
رواية جمعية حب الفصل السابع عشر 17 بقلم شمس محمد بكري
|| هُنا حيثُ انقلبت الموازين ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ |
مرحبًا بكَ يا عزيزي..
لقد اصطحبتكَ عدة مراتٍ معيّ لأُريك الجزء المظلوم مني، أريتُك الجانب المجنيّ عليه، وضعتك نصب نصف الحقيقة كي أجعلك تؤمن أنني مظلومٌ، لكن هل لدي عندك رصيد كافٍ كي اصطحبك لترى الجانب الظالم فيَّ؟ هل أنتَ على استعدادٍ لأكشفُ لكَ جُرحًا أنا صاحبه ومقترفه؟ هل لديك ثقةٌ فيَّ كي تأمن على نفسك معيّ دون أن أغدرُ بكَ؟ اليوم سوف أكشف لكَ عن الجزء المخبوء في سريرتي، عن جزءٍ لم أكن بالجُرأةِ الكافية كي أكشفه حتى أمام نفسي، لذا اليوم أدعوك معي كي ترى ما اقترفته أنا في حقي وحق نفسي، حتى قبل حق الآخرين..
لكني برغم ذلك أول من تأذيت من هذا الذنب رغم أنه صنيعة يدي أنا، لكن النفس التي تمكر يلتف المكر حول عُنقها..
<"الحرب حربي أنا، والساحة مُلكًا للأعداء">
تلك الحرب التي تجهلها أنتَ ستكون هي الأصعب..
ستكون هي الحرب القاصمة لظهرك كي تحرمَك من لذة القِتالِ، ستكون تلك الحرب هي التي تُحارب فيها بسيف عدوك دون أن تنتبه أنه خِصمك، ستكون حربًا ضدك تُهزم فيها مرة، وحين تكشف ألاعيبها تُهزَمُ ألف مرةٍ..
ضربت ابنها حتى تململ في الأرضِ أسفل قدميها وفي هذه اللحظة صدح صوت جرس الباب فتذكرت أمر الطعام الذي طلبته، لذا اندفعت تفتح الباب وبمجرد أن فتحته توسعت عيناها حين وجدت "رحمة" أمامها، تبتسم لها بمجاملةٍ وهي تقول بثباتٍ وبرودٍ غريبٍ أمام نيران نظرات الأخرى:
_أنا جيت أتطمن عليكِ وعلى الكتاكيت الصغيرين، هما فين؟.
سألت والسؤال يحمل معنيين في حديثها، طالعتها بنظراتٍ خبيثة تفكر في كذبتها عليها بينما جذب أنظارها صوت تأوهات الصغير ونحيبه فتبدلت ملامحها كُليًا، ملامح الاثنتان اختلفت كليًا فقامت "رحمة" بدفعها وانطلقت مثل الطلقة من فوهة السلاح لتلمح الصغير متكومًا فوق الأرضِ يحاول الاعتدال وشقيقته تبكي بجوارهِ.
توسعت عيناها حدَّ الجحوظ ووقفت بموضعها مثل المضروبة فوق رأسها، لا تصدق أن ما تراه حقيقة وأن هناك أمٌ فعلت ما تراه هي بعينيها، حيث عصفورٌ صغيرٌ تكسر أمه جناحيهِ، برقت بعينيها بذهولٍ وتقدمت تلتقط "صابرين" من خصلاتها ودفعتها على الجدار تُلصِقها به ثم هدرت من بين أسنانها وهي تُشدد قبضتها فوق خصلاتها:
_بقى يا روح أمك واحدة ***** على آخر الزمن زيك تلعب بيا أنا؟ بتلعب عليا دور المظلومة اللي متداسة بالرجلين وأنتِ متتخيريش عن بنات الليل؟ شكلك ماتعرفيش أنا مين كفاية، زي ما طلعتك سابع سما هخسف بيكِ لسابع أرض، وربنا يكفيكِ شر بنات بحري وقلبة المياه المالحة.
دفعتها من يدها والأخرى تتأوه بصوتٍ مكتومٍ، فتحركت "رحمة" تُساند الصغير الباكي ورمقته بعينين مذهولتين، نظراتها بدت حادة ومنكسرة في نفس الآنِ، تُطالعه بانكسارٍ وتُساند بالقوةِ، تمسك يده بالرأفةِ وتدعم بالثباتِ، تلاقت عيناها بعينيهِ في نظرةٍ مُطولة، لم تفهم من عينيه شيئًا غير أنه يُعاتبها على شيءٍ اقترفته هي في حقهِ، لذا تأسفت له بعينيها ثم هربت من هذا اللقاء المُميت حين ضمته لعناقها تُربِتُ فوق رأسه وظهره..
بينما "صابرين" فجلست منزوية على نفسها بالجوارِ ترتكن على جانبٍ وهي تُراقب أصغر رد فعلٍ قد يصدر من "رحمة" التي وقفت أمامها بالصغيرينِ وقالت بلهجةٍ حادة تُهددها بقولها:
_بقولك إيه علشان أخلص منك ومن قرفك، دلوقتي أهو أنا ممكن أسجنك وأخليكِ تترمي في السجن لحد يبانلك صاحب، وبدل القضية عندي ١٠٠ ومش لاقية واحدة **** زيك كدا تشيل الليلة، لمي الدور معايا ولمي نفسك علشان أخلص منك ومن قرفك، وإياكِ تفكري تعارضيني في حاجة ولا تقفي قصادي، هفرمك زي ما فرمت قبلك ١٠٠ راجل بشنب ومفيش واحدة خد معايا حق ولا باطل، لو ناسية اسألي عني.
أنهت الحديث ثم اندفعت نحوها بعدما تركت كف الصغير وتلك المرة قبضت فوق ذقنها بقوةٍ وتلاحمت أسنانها وهي تُحِدُ من شرها:
_عيالك من الليلة دي تنسيهم، تنسي خالص إنك خدتيهم ولا حتى طولتيهم، علشان لو عقلك وزك تعملي حاجة أقل حاجة هاروح أقدم بلاغ بالتزوير وأتهمك بالنصب والتحايل على القانون، وأقل ما فيها إنك هتطسي حكم محترم يخرج من نفوخك، وكدا بقيتي عدوتي وش لوش، دا أرحملك بدل ما أسلم رقبتك لعيلة "الإدريسي" وهما بقى يتصرفوا معاكِ بكيف كيفهم، فهمتي يا…يا مدام "صابرين".
تهكمت بسؤالها الأخير وقد احتقنت الدماء في وجهها الأخرى، تباينت ردود أفعالها لكنها رضخت بالصمت حينما دفعتها "رحمة" مُجددًا من جهتها والتفتت تأخذ الصغيريْن معها تحت أنظار "صابرين" الناقمة التي لم تقبل بالسكونِ هكذا، فتحركت كي تصرخ وترفع صوتها وتتهم "رحمة" بخطف الصغار.
ورغم ذلك لم يُخفَ على "رحمة" هذا الفعل فهرعت نحوها من جديد وتلك المرة اسقطتها فوق الأريكة ثم مالت فوقها تُكمم فاهها وهي تقول بتهكمٍ وسُخريةٍ:
_عيب عليكِ قولتلك ماتعرفيش أنا مين، بس وماله أعرفك.
أنهت الحديث ثم سحبت وشاحًا خفيفًا وربطته فوق كفيها والأخرى تصرخ بهياجٍ وحالة انكارٍ تستنكر بها فعلها:
_بتعملي إيه يا مجنونة، أنتِ عبيطة ولا إيه فكيني، فكيني يا **** وسيبيني، هفضحك وألم عليكِ الناس، فكيني وسيبي العيال بدل ما أسجنك أنا بأيدي، تلاقيكِ متفقة مع "سليمان" وبعتيني ليه، هفضحك واقول للناس كلها إنك بتبيعي موكلينك للي يدفع أكتر.. فُـكيني.
صرخت بجملتها الأخيرة مما جعل "رحمة" تبتسم ببرودٍ ثم وقفت أمامها وقالت بتفكيرٍ وليد اللحظة لم يكن عميقًا:
_تصدقي فكرة حلوة؟ أهي برضه تعملي سيط وتخليني أشتغل شوية كمان، بالمرة أطلع أفتح لايف بالورق اللي معايا وبحالة جوزك الصحية وأقول للناس بصوا بنت الحرام عملت إيه في جوزها أبو عيالها؟ سرقت فلوسه وعياله ومش بس كدا؟ دي بتعنفهم وتضربهم، دي تبقى فضيحة الموسم دي، واللي ما يشتري يتفرج ويملي عينيه بالخيبة، دا غير طبعًا بخلاف قضية التزوير كدا معاكِ قضية تشهير، خسارة يا مزة والله الفرهدة دي كلها.
غمزت لها ثم التفَّت تأخذ الصغيرين الذيْن رحلا معها بسلامٍ كأنهما نجيا من كهفٍ مُظلمٍ، رحل "سليم" المضروب منها في قلبه وروحه ولم يتخيل أنه في هذا العمر يتعرض لموقفٍ بتلك البشاعة، لم يتخيل أن الأم التي يتوجب عليها حماية صغارها، تكون هي بنفسها السبب في تدميرهم، كيف يُخبر الناس أنه يكرهها ويكره ما تفعله؟ لو كان الأمر بيده لكان هرول ولثمَ قدم "سُليمان" على ظنه السيء فيه.
بينما "رحمة" فولجت بهما سيارتها وهي تدفعهما بخوفٍ ثم قادت السيارة مُسرعةً تهرب من هذا المكان قبل أن تتأذى بصحبة الصغيرين، هرولت دون حتى أن تنتبه لوصفهما ولا ماذا فعلت فيهما، كل ما كانت تُدركه في مثل هذه اللحظة أن تهرب بهما حتى تُنقذهما من نيران أمهما التي تتعامل معهما أنهما مجرد وسيلة انتقامٍ وليس إلا..
لكن الطرف الأقوى في الحرب هو ذاك الذي يسبق خطوات عدوه بعدة خطواتٍ ويكون على علمٍ كافٍ بكل ما يكتمه في سريرته.
____________________________________
<"الحُب القديم وإن عاد يُشبه إنطفاء الروح بالرماد">
بعض القصص لا تليق بالواقع..
تُكتَبُ فقط كي تكون على قصاصات الأوراق، تُقرأ من باب العلم بالشيء، ليس للحياة الواقعية، لا تنفع أن تليق ببطلٍ قبل ما يكون ميتًا بدون روحٍ، بعض الحكايا تُسرد بوصف الماضي، وإن عادت لحاضرنا يحسبها الجاهل خُرافةً..
لذا ليست كل الخُرافات تُكتَبُ وتُعاش، فبعضها يُكتَبُ ويموت..
حياة ماضية، ومضات من ماضٍ فات زمنه، بطلٌ يقف في ساحة الملعب، علم الآخرين الرماية كي يرمونه هو بِسهامها، فارس مغدورٌ في قلعة الحُب سابقًا، والبطولة في تلك القصة لم تكن سوى أميرة قصرٍ عالٍ أعلى منه هو، أعلى من ما يملكه هو طوع يديه ومُلك يمينه، لذا وإن عادت الحياة الماضية تشبه الرماد من بعد الحريق..
كان "غسان" واقفًا وتلك التي تُعانقه تتعلق به وهي تتغنى باسمه، كأنها ما كانت تُصدق عودته لأرض الوطن من جديد، بينما هو فظل عقله يميض ويخبو كما ضوء الكاميرا حتى ارتد للخلف خطوتين وتركها هكذا تبحث عنه بين ذراعيها، راقبها بمشاعر مكبوتة وظل صدره يعلو ويهبط ففتحت هي عينيها وقالت بلوعةٍ:
_مش مصدقة إني شوفتك تاني، رجعت مصر إمتى؟.
زفر بقوةٍ وقال بصوتٍ هاديءٍ لم تظهر عليه علامات البركان المكبوت في صدرهِ، استعاد ضبط نفسه وهندمة موقفه ثم قال بجمودٍ وهو يتحكم في مشاعره كي لا ينجرف من جديد:
_هنا بقالي شهر، كويس إني شوفتك تاني يا "بسملة" آخر حاجة كنت أفكر فيها إني أشوفك تاني، أنتِ كويسة؟.
تنهدت الفتاة ومسحت فوق جبينها وهي تقول بثباتٍ ادعته أمامه ببراعةٍ:
_أكيد لأ يا "غسان" مش كويسة، فيه حاجات كتيرة متغيرة من غيرك ولازم تكون معايا، لازم نتكلم مع بعض، أنا محتاجالك.
وضع كلا كفيه في جيب سترته ثم تنهد بقوةٍ وقال هو تلك المرة:
_مابقاش فيه حاجة تتقال خلاص، ولا حتى رجوعي مصر هيغير حاجة تانية وخصوصًا اللي فات يا "بسملة" الطريق وقف لحد كدا ودلوقتي أنتِ واحدة في حياتك راجل تاني، وأنا كمان خطبت وحياتي بقى فيها واحدة تانية، فرصة سعيدة.
التفت يوليها دُبرًا ويرحل من المكان فوجدها تهرول خلفه وهي تقول بلهفةٍ كأنها تتصيد وقوفه قبل الرحيل حتى قطعت عليه الطريق وقالت بخوفٍ:
_فيه كتير لازم يتقال يا "غسان" الكلام لسه مخلصش، لازم تعرف إن اللي بينا مانتهاش بمجرد إنك سافرت، أنتَ قولت هتسافر وترجع تاني نلاقي حل مع بعض، وسافرت وسكت وخلاص كدا؟ محاولتش تاني علشاني كأنك ما صدقت؟ غيرك جه واتقدم واتجبرت أوافق وأنا عارفة إنك هترجع تاني، بعدها حصل إيه؟ راجع تقولي بقى فيه حياتك واحدة؟.
تبدلت تعابيره بالكليةِ، أصبحت أخرى مُغايرة للهدوء الذي هو أسمى صفاته حيث أنفعل في وجهها وقال بصوتٍ عالٍ أعرب عن الغضب بصراخهِ:
_أنا محاولتش؟ مين اللي جه هو وأهله وأتطردوا من بيتك؟ مين اللي جه وحاول تاني علشان بس ميعايروكيش بيا إني محاولتش علشانك، كنتِ عاوزاني أعمل إيه يعني تاني؟ أسيب أبويا وأمي علشان أبوكِ عاوز راجل تفصيل على مزاجه؟ بطلي تكدبي الكدبة وتصدقيها.
اهتزت حدقتاها وتحرك بؤبؤاها بانكارٍ كأنها لم تُصدق أن هو نفسه البطل الذي كانت تتغنى ببطولاته منذ الصغر، راقبت ملامحه بدهشةٍ فيما تنهد هو ثم قال بثباتٍ من جديد:
_القصة خلصت لحد كدا، كنا اتنين اتقابلوا وماتكتبش ليهم يكملوا طريقهم مع بعض، فيه إيه تاني ماعملتوش؟ أبوكِ قالي أعتذرله وأبعد عن أهلي قصاد إني أكون فرد من عيلته؟ أنتِ إزاي كنتِ عاوزاني أقبل بالوضع دا؟ أنا قولتلك تعالي معايا وعيشي مكان ما هعيش رفضتي تكسري كلمة لأبوكِ، عاوزاني أنا أكسر بخاطر أهلي اللي مالهمش غيري؟ دا حب دا؟.
_واللي معاك دي بقى موافقة تعيش كدا؟.
سألته بتهكمٍ أوضح غيرتها من تفضيله أخرى عليها فعاد يتذكر ملمح وجه "نـوف" وبراءة عينيها حين تختصه بنظرةٍ وحده دون غيره من الناسِ، لذا قال بثباتٍ أمامها:
_لو موافقتش هاشوف إيه يرضيها وأعمله.
توسعت عينا "بسملة" وتبدلت نظرتها وهي تقول له بخيبة أملٍ:
_يعني بابا كان معاه حق لما قالي إنك بتتسلى ومش بتاع جواز؟ لما زنقك في الجد خلعت وسافرت، أنتَ خلتني ماعرفش أصدق حد تاني ومش عارفة أثق في الناس من بعدك، ما كنت قولت إنك من الأول مش عاوز تتجوز، أنتَ إزاي بجد قدرت تعمل كدا.
الحديث معها لن يُجديه شيئًا غير الأخذ على أفعاله..
لذا زفر مُعبرًا عن ضجرهِ من الحديث وقرر أن يهرب من هذا الضغط عليها، قرر أن يفر من دربٍ يجمعه مع ماضيه، لذا التفت وقال موجزًا أثناء حركته:
_طالما مُصممة إني وحش يبقى أنتِ صح ومعاكِ حق، أنا فعلًا ظالم واستغليتك واتسليت بيكِ ومش بس كدا أنا كمان ماحبتكيش، يعني كان لعب عيال مش أكتر.
رمىٰ لها الحديث ورحل حقًا تاركها خلفه بغير تصديقٍ كأنها لم تعد تؤثر به بشيءٍ، أما هو فبمجرد لقاءٍ عاد يتذكر كل شيءٍ قد كان بينهما، كانت أول حُبٍ يطرق باب قلبه حين كان بعُمر البراءةِ، أول حُبٍ يختبره ويُعطيه من مقاليد الخبرة، وقتها كان يُنازع كي يُحافظ على نبتة الخير في نفسه، أما هي فكانت تُنازع كي ترتقي مع والدها لما يرغبه كلاهما، لذا حين ربح نفسه لم يكترث بأية خسائر أخرىٰ، إذا كانت مادية أو أخرىٰ معنوية..
_عِش يا فتىٰ وبماضيكِ لا تُباليّ..
دع ما فاتك لسالفهِ وكأن دفتر أيامك خالٍ،
لو كان الماضي ذي أهميةٍ
ما كان حاضرك عليك بثمنٍ غالٍ
أترضىٰ لنفسك ماهو أدنىٰ
وتترك النفيس والغالي؟
____________________________________
<"لأنك جزءٌ من ماضيَّ كان عليك أن تُشاركني في حاضريّ">
هناك جزء من الماضي لن نستطع أن نتخطىٰ تواجده،
بل بالأدهىٰ لن نجرؤ على تخطي أهميته، هذا الجزء الذي يتعلق بحاضرك ومستقبلك على حدِّ السواء، لذا إن كان حاضرك يرتبط بماضيك، فاحترم أسبقية التواجد لمن أتى أولًا..
وعملًا بالحديثِ السابق ذهب "أدهـم" لزيارة خالته "رئيفة" في بيتها كأنه يستشيرها في أمرهِ، يستفتيها بما أنها صاحبة حقٍ فيه هي الأخرىٰ، لذا رحبت به وهي تجلس بمفردها في البيت وطلبت منه يُشاركها تناول وجبة الغداءِ، كان يتناول الطعام بشهيةٍ ضعيفة، كأن معدته ضاقت على الطعامِ، لاحظت هي قلة تناوله للطعامِ فسألته بمزاحٍ:
_هو للدرجة دي أكلي مش حلو زي أكل "آدم" يعني؟.
رفع عينيه لها وما إن تلاقت نظراتهما ضحك بخفةٍ وقال بلهفةٍ ينفي تفكيرها وظنها فيه بهذا الشيء الذي تحسبه هي:
_لأ طبعًا مفيش الكلام دا، أنتِ عارفة إن أكلك حاجة تانية وأنا بحبه، بس بجد مش قادر والله خلاص، حاسس إني لو كلت أكتر من كدا هتعب وأنتِ عارفة معدتي مش بتستحمل، المهم أنا كنت عاوزك في موضوع مهم، حاسس إنى هرتاح لما أتكلم معاكِ.
وافقته على الفورِ وبعد دقائق عِدة كانت تُجالسه بالحديقةِ وهي تنتظره كي يُباشرها بالحديثِ حتى بدأ هو بالفعل قائلًا بنبرةٍ أوضحت اضطرابه وتوتر خلجاته، بان على وجههِ أثر توتره فسألته هي بقلقٍ انتقل منه لها هي:
_مالك يا "أدهـم" شكلك مش عاجبني كدا؟ حصل حاجة مزعلاك؟ أنتَ فيه حاجة بينك وبين "آدم" مخلياك زعلان كدا؟ أنا عارفة بتقبل أي حاجة إلا إنك تزعل منه أو يزعل منك.
_لأ خالص بالعكس، أنا وهو كويسين أوي مع بعض، بس الفكرة كلها إني احتمال اتجوز، ومش أي واحدة هتجوز "عُـلا" أخت "آدم" اللي كانت في اسكندرية، الظروف حكمت بكدا وأنا جاي علشان لو بتصرف غلط تقوليلي، يمكن تشوفي حاجة أنا مش شايفها.
بدأت الخيوط تتشابك أمامها وهي تُنصت له، حيث أخبرها بالحكاية والغاية من فعله ومطلبه، أخبرها حتى أن الأمر أمسى يخص "آدم" بوجهٍ خاص وأنه متعهدٌ أمامه بأمانِ أخته، ظل يخبرها ويكشف لها كل أوراقه وأوراق قلبه حتى تنهدت هي وابتسمت له بحنوٍ ثم قالت ببسمةٍ بشوشة:
_تقريبًا فاهمة أنتَ عاوز إيه، شوف أنا مش هقدر أقولك المفروض تكون عاوز إيه بالتحديد بس لو زي ما بتقول كدا مرتاح للموضوع ومش خايف الخوف اللي هو يعني، وغير كدا شوفت إن "آدم" موافق وماعندوش مشكلة يبقى خلاص استعن بالله وكمل طريقك، ولو هي نصيبك هتاخدها غصب عن أي حد، أهم حاجة بس تتقي ربنا فيها وماتكسرش بخاطرها وتحوجها لحد غيرك، حتى لو زي ما قولت مفيش حب وقصة غرامية بينكم، بس هيكون فيه عشرة طيبة ومودة ورحمة، وبلاش تاخدها حجة تنسى بيها اللي فات.
فهم مقصدها وأنها تخص بكلامها "لمار" ووقتها تبدلت ملامحه وكذلك اختلفت تعابيره عند قوله الذي خرج منه جامدًا:
_طب ما أنا نسيته أصلًا، من اليوم اللي بقت فيه على ذمة واحد تاني وأنا ناسيها وناسي كل حاجة حتى مباحنش لحاجة فاتت، أنتِ عرفاني راجل وليا كلمتي، جو بقى المشاعر والعواطف دا وأصل أنا اتخدعت وأنا اتظلمت مش لوني ومش جوي، بعدين مش يمكن استقر مع "عُـلا" فعلًا وتبقى نصيبي؟ أنتِ عرفاني مغامر بطبعي.
ضحكت "رئيفة" على كلماته وبانت إمارات الراحة فوق ملامحها، ثم تذكرت أمر ابنها فقالت بسعادةٍ حقيقية:
_الحمدلله كدا هتطمن عليك أنتَ و "غسان" مع بعض، ربنا يراضيكم ويرزقكم بالصالح ويكرمكم بكل خير، عارف؟ "نـوف" خطيبة "غسان" زي بنتي أنا اللي مربياها كنت ناوياها والنية لله إنها ماتخرجش من واحد فيكم أنتوا التلاتة، جميلة وحنينة وطيبة وتسند من غير ما تشتكي، ربنا يقدر "غسان" ويسعدها.
قالت حديثها ببسمةٍ شاردة في الفتاة فوجدته يقول بدون وعيٍ منه كأنه لم يدرك كيف يتحدث:
_ماهي "عُـلا" برضه جدعة وطيبة وشكلها جد أوي، صحيح لسانها طويل ونفسي أقص منه كام متر أوزعهم على الخُرس يمكن عقدتهم تتفك بس شافت كتير ولسه عندها أصل.
_شوف الواد !! كل دا وبيقولي جواز صالونات ومش عارف إيه؟ دا أنتَ مركز ومفتح أهو وواخد بالك كويس منها ومن تفاصيل كتيرة، جاي تشتغل ماما؟ على ماما يا ابن "فريال".
تبدلت نظرته للسُخطِ فضحكت على تبدله ثم تحركت تُعانقه بقوةٍ كتعبيرٍ عن فرحتها به، كانت حقًا سعيدة بقرارهِ وبتلك الخطوة التي يخطوها في سبيل راحته وراحة كل من حولهِ، وقد تمسك هو بعناقها يتذكر عناق أمه الراحلة التي كانت صورة أخرى من خالته، كلما رأى هذه تذكر أمه وتذكر ملامحها وطيب عناقها ورحابة روحها، حتى ضاقت الأرض عليه بعد رحيلها كأنه لم ينتمي لأي موطنٍ فوق الأرضِ.
آنذاك ولج "غسان" البيت بملامح مُكفهرة، كان واجمًا وغاضبًا بشكل ملحوظٍ حتى أنه كاد أن يصعد الدرج المؤدي للطابق العلوي لكن صوت أمه أوقفه وردع حركته حيث قالت بقلقٍ من طريقته:
_مالك يا "غسان" داخل شايط ومش شايف قدامك كدا ليه؟ أنتَ متخانق مع حد برة ولا إيه؟ أول مرة تدخل كدا، تعالى سلم على أخوك حتى.
تحرك "أدهـم" بالتزامن مع تحرك الآخر يُلاقيا بعضهما عند الدرج من الأسفل وقد قال "غسان" معتذرًا عن طرثقته وأسلوبه:
_معلش يا "أدهـم" حقك عليا بس راجع متعصب ومش شايف قدامي، منورنا والله، لو أعرف إنك جاي ماكنتش نزلت أصلًا.
_ولا يهمك أنا بخير أنتَ إيه اللي معصبك كدا؟ دا إحنا بنضرب بيك المثل في الهدوء والثبات الإنفعالي.
رد عليه بهذا الحديث فتنهد هو ثم باشرهما بالقولِ:
_روحت النادي وقابلت "بسملة" هناك.
واندفعت أمه تقول بانفعالٍ حاولت كتم أثره عن المحيط:
_يادي النيلة السودا مش كنا خلصنا من السيرة دي؟.
هدرت بها أمه وقد انتبه لها كلاهما ونطق هو بانفعالٍ غير مكبوتٍ:
_كنا خلصنا آه بس مش فاهم ليه حاجة خلصت تطلعلي تاني تقرفني في عيشتي، عمومًا أنا مش متضايق علشان شوفتها، متضايق علشان حاولت تتخطى حدودها معايا، المهم يعني إني مش هفتح الحوار دا تاني مع بابا ولا هقوله ولا هجيبله سيرة، علشان خاطر "نـوف" على الأقل.
تدخل "أدهـم" في هذه اللحظة يؤيد الحديث بقوله:
_كدا أحسن، بعدين أنتَ موعدتهاش بحاجة بعد اللي حصل، كل اللي حصل إنك روحت اتقدمت محصلش نصيب يبقى خلاص مش قِسمتك ونصيبك، لا هي تنفع تظهر في حياتك تاني ولا أنتَ ينفع تحاول تاني، أنا مش فاهم الناس دي مخها فين بصراحة، يعني علاقة وانتهت وخلصنا، أبوها يفضل ينكش من ناحية، وهي دلوقتي من ناحية تانية ويدخلوا "داغـر" في الموضوع كمان؟ عمومًا كبر دماغك منهم وخليك في خطوبتك وعروستك.
سخر "غسان" بملامحهِ من الحديث ثم تجاهل الموقف بحركةٍ لحظية، وتحرك مع "أدهـم" نحو الحديقة المنزلية يجلس معه، يجلس بشرودٍ وكأن تخطيه للحكاية كانت كذبة وصدقها هو، ظن نفسه تخطى القصة القديمة وها هو يبدأ قصة جديدة يُعوض فيها كل ما فاته، أثناء انغماسه في التفكير صدح صوت الإشعارات بهاتفهِ برسالةٍ من "نـوف".
عقد حاجبيه وفتح الرسالة ولمح بها ورقة أرسلتها هي له وطلبت منه بأدبٍ وذوقٍ وترفعٍ في التُعاملِ:
_ممكن لو فاضي تساعدني أخلص الحاجات دي؟.
فتح الصورة يراقب بعض الأوراق الخاصة بعمل والدها وأمعن عينيه فيها فوجدها تُرسل له من جديد تعتذر منه خوفًا من إزعاجه:
_لو مش فاضي عادي مفيش مشاكل ممكن مرة تانية.
_أفضالك، أديني بس نص ساعة أغير هدومي وهخلصهملك حالًا، مع إني أفضل يبقى وش لوش بصراحة.
أرسلها لها مُبتسمًا كأنه نسىٰ ما كان يُزعجه منذ قليل، كتب لها هذا الحديث سريعًا وهو ينتظر رد فعلها حتى وجدها كتبت تواري خجلها بين طيات كلماتها كأنها لم تُحبذ هذا الأسلوب المعسول منه:
_أنتَ يا عم السويت توكر يا أبو لسان حلو، رُد على قد السؤال بس، بعدين لا شكرًا ماتفضيش نفسك مخصوص أنا هتصرف.
ابتسم وقرر يُثير استفزازها بكتابته:
_طولتي يا "نـوف" وبقالك صوت؟ دا أنا كنت فاكر نموك واقف من ابتدائية، بس حلو دا معناه إن عيالي نموهم هيفضل مستمر؟.
وقتها شعرت بالدماء تغلي في رأسها منه ومن استفزازه لها فأرسلت له مُلصقًا تعبيريًا عن غضبها عبارة عن فتاةٍ صغيرة قصيرة القامة تصفع أحدهما، وما إن وصله الرمز ظل يضحك هو بنبرةٍ عالية جذبت الأنظار له حتى حمحم مُحرجًا ورسم الجمود حين تلاقت نظراته بنظرات "أدهـم" الذي استغرب من تبدله بتلك السُرعة الرهيبة بين طرفة عينٍ وتاليها.
____________________________________
<"كل الاختيارات أتت بإرادتي، آلا أنتَ أتيتُك مُجبرة">
ما كنتُ يومًا أؤمن أن الاختيارات قد تكون بالإجبارِ ذات يومٍ..
أن نُجبَرُ على شيءٍ من بين شيئين نختارهما ونبتعد عن شيءٍ بكل طواعيةٍ منا، لا تعلم معنى أن تكون مجبورًا على شيءٍ من بين شيئين وكلاهما أشدُ كُرهًا على قلبك، لكن في النهاية عليك أن تختار ولو كان الاختيار هذا مُنكهًا بالرفضِ ومُطعَمًا بالإجبارِ..
كانت "عُـلا" شاردةً تجلس في شقة "ربـاب" بعد ذهاب "آدم" لعمله وقد أتت "ورد" تُجالسها وتقطع عليها شرودها حين سألتها بصوتٍ عالٍ بعض الشيء كي تجذب نظرها:
_ها يا حلوة عملتي إيه؟ فكرتي كويس؟.
خرجت "عُـلا" من قوقعة الشرود ورفعت عينيها نحو التي تُحدثها وقالت بنبرةٍ هادئة بعض الشيء لم تَخلُ من اضطرابها:
_مش عارفة، لسه محتارة والله يا "ورد" في الموضوع، عمالة أفكر وخايفة اتسرع وأوافق ألاقي حاجة ماكنتش واخدة بالي منها، بس مهما كان يعني هفضل خايفة على علاقة "آدم" بأخوه تبوظ مرة بسببي، لو فكرنا هنلاقي إن مفيش ضرر ممكن يحصل أكبر من كدا، بعدين افرضي ماحصلش اتفاق بينا؟ وقتها الأخوات هيعادوا بعض بسببي؟ مش هقدر والله العظيم.
فهمت "ورد" سبب اضطرابها الذي دام لأكثر من أسبوعٍ من بعد عرض "أدهـم" الزواج عليها وأن هدفها الأول هو حماية علاقة الأخوين، لذا قالت بصوتٍ هاديء تظهر فيه حكمتها في التفكير:
_وليه بس نفترض السوء؟ ما نحسن الظن بالله رب العالمين وربنا يكرمنا، ليه ماتبصيش إنها فرصة تانية جديدة ليكِ وحياة فعلًا تستاهليها يا "عُـلا" إنك تعيشيها؟ واحدة زيك تستاهل تبقى في حماية راجل زي "أدهـم" وفي حضن حنين زي "آدم" والاتنين يكونوا في ضهرك، بكلمك علشان عيشت عمري كله بينهم هما الاتنين مع بعض، "أدهـم" طول عمره راجل حنين ومسؤول عن كل اللي حواليه، و"آدم" رغم كل حاجة لسه قادر يحب ويدي حنية وحب، صدقيني يا "عُـلا" أمانك بينهم هما الاتنين.
تنهدت "عُـلا" تخرج جزءًا من ثُقل حيرتها وعادت من جديد تشرد في "أدهـم" وفي عرضه، تبحث وتغوص في جوانبه، تفكر فيه وفي شخصه وفي هدفه من عرضٍ هكذا، بالطبع الأولوية بأكملها كانت لأخيه، هي ثاني اختياراته وإن كانت اختيارًا فهو اختاره بالإجبارِ، كيف تُقنع العقل بِعلةٍ بدأ يستسغ القلب مذاقُها؟ قلبها يضع ويُفند أمامها آلاف الأسباب بكياسةٍ وديباغة واضحة، والعقل يحتج ويعترض ويُناقض بآلاف المشاهد..
أمَّا "ورد" فوجدت رسالة من "منتصر" يطمئن فيها على أحوالها وحالها في بيت أبيها، كما هي عادته منذ ما يزيد عن أسبوعٍ وهو يطمئن عليها وترد هي بقليلٍ من الكلمات وتكتفي بذلك، يحاول هو أن يُناقشها فتهرب هي وتُغلق على الحديثِ سراديب في قلبها، لا تريد أن تتطرق معه لهذا النحو، وقد أتىٰ هو برسالةٍ جديدة كتب فيها لها:
_برضه مش عاوزة تتكلمي معايا؟ فيها إيه لو حلينا المشكلة زي أي اتنين عاقلين يا "ورد" وخلصنا؟ يا ستي قوليلي حصل إيه عاوز أعرف منك أنتِ.
قرأت كلماته وظلت حائرةً هل تقع في الفخ وتخبره بما حدث مُجددًا؛ أم تكتفي بما وصله من أخويها فقط؟ أثناء شرودها هاتفها هو بمكالمةٍ خلوية جعلتها تتنهد وهي تجاوب اتصاله بالوصلِ، فوجدته يقول بصوتٍ هاديء:
_وحشني الكلام معاكِ يا "ورد" وأنتِ بتردي على القد، طب أنا ذنبي إيه طيب؟ والله العظيم بهدلت الدنيا علشانك وعارف إنك معاكِ حق تمشي ومش زعلان، بس أنتِ واخدة مني أنا جنب ليه؟ وليه بكلمك مش بتردي، ولما بتنزلي مع بتعبريني، أنتِ بتاخديني في الرجلين معاهم؟.
سألها بعتابٍ وانتظر منها الجواب فوجدها تقول باندفاعٍ كأنها مياهٌ حُبِسَت خلف السدِ المنيع:
_أنتَ عارف إن دا مش طبعي ولا دي دماغي يا "منتصر" وعارف كمان إني دماغي مش صغيرة والعند مش طبع فيا علشان أعند معاك، أنا بجد فعلًا تعبت وبقيت مخنوقة من الدنيا كلها، بقيت تعبانة وأنا برضيك وبرضي أهلك وياريته عاجب وبحاول أرضي أهلي اللي نفسهم يطمنوا عليا وأرضي نفسي كمان، يا "منتصر" كل حاجة حلمت بيها معاك ضاعت ومش لاقياها، فين اتفاقك؟ فين كلامك ليا إنك هتسافر بس سنة تظبط الدنيا وتيجي؟ أنتَ حتى الاجازة مش عاوزها، يبقى هتستقر إزاي؟.
_هما سخنوكِ عليا ولا إيه؟ من إمتى يا "ورد" دا تفكيرك فيا؟ من إمتى وإحنا بينا الكلام دا؟ ما طول عمرك معايا خطوة بخطوة وشايفة بنفسك اللي أنا فيه، أنتِ عارفة إني ماليش غيرك ومكمل علشان أنتِ معايا.
رد عليها بهذا الحديث المُنكه بنبرةٍ حزينة فقالت هي باندفاعٍ وقد بكت رُغمًا عنها وهي ترد عليه بقولها:
_بس أنتَ مش معايا يا "منتصر" وأنا مش في حساباتك، أنتَ كل همك دلوقتي أهلك طلباتهم تكون حاضرة وأنتَ في شغل مريحك وأخوك يكون مش محتاج حاجة من حد، ووالدتك كل طلباتها تكون مُجابة، أنا فين؟ أنا في آخر القايمة خالص، مجرد حاجة موجودة ومضمونة، ست على ذمتك وخلاص وقت ما تيجي تيجي تقضي وقت حلو معاها وتخلفلك عيل وتربيه وأنتَ في الشغل برة، طب خدني معاك لو بجد أنا أولوية عندك.
_يا بنت الناس حاولت والله، وقولتلك أنتِ مكاني عندك، أنا مسلمك كل حاجة، فلوسي وعيلتي وبيتي وحياتي كلها، أبويا نفسه بقى بيقول إنك بنته اللي هو مخلفهاش، كل حاجة معتمدة على وجودك أنتِ مش أنا، ومهما حصل مفيش حاجة هتمشي زي ما أنتِ ممشياها.
لا تعلم هل هو يُجيد التحدث أم هو يبتزها عاطفيًا بما تُحب أن تسمع ويُقال لها؟ سكتت عن الحديثِ ولم ترد عليه بينما هو فظل يُراضيها بحلو حديثه وكلماته المعسولة كي ترضخ وتلين ولو بمثقال ذرةٍ حتى، لا تعلم كيف تعلمت العطاء ولا مِن مَن حتى لكنها تُعطيه ببذخٍ وكرمٍ، قلبها حقلٌ يعطي الورود لكل مارٍ وسائلٍ، تجود على كل غريبٍ وتبخل على قلبها أقرب الأقربين، تلك المرة انطفأت الشمعة التي تُنير الظلام للجميع، واليوم تبحث عن من يُنير عتمة فؤادها.
وفي مكانٍ متكدسٍ بطاقم العمل الذي يعمل على قدمٍ وساقٍ كان "آدم" يقف في مطبخ مطعمه على قائمة العاملين هناك، يقف بنفسه يصنع حلوى صنيعة يديه، يبتكر في وصفة لحمٍ بتوابل تشبه اللمسة السحرية منه هو، يُشرف على الفرن والصواني التي وضعها بمنتصفهِ، ثم يعود للموقد الغازي ويتابع عمل صلصة مُعينة مطلوبة منه هو، المكان حوله رغم ازدحامه لكنه كان معرضًا للفنونِ وهو هُنا فنانٌ من نوعٍ خاصٍ..
أنهى أهم الأعمال وأشرف على تقديمها وإخراجها بأفضل شكلٍ مع تقديم النصيحة الذهبية المعتادة منه "العين بتاكل قبل البوق" تلك النصيحة التي يُكررها مع كل طلبٍ يخرج من مصنعه هُنا، وقف يستند بكلا كفيه على الحامل الرُخامي ويُهديء رأسه من الضجيج الساكن فيها فشعر بكف أحدهم يلمسه.
التفت ظنًا منه أن ربما يكون أحد أفراد العمل هو من أتى إليه لكنه تعجب حين وجده "أدهـم" أخيه هو الذي أتى إليه، عقد حاجبيه وردد اسمه مستنكرًا، فيما تنهد الثاني وقال بثباتٍ وببسمةٍ بشوشة:
_جيت علشان أكلمك في موضوعنا، مش عاوزك تفضل تفكر وتشغل نفسك وعقلك كتير، أوعدك لو دا حصل هتبقى في عيني ومش هضايقها، بس لو طولت لسانها معلش يعني هقطعهولها علشان دي لسانها مترين ونص.
رفع "آدم" حاجبيه مستنكرًا بنظرةٍ حادة جعلت أخاه يقول متراجعًا:
_بس طيبة، طيبة وقلبها أبيض وتستاهل إنها تكون بخير بعيد عن الجري والخوف والدوشة اللي كانت فيها، وعلشان تكون جنبك ومتطمن عليها من غير قلق، سيبتك تفكر وتاخد قرارك علشان لو وافقت هجيب عم "طـاهر" ونطلبها منك، بس أهم حاجة عاوزك تعرفها، إني مستحيل أخسرك لأي سبب في الدنيا دي، أبوك سابلي ورث وفلوس وحاجات كتيرة بس ساب اللي أهم من دا كله، سابك أنتَ ليا وقالي إنك الأهم من كل دول، عندك شك في حاجة زي دي؟.
ابتسم له "آدم" وطفق الحنين يُعلن عن نفسه في عينيه ونظراته وفي تلك اللحظة قبل أن يأخذ أي رد فعلٍ وصلته تذكر أمر الهاتف الذي كتم هو صوته وأخرجه من جيبه ليجد "عُـلا" تحاول الوصول إليه وحين غلبت أرسلت له عبر تطبيق المرسلات:
_أنا استخرت ربنا ووافقت يا "آدم" بس الأول عاوزة أتكلم مع "أدهـم" علشان نحط النقط على الحروف، وربنا يقدم اللي فيه الخير.
لا يعلم لمَّ ارتاح بهذه الطريقة ولمَّ بتلك الموافقة شعر كأن هناك هُدنة أقامتها الأيام معه بعد حروبٍ كثيرة في الأيام الفائتة، لذا من جديد توسعت بسمته أكثر وانتبه لشقيقه وقال ببصيصٍ من حماسٍ بدأ يشتعل داخل صدره:
_"عُـلا" وافقت تتجوزك يا "أدهـم".
ابتسم له "أدهـم" وربت فوق كتفه بحنوٍ فضمه الآخر مُعبرًا عن فرحتهِ ثم أصر على إقامة عزيمة وتناول الطعام سويًا احتفالًا بهذا الخبر السعيد الذي زُفَّ إليهما في هذه اللحظة، كأنهما كانا يحتاجا للفرحةِ، "أدهـم" الذي بدأ يُفكر في استقراره النفسي وهدوء حياته من تلك العواصف التي دمرتها، وعودة حُلم الأسرة والبيت من جديد له، و"آدم" الذي كان يحلم بجمع عائلةٍ تحبه ويكون له مكانًا بينهم بدلًا من غربته ورفضه بين الناسِ..
هذه المرة كأنهما ربحا نفسيهما وخسرا العالم بكل عدوٍ فيه..
-"تلك المرة يا أمي ربحَ ابنك حربًا..
وخسر آلافٍ،
فربحت الحرب مع نفسي،
وخسرت الغُرباء وعدوًا
_كان أيضًا أنا_
لكنه عاش ليّ بقلبٍ غير صافٍ.
____________________________________
<"بعض الجنود يُسخرها الله لنا بغير سؤالٍ">
قد تظن أنك حين نجوت هذه هي مهاراتك كإنسانٍ ذكي..
وقد تغفل عن رحمة رب العالمين بكَ، قد تغفل عن تدبير الخالق لأمورك فتُسلم لهوىٰ شيطانك وتيأس من رحمة ربك، ثم تعود وتقنط من الرحمة، وتعود وتعرض عن سؤال ربك كأنك ضمنت ما كنت تسأله عنه، وحين تغرنك الدُنيا تعود وتبحث عن السؤال، والسؤال جوابه وحده كونك تغافلت عن رحمة رب العالمين..
انتصف النهار وبدأ الليل يُسدل ستائره بنجومٍ لامعة، ومعه بدأت أوضاع البعض تهدأ وتسكتين، وبالأخص في شقة "رحمة" التي تطل على نهر النيل مُباشرةً كانت تجلس هي في الخارج على أريكة الصالون وهي تتابع مع "يارا" مساعدتها بعض الثغرات في ملف "صابرين" الخاص بالقضية، كانت تبحث قبل كل خطوةٍ تخطوها في وكر تلك المدعوة "صابرين" قبل أن تُجابهها وتُجابه شرها.
أغلقت الهاتف ثم تذكرت أمر الصغار الذيْن بقيا بغرفةِ الجلوس أمام شاشة التلفاز، تحركت بهدوءٍ على رؤوس أصابعها وفتحت الباب بفتحة ضيقة بقدر إطلاع عينيها ثم ألقت نظرها عليهما، اشرأبت برأسها لترى "سدره" تنام فوق الأرض على بطنها تُمعن النظر في التلفاز، وعلى نقيضها يجلس "سليم" بالتزامٍ غريبٍ على عمرهِ، أشفقت عليه وعلى عمره الصغير الذي رأى كل ذلك، وأيقنت أن الفاجعة النفسية لا تُقاس بالعمر، وإنما تُقاس بمقدار تحمل الصدمات.
ولجت لهما وحمحمت تلفت أنظارهما فانتفضت الصغيرة بهلعٍ وخوفٍ على عكس شقيقها الذي نظر لها بجمودٍ ذكرها بعينين تعرف صاحبهما جيدًا، نفس نظرة عمه الحادة وكأنها تقف أمام نسخته في صغره، لذا اقتربت تجلس على الأرض ثم أخذت الصغيرة ووضعتها فوق حِجرها وقالت ببسمةٍ هادئة:
_أنا جاية اتطمن عليكم وأشوفكم أخباركم إيه، مش جاية أرخم عليكم متقلقوش، بعدين أنتوا ليه ماكلتوش ولا شربتوا العصير؟ مش بتحبوا عصير المانجا؟ بتحبوا إيه طيب؟.
لم تجد ردًا منهما، فقط الصمت هو الجواب الوحيد الذي يصدر عنهما، لذا تنهدت وقالت بصوتٍ ظهر فيه غُلب أمرها:
_ماشي، واضح إنكم واخدين موقف مني ودا حقكم بصراحة، بس والله العظيم مش عاوزاكم تبقوا متضايقين مني، أنا عاوزة نفتح مع بعض صفحة جديدة، أولًا مش عاوزة حد فيكم يخاف مني ولا يكون زعلان، ثانيًا بقى أنا مسؤولة عنكم لحد ما ترجعوا تاني بيتكم.
توسعت عينا "سليم" وسألها بلهفةٍ مُضطربة:
_عند ماما تاني؟.
استشفت الوجع بصوته وسؤاله فابتسمت له بسمة مغصوبة الشفتين وقالت بهدوءٍ بعض الشيء:
_لأ أقصد بيتكم اللي فيه بابا وتيتة و"سليمان" معاكم، بس الأول لازم تسمعوا كلامي وتستحملوا قعادكم معايا لحد ما كل حاجة تتحل، أنا والله مش عاوزة حد منكم يكون زعلان بسببي، ومش عاوزاكم تخافوا مني علشان أنا مش في نيتي أزعلكم، بالعكس أنا يهمني تكونوا فرحانين علشان أنا أكون مرتاحة.
نظر الصبي لأخته الصغيرة ثم قال بصوتٍ غلبه الحزن:
_أنا عاوز أشوف بابا، وديني خليني أشوفه وأعرف هو صحي فعلًا ولا لسه، أنا بحبه أوي ولو كان صاحي كنت هفضل كل يوم أقوله إني بحبه وإني بحبه زي "سليمان" وأكتر كمان، هو كان علطول يقولي إني بحب "سليمان" أكتر منه ويقعد يهزر معايا، وكنت بفضل أقوله إني بحب "سليمان" أكتر من أي حد، بس أنا بحبه أوي، وهو مش عاوز يصحى علشان أقوله..
بتر البكاء حديثهُ وتوقف عن الاسترسال مُعبرًا عن مشاعرهِ وفي تلك اللحظة خطفته "رحمة" لعناقها ترحمه من غُربة نفسه، تواسيه عن فقدٍ لم يكن بإرادتهِ ولكنه كان بغدرٍ، حيثُ طُعنَ في قلبه الصغير على يد أحبتهِ، تضامنت معه قلبًا وقالبًا وشعرت بالانتماء له، لا تعلم كيف انساقت خلف رغبات "صابرين" كي تُدمر طفلين بمثليهما؟ وقد انتبهت لآثار جروح جسده ووجهه فمسحت برفقٍ على خصلاته البُنية المرفوعة، وتابعت غابات عينيه المُحترقتين ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ:
_حقك عليا، أوعدك حقك هيرجعلك تاني وهتكون مع بابا، بس ينفع تيجوا تاكلوا معايا؟ أنا طلبت أكل لينا بتحبوا الشاورما؟.
لمحت بسمة الصغير وموافقته وكذلك رد فعل شقيقته فتنهدت هي لكن قبل أن تتحرك قررت أن تبدل هذه الأوضاع المتوترة فقامت بقلب المحطة التلفزيونية وتركت أغنية صاخبة عالية ثم دارت حول نفسها ومدت يديها تدعوهما للمشاركةِ، فانضما لها الاثنان معًا بضحكاتٍ عالية وهي تضحك لهما ومعهما، تحاول أن تُكفر عن ذنوبها في حقيهما، رغم علمها أن تلك المحاولة صعبة للغاية، لكنها تعلم وتقتنع جيدًا
وتُوقن أن الجُبن أبغض الأفعال..
وأدركت أن إذا كان الموت لا مفرٍ منه، فعلى المرء أن لا يموت جبانًا يخشى مسلك المحاولةِ..
أمَّا في بيت "الإدريسي" حيثُ غرفة "سالم" الذي كان يجلس بمفردهِ كما هي عادته في الأوقات الأخيرة كانت "سُعاد" أمامه تحاول معه كي يتناول طعامه الذي يرفضه هو، حاولت معه وهو يأكل بصعوبةٍ فقالت بأسىٰ من حالته:
_علشان خاطري يا "سالم" كُل ماتشميتش فيا "سُليمان" دا ما هيصدق، أنا متراهنة معاه أخليك تاكل على الأقل شوربة الخضار ونص الفرخة، ترضهالي؟ هيمسكهالي ذِلة طول العمر.
أغصب شفتيه على التبسم وحرك رأسه نفيًا، وما إن مدت يدها بالملعقةِ حرك رأسهِ نفيًا وفي تلك اللحظة ولج "سُليمان" الذي ابتسم بسخريةٍ وقال بتهكمٍ يسخر منها ويُقلد طريقتها:
_متقلقش دا أنا "سُعاد" هخليه يبلع الأكل بلع كدا، يا بت اتوكسي طول عمرك بوق وخلاص.
حركت عينيها تنظر بعتابٍ لـ "سالم" وكأنها تُلقي عليه اتهام الآخر لها وقد اقترب "سُليمان" منهما ثم دفعها من جهته وجلس هو بموضعها _سابقًا_ وتنهد بثقلٍ ثم أغصب شفتيه على بسمةٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_اسمع مني علشان خطري وكمل أكلك، لازم تقوم تقف على رجلك من تاني وتقوم وسطنا، بعدين إيه يا "سالم" نسيت لما كُنا بناكل نص خروف أنا وأنتَ مع بعض ونكمل بطبق فاكهة؟ يا راجل متضحكش علينا السلعوة اللي ورايا دي.
حينها ضربته "سُعاد" بقبضتها في ظهره فتألم إثر ضربتها ثم ضحك رُغمًا عنه وبدأ يُطعم شقيقه دون أن يجرؤ على مواجهة عينيه حتى لا يكشف له ذنبه وسوءه، توارى خلف ستار فعلهِ وهو يعلم أن شقيقه سوف يكشف ما في نفسه ويتطلع على ما خبأه هو من مجرد لقاءٍ بين المُقلِ، لكن النبرة التي خرجت من شقيقه قصمت ظهره وهو يسأله بقهرٍ:
_هُمـ هُما فـين يا سُـ سُليمان؟.
صوت شقيقه زعزع ثباته وبالأخص هو ويستفسر عن صغيريه وهو يتركهما للكارثة الكُبرى في حياتهما مُرغمًا بالإجبارِ، وقد طال صمته دون أن يُجاوب عليه فتدخلت حينها "سُعاد" تقول بحنكةٍ ودهاءٍ يليقا بعقلها الناضج:
_إحنا طلبنا منه يخليهم عند صاحبه هناك علشان نفسيتهم ونفسيتك يا "سالم" هما صعب يستوعبوا التغيير اللي حصل في حياتهم، ولازم تكمل علاجك وتهتم بنفسك وأكلك علشانهم، علشان يرجعوا لحضنك من تاني، تعالى على نفسك شوية واتحمل وكمل أكلك كله علشان تقدر تكمل جلسات العلاج، وبكرة هيكونوا جنبك ومعاك.
هو يعرفها جيدًا ويعرف أنها لن تكذب عليه، يعرف أنها لم تجرؤ وتكذب على من رباها في صغرها، التزم الصمت وتناول الطعام من يد شقيقه كأن حديثها أصاب هدفه لديه، أمَّا "سُليمان" فنظر لها بامتنانٍ كونها أنقذته من مأزقٍ كلامي لم يجد هو ما يكفيه لصياغة بلاغته، وقد ابتسمت هي ترفع عنه الكُلفة والحرج ونظرت له بحنوٍ غلبه الحزن بسبب تبدل الأوضاع التي انقلبت رأسًا على عقبٍ.
____________________________________
<"قالوا الدنيا تُشبه البحر وكلاهما يخطفك بدواماته الظلماء">
الظلام الذي يسود طريقك هو بذاته الذي يُعلمك بمناطق النور بداخلك، هذا الظلام لولاه ما كنت اطلعت يومًا على النجوم التي تسكنك، كمثلِ السماء الحالكة كُلما طالعتُها وجدت نور نجومها ساطعًا، وكذلك سوف تُنير أنتَ برغم سواد دربك وحُلكة لياليك..
في الأغلب لم يكن مجرد ساكنٍ في البحرِ، بل البحر أصبح يسكنه وكل يومٍ يُغرقه فيه، لم يعد كما كان من قبل يدرك الحياة حوله، وإنما هو مجرد غريقٍ لم ينجُ من الغرقِ، وفي عمق هذا الغرق يسحب معه كل من أحب، هو الغريق الذي لم يَنجُ، وكيف ينجو والبحر هو الذي يسكنه؟.
كان "يحيى" في شقته بجوار ابنته التي نامت في عناقه وهو يلعب بأنامله في خصلاتها بشرودٍ أمام التلفاز دون وعي لما يُشاهد، كان غارقًا في دوامات أفكاره الحزينة خاصةً حين فشلت خطوة العلاج النفسي لابنته، وقد انتبه لصوت هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله يرد على خاله الذي ظل يستفسر عنه وعن ابنته وعن صحتها مؤخرًا وبالأخص أمر العلاج النفسي، أخبر خاله عن تراجعه، فظل الآخر يُقرعه ويؤنبه بقولهِ:
_ليه يابني كدا؟ يا أخي حرام عليك اللي بتعملوا دا فيها وفي نفسك، ليه يا "يحيى" بتظلمها في حكايتك وتحاسبها على ذنب مش ذنبها، كمل يا "يحيى" وحاول تاني واستحمل علشانها هي.
ظل يستمع لتقريع خاله وتأنيبه فقال الآخر مضطرب الصوت مُفصحًا عن القلق الذي يسكنه:
_للأسف خافت ومقدرتش أجبرها، الخطوة دي أنا مش قدها ولا هي نفسها قادرة عليها، أنا عاوزها هي تكون مستعدة وحابة الخطوة دي، مش عاوزها كل مرة تتحول وأشوف عينها مليانة خوف كدا، دي بنتي يا خالي وماليش غيرها ومش عاجبني وضعها كدا، والله العظيم نفسي أشوفها مرتاحة.
_اللي بتعمله يا "يحيى" دا عمره ما هيريحها، اللي بتعمله دا هيخليها طول عمرها ورا وعمرها ما هتاخد خطوة واحدة في حياتها علشان تتصلح، عارف ليه؟ علشان أبوها نفسه كدا يا "يحيى" أنتَ بنفسك واقف مكانك مش عاوز تصلح حاجة، بقيت هربان ورامي الدنيا ورا ضهرك، الحل يا "يحيى" هيبدأ من عندك، يا سيدي لو مش قادر رجعها الغردقة تاني.
حين وصله هذا الحديث انفعل "يحيى" في الردِ بقوله:
_نـعم !! هو أنا كنت بسيب الدنيا كلها وأمشي بيها سنتين علشان في الآخر أرجعها تاني ليهم؟ أنتَ عارف لو رجعت هيحصل إيه؟ هياخدوها مني ومش بس كدا، دول مش بعيد يقتلوني، عمي مبقاش شايف غير إني جنيت على بنته، رغم إنه لو فكر شوية هيلاقي إن بنته هي اللي جنت عليا، بنته اللي دمرتني يوم ما خبت عني مرضها، اللي بتقوله دا مش هيحصل.
_خلاص يبقى تتجوز يا "يحيى" وتجيب واحدة تراعي بنتك وتراعيك، واحدة تملا عليها يومها وحياتها في غيابك، بنتك محتاجة حد يكون معاها، يا سيدي مابقولش اتجوز وعيش حياتك واستمتع بس على الأقل بنتك تعيش.
وقتها ازداد غضبه أكثر وازداد الإنفعال بقوله:
_الموضوع دا مش هيتفتح، أنا مستحيل أعمل كدا في واحدة واجيبها تشيل همي وهم بنتي، مين هرضالها بس البهدلة دي؟ اللي هتيجي دي مش بنت ناس ليها حق عليا؟ مش هيكون ليها حقوق عليا وواجب عليا احترمها؟ أنا مش هقدر أعمل كدا، حتى لو علشان بنتي تتحسن وتبقى أفضل مش على حساب حد تاني.
كان "أنيس" يعلم أن خصاله أكرم من أن يتصف بلؤمٍ مثل هذا، ويعرف أن طبعه تجرد من الدونية وانعدام الأخلاق والشرف، لذا أغلق معه الهاتف وهو يدعو له وابنته معه، فيما أغلق "يحيى" الهاتف وظل يُقلب في شاشة التلفاز حتى وجد أغنية ذكرته بالراحلةِ، أغنية كانت من قلب حياته فتركها وضم ابنته لعناقهِ وثبت عينيه على التلفاز.
_"مشيتلك طريق يوصلني ليكِ
لاقيت الطريق بيبعدني عنك
وقربت فجري يبوس نور عينيكِ
تاهت في الليالي ملامحي وملامحك
لا عرفت إيديا تضلل عليكِ
ولا قدرت أصونك ولا عمري خونتك
وأديني حبيبي في بداية رجوعي
وواخد معايا اللي باقي في شموعي
ومن بين عيونك بتنزل دموعي
ومن بين عيوني بتنزل دموعك
لا عرفت إيديا تضلل عليكِ
ولا قدرت أصونك ولا عمري خونتك."
وفي الحقيقة يده لم تتمسك بها بالقدر الكافي، في عمق البحر فشل في استمساكه بها، لم يستطع أن يُطيل البقاء لوقتٍ أكبر حتى كانت النهاية مُظلمة فوق رأسه كسحابٍ غطىٰ نور الشمس عليه ودفن نوره، هو لم يكن خائنًا كما تُروى القصص عنه، ولا استطاع أن يصون كما كان يتوجب عليه أن يفعل، هو حكاية كُتِبت بين السطور ولم ينتبه لها القاريء.
____________________________________
<"لا تكن مقتولًا تطلب الشفقة،
اقتل مرة واطلب المغفرة ثانيةً">
يحيا المرء في الحياة بكلا الدورين..
مرةٌ يحياها مظلومًا يطلب الشفقة من العالم، يعيش كما ضحية دهستها الأقدامُ هنا وهُناك، ثم تدور الأيام دورتها فيحين دوره كي يكون جانيًا، تلك المرة يدهس هو كل من سولت له نفسه وجار عليه ذات يومٍ، وبين الدورين يختار أيهما أفضل له، لذا لا تكن ضحية تطلب الشفقة، ولا تكن جانيًا يطلب المغفرة، بل كن ناجيًا من كل سوءٍ واهرب حيث تجد راحتك.
في بيت "مُرسي" ومن بعد رحيل "ورد" ما يزيد عن أسبوعٍ متواصلٍ تدهورت الحياة في غيابها، اثبتت لهم حقًا أن المرء لا يدرك قيمة الشيء إلا حين يضيع من بين يديه، لذا كانت "خيرية" تسرد حكايا وأساطير عن شرها، تحكي لكل عابر سبيل ومارٍ عن زوجة الابن القاسية التي رحلت كي تستمتع بحياة الترف، تقول عنها ما لا يُقال لكل من تعرفه ولا تعرفه أيضًا.
تعيش دور الضحية أمام الناس وتُزين الحديث ببكاءٍ كما دموع التماسيح التي لا تُصدق، وقد عادت للبيت تحمل حقائب بلاستيكية زهيدة وهي تشتري أقل الأنواع ورمت الحقائب بجوار عتبة الشقة وهي تلهث بأنفاسٍ مقطوعة، فخرج لها "خلف" من غرفته يقول بنبرةٍ عالية:
_وآخرتها ياما؟ البيت حاله يضرب يقلب والدنيا خربانة والهدوم بتاعتي ماتغسلتش، ست الغضبانة دي هترجع إمتى؟ وفين الفلوس بتاعة البيت؟ ابنك خلاص مسلمها كل حاجة وهيخليها تدوسنا؟ التلاجة فضيت ولسه مقبضتش فلوس من الشغل واللي معايا خلص، وإيه دا بقى؟ شوية خضار ورز؟ دا يرضي مين بس؟.
_"خلف" الله يرضى عليك سيبني في حالي أنا على آخري، كل يوم في غلب وشقا ونزول سوق ومرمطة ومش ملاحقة، والفلوس بقت على القد يا حبيبي خلاص، الفلوس كلها عند السنيورة فوق، والخير كله في شقتها وإحنا هنا مش لاقيين اللقمة، يا ميلة بختي فيكم والله، يا ميلة بختي في ابني الكبير.
نظر لها "خلف" بضيقٍ ثم تنهد وقال بنفاذ صبرٍ:
_بقولك ياما مش المفتاح معاكِ نسخة منه؟ اطلعي الشقة هاتي منها أكل من التلاجة وشوفي اللي عاوزاه خديه، ولو المحروس بتاعك أتكلم قوليله أبوك تعب وعاوز أكل وعلاج، خليه يعرف هو موصلنا لإيه، ماتبقاش تلاجتها فوق مليانة وعمرانة وقفلاها وإحنا هنا مقضيينها عيش وملح، إحنا لسه بنتعلم الأصول؟.
_يعني أنتَ شايف كدا؟ أنا برضه بقول الوضع دا مايرضيش ربنا، أبوك يا حبة عيني نفسه في لقمة حلوة يتقاوت بيها.
حثها كما الشيطان الذي يوسوس لضحيته، وهي كما ضعيف النفسِ انساقت خلفه وانصتت لكلماته واستمعت لحديثه، أخذت المفتاح الاحتياطي وتحركت نحو الشقة بالأعلى وولجتها بخطواتٍ ثقيلة، ظلت تفتش في كل مكانٍ وهي تتعجب من هناء العيش ورغده، فتحت الثلاجة وظلت تبحث عن الذي قد تحتاجه منها، لم تجد أي شيءٍ مبالغ فيه، بل كل شيءٍ أقل من العادي ورغم ذلك ظلت تخطف كل شيءٍ تطوله يدها.
في الأسفل انتظرها "خلف" ثم أخرج هاتفه وأرسل لشقيقه عبر تطبيق المراسلات:
_هنموت من الجوع وأبوك مش هنعرف نجيبله علاج لحد إمتى؟ عمومًا أبوك تعب أوي وخليت أمك تطلع الشقة عندك تشوف حاجة نعملهاله، وأنا لسه مقبضتش والحالة واقعة معايا، قولت أعرفك علشان بترجع تتضايق.
أرسل له رسالته ثم ترك الهاتف وجلس على أقرب مقعد يقابله وملامحه ترسم الخبث حيث وصل لما يُريد ويبغىٰ، ولو كان على حساب الآخرين.
وفي مكانٍ آخرٍ حيثُ معرض "سُليمان" للسيارات كان يجلس في عمق الليل بداخل المعرض، يجلس وفي يده الهاتف وهو يتحدث مع المحامي الذي يتولى شؤون القضية وقد انفعل هو عليه في المكالمة وقال بغضبٍ أعمى:
_يا متر شوفلي حل يخليني أجيب العيال عندي، دول مش وش بهدلة دول ولاد عز، بنت ***** دي عمرها ما هتقدر تتعامل معاهم، وماتقوليش هتعملي محضر وتتهمني، علشان لو بأيدي هخطفها هي نفسها، ومش هكتفي بكدا دا أنا وربي لأخليها تشحت زي كلاب السكك.
_يا أستاذ "سليمان" أنا خايف عليك أنتَ، على الأقل لازم الطعن يتثبت ويبقى معانا مستند رسمي يخليك تتحرك، لكن دلوقتي صعب علشان الولاد قبلك أنتَ.
_اتصرف يا متر حتى لو نعمل تصالـ…
بُتِرَ حديثه حين انصت لصوت قرع النعال فوق الأرض الرخامية بمعرضه فانتبه لمصدر الصوت وضيق جفونه وهو يستقيم في وقفته ليرى بعينيه الغريمة الثالثة له في الحياة، المرأة التي وصفها ينافي اسمها، إمرأة تجرد قلبها من الرحمة كما يقول، رفع حاجبه يتحداها بعينيه ويتعجب من وميض عينيها الوضاءة، بينما هي ابتسمت له وقالت بثباتٍ كأنها أتت تُثير استفزازه:
_سوري لو جيت في وقت متأخر زي دا، بس أنا ليا عندك حق وجاية آخده وأنتَ ليك عندي حاجة مهمة ويهمني إنك تاخدها، هنعقل كدا ونهدا وتكلمني وش لوش ولا نفضها سيرة؟.
بنفس التحدي نظر لها فضحكت هي تثير استفزازه أكثر ثم فتحت الهاتف على صورة الصغيرين أثناء نومهما وهي بجوارهما التقطت لنفسها صورةً برفقتهما، راقبت جمود ملامحه ثم وضعت الهاتف نصب عينيه لترى التحول السيريالي فوق وجهه، ملامحه أشبهت مشهدًا سينيمائيًا في لحظة كشف الحقائق وبالأخص هنا حيث أنقلبت الموازين....