
رواية جمعية حب الفصل السادس عشر 16 بقلم شمس محمد بكري
|| عصفورٌ كسرت أمه جناحيهِ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
حين تأتيني قد تراني في نهايتي..
حين أكونُ رُكامًا فوق بعضهِ كبنايةٍ هُدِمت فوق رأس صاحبها، وقد لا ترى مني إلا كل خرابٍ وأنا في الحقيقة قلبي كان عامرًا، وقد لا تلمح من ضوئي إلا تُرابًا بعدما احترق كُلي،
رُبما لا تجد فيَّ إلا بعضي، وفي صميم الأمرِ أنا تاه مني كُلي،
فَقُل أنتَ لي، ألم تلمح يومًا أنني لم احترق إلا لأجلك أنتَ؟ لم ترَّ أنني ذات يومٍ بخلت على الناسِ جمعًا وأولهم نفسي بالضوء وارتضيت لنفسي الظلام كي أنير لكَ عالمك؟
أيعقل أنك لم تلمح منيّ إلا تُرابًا، وأنا الذي كان يحرق نفسه كل يومٍ لأجلكَ أنتَ؟.
<"نفس المسار يؤدي لنفس النهاية ولو تغير سَيرك أنتَ">
لن ينجُ المرء من نهايةٍ يسلك لها نفس المسار..
ولو غير الإنسان طريقة السير بذاتها، ستظل النهاية كما هي محتومة، لا سرعته ولا تسكعه يُغير في الأمر شيئًا لطالما هو يختار نفس الطريق الذي تبقى نهايته معلومة، فمن يركض كوحشٍ في البريةِ ويُصارع الأسود لن يحصل على شيءٍ وهو يركض خارج الغابة، وكذلك من يُبحر ويصل للعُمق في الصحراء لن يفلح حين يصل للشاطيء، لذا لا تتوقع نهاية جديدة من طريقٍ لم تُجدده أنتَ..
بعد مرور ساعة بالتقريب كان "أدهـم" وصل البنايةَ وحضر لها بعدما طلبت هي منه القدوم فأتىٰ إليها، جالسته وظلت تسأله عن أحوالهِ وهو يرد بعجبٍ في الأمر، حيثُ طريقتها غريبة وحديثها أغرب فقال بفقدان صبرٍ حيال تحقيقها معه:
_عمتو !! فيه إيه لكل دا؟ من إمتى الأسئلة والتحقيق دا؟ حصل إيه؟.
_جايبالك عروسة.
نطقتها مُباشرة بغير تزيين أو تزييف، وفورما نطقت هي وقد ضرب كفيه ببعضهما بيأسٍ منها، افتر ثُغره ببسمةٍ تهكمية وقال ساخرًا:
_قولي كدا بقى، رجعنا للسيرة الهباب دي؟ مين بقى المرة دي؟.
_عروستك هتبقى "عُـلا" أخت أخوك "آدم".
جملة هزلية قالتها بثباتٍ غريبٍ، من يسمعها يظنها مزحة، ومن يراها يظنها تشاكسه، لكنه وحده يعلم أنها حقيقة لا مفر منها، عمته هذه المرة لا تمزح، نبرتها تُقر لا تستشير، صوتها يؤكد لا يُشكك، نظرتها صارمة لا تقبل رفضٍ، وهو يجلس بصمتٍ طوع التنفيذ، رُبما يكون ظنها مرةً بخياله لكنه لم يتوقعها منها بهذه السرعة، بينما هي فرسمت ثباتًا ببراعةٍ، أجادت الاتصاف أمامه وهي ترى ملامحه تتبدل، بينما هو فقال مستنكرًا:
_نعم !! عمتو بالله عليكِ مش ناقصة هي هزار في المواضيع دي بالذات وأنتِ عارفة، بعدين "عُـلا" زي أختي، أنتِ أهو بتقولي أخت أخوك، مستوعبة جُملتك؟.
وبنفس الثبات والجدية التي لم تَشُبها شائبةِ هزلٍ قالت:
_مستوعبة آه، هتحرم حلال ربنا؟ ماهي تجوزلك وتحل ليك، وبعدين مالها البت؟ أدب وجمال وأخلاق وبت تسد في وش النار متخافش، الراجل هيعوز إيه تاني غير كدا؟ يا "أدهـم" لو فضلت ترفض عمرك ما هتلاقي بنت زي دي، البت مش وش بهدلة، كفاية عليها لحد كدا، عاوزة ترجع اسكندرية علشان بس ترجعك بيتك، مش عاوزة تفرقك عن أخوك.
_يبقى الحل إني اتجوزها؟ مفيش حلول تانية؟ يا ستي أجيبلها شقة هنا وتبقى معانا هنا وتحت أمرها في اللي تطلبه كله، مش هخليها تحتاج حاجة أو لحد، بس أتجوزها؟ دي كبيرة أوي.
_خلاص أعمل كدا وخلي "آدم" بقى يعرف إن أخوه مش عاوز أخته معاه، وبالمرة خلي "آدم" يمشي معاها ويسيب الشقة وكل واحد فيكم يشوف طريقه بعيد عن التاني، رغم إنك عارف إن لو دا حصل النفوس هتتغير يا "أدهـم".
أذهلته بردها حين جاء حاملًا هذه الصيغة مما دفعه كي يسألها:
_وهو إيه اللي هيعرف "آدم" إن دا حصل؟ أنتِ عرضتي عليا وأنا رفضت وخلاص، بعدين أنا ماشتكيتش منها، رضيت وخلاص إنها قاعدة مع أخوها وأنا ممشي حالي لحد ما ربنا يكرمها وأشوف شقة جنبنا هنا حتى لو إيجار.
وجاء الرد عليه بسؤالٍ فضولي:
_قولي يا "آدم" هي لو جالها عريس من حوالينا أنتَ هتقبل؟.
من جديد تُذهله بسؤالها، وتلك المرة حقًا نفذ صبره فقال:
_هي مش مخطوبة أصلًا؟ بعدين هو في إيه؟ أنتِ محسساني إننا مقطعين الدنيا حُب أنا وهي؟ دا مفيش مرة شوفنا بعض غير وقطعنا فروة بعض فيها، يا ستي لو راجل ابن حلال وهيصونها وشاريها على بركة الله.
ابتسمت هي ببرودٍ ووضعت قدمًا فوق الأخرى ثم قالت بثباتٍ:
_لأ ماهي سابته خلاص، وخلاص اعتبرني لاقيت العريس دا اللي هيعوضها، أصل خد بالك مفيش راجل هيلاقي ظروفها دي من غير ما يكسرها ويستغلها، لكن ابني أنا عارفاه، عمره ما ساب حد في ضيقة، ما بالك ببنت أصول زي دي أبوه ميت وموصيه عليها؟ نسيت وعدك ليه؟ مش قولتله لو لاقيتها هتحطها في عينك وتخليها مع أخوها؟ واضح وعدك ليه أهو.
لمست بكلماتها الوتر الحساس فيه، مست فيه الجزء الأكثر تأثيرًا بشخصهِ، وقد طالعها هو بنظراتٍ مُختلفة، عيناه تختصاها بنظرة رجاءٍ أن تَكُف عن الحديث بهذه الطريقة، بينما هي فتنهدت وقالت بصوتٍ تلون كُليًا بصبغة الحزن:
_يا "أدهـم" علشان خاطري خليني أفرح بيك، مش هتلاقي زيها تاني والله العظيم، أنا عاوزة أحافظ عليها من الناس والبهدلة ومن عيلة أبوها الأندال، ومن خطيبها المقشف دا كمان، عمومًا أنا سبقتك وكلمت "آدم" وقولتله إنك طالب إيد أخته، شوف بقى هتقوله إيه لما تقوله خلاص رجعت في كلامي، أختك ماتلزمنيش، وقبل ما تتفلسف عليا هقولك اعتبرها زي أي عروسة صالونات، تتفاهم معاها وتتفقوا مع بعض، يمكن يابني ربنا يكون مأخر رزقك لدلوقتي علشان أنتَ رزقها هي.
حديثها الأخير أثار شيئًا ما في داخلهِ، شيءٌ ما في روحهِ تلجلج لأجل هذا الكلامِ، لذا حين لمحها تتحرك التزم الصمت، وجلس يفكر مع نفسهِ ما المانع من المحاولة؟ ما المانع من التريث بدل التعجل في أمورٍ هامة مثل هذه؟ لمَّ التسرع؟ ألم تكن هذه سُنة الحياة؟ الزواج والبيت والعائلة والحياة المثالية التي يسمع عنها من الكثيرين؟ أهيه الفرصة تأتيه،
هل يسلك مسلك الهرب منها ويتوقع نتيجة مُغايرة لهذا؟.
في الداخل ولجت "ربـاب" الغرفة وهي تتركه لنفسه، تتمنى أن تفلح في إقناعه كما سبق ونجحت مع أبيه فيما سلفَ، الزمان يدور والأيام تُعاد وهي بنفس الموضع، هي التي تتحكم وتُقرر وتأخذ دور المُصلح الإجتماعي، لكن تلك المرة هي الأهم، تلك المرة فتاة وحيدة في حاجة سندٍ صالحٍ يأخذ بيدها قبل أن تدور الأيام عليها.
شردت فيه وفي زمنٍ مضىٰ عليهم جميعًا وعادت على صوت طُرقاته فوق باب الغرفة، تنهدت بثقلٍ وهرولت نحوهُ تفتحه فوجدته يقف شريدًا وتائهًا، مدت يدها تلمس كفه فزفر بضيقٍ ثم قال:
_أنا هحاول علشانك أنتِ وهعمل اللي عليا، بس لو هي رفضت هتتحملي أنتِ اللي جاي كله بعد كدا، سواء منها أو من "آدم".
انفرجت أساريرها فورًا وخطفته لعناقها بفرحةٍ، خطفته بملامح تهللت ملامحها فرحًا به، كأنه يُراضيها أخيرًا بتلك الموافقة، يراضي قلبها من ناحيته كونه وحيدًا في هذه الحياة لم يقبل لنفسه بها أنيسًا، وتلك المرة بمجرد أن رفع هو رايته يعلن استسلامه لها سوف تتولى هي الأمر بأكمله حتى تضع مشهد الختامِ كما تُحب.
____________________________________
<"حين سمحنا لك بدخول الحقل واجبٌ عليك احترام الوردِ">
حين يُدخلك صاحب الحقل أرضهِ عليك أن تحترم قوانين الحقل..
عليك أن تُراعي كل وردٍ به وتُراعي كل شبرٍ فيه، عليك أن تُراعي حياة الورد وترعاه كي يُزهر من جديد، فإذا كان الورد يُعيطك الرحيق، بماذا تُفيده أنتَ؟.
أنهى "آدم" عمله وخرج من المطعم مُسرعًا بخطواتٍ واسعة، يسير وهو يضرب الطرقات بخطواته الواسعة ومن بعدها قاتل بالسيارة كي يصل، لقد فاض به وطفح الكيل من تلك العائلة التي لم يكن لها إلا الندم على ضياع شخصٍ مثل "ورد" من أيديهم، كان في الطُرقات تائهًا حتى وصل للمنطقةِ التي تسكن بها أخته ولمح "خلف" يجلس في مقهى شعبي مع أحد المتحذلقين الرعاع أمثاله، فشعر كأنه أسدٌ ووجد فريسته.
هرول من السيارة ثم نزل وقبض فوق مرفقه بقوةٍ ونطق من بين أسنانه بجمودٍ كأنه لم يزل يتحكم في غضبهِ منه:
_اسمع يا "خلف" علشان أنا صبري نفد منك خلاص، أنا إذا كنت سايب أختي عندكم فدا علشان خاطر أبوك وأمك اللي أنتَ مايخرجش من ذمتك ترعاهم وتناول واحد فيهم كوباية مياه، لكن توصل إن الشمامين بتوعك يخبطوا عليها في نصاص الليالي دا اللي مش هعديه، عاوز تقعد في البيت يبقى باحترامك، والقرف بتاعك دا تشوفلك غُرزة تلمك بيه.
أحس "خلف" بالإهانة وكأنه يسكب الثلج فوق رأسه الساخنة، اشتدت ملامحه وقام بدفع يد الآخر بعيدًا عنه وقال بنبرةٍ عالية تعلو فوق صوت الحق ولو بالباطل:
_مافي داهية ياعم أنتَ هتاكل دماغنا؟ بعدين أنتَ مالك بيتي وأنا حُر فيه، هتعلمني أقعد في بيتي إزاي؟ بعدين أختك كدابة محدش جه جنبها، تلاقيها عاوزة تخلع فعملت الفيلم دا علشان تروح عندكم، خدها ياعم وماتاكلش دماغنا.
لاحظ الجالسون ارتفاع صوتهما وهُم على علمٍ بصلة النسبِ بينهما فتدخل أحد الشباب يفصلهما عن بعضهما وقال بصوتٍ ودود وهو يحل وثاق العِراك الناشب بين نظراتهما:
_خلاص يا شباب وحدوا الله أنتوا أهل برضه، خلاص يا "خلف" عيب كدا الراجل عند بيتك ومايصحش كدا، خلاص يا شباب وحدوا الله وصلوا على النبي كل حاجة هتتحل بالعقل.
أرشقه "آدم" بنظرة نارية ثم دفع يده عنه ورحل، التفت يُغادره ويغادر المكان وقد قصد الطريق نحو بيت أخته، صعد أولًا لها هي وطرق الباب بعنفٍ فوجدها تفتحه له وأكثر ما استطاع النطق به كان:
_لميتِ حاجتك خلاص؟.
حركت رأسها موافقةً بحيرةٍ لاحت في عينيها بينما تجاهل هو هذه النظرة وولج يحمل الحقيبة الكبيرة ثم استعد للرحيل بعد أن جعلها تُتمم على كل شيءٍ وأغلقت شقتها قبل الرحيل، نزل بها حيث شقة حماها وطرق الباب ومن سوء حظه أن أول من واجهته كانت "خيرية" التي لوت شفتيها ورمقته بنظراتٍ حادة لم تخلُ من الفضول، لكنه قال بثباتٍ وهو يتجاهل التحدث معها:
_فين عم "مرسي" عاوزه في كلمتين.
_نايم، قول الكلمتين اللي عندك وأنا هوصلهم.
ردت عليه ببرودٍ وملامح غير مُكترثّة بما يقول بينما هو فتلك المرة انحلت عُقدة الصبر من عُقل أصابعه، فقال بصرامةٍ تعهدها هي منه وتعلم شخصه كيف يتصف بها جيدًا:
_طب طالما الرد بقى على الستات أنا بقى هاقولك، أختي عندنا أهيه محفوظة ومتصانة في بيتها طالما الدكر اللي هنا مش مقدر حُرمة البيت ولا بيحافظ عليها، أهيه موجودة عندنا مع أخواتها ورجالتها لحد ما ابنك يرجع بسلامته، وكدا كتر خيرنا أوي، المرة دي واحد حشاش خبط عليها، المرة الجاية هيتهجم عليها؟ بلاها الوساخة دي كلها، طالما مش مقدرين قيمتها بقى.
توسعت عيناها واندهشت حين وصلها حديثه، بينما زوجها فدفع مقعده بقدر ما سمحت له طاقته ونطق بنبرةٍ أعربت عن انكساره بقوله:
_أنا سمعتك يابني وماعرفش إيه اللي حصل بس لو زي ما بتقول أنتَ فدا حقك وحق أختك، واللي مش هرضاه لبنتي مش هرضاه لبنات الناس، بس والله العظيم ما أعرف ولو كنت أعرف كنت كسرت إيده، لو فيها موتي كمان، اعذرني يا بني لو الصحة زي الأول كنت عملت حاجة، بس أديك شايف أهو، أنا مش زي الأول، حقك عليا.
رمقته زوجتهُ بنظراتٍ حادةٍ وكأنها تتمنى له موتًا في الحالِ، بينما "آدم" فأمسك يد أخته واستعد كي يرحل بها من هذا البيت، ولأول مرةٍ ترحل هي بهذا الصمت القاتل، حتى تلك المرة لم تخبر زوجها كما تفعل دومًا، وكأنها أدركت أنها وردة لا تستحق أن تُهان بمثل هذا الشكل الذي تُعامل به، تلك المرة بكل هدوءٍ غادرت أرضهم لعلهم يُقدرون قيمة الذي كان طوع يديهم.
في داخل السيارة جلست بجوار "آدم" الذي كان يتعامل هو وهي مُسيرةً خلفه وما إن لمح انبساط ملامحها تعجب منها ثم سألها وهو يستعد للقيادة:
_شكلك مبسوط يعني !! غريبة دي منك.
حركت عينيها نحوه ثم ابتسمت له وقالت بنبرةٍ بان فيها أثر فعله:
_علشان بفرح لما ألاقيك متصدرلي في حاجة وواقف تدافع عني كدا وتتصرف مكاني، ماكنتش عاوزة أعرفك علشان خوفت عليك بس المرة دي أنا بجد كنت خايفة وماعرفتش أنام ليلتها، وهسيبك أنتَ تعرف "منتصر" المرة دي كمان.
ابتسم هو الآخر ثم مد كفه يُربت فوق حجابها ثم تنهد وأمسك هاتفه وهو يصبُ كل تركيزه في الطريق وقال إبان فتح هاتفه:
_قولتلك ١٠٠ مرة أنا في ضهرك ومعاكِ في أي حاجة، بعدين كنتِ هتكستي ليه؟ وعلشان مين؟ إذا كان اللي بتشيلي خاطره دا مش مكلف خاطره ياخد خطوة واحدة علشانك، أهي "عُـلا" سابت المعفن خطيبها، عقبال ما عقدتك تتحل.
شهقت "ورد" بذهولٍ ورددت خلفه مستنكرةً لكنه لم يُبالِ كثيرًا، أو بالأحرى لم ينتبه لها حيث سرقت الرسالة التي لمحها كل حواسه، رسالة من عمته جعلته يضيع عن العالم حوله، لتوهِ انتبه لها كتبت له:
_أخوك "أدهـم" عاوزك في موضوع مهم، عاوز يطلب منك إيد "عُـلا" أختك ومستنيك عندي الليلة دي، حاول متتأخرش علينا.
رفع عينيه من جديد للطريق ولازال شاردًا بغير وعيٍ، لم يزل تائهًا حتى عن تلك التي تجاوره وهي تُحادثه وتسأله عن سبب الصمت المُطبق عليها من طرفهِ، بينما هو ما إن انتبه لها زفر بقوةٍ ورمى الهاتف ونطق بحيرةٍ حقيقية كأنه يستفتيها:
_"أدهـم" أخويا عاوز يتجوز "عُـلا" أختي.
تلك المرة شهقت "ورد" بسعادةٍ وفرحة حقيقية زينت وجهها ومُحياها، الخبر رد لها الفرحة من جديد وكأنها كانت تنتظره، بينما هو فعاد من جديد لقوقعة صمته والتزم السكوت منه ولازال عقله يعمل ويدور ويُفند المُعطيات كي يستدل على بُرهانٍ يُحل له عُقدة المسألة.
بينما في طرفٍ آخرٍ حيث بيت "مُرسي" بالتحديد..
صعد "خلف" كما كتلة النار مندفعًا نحو البيت، مثل الحِمم البركانية انطلق نحو الشقة وولجها مثل الإعصار وما إن وجد أمه هدر في وجهها مُعبرًا عن غضبه:
_هي مرات المحروس ابنك هتعلمنا الأدب في بيتنا؟ مش عاجبها تغور في داهية مطرح ما جت، لكن أنا محدش يقول أعمل إيه وماعملش إيه، بعدين مفيش حد خبط عليها، دا حوار علشان تجيبها تلاكيك وتروح عند أمها تخربها هناك.
سكتت أمه بينما أبوه فضرب يد المقعد بكفه وهدر فيه رافعًا صوته وغضبه أيضًا:
_قطع لسانك على راسك عيل قليل الأدب، لم لسانك ولم نفسك يا زبالة الناس أنتَ، تتكلم عن مرات أخوك بأدب وتحترمها وتحترم نفسك إذا كنت تعرف يعني إيه إحترام أصلًا، على آخر الزمن هتيجي أنتَ وتتكلم عنها؟ أقسم بالله لأكون راميك في الشارع زي الكلاب علشان تلم نفسك.
تحدى هو والده بنظراتهِ فتدخلت "خيرية" تقول بعنفوانِ امرأةٍ شديدة الرأس وداهية العقل:
_خلاص يا "مرسي" هو يعني كان غلط في إيه؟ هي وأخوها اللي نازلين فحت وردم فينا، بدل ما ترد عليهم هما؟ أهيه راحت مطرح ما راحت تكلم جوزها بقى يشوفلها حل في مشيانها كل شوية دا، دي مش حركات بنات أصول دي، دي حركات ناس مش عاوزة تعيش.
طالعهما "مُرسي" بنظراتٍ حادة ثم قاد مقعده وساقه وتحرك به من أمامهما وأخذَ يرطنُ بالكلامِ مُغمغمًا بسبِهما سويًا، بينما "خـلف" فدفع الطاولة بغضبٍ ثم ولج الغرفة كما شظايا النيران حين تنطلق لوجهتها، وفي داخله أقسم على رد الصاع صاعين لتلك المسماةِ "ورد" حتى يُعرفها كيف تُهينه وتُستهان به في أرضه وبيتهِ.
____________________________________
<"قالوا قلب الظالم كتلة نارٍ وقلب المظلوم موجة صيفٍ">
في قلب المظلوم لن تجد مدينة محترقة..
سوف تجد مدينة كاملة عامرة بالبرودة، مدينة ثلجية أمام تجبر الظالم الذي يحترق قلبه حتى يكاد يكون رمادًا، فسبحانه رب العالمين حين يُنزل السكينة على قلوبٍ أحرقها بشرٌ فرد لهم مظلمتهم حين أنزل سكينته على القلوب الخاربة..
كان البيت شبه هاديءٍ، عادت "سُعاد" فعاد معها السعدُ كما يقول "سُليمان" خاصةً حين ابتسم لها "سالم" مُرحبًا بها بصمتٍ من عينيه، كانت "ثُريه" في أسعد أحوالها بقدوم ابنة شقيقتها لها، وكما المعتاد دارت الأحاديث بين الفضول والضحك والمزاح حتى أتى "سُليمان" وجلس معهما، كان شاردًا في اللقاء الأخير بطليقته، ويا للعجبِ منه لقاءٌ..
أين الشوق؟ أين لوعة الغياب؟ أين الأسباب التي كان يبحث عنها كي يدافع ويتولى مرافعة لأجلها أمام عقله؟ أين كل شيءٍ كان يدخره لأجلها؟ لم يجد إلا الخيبة منها، لم يجد إلا الندم أنه سلك طريقًا لأجلها هي، لم يجد إلا ضحكة العقل بسخريةٍ على قلبه الذي رمى نفسه ببراءةٍ في قلبها وحُبها..
لاحظت "سُعاد" ملامحه الشاردة فقالت بسخريةٍ:
_يا سلام؟ ما تفكر تاني وترجعها لذمتك بدل ما أنتَ سرحان فيها كدا وهايم بيها، بعدين أنا مستغربة إزاي طلقتها بسهولة كدا؟ يا شيخ دا مايجيش حق حربك علشانها.
انتشلته من الشرود لينتبه لها ثم تنهد بقوةٍ وتشدق بنزقٍ:
_تعرفي عني كدا؟ دي لو آخر ست في الدنيا كلها مش هرجعلها.
_ليه يا "سليمان" كل دا؟ وحُبك ليها طيب؟.
وجاء الرد المُصمت بملامحه الساخرة حين قال:
_ماهو اللي بنفضل نتباهى بيهم دول هما اللي بيدونا على دماغنا، بنراهن على ناس متستاهلش أي حاجة، يلا راحوا لحال سبيلهم وسابونا في حالنا، بس بجد باب رجوعي أنا و"مها" اتقفل خلاص، الحمدلله جت على قد كدا وربنا يعوضها بكل خير، ويقدرني وأعدي بكل دا علشان "سليمان" اللي كنت عارفه مش لاقيه.
اشفقت عليه ابنة خالته وتحركت تجاوره ثم قالت ببسمةٍ بشوشة:
_ربنا يهون عليك ويردك لنفسك من تاني، مش عاوزاك تزعل نفسك كلنا عارفين أنتَ مين وأخلاقك إيه وكلنا عارفين إنك كنت بجد كتير عليها، كان لازم تقرب وتجرب بنفسك علشان ماتبقاش جبان في عين نفسك بعد كدا، بس والله العظيم من ساعة ما عرفت من خالتو كل اللي حصل وأنا فخورة بيك أوي، مبسوطة إنك بتفضل تحاول ولسه بتحاول كمان وكمان.
تنهد هو بقوةٍ بينما أمه همست بصوتٍ بالكادِ يُسمَعُ منها:
_ما تشوف حل يا "سليمان" أخوك مش مبطل سؤال عنهم، عينه مليانة كلام وهو مش قادر ينطق بحاجة، خايفة يعرف إنهم معاها ينتكس تاني دا أنا ما صدقت لمحت عيونه، عارفة إني بضغط عليك وبحملك فوق طاقتك بس أنا وهو مالناش غيرك.
تنهد "سُليمان" ومسح وجهه بكلا كفيهِ ثم رد الهمس بالهمسِ ذاته وبنفس النبرة الخفيضة قال:
_والله مش ساكت، ونفسي دلوقتي يكونوا في حضني خصوصًا بعد موضوع الضرب اللي "أدهـم" قالي عليه بس أنا مش هقدر أتحرك علشان مش ضامن هي عاوزة إيه، دي معاها حكم محكمة بيهم، يعني ممكن أتسجن، وأنا والله مش خايف على نفسي، أنا خايف عليكم أنتوا منها، دي دلوقتي بتتحكم في فلوس وملك، يعني عادي تطردكم في غيابي، بس هحاول والله.
وعدها وقلبه الحُر يُقسم أنه أسيرٌ، وعدها وأشد ألمًا مر عليه هو هذا الوعد الذي لم يستطع هو أن يوفيه لأمهِ، وعدٌ بنكهة المستحيل يشبه أمنيةً وإذا تحققت وأصبحت ملك يمينه، القضية لم تكن سهلة وتلك لم تكن مشكلته، مشكلته الأكبر أن خصمه لم يكن طرفًا هينًا؛ بل هي الطرف الذي يكذب لأجل لملمة تصديق الناس، والذي يسعى في الضلال لجعل الباطل حقًا..
وعند ذكر الحق الباطل في سيرتها..
كانت على لقاءٍ بمحاميتها "رحمة المُشير" تلك التي أصبحت تُلِح عليها مؤخرًا بشأن القضية وتخبرها أن هناك المزيد من التطورات التي جدت بسير القضية، ولهذا السبب كانت "صابرين" تقطع الطُرقات بشق الأنفس كي تصل لها، وبالمكتب تركتها "رحمة" تجلس في انتظارها بالخارج قُرابة الساعتينِ، تركتها تجلس بمللٍ حتى احترقت وأمست رُفاتًا..
كانت "رحمة" تطل عليها من كاميرا مراقبة مكتبها وما إن لمحت مللها وضيقها أحست بالانتصار اللحظي عليها، ابتسمت بتشفٍ فيها ثم طلبت من "يارا" مساعدتها أن تُدخلها، وقد ولجت "صابرين" بملامح مقتضبة ونطقت بضجرٍ أثناء الدخول:
_جرى إيه يا متر؟ سايباني كل دا هموت من القلق برة وأنتِ اللي مدياني الميعاد والمكتب فاضي من بدري، بعدين بتكلميني مرة وتتهربي مرتين، وتسكتي شوية، آخرته إيه دا كله يعني؟.
انتبهت لها "رحمة" وحركت كتفيها ببساطةٍ ثم قالت ببرودٍ:
_أعمل إيه يعني؟ وقتي مش ملكي وأنتِ عارفة، عمومًا لازم تيجي تقعدي دلوقتي وتلحقي الكارثة اللي باقينا فيها، أتقدم طعن في المحكمة على الحكم اللي خدتيه، وبطريقتي كدا عرفت إن فيه تقارير طبية اتقدمت علشان الطعن يتقبل، وللأسف التقارير دي خاصة بـ "سالم الإدريسي" ودي طبعًا كارثة.
بُهِتَت ملامح "صابرين" وغُمَّ صَدرها بالهمِ، كأن الهم غطاها بسحابةٍ رمادية أخفت عنها شعاع الشمس، وفي هذه اللحظة لم تجد من الحديث ما يُقال، ظلت صامتة تدور بعينيها في المكان كأنها تبحث عن مخرجٍ لكن "رحمة" تحركت من موضعها واقتربت منها تقول بهدوءٍ غريبٍ:
_شوفي !! أيًا كان اللي حصل واللي عملتيه علشان توصلي لكل دا لازم أنا الوحيدة اللي أكون عارفة عملتي إيه، لأن دا مش ضرر ليكِ لوحدك، دا أنا هاروح في داهية قبلك، لأني المحامية اللي قدمت ولعبت وكتبت وزورت، فدا مش هيفيدك بحاجة غير إنك تقولي جوزك فعلًا مريض ولا ألحق أشوف حل؟.
_حل !! هو فيه حلول تانية؟.
نطقتها "صابرين" مُتلهفة بلوعةٍ مما جعل الأخرى تقول بثباتٍ لم يكن طيبًا حيثُ ارتسم الشر فوق ملامحها واتضح بعينيها:
_آه طبعًا، فيه حلول كتيرة أهمها الحلول الودية حاليًا، إننا نعمل هدنة بينك وبين "سليمان" وتخلي معاه ولاد أخوه علشان يروح يسحب الدعوى دي وكأن مفيش حاجة حصلت؛ دا لو وافق ورضي يقبل بالصُلح، فأنا مش قدامي أي حاجة غير إني ألحقك، أو ألحق "سليمان" قبل ما يهدني أنا، يا كدا بقى يا أطربقها عليكم أنتوا الكل، ها ناوية تعملي إيه؟.
لازالت "صابرين" تائهة في عُمقها، للأسف كل التدابير خانتها، وكل الأشياء خرجت من حساباتها، تأخر أمر سفرها وأمر تحصيل المال لها وأمر هروبها بالصغيريْنِ، وها هي الحقيقة تُكشَف على رأسها وتسقطها وتُغرسها بالوَّحلِ، لذا نبست بخوفٍ من حديثها:
_طب ينفع تساعديني؟ خليني آخد عيالي وأمشي من وسطهم، مش عاوزة حاجة تانية غير إني أمشي وأروح بيهم في أي مكان تاني غير دا، خصوصًا بعيد عن "سالم" و "سليمان" أنتِ ماتعرفيهمش، دول جبابرة، "سالم" اتجوزني بالغصب وخلفت منه برضه بالغصب، لو بأيدي كنت خلصت منه، بس هو وأخوه فضلوا يلعبوا بيا، واحد رسم أنه بيحبني ولما دخلنا في الجد جوزني أخوه، دمروني، علشان كدا نفسي ربنا يشفي غليلي منهم.
توسعت عينا "رحمة" ورفرفت بأهدابِها وهي تقول بذهولٍ:
_يا خبر !! هما إزاي مقرفين كدا؟ بعدين "سالم" جوزك إزاي يقبل على نفسه وضع زي دا؟ أخوه بيحب واحدة ولما زهق لبسهاله وهو وافق؟ وأكيد طبعًا بحكم القرابة بينكم الموضوع تم علشان السُمعة، بجد شوفتي كتير وحقك عليا، بس من دلوقتي لازم نمشي مع بعض، أنا هكون متصدرة ليكِ، يعني أي حاجة أنا اللي في وش المدفع، بس هحاول لحد ما أخلصك أنتِ وعيالك منهم، أصل صعب الإنسان يتأقلم في وش الذكريات كدا، أكيد مش سهل عليكِ تنسي عمايلهم معاكِ.
_أنتِ أكتر واحدة حاسة بيا يا "رحمة" وحاسة باللي بمر بيه، علشان كدا وثقت فيكِ بشهادة كل الستات اللي ربنا قدرك وقدرتي تردي ليهم حقوقهم، أنتِ بجد ناصفة الستات في مجتمع كله دايس عليها وعلى حقوقها.
ردت بهذا الحديث لتغصب الأخرى شفتيها وتُجبرها على التبسمِ، وقد شردت في حالها، هل يُعقل أن تصبح هي ناصفة المظلومين وهي أول من ظلم وتجبر؟ هل يُحق لها أن تنل شرفًا كبيرًا مثل هذا وهي على رأسِ المظلومين ثم اعتلت جبل الظالمين لتسكن قمته؟ أيعقل أن تحترق المدينة بقلبها وهي فقط تعيش بدور الظالمة؟ فماذا عن حرقة قلب المظلوم إذًا؟..
____________________________________
<"لو تعلم أن روحي عندكَ ما كنت غادرت أنتَ روحي">
بين ماضٍ مرَّ وحاضرٍ لم يمرُ مرت ليالي عِدة..
ليالي تشابهت، وأمسيتها تكاد تكون تطابقت، ليالٍ كتمت في سريرتها ما لم تكتمه القلوب قط، وبين الماضي والحاضر يُعاد دور الأيام ويُعاد سيرها، فتتشابه من جديد، وما أشبه الليل بالبارحةِ..
وصلا البيت مع بعضهما بحالٍ غير الحالِ، فكما يُقال كلٌ يبكي على ليلاه، حيثُ كان "آدم" شاردًا في لقاء أخيه، بينما "ورد" فكانت شاردة في الحدث ككلٍ، تفكر لمتى وستظل حياتها على قاربٍ منزوع الأمانِ معهم؟ تلك المرة لم يُشغلها "منتصر" كما يحدث دومًا، تلك المرة حقًا اهتمت بنفسها وبأمانها، نزعت يديها منهم ورحلت وهي تبحث حقًا عن الانتصارِ.
ولج "آدم" الشقة عند عمته فلمح أخاه يجلس في انتظارهِ، من حركة يده أدرك أنه كان ينتظره حيث كان يضع كفًا فوق عينيه وتسطح بجسده فوق الأريكة كأنه طالبٌ يخشى ضياع الاختبار عليه، بينما "ربـاب" فلمحت ابنتها بالحقيبة فتعجبت وبدت علامات الاستنكار واضحةً عليها، لكن "ورد" اختفت من أمامها داخل الغرفة قبل أن تكون عُرضةً لرياحِ فضولها، وفي الوقت ذاته جلس "آدم" بقرب أخيه يوقظه وأتت "ربـاب" هي الأخرى تُجالسهما بعدما بدأ يستفيق "أدهـم".
بعد مرور خمسة عشر دقيقة بالتقريب كان "أدهـم" استفاق من غفوتهِ أخيرًا وأمسك قدح القهوة يرتشف منه تاركًا مجالًا للصمتِ يلعب بدورهِ بينهم، وقد انتبه لطيلة صمته فتنهد وقال موجزًا:
_أنا طالب إيد "عُـلا" أختك للجواز يا "آدم".
مباشرة بغير تزيين أو تزييف، رماها له بثباتٍ عجيبٍ أثار حفيظة الآخر وريبته، بينما "عرفه" فقال بنبرةٍ أكثر هدوءًا وحكمةً:
_شوف يا "آدم" بما إني زي والدكم الله يرحمه وليا الشرف إنكم ولادي بس لا يصح إلا الصحيح، أختك بقت ملزومة منك وأنا حافظك علشان رباية أيدي، مش هتقبل أنها تبقى لوحدها هنا، وفي نفس الوقت صعب تنقل وتروح مكان تاني معاها وتسيب شغلك وحياتك، غير كدا عيلة أبوها أكيد مش هيسكتوا ويسيبوها في حالها بعد اللي حصل، دلوقتي أخوك طالب إيديها ورايدها في الحلال، شوف بقى أنتَ الصح وأعمله.
نظر "آدم" في وجه شقيقه بإمعانٍ يتفحص نظراته وعينيه، يرى في وجهه القبول أو الرفض، لن ينكر أن هذا الأمر يزيل عنه عبئًا من قلبه، فكرة أن أخته تُحاط بأمنِ أخيه وحنوه فهذه الفكرة بذاتها هي الأكثر أمنًا في حياته مؤخرًا، لذا نظر في عينيه بقوةٍ ثم تنهد وسأله بصراحةٍ:
_أنتَ عاوزها علشان راضي بقربها ولا بتعرضها فض مجالس وشهامة؟ لأني أكيد مش هقبلها على أختي إنها تتاخد تخليص حق، لو حاسس إنك بتعمل حاجة فوق طاقتك يبقى شيل إيدك وأنا كفيل بيها، لأني أكيد مش عاوز أخسر واحد فيكم، خصوصًا علاقتي بيك أنتَ، بلاها يا "أدهـم" خلاص.
ابتسم "أدهـم" بخفةٍ ثم فركَ وجهه بكلا كفيهِ يُعيد لنفسه حركة نشاطه ثم تنهد بقوةٍ وقال ردًا على أخيه بأفصح وأبلغ ما يُقال:
_اعتبرني أنا اللي محتاج وجودها معايا، بعدين لو هخسرك مش هطلب منك طلب زي دا، حتى لو هي رفضت وهيكون ليها كامل الحق بس أنا عاوز أخليك ترتاح وتطمن عليها إنها مع راجل بجد، أظن أنتَ يعني عارف الراجل دا وحافظه كمان، بس لو عاوز أو مستغليها عليا صدقني برضه مش هزعل.
يرمي له الكرة في ملعبهِ وينتظر منه الهدف !! أهذه هي سياسية "أدهـم" في اللعب؟ يظنها جولة شطرنج كما التي اعتادها، يظن نفسه ملك الرقعة كما هو دومًا، لكن تلك المرة هو رهن كلمة تُنطَقُ وتفتح له أبوابٍ عدة، لكنه انتبه لجملة أخيه حين قال:
_خلاص، تيجي معايا دلوقتي تسألها هي وتشوف ردها، علشان أنا لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي لأختي راجل زيك يصونها ويحافظ عليها، إذا كنت حافظت على الولد وهو صغير وكبرته بيتقي ربنا في اللي حواليه، على الأقل معاك هبقى عارف أنها مع راجل.
ابتسم كلاهما للآخر برضا وكان القبول بينهما سيد الموقف، وصعدا معًا للشقة التي تجلس هي فيها، كانت تجلس بصمتٍ وشاردة وعيناها تحتفظان بالعَبرات داخل قضبان أهدابها، كأنها ترفض البكاء أو تُصر على عدم إظهاره، في الوقت ذاته ولج "آدم" وطلب منها التحدث بانفرادٍ، رفعت عينيها تلمح وقوف "أدهـم" ثم تنهدت وفهمت، لذا تحركت تسبقه للداخل وبمجرد أن لحق بها التفتت له تقول بصوتٍ باكٍ:
_مش محتاج تتكلم معايا، أكيد عاوز يرجع شقته وبيته وأنا هنا متقلة عليه، أنا بس عاوزة أمشي علشان أخليك ترتاح من همي وترجع لأخوك تاني، أكيد جايبه يقنعني أفضل هنا وهو هيفضل برة بس أنا مش هقدر أقبل بالوضع دا، دا أنا في بيتي وكنت بستتقل نفسي عليهم وصدقني أنا..
_"أدهـم" طالب إيدك للجواز يا "عُـلا" قولتي إيه؟.
بتر الحديث منها بجملتهِ هذه حين داهمها بها وقطع عليها سبيل الكلام، بينما هي توسعت عيناها حدَّ الجحوظ وفرغ فاهها، ظلت ساكنة لم تُحرك ساكنًا ثم اندفعت تسأله بغير تصديقٍ:
_أنتَ بتقول إيه؟ "أدهـم" مين دا اللي عاوز يتجوزني ويتجوزني ليه أصلًا، هي دي الطريقة اللي بتضمن بيها إني أبقى معاك هنا؟ أنتَ اللي روحت طلبت منه كدا؟ أوعى تكون عملت كدا علشان مش عاوزني أمشي وأسيبك، كدا هتبقى بتقل بيا ومني.
أذهلته بالحديث فتوسعت عيناه وقال بلهجةٍ أعربت عن استنكاره:
_أنا !! تفتكري هاروح أطلب منه يتجوز أختي وأحطك في موقف زي دا؟ هو اللي طلبك مني وهو اللي كلم عمتي علشانك، ولما سألته قالي اعتبرني محتاج وجودها معايا، مش فاهم ليه علطول بتفهميه غلط، "أدهـم" مش بالوحاشة دي يا "عُـلا" علشان كل مرة تفهميه غلط وتقولي على لسانه اللي ماتقالش، بعدين أنا لو قابلت رجالة الدنيا كلها مش هلاقي ليكِ عريس زي "أدهـم" أخويا، دا أبويا يا "عُـلا" ويعلم ربنا بكل حاجة عملها علشاني.
تلك المرة تعابيرها اختلفت كُليًا، بدأ الذهول يرتسمُ فوق ملامحها ورمشت بعينيها عدة مراتٍ وفي تلك اللحظة طرق "أدهـم" الباب وولج بمجرد حصوله على الإذن، ولج لها وتقابلا هو وهي وبينهما "آدم" يقف ساكنًا ملتزمًا بصمتٍ عتيدٍ يراقب اندلاع الحرب التي تكاد تقوم بينهما، فيما خالف أخوه ظنه حين تنهد وقال بلغةٍ هادئة رغم حَزمِ نبرتها:
_شوفي يا "عُـلا" علشان نقصر المسافات على بعض، زينا زي أي اتنين اتقابلوا وبيشوفوا في بعض كتير وهيتجوزوا صالونات، لو أمرك ما يهمنيش بأمانة ربنا يعني مش هسأل فيكِ، كل الحكاية بس إني مش راضي ليكِ البهدلة، ومش عاوزك تمشي وتفضل الدنيا تخبط فيكِ يمين وشمال، متستاهليش كل دا.
حديثه حنونٌ وتلك كارثة، مثلها لم تُعاشر إلا القُساة سوف تتعجب من كل حنوٍ ومن كل حرفٍ مكسو بالطيبة، وهذا الذي يقف أمامها حنونٌ بشكلٍ غريب، حتى حديث أخيها عنه يوثق طيبته، هي نفسها تتعجب من مواقفه، في هذه اللحظة صدح صوت هاتفها فانتبهت هي وهُما أيضًا، أخرجت الهاتف وفتحته لتجد عمها يقول بنبرةٍ عالية:
_ازيك يا فاجرة، تصدقي يا بت أنتِ كان حلال فيكِ فعلًا تترمي في الشارع وتتسابي لكلاب السِكك اللي زيك كدا، وأنا جوازك من ابني مش لازمني، يوم ما هجوزه واحدة هجوزه واحدة محترمة، مش واحدة خرباها، وأبقي قابليني لو طولتي جنيه من اللي ليكِ، بتتبطري على تاج راسك؟ نسيتي نفسك يا بنت الخدامة؟.
انفجر هو بالحديثِ وانفجرت هي بالبكاء، لم تعد تتحمل أكثر من ذلك أمامهما، خاصةً أن الحديث وصل للأثنين الآخريْن، ارتمت في عناقِ "آدم" تبكي بقوةٍ بينما "أدهـم" فوقف غاضبًا لأجلها، ورُبما غضب لأجل إهانة أُمِها، ورُبما غضب لأجل أخيه الذي انكسر أمامه، ظلت تبكي وتنتحب بانكسارٍ في روحها، تبكي لأن الذين رضيت بالبردِ على عظامها لأجل تدفئتهم هُم بذاتهم الذين أحرقوا قلبها بنيران الغدرِ.
أشفق عليها "أدهـم" ونظر لها بنظرةٍ أخرى مُغايرة، نظرة شفقة ونظرة ذكرته بجدهِ حين غربه ورماه خارج حدوده، حين عامل أمه كما غريبةٍ وماتت بسببه وهو لم يحمل ذنبًا، تذكر كم كان قاسيًا عليها ثم عليه حتى بعد موتها، تذكر والذكرى تؤرقه، حتى في صغرها كانت مكسورة وهي تعيش معهم كأنها غريبة حتى احتواها أبوه وعاملها كابنته.
ظل يُراقبها وهي تدفن وجهها في صدر أخيها، بينما "آدم" فنظر لوجه "أدهـم" يرجو منه حلًا كما اعتاد، يريد منه جبرًا لقلبها ولقلبه، وفي هذه اللحظة ابتسم له "أدهـم" وأكد له أنه موجودٌ معهما ولا داعي للقلق، كما فعل أبوه تمامًا سيفعل هو، سوف يُعين نفسه حاميًا لأجلها، لذا حمحم بخشونةٍ وجذب أنظارهما ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_سيبك منهم يا "عُـلا" وانسيهم، هما من الأول لا كانوا يستاهلوكِ ولا يستهلوا وجودك أنتِ ووالدتك، ولو كانوا من الأول خلوكِ معانا وسابوكِ هنا كان زمان الوضع اختلف، كان زمانك واخدة حقك من الدنيا بس دا نصيب، ويمكن نصيبك هنا في البيت دا، أقعدي مع نفسك وفكري وأنا لسه عند طلبي، تتجوزيني يا "عُـلا" ؟.
سأل من جديد وتلك المرة بهدوءٍ وأملٍ وكأن الحياة تعقد هُدنة بكلماته معها، تنهدت بقوةٍ وظلت تشهق من أثر البكاءِ، كانت تنتحب وهي تراه يعرض عليها هي الزواج، وما بين حيرةٍ وحيرةٍ التزمت الصمت فوجدته يُضيف:
_براحتك فكري على مهلك واللي تعوزيه معاكِ فيه، بس موضوع إنك تمشي من هنا دا بقى صعب أوي، لا أنا ولا "آدم" هنقبل إنك تمشي وتروحي في أي مكان، أنتِ أمانة في رقبتي زيك زي "آدم" عندي، فبراحتك بقى اللي تختاريه أنتِ بس خرجي حِسبة مشيانك دي منها، عن إذنكم.
تركها برفقة أخيها وهو يعلم أنه سيفعل الذي يُريده هو، سوف يأخذ القرار المصيب لأجل فتاةٍ تتآمر الحياة ضدها وضد قوتها، حتى لو كانت مجرد فتاة تظهر نفسها بمظهر المُحاربة لكنها فتاة في وجه جيشٍ بالكامل؛
لذا عليه هو أن يكون قائدًا وحاميًا لأجل فتاةٍ منذ صغرها وهي في رقبته تتعلق كما العقد الثمين نفيس السعرِ.
____________________________________
<"منذ البداية كنت أعلم أن عينيك مقصد النهاية">
ثمة بعض الطُرقات لا تحتاج للكثيرِ من الوقتِ حتى نُدرك نهايتها، بعضها نعرفه منذ بداية الطريق أننا في الطريق الصحيح، أننا قصدنا خير المقصد والطريق، بعض الطُرق وإن نسلكها مرغومين، نُكملها راغبين.
صباحٌ جديدٌ أتى بعد مرور أيامٍ على اللقاءِ الأخير بينهما..
حيث لقاء القلوب حين ارتكن المهزوم منهم على القوي، حين أفصح أحدهما عن رغبته في هذه الحياة برفقة الآخر وصحبته، بسحر لحظاتٍ تبدأ بضعفٍ لتتحول بعدها لقوةٍ لا تُضاهيها قوة أخرى، كانت "نـوف" ببيتها تتابع بعض الأوراق الشاقة بشأن العملِ، تتابع هنا وهُناك وتقرأ وتدون وتتعجب كل هذه الأرقام كيف كان والدها يُنجز أمورها في أبسط وقتٍ؟ هي من دونهِ ورقة في مهب الريح، فتاة ضعيفة بغير أبيها تُداس في الطُرقات.
صدح صوت هاتفها برقمه وكما المعتاد في اللحظات الأخيرة تعالت نبضاتها بمجرد ما لمحت اسمه على الهاتف زينت البسمة ملامح وجهها وعينيها ثم سحبت الهاتف تجاوب على اتصاله باسمة الوجه، بينما هو قال بصوتٍ ضاحكٍ:
_سنة علشان تردي؟ بتتقلي ولا إيه؟.
_واتقل ليه يعني؟ خير بتتصل ليه؟.
كانت تضحك وهي تسأله فضحك هو الآخر ثم قال يشاكسها:
_فيه واحدة تقول لخطيبها الدبش دا اللي خارج منك؟ ما اتصل يا ستي عادي هو أنا عليا حظر؟ بعدين بتصل أتطمن عليكِ عاملة إيه الدنيا فيكِ، بخير ولا؟.
ابتسمت هي بحبٍ وزادت لمعة عينيها ثم قالت بصوتٍ ظهرت فيه الفرحة باهتمامهِ بها وبكل تفاصيلها:
_بخير متقلقش، أنا بس بخلص حاجات تبع شغل بابا وعلشان كدا مشغولة شوية، عمومًا شكرًا لسؤالك بس أنا كويسة والله وبخير، وبحاول أهو، نفسي بس محاولاتي تيجي بفايدة، عارف كمان؟ نفسي أكمل من بعد بابا زي ماهو كان عارفني وعارف إني يعتمد عليا، ماكنتش عاملة حسابي لوجودك معايا، بس لو هو كان موجود كان هيحب وجودك أوي.
ابتسم هو واستند على مقدمة سيارته ثم تنهد بقوةٍ وقال بنبرةٍ حنونة:
_وأنا واثق إنك قدها وقدود، صحيح وجودي جه بسرعة وماكنش مترتبله بس خلاص أهو بقيت موجود ويهمني إنك تكوني مبسوطة ومحققة اللي نفسك فيه، واسمحيلي أكون شريك الرحلة دي رغم السواد اللي مغطي سواحلها يعني.
من جديد علا صوت ضحكاتها وضحك معها ثم تركها تعود لما تفعل، تركها وتنهد بقوةٍ قبل أن يتحرك لوجهته التي يُريدها، الطريق الذي يعلمه هو جيدًا ويُحبه ويُحب نفسه به، وقد تركت هي العمل الذي بيدها وتحركت نحو المرآة تجلس بمقابلها، تلمح انعكاس فتاة بدأت تعيش الحياة، فتاة بدأت تبتسم من جديد ويسكن الضي في عينيها، فتاة سمراء بعينين واسعين بشكل ملحوظٍ ذي رسمة تُزينها أهدابٌ طويلة حين تُسدَل فوق بعضها..
قصيرة القامة إلى حدٍ ما، رفيعة الخصر بجسدٍ لا بأس به من مقومات الأنوثة والجمال التي لا تشكل فارقًا إلا بعين السطحيين، غير أنها حقًا مُحاربة، منذ الصغر تحارب في كل حدبٍ وصوبٍ، حاربت عُقدتها النفسية، تحدت التنمر من كل المُحيطين، تخطت الحياة وعبرت لأخرىٰ، عانت من الرفضِ والاضطهادِ والتنمر حتى وصلت لهذا السلام النفسي، واليوم تُضيف سلامًا جديدًا بدأ من عند "غسان" حين طرق بابها ليلًا..
بينما "غسان" فولج داخل النادي يسير الخطوات بهدوءٍ، لا يتعجل ولا يتأخر يسير وهو يرى المكان بعيني صِغره حيث مكان ذكرياته، المكان الذي بدأ منه طريق البطولات وحصل بفضلهِ على بطولة عالمية خاصة بالسباحة، وأخرى فاز فيها بركوب الخيل، وأخرى بالرماية، استثمر فيه والده كل الجُهد ولم يبخل عنه بشيءٍ حتى أوصله لهذه المرحلة.
ولج عند مقر لعبة الرماية وتذكر كيف كان يحمل القوس بين يديه ويطلق السهم الذي لا يخيب هدفًا، تلك المرة أمسك القوس وقلبه بين يديه وهو يفكر أين ضاع من نفسه؟ لقد ركض وراء الغربة والمال والطموح وترك الرياضة بكل أنواعها، ترك نفسه التي كان يعرفها وركض خلف أخرىٰ لم تعرف معنى الراحة، ولازال لم يعرف نفسه، ولازال يركض كي يخرج من سجنٍ يسكنه.
شعر بإحداهن تُلامس تقترب منه وبمجرد أن التفت وجدها ترتمي عليه وتعانقه وهي تُناديه بلوعةٍ، تذكر اسمه بلهفةٍ وكأنها لم تُصدق أنه عاد لها من جديد، أما هو فتيبس جسده بوضعهِ، أصبح كتمثالٍ خرجت منه الروح وظل ثابتًا بدونِ حراكٍ، لم يُصدق أن تكون هي أول من يراها عند عودته لأرض الملاعب بل وترتمي هكذا بين ذراعيه، حتى لو كانت حبًا قديمًا.
____________________________________
<"حتى المحاولة الأخيرة تحتاج لمحاولات أخرى من بعدها">
كُلٌ مِنَّا يتفاوت ألمه النفسي بحسب قدرته على التحمل..
لكن هذا لا يُعني أنا هُناك من هو معصوم من المرضِ أو الألم النفسي، كلٌ منا به علةٌ لا يعلم عنها غيره، كُل منا به جُرحٌ لم يبرأ ولم تُعالجه له الأيام..
في عيادة نفسية خاصة بالعلاج النفسي الخاص بحالات الأطفال، جلس "يحيى" برفقة ابنته التي تحتضن دُميتها، تجلس ساكنة متهدلة الكتفين كأنها مهزومة هزيمة ساحقة، تدور بطرف عينيها هنا وهُناك وتعود من جديد تنظر في وجه أبيها، الخوف يسكنها وكأنها تخشى كشف جروحها، تخشى لحظة كشف المستور في جروحها، لذا كادت أن تبكي لكنها التزمت الصمت _كما هي دومًا_ سكنت وسكتت حتى عن الرمشِ..
تحرك "يحيى" وجلس على عاقبيهِ أمامها وتنهد بقوةٍ ثم قال بصوتٍ هاديءٍ عميقٍ كعمق البحر قبل أن يغرق فيه:
_إحنا هنا علشانك أنتِ، علشان صوتك وحشني ونفسي اسمعه من تاني، تعرفي؟ أنا والله مش عاوز حاجة تانية غير إنك بس ترجعي تضحكي وتتكلمي زي زمان، على فكرة أنا والله مش وحش ولا أناني، أنا بس ماقدرش أعيش وأنتِ مش قصادي، الحياة ماتحلاش غير بيكِ، أنتِ مش عاوزة تدخلي؟.
حركت رأسها بقوةٍ تؤكد صدق تخمينه، فضمها هو لعناقهِ بقوةٍ، جعلها تحتمي فيه فوجدها ترتجف كما الغريق حين ينجو ويظل الموج بطنينه عالقًا في أذنه، لم يجرؤ على استكمال خطوته، بل حملها وضمها بقوةٍ أكبر ثم تحرك بها نحو الخارج، تلك المرة أدرك أنه لن يستطع تكملة الطريق على حساب مشاعرها هي، حتى لو لم تتحدث ولم تعود وتُسمعه صوتها، يكفيه فقط أنها بجواره وقلبها ينبض بجوار قلبهِ..
ولأن الروح المعطوبة يظل الألم عالقًا بها، كان هناك من يعاني بسبب آلامٍ لم تُشفَ، حيث جلس "حلمي" في غرفة أمه ببيت والده وحاوط نفسه بالظلامِ ودخان السجائر يحوم فوقه بعد أن ظل يرتشفها بشراهةٍ، يجلس في الغرفة التي بقيت على أحوالها من بعد رحيل الحبيبة وظل يُفتش عنها في كل مكانٍ، سواء بالبيت أو بخارجهِ ولم يجدها إلا بقلبه فقط.
فُتِح الباب عليه وطلت منه "أشجان" زوجة أبيه ووقفت تتابعه بمقتٍ، تراقبه بنظراتٍ حادة حتى انتبه لها فاطفأ سيجاره ثم وضع قدمًا فوق الأخرى يراقب وقوفها وعاد للخلف يقول بتهكمٍ:
_خير يا مرات أبويا؟ جاية ليه هنا؟.
أصدرت صوتًا ساخرًا من حلقها ثم اقتربت منه تقول بسخريةٍ:
_قالوا القمر غايب قولت أطل عليه عند الحبايب، ياخويا هتفضل عايش في المرار دا وقارفنا في عيشتنا؟ راحت للي خالقها وريحت واستريحت الدور والباقي عليك هتفضل كدا عايش في الوهم؟ ما تصدق بقى أنها راحت وسابتلك الدنيا كلها.
حديثها جعل النيران تندلع في قلبه، تتحدث ولم تُفكر كيف الحديث يحرق روحه، حتى أنه تمنى لو أمسك رأسها ووضعها أسفل قدمه، يتمنى لها هي الموت كي يرتاح منها ومن شرها، لكنه تمالك نفسه ووقف صامدًا يواجهها ثم قال بقسوةٍ لم تكن يومًا من أصل طبعه:
_عارفة إن الأحسن ليكِ إني اعتبرها لسه عايشة وأبقى متأكد إني هلاقيها؟ علشان لو زي ما بتقولي كدا روحك مش كفاية يا "أشجان" على اللي ناويهولك، قسمًا بالله الموت نفسه مش هيشفي غليلي منك، بس كفاية أوي تربيتك لعيالك، واحد شمام البرشام لاحس مخه، والتانية بتاعة ٣ ورقات نصابة قد الدنيا، يا شيخة جتك وكسة، صحيح الشماتة ماتنفعش فيهم علشان أخواتي، بس شمتان فيكِ أنتِ علشان اللي زيك متستاهلش غير أنها تترمي في الشارع.
احتقنت الدماء في وجهها وأرشقته بسهامِ عينيها الحادتين بينما هو دفع جسدها بكتفهِ ثم سحب متعلقاته وأمسك كفها وخرج بها من الغرفة ثم دفعها أمامه وقال بلهجةٍ حادة صارمة:
_لو رجلك عتبت هنا تاني هكسرهالك، أوضة أمي نضيفة وأشكالك ماينفعش تعتبها، فهمتي ولا أقول تاني؟.
هدر فيها بحديثه الأخير حتى أجفل جسدها ثم ارتمت فوق المقعد بخوفٍ من طريقته، خرج من البيت وركب السيارة يطير بها فوق الأسفلت، يهرب من كل مكانٍ لمكانٍ آخرٍ وفي نفس المكان يحتاج لمفرٍ، اليوم يتمنى لو كانت علاقته برفيقه دامت لكان ذهب إليه وطلب منه المواساةَ لقلبه، لكن بأي عينٍ يطلب المواساة وهو من جعل رفيقه يشحذ خطوات التخطي في الطريق؟.
غير المسار وقرر أن يذهب لشقته، يأخذ قسطًا من الراحة فيها متحاشيًا وجود زوجته بعد الشجار الأخير بينهما، سوف يتجاهل قربها وتواجدها ويهرب من العالم بالنومِ، خطة ذكية يفعلها المهموم بغمٍ فوق قلبه، ولج الشقة وقصد السبيل نحو الغرفة، ارتمى فوق الأريكة يغمض عينيه فأحس بكفها يُمسد فوق مرفقه.
فتح "حلمي" عينيه فجأةً فوجدها تجلس على رُكبتيها وهي تسأله بحزنٍ كونها أوصلته لهذه الحالة:
_مش ناوي برضه تكلمني؟ حاولت والله كتير وأنتَ مفيش حاجة جايبة معاك نتيجة، طب أعمل إيه طيب علشان تسامحني؟ قولتلك كان غصب عني ومن ساعتها والله وأنا قافلة التليفون وعملتله بلوك، علشان خاطري يا "حلمي" بقى بلاش تصدرلي الوش دا، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي.
أغمض عينيه من جديد بيأسٍ، وكأن آخر ما كان يحتاج إليه هو قربها منه بهذا الشكل، وجدها تجلس بقربه ثم ضمت كفه بيدها فأدرك أنه يكاد يقع في شباكها، ثبت عينيه عليها وهي أمامه، حبه منذ طفولته، أول فتاة تشده لها، الوحيدة التي تمنى قربها، ظل يحاول إبعادها عنه حتى فشل وانتهى الأمر به وهي بين ذراعيهِ تخبره عن أسفها وحُبها، وهو يذكر نفسه أنها زوجته وحقه حتى لو تلك الحقيقة تُرى بعينٍ أخرىٰ.
____________________________________
<"لن يُثير الضجيج في الحقل إلا من يجهل قوانينه">
من يجهل القانون كيف له أن يحترمه؟.
ومن يجهل الحُجة كيف يستغلها أحق الاستغلال، وكأن الجهل ظلامٌ من نوعٍ آخر لا يُستضاء به لجاهلٍ، ومن لا يعرف قيمة الشيء يجهل ألم ضياعه، حتى يُختبر في فقده ووقتها يبدأ البحث عن معرفةٍ بالطبع لا تنفع.
كان "منتصر" خلال الأيام الفائتة علم برحيل زوجته من البيت، علم أنها رحلت بعدما ألفت أمه قصة تحاكِ القصة الحقيقية، حتى أخبره والده صباح اليوم بالحقيقة، أخبره أنها مع كل الحق في الرحيل، تلك المرة رحبت لأنها لم تجد راحتها حتى في بيتها، وللحق هو لم يُحملها أي خطأٍ، هو أدرك أن الحق معها، لذا أنهى عمله وخرج في وقت الاستراحة يطلب رقم شقيقه بمكالمة دولية.
تجاهل "خلف" الرد أول مرتين وهو يشاهد مقاطع لا تليق بمسلمٍ، مشاهد إباحية بمواقع أجنبية تُسهل على الشباب الوقوع في هوى المعصية، يجلس في غرفته يسرق متعة مُحرمة بتلك المشاهدات، ولم يفسد متعته إلا رنين الهاتف من أخيه، حتى نفذ صبره وجاوب بنفاذ طاقةٍ وصوت أنفاسٍ عالية:
_خير يا "منتصر" عاوز إيه؟ بتصحيني ليه على الصبح؟.
_صبح !! الساعة بقت ٣ العصر والبيه لسه نايم؟ أنتَ مش ناوي تكبر وتعقل شوية يا "خلف" وتبطل العبط دا؟ عاوز تقلب البيت غُرزة وتخربه؟ اسمع علشان أنا خلاص تعبت منك، يا تنضف وتبطل القرف دا يا تخرج من البيت وتعك براحتك برة بس ماتعتبهوش تاني، لو فاكر إنك بطولك مسيرك في يوم هتقع يا "خلف" وهتشوف، ولو حد دخل البيت تاني وولع سيجاره فيه أنا هاجي أولع فيك، اللهم بلغت يا أخويا.
باغته بالحديث دفعة واحدة دون أن يواري غضبه وانفعاله، بينما "خلف" فكما المعتاد تمنى ضربه، تمنى أن يكون أمامه لينفجر فيه، كأنه ربح البيع وحقق كل أحلامه التي تمناها، سافر لدولة أخرى غير التي يحيا هو فيها، حصل على حب الغريب قبل القريب، تزوج بفتاةٍ جميلة يتمناها هو في كل ليلةٍ ليقدر جمالها بدلًا من هجر أخيه لها، لذا أغلق المكالمة ثم عاد لتلك المقاطع وهو يتذكر "ورد" التي تبتسم كل يومٍ بوجهها الصبوح فيرى فيها جمالًا من نوعٍ آخرٍ..
بينما "منتصر" فرمى الهاتف وضم رأسه بين كفيه وهو يحاول إيجاد حلًا يخرجه من هذا المأزق، يبحث عن مخرجٍ من تلك المتاهة التي وُضِعَ فيها بسبب أهله، حتى لو اعتذر اعتذاره لن يفيد، لقد أهملها وتسبب لها في الكثير من المشاعر القاسية، واجهت بسببه الكثير من الصعاب وهي أرق من مواجهة موجة بردٍ، لذا أخرج الهاتف يطلب رقم "آدم" كي يعتذر منه أولًا..
وفي مكانٍ آخرٍ حيث الحياة المخبوءة بين جدران الغدرِ..
كانت هي تجلس وهي تتحدث في الهاتف وهي ترفع صوتها بانفعالٍ بسبب تأخر الورق حتى هذه اللحظة، لم تستطع الفرار وكل يومٍ يتأخر القرار أكثر من سابقهِ، والكارثة الحقيقية أن "سُليمان" أصبح ندًا حقيقيًا في ساحة الملعب أمامها.
وصل لـ "سليم" صوت صرخاتها في الهاتف فتنهد بقوةٍ ثم اقترب منها وقال بثباتٍ أكبر من عمرهِ الصغير:
_لو عاوزة تمشي أنتِ أمشي وخليني أروح لبابا، مش عارف ليه مش راضية تخلينا نروح نشوفه، وترجعي تقولي إن "سليمان" بيكرهنا؟ هو قال لو عاوزين نشوف بابا نروح نزوره وهو مش هيعمل لحد فينا حاجة، أنتِ اللي بتعملي أهوه وكل شوية تزعقي وتعلي صوتك وتضربيني، "سليمان" لو عرف أصلًا مش هيخليني معاكِ هنا، أنا بحبه أكتر منك.
كانت في ذروة الغضب، لم تتحمل صرخاته وانفعاله الكبير على سنهِ، لم تتحمل أن يكون هو ندًا لها، لذا قامت بصب كل غضبها فيه هو، حيث قامت واندفعت نحوه تضربه فوق وجهه ثم كومته فوق الأرض ونزلت بكفيها تضربه وبقدمها، تعنف الصغير وهو يبكي ويصرخ ويتوسلها بالوقوف، وقد أتت "سدره" من الداخل ركضًا تلحق شقيقها فنالت نصيبها بدفعة قوية فوق الأريكة.
أكملت ضربها في الصغير وشتمها له بسبابٍ حقير ثم صرخت فيه توبخه بقولها:
_آخر مرة تفكر تعلي صوتك عليا تاني، هكسر راسك لو حصل.
في هذه اللحظة صدح صوت جرس الباب فتذكرت أمر الطعام الذي طلبته، لذا اندفعت تفتح الباب وبمجرد أن فتحته توسعت عيناها حين وجدت "رحمة" أمامها، تبتسم لها بمجاملةٍ وهي تقول بثباتٍ وبرودٍ غريبٍ أمام نيران نظرات الأخرى:
_أنا جيت أتطمن عليكِ وعلى الكتاكيت الصغيرين، هما فين؟.
سألت والسؤال يحمل معنيين في حديثها، طالعتها بنظراتٍ خبيثة تفكر في كذبتها عليها بينما جذب أنظارها صوت تأوهات الصغير ونحيبه فتبدلت ملامحها كُليًا، ملامح الاثنتان اختلفت كليًا فقامت "رحمة" بدفعها وانطلقت مثل الطلقة من فوهة السلاح لتلمح الصغير متكومًا فوق الأرضِ يحاول الاعتدال وشقيقته تبكي بجوارهِ.
توسعت عيناها حدَّ الجحوظ ووقفت بموضعها مثل المضروبة فوق رأسها، لا تصدق أن ما تراه حقيقة وأن هناك أمٌ فعلت ما تراه هي بعينيها، حيث عصفورٌ صغيرٌ تكسر أمه جناحيهِ..