب تأتي جمعًا تلو بعضها، وعليك تعلم فنون التصدي لها..

في اليوم التالي، بداخل البيت كان "سالم" يبتسم لأمهِ وهو يتناول الطعام من يدها، أخيرًا بدأ يعود للحياة ويُدرك الأشخاص حوله، بدأ بأمه وتمييزها وظل يوميء لها وهي تُحدثه، لكنها لاحظت انعواجٍ في كفهِ الأيسر، ولاحظت حركة فمهِ غير المُستقرة، كما لاحظت أن جسده تقريبًا أُصيب بشللٍ، تألم قلبها عليه لكنها عادت وحمدت ربها على عودتهِ..

تناول الطعام وحرك عينيه يمتن لها بنظراتهِ، يغصب نفسه على بسمةٍ جعلتها تُلثم جبينه ثم مسدت فوق كفه وقالت بحنوٍ:

_عاوز إيه يا حبيبي؟ أجيبلك عصير؟ تحب أعملك حاجة حلوة؟.

جاهد لينفي هذا برأسه ثم ظهر جهاده الأصعب في حركة لسانه وهو يطلب منها بصوتٍ متقطعٍ لم تلتقطه هي في أول حديثه، وظلت تُرهف سمعها كي تفهم حتى التقطت اسمًا تعرفه:

_سـلـيـ سليمـ سليم وســِد سد ره، فـ فيـن؟.

تبدلت ملامحها أمامه وحاولت خلق كذبة دون أن تكشف له حقيقة الأمرِ، حاولت أن تخفي حزنها عليهما فقالت بثباتٍ بعدما حاولت لأجله هو قبل نفسها:

_عند "أدهـم" قاعدين هناك علشان زعلانين والوضع مش أحسن حاجة، و"سليمان" معاهم مش بيسيبهم، متخافش عليهم أخوك حاططهم في عينيه وأكتر، دول حتة منه يا "سالم" شد حيلك أنتَ بس علشانهم هما، هما عاوزينك ومستنينك ترجع.

شرد بعينيه بعيدًا عنها وشعر بعجزهِ حقًا، أحس أن جسده توقف كُليًا، عاد كما كان صغيرًا وأمه هي التي ترعاه، نزل بعينيه للأسفلِ حيثُ قدميه العاجزتين، ظل شاردًا وحده في الذكرى وفيه حياته التي تدمرت على يدِ من أحب، تذكر كيف كان راضيًا بها ويحاول أن يُرضيها لأجلها، وهي ماذا فعلت؟ لم تفعل أي شيءٍ غير أنها قتلته كل يومٍ..

في نفس اللحظة ولج "سُليمان" الغرفة، كان بدل ثيابه في بيته وأتى يطمئن على شقيقه ثم يرحل ويقابل المحامي لأجل القضية، لكنه ما إن لمحه مُستيقظًا هرول له وجلس أمامه يقول بلهفةٍ:

_طمني عليك، أنتَ بخير؟ الحمدلله النهاردة شكلك أحسن.

انتبه له "سـالم" وحرك رأسه ثم ومضَ بزيتونتيهِ لشقيقه الذي ابتسم له هو الآخر لكنه هرب من لقاء عينيه، هرب كأنه أجرم في حقه وأذنب حتى لم يعد يجرؤ على النظر في عينيهِ، لاحظ "سالم" نظرته لكنه آثر الصمت، الحال لم يعد كما كان عليه، الجميع تغيروا معه، الجميع يُهابون الحديث معه، الجميع يعاملونه بحذرٍ فكيف يتحدث؟.

لاحظ "سُليمان" ذلك فتنهد ثم هرب من أمامه ليواجه أمه بالخارج، حكت له عن مطلبه الذي يتوالى منذ الصباح وطلبه لصغارهِ، فقال بثباتٍ:

_بإذن الله هاجيبهم، أدعي بس تظبط علشان أعرف أجيبهم تاني، المحامية دي أنا فكتني منها خالص، خليني بقى مني للـ ***** التانية لما نشوف آخرتها، مش سهلة وكل خطوة معاها بحساب، ادعيلي يا ماما ربنا يقويني عليها.

ربتت فوق مرفقه وقالت بصوت أمٍ حنونٍ غلبته العاطفة:

_ربنا يقويك يابني وينصرك على مين يعاديك ويكفيك شرها ويرد كيدهم في نحورهم، ربنا يباركلك ويديك الصبر والعافية على الحمل التقيل دا.

طُرِقَ الباب في هذه اللحظة فتحرك هو كي يفتحه، خطى بثباتٍ فوجد أمامه آخر من توقع ظهورها من جديد، الفتاة الأولى التي أذهلته في الحياة تعود للوطن !! توسعت عيناه وردد اسمها مُستنكرًا:

_"سُـعاد" !!.

ابتسمت هي بخجلٍ له وقالت بصوتٍ هاديءٍ:

_إزيك يا "سليمان" ولا أقولك "سُليمان" زي ما بتحب؟.

ضحك بخفةٍ ثم أشار لها فدخلت وتصافحا لحين أتت أمه فلمحتها وتهللت أساريرها، ابنة أختها الحبيبة أتت لِهُنا من جديد، ضمتها بين ذراعيها واستقرت الأخرى في عناقها تتمسك بها، راقبها "سُليمان" مُبتسمًا ثم تنهد وكاد أن يُغلق الباب فوجد حقًا كارثة أخرى، يا الله هل هو موعودٌ أن يكون سبب حنقه نساء حواء؟.

ردد تلك المرة مُبديًا استغرابهِ وتعجبه:

_"مـها" !!.

طليقته الحسناء ماذا أتى بها إلى هُنا؟ ولمَّ في هذا التوقيت؟ وقفت هي أمامه ثم تنهدت بقوةٍ وقالت بجمودٍ:

_ممكن كلمتين لو سمحت يا "سليمان".

أتت أمه تطالعهما بنظراتٍ مُتساوية وكذلك ابنة خالته، بينما هو فقال بذات الجمود كأنه لم يُبالِ بظهورها:

_هيفرقوا في حاجة يعني؟ مفيش كلام يتقال خلاص.

_معلش بس أنا عاوزاهم ضروري.

ردت عليه بذلك تقاطعه فانسحبت أمه بالفتاةِ نحو الداخل بينما هو فأغلق الباب وأولاها ظهره يرتدي ساعة معصمه وهو يقول بثباتٍ يُحسَد عليه:

_أنا معاكِ أهو اتفضلي، جاية تتأكدي من قرف أهلي؟.

لاحظت تهكمه المرير وسُخريته فواجهته وقالت بانفعالٍ:

_أنتَ ليه أناني؟ ليه مش شايف غير نفسك واللي يخصوك وبس؟ ليه مش شايفني حتى بعد الطلاق؟ من يوم ما حصل ورميت عليا اليمين بقالك شهر وأكتر سايبني ومش سائل فيا، ولا حتى اديتني حقوقي ولا حتى خلصت ورق الطلاق !! عاوز تثبتلي إيه؟.

_إنك ولا حاجة، ولا كنتِ ولا هتكوني.

توسعت عيناها وتبدلت تعابيرها لأخرى غير مفسرة من هول صدمتها، فحرك رأسه موافقًا يؤكد حديثه ثم كرر من جديد يرد لها الإهانة بذاتها:

_أنا كنت ليكِ حاجات كتيرة على بعضها، عربيات وفلوس ومسابقات وصور وسيط وشقق ولبس، لكن مش أكتر من كدا، ولما دا مابقاش زي الأول بقيت أنا كمان مش زي الأول عندك، أنتِ آخرك على الحلوة بس، لكن الشقا والمُر دا عاوز بنات أصول، مش واحدة تعاير جوزها بقرفه وقرف أهله؟.

كانت تشعر أنه يُهينها إهانة غير مسبوقة الحدث، يُهينها كما لم يجرؤ ويفعل أحدهم من قبل، بينما هو اقترب منها ثم همس بوقاحةٍ جعلتها تُذهل منه:

_لو وحشتك ووحشك اللي كان بينا أنا موافق أردك، بس دا يكون اللي بينا بس، لا فلوس ولا عربيات ولا شقق ولا أي حاجة وتيجي تعيشي معايا مكان ما أنا هعيش، زي أي اتنين متجوزين، قولتي إيه؟.

ابتعدت عنه وارتدت للخلف وهي تقول بحنقٍ:

_أنتَ اتجننت يا "سليمان" ولا اللي بيحصلك دا خلاك عقلك فوت؟ أنتَ مين؟ من إمتى ودي شخصيتك؟ عاوزني أبقى مجرد واحدة في حياة راجل وخلاص؟ شايفني كدا؟ حتى لو يهمني العيشة والفلوس وكل اللي بتقول عليه، علشان دا حقي ومش مُطالب اتنازل لأسباب ماتخصنيش.

أيقن أنها لم تتغير، هي كما هي سطحية الفِكر والرأي، لذا حرك كتفيه بلامبالاةٍ ثم أنزل كفيهِ يُهندم أكمام قميصه وقال:

_خلاص براحتك، بس على العموم يعني المظاهر دي خلاص شطبناها، قفلنا الباب وجيبنا آخرها، اللي عندي قولته، عجبك على رأسي من فوق، مش عاجبك خلاص مايخصنيش وشكرًا لحد كدا، كانت فرصة سعيدة.

_ماشي يا "سليمان" براحتك، بس والله لأفضحك وأخلي الكل يعرف حقيقتك وإنك راجل زبالة زيك زي الصِيع بتوع الشوارع، وهاخد حقوقي كلها منك، وبابا لما يرجع وريني هتعمل إيه قصاده.

ابتسم بزاوية فمهِ واقترب يقف بجوارها يقول بتهكمٍ:

_يا خبر !! إيه قلة الأدب دي؟ إزاي صح أطلع زبالة كدا؟ حقك عليا طبعًا بس هو بابا مايعرفش إن بنته حرامية كانت بتسرق فلوس جوزها وتُشفط من البنك كل شهر قد كدا وتصرفه على شلة المقاطيع بتوعها؟ ولا مايعرفش إن ماما يا عيني عاملة مشاريع من وراه ومقومينها بفلوسي؟ تصدقي عيب عليا.

هذه المرة هي تفاجأت حقًا، أدهشها بمعرفته هذه الأمور، وقفت أمامه تحاول حفظ ماء وجهها لكنه عاد للخلف وقال بسخريةٍ:

_قولتلك ١٠٠ مرة أنا بعمل نفسي مش واخد بالي علشان المركب تمشي، بس المركب دي لو هتغرق وتغرقني معاها يبقى في داهية، ربنا يعوض عليا بقى، واحمدي ربنا إني راجل محترم علشان واحد غيري أنا كان جابك تحت رجليه وعمل فيكِ اللي هو عاوزه كله، بس أنا علشان محترم هانهيها بالأدب.

حديثه كان نقطة الختام في حكايتهما معًا..
لا يوجد ما يُقال بعد في هذه اللحظة، قال كل شيءٍ، لذا حفاظًا على ماء وجهها خرجت من البيت مُسرعةً ووقف هو في يحدق في أثر رحيلها ثم ارتمى على الأريكة بضيقٍ منها ومن العالم حوله.
____________________________________

  <"يقولون عن اللقاء الأول أنه الحُرية الأولى للفراشةِ">

حين تطير الفراشات تيقن أن الربيع قد حان..
وفي اللقاء الأول للفراشات مع الحُرية تشرق الشمس الغاربة وتعود الفرحة الغائبة، يجد المرء في هذه الحياة ما يجعله يستحق عَيشها.

اليوم اللقاء الأول بينهما..
لقاءٌ سمح به أبوه عنوةً بعد إلحاحٍ منه عليه، ولم يقبل بذلك فقط وإنما جعله يُقنع والدتها ويُقنعها هي بذاتها كي تقبل وتوافق على اللقاء هذا، من يراه يظنه عاشقًا من الطراز الأول، من يرى تصرفاته يحسبه رجلًا سقط في فخ العشق، جميعهم لم يعرفوا طريقته ولا بماذا يفكر وكيف يُخطط لمُرادهِ..

قابلها أخيرًا بعد ظهور غروب الشمس، وقف بجوار سيارته ينتظر نزولها من البناية، راقبها وهي تظهر أمامه من خلف الباب بطَّلتها الجديدة، سمراء شرقية بأعين ساحرة وهذا لا مفر منه، فتاة كل ما فيها جميلٌ، كل ما بها ساحرٌ، عيناها غريبة ومُميزة، واسعة بشكلٍ يخطف الأنظار، مرسومة بشكلٍ سبحان الخالق الذي أبدع في خلقها، أهذه هي "نـوف" الصغيرة القصيرة؟.

ابتسم بمجرد أن رآها فوجدها تقترب وهي تقول بحنقٍ:

_كان لازم يعني نتقابل؟ ما كنا اتكلمنا في البيت.

ضيق جفونه ثم تنهد يستغفر ربه وقال بعدها:

_معلش خليها عليكِ أنتِ واستحملي رزالتي.

_مضطرة وأمري لله.

جاوبتها بهذه الجملة ثم فتحت باب السيارة تجلس فيها، بينما هو كتم ضحكته ثم ولج يجلس بجوارها وتنهد بقوةٍ، وجدها تجلس وتضع رأسها على النافذة الزجاجية وضمت ذراعيها تقوم بتربيعهما، بينما هو ظل يُراقبها وهو يحاول إيجاد طريقة مناسبة لفتح الحديث معها، يود إخبارها عن الحياة القادمة عليهما سويًا، يُفند الحديث آلاف المرات على طرفهِ كي يخرج منمقًا.

وصل بها للمطعم الخاص برفيقه "آدم" الذي علم بقدومه وخصص له الطابق الثاني المفتوح مباشرةً، وصل بها وانتظر مجيء "آدم" الذي خرج له ورحب به ثم رحب بـ "نـوف" التي ابتسمت له بمجاملةٍ ثم تحركت خلف "غسان" للطابق الثاني.

خصصه "آدم" لأجلهما كأنهما عاشقان والمكان يُخلد قصتهما، انسحب من المكان بينما "نـوف" ابتسمت ثم قالت له بيأسٍ:

_مش شايف إن كدا كتير أوي؟ دا إحنا لسه بنقول يا هادي.

ضحك "غسان" هو الآخر ثم تنهد بقوةٍ وقال يُباشرها بالحديث:

_هو مقتنع إنه المكان هيكون وشه حلو عليا، المهم علشان أوفر عليكِ الوقت والتفكير، أنا هاقولك كل حاجة، بصي يا ستي أنا راجع من السفر وأمي قالتلي إن أبويا مصمم إني أشيل مسؤولية وأبقى راجل، بصراحة أنا راجل مغامر أوي، بحب أدوس في أي حاجة وأجيب آخرها، ومن البداية كان الكلام إن موضوعنا هيتم صالونات بالاتفاق مع والدك.

كانت تعلم هي هذا الحديث، لكنها آثرت أن تُنصت له وتستمع لكلماتهِ، آثرت أن تنتبه له وتفهم مقصده من الحديثِ، لذا حين أكمل وجدت نفسها تشعر بحريةٍ بعدما ظنته قيدًا لها:

_وكنت ناوي أكمل فعلًا، بس سبحان الله الحسبة كلها اتغيرت، ربنا أراد يبيض وشي قدام أهلي وأعرفهم إني مسؤول، ولما جيت بقيتي أنتِ المسؤولية دي، فمن دلوقتي بقولك اعتبري إن الموضوع زي ماهو كأنه ماشي صالونات ونتعرف على بعض، من غير حتة الأكشن دي ما تحصل وتفتكري إنك مفروضة أو إني مُجبر، علشان أنا بصراحة نفسي نكمل مع بعض.

ابتسمت رغمًا عنها وشعرت بالخجل حين أفصح بهذه الطريقة عن إعجابه، وجدت الخجل يكسو ملامحها فدارت بعينيها بعيدًا عنه، بينما هو ابتسم واستبشر خيرًا، لمح القبول في عينيها رغم موارتها له خلف خجلها، لمح التأكيد في مُقلتيها رغم أنها لازالت مُترددة، لذا كان يتمنى أن يكون بقدر ثقة "ناجي" فيه حين لمَّح بموافقته عليه قبل رحيله.

أمَّا هي فكانت تُفكر فيه هو بذاتهِ..
غريبٌ لأبعد الحدود، مُختلف عن الجميع وهذا ما تعهده فيه، رفيق الطفولة الأولى، ومشاكس المُراهقة الماضية، أصبح هو بذاته رفيق الحاضر والخاطب للمستقبل؟ غريبة الدُنيا معه حين تُعيدهما من جديد رغم كل ضياعٍ وغيابٍ.
____________________________________

  <"أنا وأخي كلًا مِنَّا يسيرُ بطريقٍ، والطريق لا يسير بِنا">

التوهم كارثة كُبرىٰ مُخيفة..
حين تحسب نفسك تسير في طريقٍ وكِدُت أن تصل فتُذهل حين تجد نفسك خارج الطريق والطريق لا يسير بك، أنتَ فقط تركض في ذات النقطة التي بدأت منها وظللت بمكانك تحاول، ومحاولاتك لم تكن كافيةً للوصولِ..

خرج "آدم" من المطبخ أخيرًا يجلس بموضع استراحته، أخذ شطيرة من صنع يديه يتناولها ومعها قدحٌ من القهوة العربية وجلس يأخذ قسطًا من الراحةِ، يرتاح قليلًا بعد عناءِ يومٍ بأكمله منذ باكورة الصباح في المطبخ يعمل بكل طاقته، يرأس طاقمًا بأكمله ويُحارب كي يبقى بنفس مستواه دون أن يسقط..

تذكر أمر "عُـلا" فعاد الضيق يُخيم عليه، تذكر أنها ستختفي من جديد وتفصل المدن بينهما، تذكر أمر رحيلها وأمر حديثه مع عمته كي تُقنعها بالبقاءِ معهم، تمنى أن تنجح عمته في هذه المحاولة، فتح هاتفه كي يطمئن عليها فوجد "ورد" تُطلبه، عقد حاجبيه وهو يرى محاولات الوصول له وفتح المكالمة فوجدها تقول بعتابٍ:

_أنتَ فين يا "آدم" من الصبح؟ بحاول أوصلك.

زادت حيرته وجاوب بدهشةٍ من طريقتها:

_ما أنتِ عارفة يا "ورد" لما بكون في المطبخ بقفل الموبايل خالص، حصل إيه ومال صوتك كدا؟ حصل حاجة من العرر اللي عندك دول؟.

هذه المرة لن تقبل بالصمتِ، لن ترضى بالسكوت عن الحق مهما كان الثمن لذا ازدردت لُعابها وقالت بصوتٍ بان فيه توترها:

_بص هاقولك علشان وعدتك إني هاقولك كل حاجة تضايقني، بس أوعدني إنك تسمعني وتتصرف صح، بلاش تتهور علشان خاطري وتعمل حاجة تضرك، يا كدا يا مش هاقول حاجة.

_"ورد" !! بلاش المقدمات دي، قولتلك الكلام دا بيعصبني أكتر، مين فيهم زعلك وأوعدك مش هعمل حاجة من غير ما أفهم، بس انجزي بقى أعصابي مش متحملة ومش نايم كويس، خلصي.

تحول حديثه للجمود تلقائيًا، أصبحت نبرته جامدة حتى وبخت نفسها على تسرعها، لكنها لم تجد مفرًا، هي تخشى على نفسها في هذا البيت وتبحث عن حلٍ يحميها، فما توقف اليوم قد يُصيب ويحدث في الغدِ، لذا بدأت الحديث وهو بموضعه يتحول لكتلة مشتعلة كما الجمرِ المُلتهب..

في بيت "الشيمي" خاصةً بشقة "ربـاب" جلست مع زوجها تستشيره في أمر "عُـلا" ورحيلها وعودة "أدهـم" من جديد، فقال هو مؤيدًا هذه الفكرة بقوله:

_بصراحة أنا شايف إنها ترجع من تاني اسكندرية و"آدم" يأمنها هناك و "أدهـم" يرجع هنا تاني بيته وشقته، أو "آدم" يشوفلها شقة هنا قريبة أو في عمارة من عند "أدهـم" طالما هي مصممة، وطالما "آدم" محتار بينهم، عارفة لو "أدهـم" يعقل ويدور على بنت الحلال ويشوف حياته الدنيا هتبقى أسهل كتير، بس هو روحه هنا في بيته وأخوه وحياته، و "آدم" من غير "أدهـم" يخاف ومايعرفش يتصرف، الحل فعلًا إن "عُـلا" تبقى بعيد عنهم.

فرغ فاه "ربـاب" وومضت بعينيها تفكر في حديث زوجها، تبحث عن الحلِ فعليًا من وسط كلماته، تخشى على الثلاثة وترى الإصرار في رحيل الفتاة، تعلم أن "آدم" لن يعود كما كان برحيلها، و"أدهم" سوف يحمل نفسه ذنبًا عظيمًا، لذا عليها أن تؤلف بين قلوبهم.

بعد مرور ساعة بالتقريب كان "أدهـم" حضر لها، طلبت منه القدوم فأتىٰ إليها، جالسته وظلت تسأله عن أحوالهِ وهو يرد بعجبٍ في الأمر، طريقتها غريبة وحديثها أغرب فقال بفقدان صبرٍ:

_عمتو !! فيه إيه لكل دا؟ من إمتى الأسئلة والتحقيق دا؟ حصل إيه؟.

_جايبالك عروسة.

ضحك فورما نطقت هي وضرب كفيه ببعضهما بيأسٍ منها، افتر ثُغره ببسمةٍ تهكمية وقال ساخرًا:

_قولي كدا بقى، رجعنا للسيرة الهباب دي؟ مين بقى المرة دي؟.

_عروستك هتبقى "عُـلا" أخت أخوك "آدم".

جملة هزلية قالتها بثباتٍ غريبٍ، من يسمعها يظنها مزحة، ومن يراها يظنها تشاكسه، لكنه وحده يعلم أنها حقيقة لا مفر منها، عمته هذه المرة لا تمزح، نبرتها تُقر لا تستشير، صوتها يؤكد لا يُشكك، نظرتها صارمة لا تقبل رفضٍ، وهو يجلس بصمتٍ طوع التنفيذ...





تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة