
رواية جمعية حب الفصل الثامن عشر 18 بقلم شمس محمد بكري
|| أصبح ضحيةً بعد أن كان جانيًا ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
اليوم سوف أُحدِثُكَ عن أبغض شعورٍ قد تشعر به..
أولًا مع كامل أسفي لكَ كوني أُحدِثَك عن مشاعرٍ قد تكون باغضًا لها، لكن هل تتذكر ذاك اليوم حين أصبحت أنتَ السيء في رواية الجميع، حين انتشرت عنك كل الأقاويل في حقك وحق نفسك أنك مجرد سيءٍ ولج حياة الآخرين يُدمرها، حين قالوا عنك أنك منافقٌ بأكثر من وجهٍ يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية؟ حينها ماذا فعلت أنتَ؟ تألمت؟ رُبما، كذبت الأحاديث بينك وبين نفسك؟ جائز، لكن هل نصفت نفسك أنتَ؟ لم يحدث هذا مُطلقًا، لأنك التزمت الصمت أمام كل اتهامٍ نُسِبَ إليك..
هل تعلم لماذا التزمت الصمت؟ لأنك تعلم أن العالم حين يُصدق السوء في أحدٍ لن يسعى لتصديق براءَته، فيكون حديثك تجميلًا لا تبريئًا، يدعونك بالجاني ممثل دور الضحية، وفي الحقيقة هُم ضحايا، لكن ضحايا الفكر المحدود والنوايا السيئة..
فلا تجعل حديث جاهلٍ في حقك يُغلب علمك بحق نفسك..
<"في مضمار السباق لا يربح السريع، بل الذكي">
لا يُشترط في معظم الأوقات أن تعمل بجدٍ..
أحيانًا يتوجب عليك أن تعمل بذكاءٍ، أن تأخذ الأرنب الكسول قدوتك أمام بطء سُلحفاةٍ في مضمار السباقِ، فأحيانًا القوة العقلية تغلب على القوة البدنية ويُصبح الفائز هو من قاد الطريق بعقلهِ، ولم يترك نفسه للطريق يجري به فحسبٍ..
_اتصرف يا متر حتى لو نعمل تصالـ…
هدر بها "سُليمان" حين كان يُهاتف محاميه بمكالمةٍ خلوبة، وقد بُتِرَ حديثه حين انصت لصوت قرع النعال فوق الأرض الرخامية بمعرضه فانتبه لمصدر الصوت وضيق جفونه وهو يستقيم في وقفته ليرى بعينيه الغريمة الثالثة له في الحياة، المرأة التي وصفها يُنافي اسمها، إمرأة تجرد قلبها من الرحمة كما يقول، رفع حاجبه يتحداها بعينيه ويتعجب من وميض عينيها الوضائتين، بينما هي ابتسمت له وقالت بثباتٍ كأنها أتت تُثير استفزازه:
_سوري لو جيت في وقت متأخر زي دا، بس أنا ليا عندك حق وجاية آخده وأنتَ ليك عندي حاجة مهمة ويهمني إنك تاخدها، هنعقل كدا ونهدا وتكلمني وش لوش ولا نفضها سيرة؟.
بنفس التحدي نظر لها فضحكت هي تثير استفزازه أكثر ثم فتحت الهاتف على صورة الصغيرين أثناء نومهما وهي بجوارهما التقطت لنفسها صورةً برفقتهما، راقبت جمود ملامحه ثم وضعت الهاتف نصب عينيه لترى التحول السيريالي فوق وجهه، ملامحه أشبهت مشهدًا سينيمائيًا في لحظة كشف الحقائق وبالأخص هنا حيث أنقلبت الموازين.
تلك المرة انتصرت عليه بنظراتها حين وجدت تبدل ملامحه بينما هو فقاده الجنون وهمس له الشيطان بخنقها حتى الموت، اندفع يقترب منها فوجدها ترتد للخلف وهي تقول بضحكةٍ أعربت عن برودِ طِباعها:
_لو فكرت تقرب مني أو تمد إيدك حتى صدقني هتخسر كتير، وقبل ما تفكر تعمل حاجة فكر إني لو عاوزة أضرك أو أضرهم مش هاجي لحد عندك هنا وأقولك إنهم معايا، مش خايف على ولاد أخوك ولا إيه؟.
لم يَزل أمامها صامتًا كأنه لم يعلم من أي طينٍ هذه الأُنثىٰ، من أين لها بهذا التجبر بعد كل الذي صار بينهما؟ كيف تجرؤ على تحديه ومبارزته بسيفه هو؟ ظل صدره يعلو ويهبط بعنفٍ وهي تلتف هُنا وهُناك تدور حول السيارات المُذهلة التي يتاجر بها، ثم تنهدت والتفّت له تقول ببسمةٍ لا تخص صُلب الموضوع:
_تصدق العربيات الألماني فعلًا متتقارنش بغيرها؟ أصل فضلوا يقولوا الكوري وبتاع بس الألماني شديدة، تعيش وتعمر وتسِد معاك بصراحة، أوعدك المرة الجاية هغير عربيتي من عندك، بس تكرمني !! معلش يعني أنا هبقى زبونتك.
ضيق جفونه وهو يُطالعها بنظراتٍ أعربت عن المقت والكُره الحاد، يود قتلها وهي تُثير استفزازه بأفعالها الأكثر من باردة، تتحرك فوق أوتار مشاعره التي لم تعد تحتمل أكثر من ذلك، لذا قطع المسافة بينهما وقبض فوق مرفقها وهو يقول من بين أسنانه المُتلاحمة:
_والله العظيم لو ما خَّلصتي ليلتك دي معايا وقولتيلي العيال فين لأكون دافنك الليلة دي وكأنك شربة مياه وراحت، انطقي العيال فين؟.
_في شقتي.
جاوبته بهاتين الكلمتين ترد له رده حين جاوبها بتلك الطريقة سابقًا، وهو حقًا لا يعلم من أين أتت له في هذا التوقيت وتلك الضحكة اللعينة تُزين عينيها ووجهها، لا يعلم ماذا جنىٰ بحياته كي يُعاقب برؤيتها تلك القاسية، لذا ازدادت قبضته قوةً وهمس بحنقٍ:
_وفينها الزفت فوق دماغك دي؟ أنجزي بدل ما أوريكِ أنا ممكن أعمل إيه وخصوصًا مع حرباية زيك بتلعب على كل لون شوية.
لم تؤلمها مسكته لها بقدر ما ألمها الحديث عنها بهذا الشكل، هو حقًا غريمها وهي تعترف بذلك ولن تُنكر أنه عدوٌ لها، لطالما هو من صنف الذكور فهو عدوها، لكنها رُغم ذلك اتسمت أمامه بشجاعةٍ ودفعت يده عن مرفقها ثم قبضت هي فوق رسغه بأظافرها وهمست له بحنقٍ:
_إياكِ إيدك تتمد تاني عليا والمرة الجاية هقطعهالك، إيه مابتعرفش تتكلم باللسان؟ خلاص نفضها سيرة وخليك هنا مع نفسك بقى، أنا غلطانة إني جيت علشان أقدرك.
تركت يده وكادت أن تتحرك لكنه قطع الطريق وهدر مُجددًا بنفاذ صبرٍ منها وكأنه حقًا على شفا حُفرةٍ من الجنون:
_كفاية بقى !! أنا مش هلعب معاكِ قط وفار، العيال فين وحطي نفسك مكاني مرة واحدة ولَّا مكان أبوهم اللي كل يوم عينه بتدور عليهم وتفضل تسأل وأنا عاجز عن الرد، وبرضه بسببك أنتِ، أوعي تكوني فاكرة إني مش واخد بالي من عملتك في حقه وحق عياله، لولا إنك ساعدتي "صابرين" كان زمان عياله لسه في حضني، أنا بسببك مش قادر أرفع عيني في عين أخويا وحاسس إنيّ خُنت أمانتهُ، عاوزة أكتر من كدا؟.
كانت تعلم أن القشور سقطت وبدأت تُدرك عُمقه وعُمق جرحه؛ لكنها لم تتخيل أن ينفجر بهذا الشكل فيها، لم تتخيل أن تُصبح نظراته أشبه بغاباتٍ مُحترقة والنيران تُحاوط عدستيه بهذا الشكل، بينما هو فكان يعلم أنها حقًا لن ترحمه، هي قاسية وهو يكفيه قسوةً لهذا الحدِّ..
ارتخت قبضته فوق مرفقها حين لمح في عينيها ألمًا مكتومًا ولا يعلم له سببًا مُحددًا؛ أهو بسبب حديثه معها أم بسبب قبضته فوق مرفقها أم أنها وُهِبَت نعمة الإحساس وها هي تشعر بمراجل قلبه المُوقدة؟ زفر باختناقٍ حين وجدها تُدلك يدها بألمٍ ثم قال بصوتٍ أعرب عن الغضب المكتوم بين جنباته:
_صدقيني أنا والله العظيم مش فايقلك واللي فيا مكفيني، ماتبقيش هم زيادة فوق همي بعمايلك دي كمان، يا بنت الناس خلصيني وقولي العيال إيه اللي جابهم عندك؟ خدتيهم من بنت **** دي إزاي؟.
تنهدت تكتم ألمها وتردع حركة عَّبراتها ثم قالت بصوتٍ بدا فيه الثبات واهنًا كأنه لم تملكه قَّط:
_من ساعة ما عرفت وضع أخوك وأنا عمالة أدور وراها علشان أعرف هي ليه بتعمل كدا وإزاي قدرت تشغل دماغها التشغيل دا، وروحت بالصدفة النهاردة أزورها على أساس أمسك أي حاجة تخليني أصلح اللي عملته، للأسف لاقيتها..
توقفت عن الحديث حين تذكرت وضع الصغير فوق الأرض وظهر ذلك في عينيها فقالت بصوتٍ مبحوحٍ إثر البكاء المكتوم:
_لاقيتها ضاربة "سليم" علقة موت والولد يا حبيبي راقد على الأرض ومش قارد يقف من اللي عَّملته فيه، وقتها حسيت بالذنب للمرة المليون، شوفتك تاني قدامي وأنتَ بتوريني حالة أخوك وعينك بتتهمني إن أنا اللي عملت كدا فيه، نفس نظرة "سليم" ليا وهو بيأكدلي إني السبب برضه، لاقيت نفسي بضربها وخدتهم ومشيت بيهم وسيبتها مرمية ومتكتفة، وهما معايا من أول اليوم.
"لا" هي أول كلمة صدح بها عقله رافضًا تصديقها والإنجراف خلف كذباتها، لن يُلدغ من جحرٍ مرتين خاصةً إن كان جُحرًا مسمومًا بخُبثها، فعاد للخلف يضم ذراعيه عند صدرهِ وقال بسخريةٍ تهكمية:
_ودي فكرة مين فيكم؟ ماظنش أنها فكرة الغبية التانية، الفيلم الهندي دا يخرج منك عادي وأتوقعه منك برضه، عارفة؟ أنا ممكن أتقبل عمايل "صابرين" وأعديها كمان، هقول أم وعاوزة عيالها كارت في صفها، هقول واحدة بتحارب عيلة كاملة علشان تبقى ست المكان، هقول واحدة حبت والحب طير نفوخها، لكن أنتِ أولك وأخرك فلوس، واللي تمامه يتقاس بسعر مالهوش تمن، هيفضل رخيص طول عمره.
إهانة جديدة لم تُسبق لها في تاريخها وعهدها، ودون أن تعي لذلك كان الدمع يسيل فوق وجنتيها وهي تسمع صوت صرخات قلبها مُطالبًا بالبراءةِ من إسناد التُهم المنسوبة إليهِ، لم ترد ولم تُجادل ولم تختلف، هي فقط التفتت بكسرٍ في روحها ولأول مرة يتمادى هو في حق أنثىٰ بهذه الجُرأة، لكنه حقًا يكرهها، يكره كونها تستفزه من مجرد تواجدها فقط.
لحق بها حين وجدها تخرج من المكان وقطع عليها الطريق وهو يقول بنبرةٍ عالية:
_أنتِ رايحة فين؟ مفيش خروج قبل ما تقوليلي العيال فين.
وهُنا كانت انفجرت في وجهه وكأنها طفح كَيلها، التفَّت له تصرخ في وجهه بقولها الذي خرج من بين البكاء:
_هغور في داهية من قدامك، إيه اللي يخليك تقف قصاد واحدة رخيصة بقى تمامها فلوس؟ هاروح أديهم لأمهم وأقبض منها حق رجوع ولادها ليها، وأهو بالمرة أثبتلك إني رخيصة فعلًا وماليش تمن.
صوتها كان يتحدث عن الجُرح الذي بقلبها، ولمح هو ذلك في نظرتها وقرر أخيرًا أن يتفاوض بالهدوء؛ فعليه أن يترك حرب الكر والفر والمناوشات وقال بهدوءٍ أشبه بهدوء ما قبل العاصفة:
_بصي علشان نخلص الهبل دا ونجيب آخر القصة دي وديني ليهم، خليني أروح أشوفهم وأخلص ورجعيهم ليا وساعتها تبقى الحكاية خلصت خالص، دا لو نيتك خير، بس وربي ما وما أعبد لو طلع حوار منك ولا منها والله العظيم هجيب رقبتكم تحت رجلي.
تركته وخرجت وتبعها هو حتى توجهت نحو سيارتها وظل هو خلفها حتى وجدها تفتح الباب وتصرخ فيه بجمودٍ مُعبرةً عن نفاذ صبرها:
_اتفضل اركب وخلصني.
رفع حاجبه يتأهب بعينيه للقادمِ منها، فوجدها تقول بذات الجمود:
_مش قولت عاوز تروحلهم؟ اتفضل هوديك ليهم.
ركبت وتبعها هو وبدأت تقود السيارة هي ببطءٍ، يجلس هو بجوارها وهي تشعر بالضيق والتوتر والقلق وكل مشاعر المرء السيئة تعيش في قلبها، لذا تقود ببطءٍ كعادتها حين تصفن وتشرد في جهةٍ أخرىٰ مُغايرة لواقعها، وقد بدأ يشعر هو بالمللِ منها ومن قيادتها فزفر بالتقريب خمس مراتٍ، لم يملك طاقة الصبر الكافية لهذا، لذا رفع صوته يسأل بضجرٍ:
_أنتِ مين الجاموسة اللي علمك تسوقي؟ إيه سواقة البهايم دي؟ ما تدوسي شوية خلينا نتنيل نوصل.
انتبهت لصوته فأوقفت السيارة بحدةٍ مقصودة حتى مالا للأمامِ سويًا وانتبه لها بذهولٍ فقالت هي بضيقٍ منه وصوتٍ عالٍ هدرت به:
_اسمع بقى !! أنا مش مجبرة أتحمل طول لسانك وقلة أدبك لمجرد إنك حاطتني موضع اتهام، ولا ليك حق تحكم عليا لمجرد إنك شايف من عندك أنتَ بس، فاهم يا "سليمان" ؟.
أنهت الحديث بتحذيرٍ فضحك هو بسخريةٍ يُعلن استهزاءه بها فيما عادت هي للقيادة من جديد وهي تتمنى حقًا أن تفصل رأسه عن عنقه، رغبتها في قتل رجلٍ تزداد بمجرد أن تتعامل معه، حقًا كيف مَّن عليها ربُّ العالمين بهذا الصبرِ حتى لا تقتله اليوم؟ ظلت ترمقه بطرف عينها فوجدته يُحيد بعينيه بعيدًا عنها وكأنه يشعر بالضيقِ منها وربما الاشمئزاز أيضًا..
من هُنا بدأ الطريق بالتضاد بينهما وانتهى في نفس اليوم..
من هُنا قرر هو أن يرحل من طريقها، وقررت هي أن تنفض غبار معرفتها به، فيكفيها ما لاقته من تلك العائلة حتى الآن.
____________________________________
<"أشكوك للبحرِ وانتظر منه مواساةً، ومواساتي هي وجودك">ض
قد يكون العزاء الوحيد لنا في هذه الحياة
أن هناك من هُم دومًا في صفنا ضد العالم، من هُم خير الأيام وأحنها، هؤلاء الذين نرتكن عليهم حين نكاد نكون أضعف من عصا الحطبِ حين تلتهب فيه النيران، حتى لو كانت شكوانا منهم بذاتهم، لكن مواستنا أنهم هُنا..
رغم حيرة أمر "آدم" لكن "أدهم" قرر أن يذهب إليها ويتحدث معها حتى يحسم أمره معها الليلة، يقطع الشك باليقين ويُدرك بالضرسِ القاطع إلى أين يصلا سويًا، لذا جلس عند عمته أولًا ينتظر أخاه لحين يخبرها بأمر الحديث معها، وفي الأعلى كان "آدم" ولج الشقة لها فوجدها تبكي وأثر البكاء باقيًا فوق ملامحها، اقترب بتمهلٍ يجلس بقربها وقال بلهفةٍ أعربت عن قلقه:
_مالك يا "عُـلا" معيطة ليه؟ أنتِ فاكرة إني ممكن أجبرك على حاجة مش عاوزاها؟ لو مش عاوزة تتجوزي خلاص يا ستي بلاها خالص، أنا لو عليا عاوزك معايا وجنبي، مش عاوز أختي تبعد عني تاني، وأنا في ضهرك طول العمر.
مسحت عبراتها وقالت بصوتٍ مختنقٍ:
_مش بعيط علشان كدا والله، أنا بس كنت مخنوقة شوية وعمي اتصل فضل يهبل بالكلام شوية، ماتخدش بالك أنتَ، أنا كمان "ياقوت" وحشتني أوي ونفسي أشوفها، وهما مش راضيين يعرفوني مكانهم ولا مكانها، وكل شوية حد منهم يتصل يشتمني من ساعة ما زفت "مأمون" قالهم إني فسخت الخطوبة.
مط شفتيه بيأسٍ ثم ضمها لعناقهِ وربت فوق كتفها فوجدها تبكي من جديد، أدرك وقتها أن ما تحمله هي أكبر بكثير من اعتقاده، هي فتاة تعرضت للغدرِ منذ صغرها، منذ أن حكمت المحكمة بنقل الوصايا من أمها إلى من هُم غير أهليِّ بذلك وهي مجرد ضحية للقانون والعُرف قبل الناس، تركها تبكي حتى شعر بها تهدأ قليلًا فأبعدها عنه وابتسم وهو يقول بحنوٍ:
_بقيتي أحسن دلوقتي؟.
أومأت بانكسارٍ وهي تخفي عينيها عنه فقال هو بهدوءٍ:
_أرميهم ورا ضهرك علشان تقدري تعيشي يا "عُـلا" وتشوفي حياتك، ربنا بيعوضك أهو بيا وبوجودي، وبيعوضك بـ "أدهـم" أهو، ومش بقول كدا مُجاملة علشان هو أخويا، بس علشان أنا في حياتي ماشوفتش راجل حنين زيه، راجل طول عمره ابن أصول، وهو عاوز يتكلم معاكِ دلوقتي، هو معايا تحت على العموم.
تأهبت حواسها حين علمت بهذا الأمر ولا تعلم لمَّ أصبحت سيرته تُربكها مؤخرًا لهذا الحدِّ؛ تحديدًا منذ أن بدأ أمر الارتباط به يُعرف وهي تشعر بالتوتر حيالَ اسمه فقط، في حين أن "آدم" تحرك يُهاتفه ويطلب منه القدوم، في اللحظة ذاتها صدح صوت هاتفها برسالةٍ جعلتها تمسك الهاتف وتتبين الرسالة، وقرأت رسالة "مأمون" الأخيرة لها:
_والله يا "عُـلا" كنت عارف إنك بت شمال مش عاوزة تعيش، أنتِ عاوزة تدوري على حل شعرك وتخربيها وتعيشي هنا وهناك من غير ما حد يكسر شوكتك، الفلوس زغللت عينك وكرفتي ليا علشان مش معايا، مع إن اللي زيك ترضى بأي حاجة تعيش وتتستر، دا أنتِ داخلة ال٣٠ سنة يا بايرة.
حقًا !! أهكذا تُعامل المرأة في مجتمعٍ لا يفعل سوىٰ أنه يُقدر الرجال ويُحقر من قيمة النساء؟ لم تعِ لنفسها والعبرات تهبط من عينيها، في نفس توقيت دخول "أدهـم" الشقة وظهور صوته فرفعت الحجاب تضعه فوق رأسها وهي تمسح وجهها، وما إن ولج "آدم" سمح له بالدخول، وبمجرد أن اقترب منها ولمح البكاء ظاهرًا بوضوحٍ نظر لأخيه بمعنى أن يتركهما معًا.
تحرك "آدم" يجلس على مقربةٍ منهما فيما جلس "أدهم" على أقرب مقعدٍ لها وقال بصوتٍ هاديءٍ يجذب نظرها له:
_رايقة نتكلم شوية مع بعض ولا هتفوري في وشي؟.
لم ترفع رأسها وهي تشعر أمامه بالانكسار والخجل وكأنها وضيعة تجلس أمامه، وقد لاحظ هو ذلك من خلال ضمة كفيها على عكس طبيعتها المُجادلة والمُقاتلة على حدِّ السواءِ، فتنهد ثم تحرك وسحب مقعدًا يُقربه منها وقال بنبرةٍ أظهرت حنوه:
_طب من غير هزار كلميني وش لوش يا "عُـلا" وقوليلي إيه مزعلك؟ لو أنا أو موضوعنا نقدر نتكلم بهدوء ونتناقش مع بعض لو فيه حاجة مخلياكِ متضايقة منها كلميني عنها يمكن نقدر نتفاهم زي أي اتنين غرضهم التفاهم، أنا العِند مش صفة فيا، طالما أقدر أمشي الدنيا بالحب وأعديها يبقى ليه نعقدها؟.
رفعت عينيها الحمراوتين تطالعه بحيرةٍ واستشف هو ذلك فابتسم وقال يشاكسها بقوله:
_أحيانًا بتكوني حلوة وأنتِ ساكتة يا "عُـلا" بس مش علطول يعني علشان متزعليش، يعني دلوقتي سكوتك معصبني أوي رغم إنه هادي، كلميني علشان نقدر نتطمن ونعرف الدنيا هترسى بينا على إيه وتودينا فين؟.
تنهدت ومسحت وجهها تعيد تركيزها ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ:
_خايفة أكون مفروضة هنا عليكم، مش عاوزة يبقى الوضع إني مجرد واحدة جت بهدلت الوضع بينكم وتجاملني علشان أخوك، مش عاوزة يوم ييجي واحد فيكم يخسر التاني ويكون السبب أنا، لو مش واخد بالك من ساعة ما دخلت هنا وأنتوا مسكتوا في بعض كام مرة بسببي، سيبك من دا، أنتَ مش هنا علشان أنا موجودة كل دا فيما بعد هيعمل مشاكل، وأنا والله عمري ما أقبل الوضع دا، صدقني الدنيا مش سهلة زي ما أنتَ فاكر.
_هو سؤال واحد اللي هرد بيه عليكِ، أنتِ رافضة الفكرة علشان أنا نفسي؟ يعني رافضاني كـ "أدهـم" بشخصه؟.
رمى السؤال عليها دون مقدمات، وبعينيها استقرت فوق وجهه حين أدهشها، وقد لمحت السؤال في عينيه وكأنه ينتظر جوابًا واحدًا منها هي، لا يعلم لمَّ يتحداها بعينيه هكذا لكنه ظل يراقبها حتى تنهدت وقالت موجزةً وهي تهرب من لقاء عينيه:
_أنتَ ألف واحدة تتمناك يا "أدهـم".
_يعني ماترفضش صح؟ طب خلاص أي حاجة تانية بعيدة عنك دي، الباقي بتاعي أنا و"آدم" مع بعض، وعلى فكرة أنا مستحيل أخسر "آدم" لأي سببٍ كان، لو ماتعرفيش فهو السبب الوحيد اللي مخليني أكمل وأعيش، وعلشان أطمنك وعد يا ستي لو حوارنا دا تم على خير والدنيا سلكت فيه، هسمحلك تطولي لسانك مرة في اليوم.
مازحها بجملته الأخيرة فضحكت هي من بين زخام حُزنها وطالعته بعينين ضاحكتين فضحك هو الآخر وقال بسخريةٍ يُثير استفزازها:
_خبيلك ضحكة للعيد.
تلك الجملة التي تثير ضيقها منه جعلتها تمحو تلك البسمة وقالت:
_بعدين بقى؟ إيه حكاية خبيلك ضحكة دي؟ مستفزة أوي.
ضحك هو عليها وعلى حُنقها ثم شاكسها بقوله:
_بس بتخلي شكلك متعصب وبتفرحني.
بالله سوف تعود لعهدها القديم معه وتقوم بجلدهِ بسوط لسانها، لكنه قطع عليها السبيل حين داهمها بسؤاله الذي أتى فجأةً:
_خلاص موافقة ناخد معاد من "أدهـم" وأجيب خالتي ونطلبك؟ أنا عن نفسي ماعنديش أي مانع والله، أهو بالمرة أكسب ثواب فيكِ وأربيكِ على الكلام الحلو، بدل الدبش اللي بترميني بيه دا.
أنهى جملته ووجد وسادة المقعد تُرمىٰ عليه ففزع هو من فعلها لكنها أمسكت الأخرى وقامت برميها عليه حتى ضحك هو واستقام واقفًا يقول بثباتٍ:
_أوعدك لو ربنا أراد وكملنا إنك تكوني في أمان معايا، وقبل ما تسألي أنا بعمل كدا ليه اعتبريه دين في رقبتي بسدده للست "عايدة" والدتك ووعد قطعته على نفسي لأبويا، وأنا مش هقدر أخلف بوعدي ليهم، فكري تاني وأي وقت أو كلام عاوزة تقوليه هاسمعك، تصبحي على خير يا "عُـلا".
أولاها الدُبر وهي تبتسم في أثره كمراهقةٍ ترتاح برؤية الشاب الذي يتردد على بيتها لأجل رؤيتها، قد يكون تواجدها في حياته أكبر من قدرة العقل على استيعابه لكنها ها هي على مشارف التقبل، فماذا سوف يحدث أكثر من الذي صار؟ تربت يتيمة وسط عائلة تكره تواجدها، خدمتهم طوال أيام عمرها، حرمت نفسها من كل شيءٍ لأجلهم، وفي نهاية الأمر أصبحت كما قطعة قماشٍ بالية تُرمى في النفايات بعد انتهاء حاجتها.
هل نصيبها مع "أدهـم" سوف يكون بنفس القسوة؟ بالطبع لا، على الأقل هُنا "آدم" الذي يقوم بدور الحامي لها، فلتترك كل شيءٍ كما يريد الخالق لعلها تجهل هي حكمة الأمور بعقلها، ولطالما ربتها جدتها أن المؤمن المتوكل خيرٌ من الذي يجهد عقله في الحِسابِ لغدٍ يجهله.
في الخارج طمئن هو أخاه ووعده أنها أمانته لحين يهدأ قلبه من نيرانه، وقد ضمه "آدم" يبارك له هذا الخبر والقرار السعيد ثم ولج لأخته فلمح الخجل فوق ملامحها، تهرب بعينيها منه وهو يبتسم لها ثم اقترب ولثم جبينها وقال بتأثرٍ قلما وُجد فيه:
_يمكن لو كنتِ معايا من بدري كانت الدنيا اختلفت كتير عن الحال دا، بس تصدقي والله فرحتي بيكم مالهاش شبه؟ ربنا يتممها بخير وأتطمن عليكِ معاه وأتطمن عليه معاكِ، علشان والله العظيم أنا أكتر واحد عارف أنتوا تعبتوا إزاي في حياتكم، يمكن يكون ربنا أراد يبعدكم عن بعض كل دا علشان تتقابلوا في وقتكم المناسب، وعلشان أفرح أنا معاكم.
أنهى الحديث وهو يبتسم فوجدها تحتضنه من جديد وكأنها حقًا لم تعرف كيف يكون أمان العناق، لا تعرف كيف يكون الطير الذي يطير رُغمًا عنه من عُشهِ ولا يجد مرفأً يعود إليه، لا تعلم غير أنها تسير الطريق كله بحثًا عن غُمرة أمانٍ فتعود من الطريق مُحملة بقسوة الخيبات.
في الأعلى صعد "أدهـم" لمكان "سيمبا" رفيقه وبمجرد أن فتح الباب هرول الآخر له ونبح عاليًا كأنه يخبره عن شوقه إليه وقد حمله "أدهـم" وعانقه بقوةٍ وظل يخبره عن شوقه له وأنه اضطر آسفًا لهذا الفعل، وقد جلس بقربه يمسح فوق جسده وقال بهدوءٍ تمتزج به لحظات الحيرة:
_تفتكر أنا بفكر صح؟ يعني أنا مش عاوز أضرها ولا عاوزها تمشي من هنا، عاوزها تفضل موجودة من غير ما تتبهدل تاني في الدنيا، ومش فاهم ليه خايف عليها، أصلي مش عيل بريالة هاقولك حبيتها وأول نظرة وبتاع، يمكن علشان "رباب" فكرتني إنها ملزومة مني؟ تفتكر هي ممكن تكون مش عاوزاني أنا؟ المرة الأولى اتسابت من غير سبب، المرة دي على الأقل أعرف السبب بقى، يمكن العيب فيا.
ظل يفكر ويُفكر وشرد بجوار كلبه وعاد لرحلة الماضي بالأخص هذا الصباح القاسي عليهم حين حكمت المحكمة بنقل الوصايا لعائلة الأب بعد زواج الأم من رجلٍ آخر، وقتها ورغم تقديم الأدلة الكافية وشهادة الشهود في حق والده ورعايته للصغيرة، إلا أن القانون حكمَ بحكمٍ لا يصلح لصغيرةٍ مثلها، ويومها قام عمها بشدها من يد أمها بكل غضبٍ وغلٍ، وقد صرخت "عُـلا" يومها وهي تمد يديها لأمها.
ظلت وقتها "عايدة" أمها تصرخ وتهرول خلفها وهي تتصادم بأكتافِ المارين هُنا وهُناك ويتبعها "توفيق" الذي يحمل "آدم" ويمسك "أدهـم" في يده وهو لا يفهم وقتها سوء الأمور حتى صرخت "عُـلا" باسمه تناديه وهي تقول ببكاءٍ أثناء حمل عمها لها رُغمًا عنها:
_يا "أدهـم" مش عاوزة أروح معاهم، يا بابا.
خرج بها عمها من قاعة المحكمة وأثناء غيابه سقطت "عايدة" مغشيًا عليها أسفل الأقدامِ ومال عليها "توفيق" بصغيريه يساندونها وهي في دوامة الحزن لا تعهد غير وداعٍ تم الاتفاق عليه قانونًا ولم يكن بخاطرها هي، مجرد أمٍ حُرِمت من ابنتها بسبب القانون الذي وضعها في رعاية الذئب الذي يتربص بالشاهِ كي يأكلها كما يُحب أن يتلذذ هو.
عاد "أدهـم" من شروده على قبضة في قلبه وكأن الحدث صار لتوهِ أمام عينيه، لم يكن ماضٍ كما فكر هو، فبرغم بُعد الزمان إلا أن أثره لازال باقيًا وحديثًا في عهد جُرحه، والضحية الوحيدة هُنا هي "عُـلا" التي دفعت الثمن من أيام عُمرها وطفولتها كاملةً وشبابها حتى أصبحت كبحرٍ ركدت مياهه..
وهو رغم حُبه للهدوء لكنه يكره أن يتوقف مد البحر
____________________________________
<"بعد أن وضعت يدي بيد عدوي، لا أظن أنني في حاجةٍ لها">
معظم قرارات المرء وليدة لحظة تهور..
لحظة توقف فيها العقل عن عمله في حساب الأوضاع بل فقط آمن بالرؤية من جهة واحدة وصدق عليها بالقولِ واتخاذ القرار، لحظة واحدة حين يرمي المرء نفسه فيها للهوىٰ قد يعود نادمًا عمرًا بأكمله، فليس من العدلِ أن تُنطَقُ كلمة في طرفة عينٍ ويُحاسب عليها الفرد عُمرًا..
أخيرًا توقفت السيارة ووصلت لأسفل بنايتها، نزلت منها "رحمة" وهي تتجاهله كما تفعل منذ أن ولج السيارة بجوارها، ولجت المصعد وهو يتبعها وطوال هذه اللحظات تلتزم الصمت وتبعد بعينيها عنه، وقد تمالك هو أعصابه حتى توقف المصعد بالطابق الثاني وعشرين، خرجت تفتح الشقة فلحقها يسألها بجمودٍ:
_أنتِ المفروض إنك سايباهم هنا لوحدهم؟ أنتِ مستوعبة إحنا في الدور الكام؟ عارفة إن فضولهم ممكن يخلي واحد فيهم يتحرك ويشوف الدنيا حواليه ويتأذي؟ أنتِ بتفكري إزاي؟.
كان المفتاح في المزلاج تستعد لفتح الباب وقد شعرت بالضيقِ منه، لم تعد قادرةً على التحمل أكثر من ذلك فالتفَّت له تقول بنبرةٍ جامدة أعربت عن غضبها:
_ممكن لو سمحت تسكت طالما ماتعرفش حاجة؟ مين قالك إني سايباهم لوحدهم؟ ومين قالك إني مستهترة لدرجة أسيب عيلين في مكان زي دا لوحدهم من غير حتى ما أأمن المكان عليهم وأقفل كل حاجة؟ بطل تحكم عليا لمجرد إنك فاهم غلط.
فتحت الباب وولجت الشقة وولج هو خلفها ولمح مدبرة البيت تجلس أمام التلفاز، سيدة بشوشة الوجه ابتسمت بمجرد أن رأتها وقالت بودٍ وحنوٍ:
_جيتي يا حبيبتي؟ نايمين لسه تحبي أصحيهم؟.
_لأ يا طنط "فايزة" ماتشغليش بالك أنا هتصرف، ادخلي نامي شوية وارتاحي ولا معلش شوفي الأستاذ يشرب إيه لحد ما أشوف الولاد أصحيهم.
كادت أن تتحرك لكنه أوقفها بجمودٍ:
_أنا مش عاوز أشرب حاجة، عاوز العيال علشان أمشي.
ابتسمت "رحمة" بسخريةٍ والتفت تقول ببرودٍ أثار حنقه:
_متخافش مش هحطلك فيه حاجة أصفرة.
رفع حاجبه وقبل أن يرد وجدها تدخل ممرًا واسعًا عبرته بعدة درجاتٍ قليلة ثم توجهت داخل الممر بين غُرفٍ استقرت عند واحدة منهم وفتحت بابها، تبعها بلهفةٍ وشوقٍ ودخل الغرفة ولمح بعينيه الصغيرين كلًا منهما فوق فراشٍ ينام مُنعمًا بالهدوءِ والسكينة، ولمح بعينيه الألعاب الموضوعة بجوار "سدره" التي تضمهم بذراعها، ولمح "سليم" الذي ظهر وجهه باللون الأزرق إثر صفعة فوق وجهه.
تألم قلبه وهو يميل على الصغير يتفحصه بوجعٍ وقد وجد العديد من الكدمات فوق وجهه وجسده فرفع عينيه نحوها بالتزامن مع دخول "فايزة" التي قالت بأسىٰ:
_يا حبة عيني صغير على الهم دا، أمه منها لله كل يوم تضربه علقة لحد ما خلته جاله عقدة منها، كان بيحكيلي وهو عينه مدمعة خالص وعاوز يعيط من عمايلها، ربنا نجدهم منها الحمدلله وربنا يكرمها "رحمة" لحقتهم، منه لله اللي كان السبب.
ارتسم التهكم بوضوحٍ فوق ملامحه وقال بسخريةٍ:
_أيوة بالظبط كدا، منه لله اللي كان السبب، ربنا ينتقم منه.
فهمت "رحمة" إلى ما يرمي بكلامه ونظراته بينما هو حمل الصغير فوق ذراعه وتحرك نحو الفراش الثاني يحمل الفتاة فاندفعت "رحمة" تعاونه وهي تقول بقلقٍ على الصغار:
_خليني أساعدك مش هتعرف تشيل الاتنين مع بعض.
_مش عاوز منك حاجة، أنتِ لو آخر واحدة في الدنيا مش هحتاج منك مساعدة، شكرًا لحد كدا ومش عاوز أشوف وشك تاني، وحق اليوم دا هبعتهولك لحد عندك وبزيادة، مابحبش حد يجبي عليا، خصوصًا لو كان زيك.
رده القاسي هذا جعلها تقف بصمتٍ، اعتدلت وابتعدت عنه وهو يحمل الصغيرين فوق ذراعيه، يسند رأس كلًا منهما فوق كتفٍ ويسير كما الناجي بهما من النيران الموصدة، رحل بهما فوق كتفيه وخرج دون أن يلتفت لو لمرةٍ واحدة، همست هي لمدبرة البيت أن تعاونه فخرجت السيدة خلفه تفتح له باب المصعد ثم رافقته للأسفل وقالت بحيرةٍ:
_هتعمل إيه يابني دلوقتي مفيش عربية ولا مواصلات، العيال نايمين على دراعك في التلج دا هتمشي بيهم لحد الطريق برة؟.
_عندك حل تاني؟.
سألها بجمودٍ في باطنه سخرية فقالت هي بطيبةٍ وبسمة بشوشة:
_فيه آه وحلين مش واحد، أول واحد إنك تخليهم فوق يناموا ويرتاحوا وتيجي بكرة تاخدهم والصباح رباح، يا إما تاخد عربية "رحمة" وتوصلهم بيها، يا تطلع فوق بيهم وتطلب عربية براحتك بقى، لكن إنك تمشي بيهم كدا صعب ومش بعيد يقولوا إنك خاطفهم، شوف بقى ناوي على إيه.
ظل واقفًا بحيرةٍ يحمل الصغيرين وحقًا تيقن من عجزه، لن يستطع التحرك بهما في هذا الوضع الغريب، حتى سيارته لم يأتِ بها، لذا قبل بمفتاح سيارتها حين مدت المرأة يدها به، فتحت هي السيارة ثم أشارت له فوضع "سليم" وعاونته هي ووضعت الصغيرة بجوارهِ ثم اعتدلت وأعطته المفتاح كي يقود السيارة، وقد أخذه منها وتحرك مُسرعًا يشق الطريق بهما كأنه ربحهما في جائزة اليانصيب.
في بيت "الإدريسي" بالتحديد..
كانت "سُعاد" تُساند "سالم" مع أمه بعدما أصرت هي أن يترك الغرفة ويتحرك في البيت قليلًا، ومع إصرارها التزم هو الصمت التام وتحرك بجسدٍ ثقيلٍ وعجزٍ في كل حركةٍ تصدر منه، لكنها حاولت وهي لا تيأس من المحاولات، عاونته حتى جلس فوق الأريكة فتنهدت هي وقالت بصوتٍ متقطعٍ:
_الحمدلله .. شوفت الجو هنا أحسن إزاي؟ تغير جو وتتفرج معانا على التلفزيون شوية، صدقني هيفرق في نفسيتك أوي، اسمع مني أنا ست خبرة في مجال علم النفس دا ودكتورة قد الدنيا، بس الزمن دايسني مش أكتر.
ابتسم لها مُجبرًا فجلست أمه بقربه تُربت فوق فخذه وهي تبتسم بعبراتٍ حبيسة في المُقلِ، الحزن أصبح يسكن قلبها بسبب حالة ابنها وتدهوره، هذا الذي كان يحارب بكل إقدامٍ واستبسالٍ أصبح عاجزًا عن رفع يده حتى لشرب المياه بنفسه، ظلت تراقبه بعينيها وهي تفكر لمَّ فعلت فيه "صابرين" هكذا؟ لمَّ حدث ما حدث؟ ماذا فعل لها كي تُعاقبه بهذه القسوة؟.
قامت "سُعاد" بجلب العصير والعشاء الخاص به ثم وضعته أمامه وأشارت لخالتها التي أومأت موافقةً وبدأت تُطعم ابنها بصمتٍ وهو يستجيب لها، وقد صدح صوت هاتف أمه فجاوبت "سُعاد" بسرعةٍ ليأتيها الرد من "سُليمان" بقوله:
_أنزلي بسرعة من غير ما "سالم" ياخد باله.
تعجبت من مطلبه وخرجت من الشقة بعدما انسحبت من المكانِ وقد نزلت له خارج البناية فوجدته يحمل "سليم" وقبل أن تبدي رد فعلٍ أمرها بلهفةٍ:
_بسرعة هاتي "سدره" وتعالي معايا.
تحركت تحمل الصغيرة دون أن تفهم شيئًا حتى لمن تعود هذه السيارة، بينما هو تحرك للشقة بلهفةٍ حماسية، بالتحديد لهفته قاربت لهفة الطفل الصغير حين يشتري لأمه هدية ويُسارع الزمن كي يرى بعينيه رد فعلها على ما أتى به، لذا رُغمًا عنه ابتسم وهو يفتح الباب ثم ولج برفقة "سُعاد" وحينها توجهت أمه بالنظر إليه فانتفضت بغير تصديقٍ، على عكس "سالم" الذي راقب شقيقه بغير تصديقٍ وظل ساكنًا كما هو، ترقرق الدمع في عينيه وحاول أن ينطق أو حتى يُحرك كفه يُطالب بعناقهما، لكنه عجز عن أبسط فعلٍ، وقد هرول له "سُليمان" ووضعه بعناقه وهو يقول بصوتٍ مبحوحٍ:
_سامحني يا "سالم" أبوس إيدك سامحني.
لم يفهم شقيقه سبب حديثه لكنه حاول أن يضم ابنه النائم لعناقه فارتعشت يده وأصاب الخلل مسكته فلحقت به أمه التي ضمت الصغيرة لعناقها وبكت، بكت دون أن تتمالك أعصابها، اقتربت منها "سُعاد" بالصغيرة وظلت تُربت فوق ظهرها، كل ذلك يراقبه "سالم" بصمتٍ بغير قدرة على الكلامِ، لكن ما أثار ريبته حقًا هو هروب شقيقه من أمامه كأنه طالبٌ يفر من مواجهة مُعلمه.
بينما "سُليمان" فكان مُشتتًا..
تائه الخُطىٰ في أرضٍ لم يدخلها يومًا برغبتهِ،
فما كان له موضعًا فيها؛
ولا يستحق أن يتيه بها، هو الذي فُرِضَ عليه الطريق والثمن كان بخسارة نفسه أولًا.
في شقة "صابرين" بعد يومٍ عصيبٍ مر عليها وحدها مُكبلة أخيرًا تحررت حين أتت أمها وفتحت الباب بالمفتاح الخاص بها، وجدت ابنتها تنام فوق الأريكة مكبلة الأيدي فهرولت مسرعةً تحل وثاقها، فاستيقظت "صابرين" التي ذُهِلت من تواجد أمها لكنها بمجرد أن استفاقت انتفضت من موضعها وهي تقول بلهفةٍ:
_هي بنت الـ **** دي خدتهم؟ وديني ما هسيبها.
_هي مين دي؟ بتتكلمي عن مين وإيه اللي عمل فيكِ كدا؟ وفين عيالك إن شاء الله؟ أوعي تكوني اتهبلتي ومشيتيهم علشان تقضي سهرة حلوة من بتوعك دول، عارفاكِ دماغك زبالة.
ردت عليها أمها بهذا الحديث فتنهدت هي وقالت بضجرٍ:
_"رحمة" بنت الكلب المحامية اللي أجرتها علشان ترجعلي العيال وترفعلي قضية، عرفت إن "سالم" تعبان ودورت ورايا لحد ما جت النهاردة وخدتهم مني لما لاقيتني ضاربة الزفت "سليم" بعدما طول لسانه عليا، خليها فاكرة نفسها شاطرة وناصحة، ماتعرفش إني كدا كدا هبهدلها وأخليها تشحت قبل ما "سليمان" يعرف حاجة، يلا قومي خلينا نروح بيتك.
تحركت بسرعةٍ كبرى ورحلت مع أمها التي أدركت أن ابنتها توقعها في المصائب واحدة تلو الأخرى؛ لطالما رمت نفسها لرأسها وسلمت لهواها وشيطانها فهي بالطبع سوف تهدم كل شيءٍ فوق رأسهم بالأخيرِ، لكنها رُغم ذلك لن تجرؤ على معاندتها أو معارضتها حتى لا تخسر كل شيءٍ تقدمه ابنتها لها.
____________________________________
<"قد يكون صباحك الجديد دليلًا على زوال أمسك وبؤسك">
يقولون لولا اليقين في الأمل لكان استعمرنا الألم..
ولولا الصدق في وجود النور لكنا مِتنا من يأسِ الظلام، ولولا الحقيقة الأكيدة بمجيء النهار كُنا أحببنا الليل، لولا النقيض ما كنا أدركنا الند له ولا عرفنا أنَّ هناك ما يُغيثُنا..
انتشر خبر خطبة "أدهـم" و "عُـلا" في البيت والبناية والبنايات المجاورة وفي مكان عمله أيضًا، الخبر وصل للجميع هُنا وهناك وسط التحضيرات والتجهيزات لهذا اليوم، وقد ملأت "ربـاب" البيت بصوت الزغاريد فرحًا بابنها البكري كما تُنسبه لنفسها، لم تتمالك نفسها حتى تكتم فرحتها أكثر من ذلك، بل أعلنت للعالم بأكمله فرحتها.
بالأسفل أتت "صفاء" والدة "لمار" من الخارج وصادفها صوت الزغاريد فاقتربت من حارس العقار تسأله بعجبٍ وهي تنزع نظاراتها الشمسية:
_هو فيه إيه يا "رجب" الصوت دا؟.
_دي خطوبة أستاذ "أدهـم" يا مدام على الآنسة "عُـلا".
توسعت عيناها واندهشت بمجرد وقع كلا الاسمين على سمعها وقفت مذهولة لثوانٍ ثم تحركت نحو البناية وأخرجت الهاتف الخاص بها تطلب رقم ابنتها، بينما في شقة "لمار" كان "حلمي" يقوم بتحضير نفسه قبل النزول للعملِ وهي بالخارج تقوم بتحضير الفطور له، خرج على صوت هاتفها فوجدها تُجاوب هي على المكالمة وحين قرر أن يعود للداخلِ وصله صوتها تتشدق بنزقٍ:
_نعم !! هيخطب مين؟ "عُـلا" مين دي إن شاء الله؟.
وقف "حلمي" عند عتبة الرواق يستمع لحديثها فقالت هي بتهكمٍ:
_والله العظيم "أدهـم" دا دماغه خربانة ومسلم نفسه لأخوه لحد ما يخلوه يشحت، قولت قبل كدا "آدم" دا مش سهل محدش صدقني، لقى سكته مقفولة راح جاب أخته تلهف كل حاجة زي ما أمه عملت مع عمي وجابته ولبسته في جوازة وعيل، بولنظرت٠هو حُر بس علشان مايجيش في الآخر ويقول إننا بنضحك عليه وعاوزين نلهفه، هو اللي بيضحك على نفسه أهو.
في هذه اللحظة وقف "حلمي" أمامها مباشرةً حتى انتبهت هي ولنظراته فأغلقت الهاتف سريعًا مع أمها وحاولت أن تهرب من أمامه بسؤالها عن تناوله للطعام والفطور، ظنت أنها بهذه الطريقة سوف تُبدل الحديث حتى يكون على هواها هي، لكنه قطع عليها هذا الطريق حين قال بلهجةٍ صلدة أفزعتها:
_لآخر مرة هاقولك مالناش دعوة بحد تاني، طالما حياة الناس ماتخصناش بلاش تحشري مناخيرك فيها، خصوصًا لو الناس دول مالهمش صفة في حياتك، بعدين أنتِ مالك؟ اتنين أخوات مع بعض ياكش يضربوا بعض أنتِ شاغلة بالك ليه؟ فلوسهم وفلوس أبوهم، بعدين ماظنش إنك هتفهمي علاقة "آدم" بـ "أدهـم" عاملة إزاي، الاتنين روحهم في بعض، وممكن يخسروا الدنيا علشان بعض، أظن أنتِ جربتي بنفسك مرة وشوفتي بعينك.
تبدلت ملامحها وهي تفهم مقصد حديثه، تعلم أنه يتحدث قصدًا على علاقتها بأحدهما _سابقًا_ بينما هو مد يده في وجهها وحذرها بقوله الذي بدا قويًا وصلبًا:
_لآخر مرة هاقولك فيها أوعي تتدخلي تاني في حاجة ماتخصكيش، وسيرة مرات عمك الله يرحمها تيجي على لسانك كويس بعد كدا، علشان عمك كتر خيره كان عنده أصل، مايستهلش على آخر الزمن يتهان هو ومراته منك بالطريقة دي، فاهمة يا "لمار" ولا نقلب على الوش التاني؟.
التزمت الصمت وأومأت بخوفٍ أمامه فتحرك هو وولاها الدُبر ثم خرج من الشقة والبناية بأكملها، رحل وتركها وحدها تلعن تهورها وغبائها على تسرعها في تخريب علاقتها به، هذه العلاقة التي لم يَفت عليها أيام معدودة وهي تحاول ترميمها، وها هي تُخرب من جديد والسبب في كل مرةٍ هي، والعائد في كل مرةٍ هو، حين تغلبه الحياة بناسها يعود لها كما الغريب الذي يرتمي لموطنه _رُغم أنه الأقسى_ لكنه لم يستسغ عيش الغربة.
قاد "حلمي" سيارته حتى وصل لسوق العمل الخاص به، أوقف السيارة على مقربةٍ من مكان "أدهـم" وفتح زجاج النافذة يراقبه فوجده يقف وسط العاملين لديه يهنئونه ويباركون له وهو يرد عليهم بتواضعٍ كما هو دومًا ويبتسم لهذا ويرفع كفه ويُحيي ذاك ويبتسم هنا وهُناك، ابتسم "حلمي" لأجله وتمنى لو كان بجوارهِ، تمنى لو كان بكتفهِ ويعاونه في فرحته، لكن كيف يفعلها وهو الذي سبق وسرق فرحته؟.
قاد سيارته من جديد وذهب نحو مقر عمله تاركًا هذا الأمر لحين إشعارٍ آخر، لكن رغم ذلك أيقن أن الحياة في غياب الصديق المفضل قاسية، خاصةً إن كان هذا الصديق هو الملجأ القديم لِيُتم روحك ومن بعده تعود يتيمًا من جديد، لكنه وبكل أسفٍ وضع بين سندانٍ ومطرقةٍ؛ وإما يختار خسارة الرفيق للأبد وكسب سُمعة حبيبة عمره أو العكس، لذا اختار أهون الشرين على نفسه، حتى لو كان هو ضحية ما حدث لها لكنه فضلها على نفسه قبل الجميع..
ظل هكذا يسير فوق الموج حتى نسىٰ أمر المرسىٰ..
لم يعد يفكر في النجاة،
بل أصبح أكثر ما يُفكر فيه أن تبقى السفينة تُبحر به فقط قبل أن تسقط به وسط المياه، لا يهمه أن يضيع عمره في الإبحار؛ لكنه أهون من السعي للنجاةِ من الغرقِ.
____________________________________
<"لو كنت أعلم أن مستقبلي معك؛ كنت رميت عليك ماضيَّ">
لا يُعقل أن يبقى المرء طوال عمره مهزومًا..
بالأخص من تلك الأشياء التي كان يُراهن على ربحها،
أن يعيش هكذا خاسرًا كل شيءٍ كان ملك يمينه بعدما ظن أن الفراق مستحيلٌ عليه، لذا عليك أن تتوخىٰ الحذر مرة من شيءٍ قد يُهزمك، وآلاف المرات من شيءٍ تعتبره أمانًا لك..
انتصف النهار بالتقريب وعليه وصلت "نـوف" للنادي الذي كان يتدرب فيه "غسان" منذ صغره، وصلت هناك بعد دعوةٍ رسمية وصلتها منه يدعوها لمشاركته هذا اليوم ويعاونها في أمور العمل المتعلقة بها وبوالدها الفقيد، كان يجلس في انتظارها حتى لمحها تقترب منه باسمة الوجه والعينين، استقام في وقفته مُرحبًا بها بينما هي قالت ببسمةٍ خجولة:
_اتأخرت عليك؟.
_براحتك مفيش مشاكل.
جاوبها بهذه الجملة ثم انتظرها تجلس وجلس أمامها فقالت هي ببسمةٍ بشوشة:
_عارفة إنك مش فاضي وعندك خطوبة ابن خالتك النهاردة، ألف مبروك ربنا يسعده وإن شاء الله يكون يومهم جميل ومليان فرح وسعادة.
ابتسم هو لها ثم مازحها بقوله:
_هو أنتِ علطول طيبة ونيتك سالكة كدا ولا دا إدعاء بالطيبة؟ حاسك سوسة يا بت أنتِ، مش هتطلعي طيبة كدا زي ما باين عليكِ لأ، مش مرتاحلك خدي بالك.
كانت تعلم أنه يمازحها فضحكت رُغمًا عنها ثم التزمت الصمت، بينما هو تنهد ثم أشار لها وقال مقترحًا عليها أن تشاركه شغفه:
_ما تيجي نتمشى مع بعض ونتكلم شوية أحسن؟ بدل قعدتنا هنا ومتقلقيش هنخلص اللي تعوزيه كله، بس خلينا نقوم نفك كدا والكلام يجيب بعضه.
لم ترفض مطلبه بل تحركت معه تسير في مضمار الجري ببطءٍ وهو كذلك يسير بجوارها، يحاول فتح الأحاديث بشتى الطرق لكنه يفشل فيعود للصمتِ من جديد، وأخيرًا عرض عليها بودٍ:
_بما إنك حاليًا في مقام خطيبتي إيه رأيك تيجي معانا؟ أنتِ دلوقتي من العيلة وزيك زيي، حتى "أدهـم" قالي أعزمك وقولتله هاشوف وأقولك، إيه رأيك تيجي؟.
توترت هي قليلًا ثم قالت بخجلٍ وربما توترٍ:
_بصراحة مش حابة يكون أول مقابلة ليا معاهم وأنا متوترة كدا وباين عليا الإرهاق النفسي دا، أنا بحاول بقالي فترة أكون أفضل وبجاري الأيام، دي قاعدة عائلية ليكم، وقت الخطوبة الرسمية الكبيرة هاجي وأكون موجودة، بس اعذرني والله مش هقدر.
تفهم هو مشاعرها وموقفها فقال بهدوءٍ باسم الوجه:
_مفيش مشاكل عادي، أنا اقترحت بس علشان تعرفي إنك مابقيتيش غريبة عننا، ووجودك مرحب بيه زيك زيي معاهم، ونفسي أنتِ كمان ترحبي بيا في حياتك، مش عاوز كل حاجة تفضل بينا واقفة كدا عاوزك تأمنيلي وتطمني ليا.
انتقلت لها البسمة بالتبعيةِ وقالت بمجاملةٍ وذوقٍ:
_يشرفني أكون منكم طبعًا، بس صدقني والله في الأول كدا هتكونوا محتاجين تكونوا كلكم مع بعض عيلة واحدة تتفاهموا وتتكلموا، بعدين إحنا يادوب لسه بنتعرف على بعض أهو من الأول، خلينا نتكلم عن نفسنا.
أكملا سيرهما بجوار بعضهما وكلًا منهما شاردًا في الأسئلة التي يود الاستفسار عنها في حياة الآخر، بدا الارتباك واضحًا على كليهما وكلًا منهما يبحث عن طريقة يُباشر بها الآخر، وقد بدأ هو بسؤالهِ الذي خشى كثيرًا أن ينطق به:
_طب طالما بنحاول كدا خليني أبدأ أنا، ليه كنتِ بتروحي لدكتورة نفسية؟ أنا شايف قدامي واحدة مافيهاش أي عقد أو كلاكيع نفسية، بالعكس شايف أدب وذوق وجمال يعني كل حاجة الإنسان محتاجها موجودة وبزيادة.
ضحكت على طريقته _رغم علمها أنه يفعل ذلك كي يزيل التوتر_ وقد تنهدت بعمقٍ ثم دارت ووقفت في مواجهته وهي تقول ببسمةٍ ارتسم عليها الحزن:
_بسبب التنمر، هتقولي هو التنمر يوصل لكدا؟ هاقولك آه يوصل لكدا كمان، فكرة إن كل الناس اللي حواليك يكرهوك في ملامحك ولونك وشكلك ويخلوك دايمًا حاسس إنك مختلف عنهم، بالذات لو هما قرايبك أو فيه درجة قرابة بينكم ومحسسينك إنك أقل من الباقيين، وصلت ساعات إني كنت بكره أبص في المراية وأشوف شكلي، وبطلت أنزل من البيت، ومابقاش ليا صحاب، هاتقولي ليه كل دا، هاقولك والله ماعرفش السبب.
لمح الكثير من ومضات الذكريات تظهر في عينيها فأدرك أن القصة لها خبايا كثيرة، لذا كان صادقًا حين قال بثباتٍ:
_بس دا كله مش حقيقي، أنا شايف قدامي واحدة مافيهاش أي عيوب، الجمال دا نسبي من عيون للتانية، بعدين ما الجمال بيروح ويفضل كل إنسان معروف بأخلاقه وصفاته، ثم تعالي هنا، إيه اللي يخلي فيه تنمر عليكِ؟ عيونك الواسعين زي عيون الغزال دول؟ ولا سمارك الحلو اللي مش لايق على حد غيرك؟ ولا مثلًا طولك اللي لسه ماكتملش دا؟ ومع ذلك أنا شايف مزة من الآخر.
أخجلها حتى وارت ملامحها عنه، تعلم أنه لا يُجامل لأنها حقًا بدأت تتيقن من أمر جمالها وتتخلص من عقدتها النفسية بشأن جمالها ورقتها، تراها في عينيه أنه مُعجبٌ بها، نظراته لم تكن نظرات مستاءة بل هي نظرات شخصٍ يُبصر الجمال في كل من يرى، سارا بجوار بعضهما وشعرت أن هذا الوقت مناسبٌ كي تسأل هي الأخرى، لذا سألته بهدوءٍ دون أن تظهر فضولها:
_أنتَ ليه سافرت برة وسيبت مصر رغم إنك حققت حاجات كتيرة هنا؟ حاسة الموضوع كان غريب وقتها أوي، يمكن علشان طنط وقتها كانت متضايقة وبتعيط كتير بسبب غيابك عنها، أو علشان عمو "طاهر" كان دايمًا حاسس إنك ماشي مجروح.
توقف عن السير ونظر لها بتمعنٍ وهو يُفكر هل أتته الفرصة كي يُخبرها عن قصته الماضية؟ يخبرها أنه ضُرِبَ وتعرض للذُلِ والهوان هنا؟ يخبرها أنه وأهله تم طردهم لمجرد أنه رفض الخضوع لأهل فتاةٍ أحبها؟ حاول تنظيم الحديث على طرف لسانه وبرمجة الكلمات كي تكون منطقية، لكن صوتٌ أتى من خلفه زلزل ثباته بقول:
_مش ناوي تبطل سرمحة بقى وتخف شوية؟.
التفت أولًا هو كمن صُعِق وهو يعرف مصدر الصوت جيدًا، بينما هي التفَّت بعينين تنطق منهما الغرابة بالأخصِ وهي ترى رجلًا ذي هيبةٍ تجعل من ينظر له يهابه بالنظرات قبل الكلامِ حتى، رجلٌ يُرشقها بنظراتٍ مُخيفة جعلتها تتعجب منه، فيما تقدم منه "غسان" ورسم الثبات بقوله:
_دي خطيبتي على فكرة، بعدين إيه سرمحة دي؟ من إمتى وأنا بتاع سرمحة يا جدو؟.
_من ساعة حوارك القديم اللي فضحتنا بسببه، وفي الآخر اتضربت واتهانت وسيرتك بقت لبانة في بوق الكل هنا، أدي آخرة سرمحتك، بعدين ما التانية برضه كانت خطيبتك، ولا أنتَ سفرك وقعدتك برة خيبوك؟ خسارة والله يا "غسان".
كانت "نوف" تتابع ما يحدث بنظراتٍ مذهولة، لا تصدق الحديث الذي تسمعه من كلا الطرفين وأن "غسان" له ماضٍ في هذا المكان، حتى صمته فسرته بطريقة خاطئة، وقف هو أمام جده لا يجد حديثًا يُقال، بينما جده فنظر لها نظرة ازدراءٍ واستحقارٍ وكاد أن يتحرك لكن "غسان" اعترض طريقه بقوله:
_أنا سيبتك تتكلم في حقي وتقول اللي تقوله عادي علشان مش مهتم أرد عليك وأنتَ بتتهمني بحاجة، لكن هي مش هقبل إنك تتكلم في حقها أو تجيب سيرتها، لو مش عارف دي مين دي "نوف" بنت عم "ناجي" الله يرحمه، وأظن دا كان من تلاميذك وأنتَ عارفه كويس.
لم يتبدل فيه شيءٌ ولم تختلف تعابيره أو ملامحه، التزم على نفس الملامح والنظرة لهما سويًا ثم تحرك يُكمل سيره وركضه بقدر ما سمح له جسده القوي، بينما "غسان" التفت لها وقد ارتسم الأسف فوق ملامحه ونظراته وكاد أن يتحدث فوجدها تقول بلهفةٍ قلقة وهي تستعد للرحيل:
_عن إذنك يادوب هلحق أروح وأنتَ تلحق المناسبة اللي وراك.
أدرك أنها تتهرب منه ووقف يطالعها بصمتٍ وهي تنسحب من أمامه، هرولت مُسرعةً من المكان وتوجهت نحو سيارتها ترمي نفسها فيها ثم قادتها مُسرعةً حتى لا يعود لها، لم تعد تتحمل أكثر من ذلك، كلما ظنت أن الأيام أخيرًا ترسو بها عند الشاطيء، وجدت نفسها تُبحر من جديد في عمق بحرٍ لا نهايةَ له، تعلم أن الأمر يتعلق بالماضي وليس من شأنها أن تتدخل، لكن هذا الماضي هو الذي يرفض أن يبقى في موضعه.
وتلك هي قسوة الحياة..
كُلما ظن المرءُ أنه تخلص من قسوة الحياة
وجد ماضيه يتعدى على حاضره،
كأنه ورقة في مهب الريح تتقاذف هُنا وهُناك
وحين يريد الكتابة عليها يجد الماضي لطخها بالحبرِ.
____________________________________
<"ضائعٌ أنا في بحرٍ لم أغرق فيه، وإنما أغرقني هو">
كل شيءٍ من على بُعدٍ يملك جاذبية خاصة به
وكُلما اقتربنا وجدنا ما يُقلل هذه الدهشة، فنكتشف وقتها أن البريقَ كان كاذبًا، نكتشف أن اللمعة لم تكن براقة لكن الشمس فقط هي التي أضافت لها لمعة خاصة، كما بعض العقول التي ما إن نراها نُذهل بعمقها وفي النهاية نجد أن هذا العُمق أتى من فراغٍ كبير.
أخيرًا قرر أن يُغير روتين هذه الحياة، أن يُبدل كل شيءٍ لعله يفلح فيما يُريد بشأن ابنته، قرر أن يأخذها معه مقر العمل عملًا باستشارة الطبيب النفسي، فعليه أن يُغير لها روتين الحياة التي تعيشها بين أربع جدرانٍ وتُضيق عليها الحياة الخِناق فيها، وتذكر أمر الطبيب الذي قال بهدوءٍ مُراعيًا حالته قبل حالتها:
_عارف إن صعب على حضرتك تحاول مع طفلة واعية زيها بس لازم تحاول علشانها هي، عارف إن موضوع الجلسات دا مهم بس مش هييجي مرة واحدة، لازم تمهدلها الحياة في الأول، دي بنت صغيرة بقالها سنتين قاعدة لوحدها زي ما حضرتك بتقول، طبيعي يكون وضعها صعب، طبيعي تحس إنها محبوسة وإن الناس برة حاجة جديدة عليها، أبدأ خرجها أكتر، خليها تحتك بناس جديدة، تشتري حاجات بتحبها، تعبر عن رأيها، سيبها تشوف الحياة، بعدها مهد ليها العلاج النفسي، لكن لو دا أول خطوة هيكون صعب أوي عليك تبدأ بيها.
خرج من شروده على ركضها خلف قطة صغيرة في معرض العمل الذي يعمل هو به وابتسم حين وجدها تبتسم للقطة وتمسح فوق رأسها، تحرك من مقعده ووقف بقربها يضم ذراعيه فوجدها ترفع القطة وتقترب منه ببسمةٍ حنونة وهي تشير برأسها بصمتٍ، ففهم مقصدها وسألها بحنوٍ:
_عاوزة تأكليها؟.
أومأت بلهفةٍ له فأمسك هو كفها ثم تحرك بها نحو المحل الصغير الموجود أمامه ثم مال يسألها بهدوءٍ وبسمة غريبة تُزين ملامحه تفاعلًا مع ابتسامة ابنته:
_نجيب ليها لانشون؟ ولا نجيب تونة؟.
ظلت تفكر ثم أشارت له نحو عُلبة "التونة" فمسح فوق خصلاتها ثم قام بشراء العُلبة وتحرك بها يفتحها ووضعها في طبقٍ صغير الحجم ثم قام بسكب المياه للقطة الصغيرة، لمح ابنته وهي تجلس على الدرج الصغير بقربها بسعادةٍ وكأن عينيها تنطقان بدلًا عنها هي، تقول المُقل ما لم تستطع هذه الصغيرة قوله، ولأول مرةٍ يشعر بإنجازٍ معها منذ أن جنى هو عليها، ظل جالسًا بقربها ثم أخرج هاتفه يلتقط لها صورة بجوار القطة فوجدها تبتسم باتساعٍ أكبر بجوار القطة.
لحظة سعيدة مسروقة لهما من الزمن جعلته يشعر أن الدنيا بأكملها حُيزت له، كأنما ربح كل المعارك وأصبح الفارس المقاتل دون جُبنٍ، دون عُقدة لسانٍ عن الفصاحةِ في التعبير، لا خوفٍ من التُجربةِ حتىٰ، أخيرًا انفرجت أساريره بعد كآبةٍ غطت دربه، ظل يبتسم لابنته حتى أتت "تقوى" تبتسم لهما ثم حمحمت وقالت بهدوءٍ:
_ينفع أقعد معاكم؟.
رفع عينيه نحو المُتحدثة وقد لمحت هي بسمته فابتسمت تلقائيًا بالأخص حين أفسح مكانًا لها بجوار ابنته فجلست ومدت يدها لها فصافحتها "رحيق" مبتسمة الوجه والعينين، وحينها مسحت فوق خصلاتها ثم قالت له بهدوءٍ ولازالت البسمة فوق ملامحها:
_حلوة أوي الخطوة دي ليكم أنتوا الاتنين، على الأقل كدا هتقدر تكون متطمن وهي قصاد عينك، وفي نفس الوقت هي بتشوف الناس والحياة حواليها وتشوف إن الحياة برة عالم تاني، صدقني هي خطوة متأخرة بس كان لازم تتاخد علشان تحس بفرق.
أومأ هو بحركةٍ خفيفة ثم تنهد وقال وهو يركز بصره عند ابنته:
_أنا بحاول علشانها هي، مابقاش عندي حاجة تانية غيرها تخليني أحاول في الحياة دي غير وجودها بس، طالما كدا كدا عايش علشانها هي يبقى على الأقل أعمل اللي يخليها مبسوطة وفرحانة، مش هبقى أنا والدنيا طافيين فرحتها، أتمنى بس المحاولة دي تنفع وتكمل بخير.
_هتنفع، طالما أنتَ بتحاول وواثق يبقى هتنفع، صدقني يا "يحيى" كفاية إنك بتحاول علشانها ومصدق إن المحاولة دي هتنفع برضه علشانها، مبسوطة أوي إني شايفاكم مبسوطين وضحكتكم ظهرت أخيرًا.
ردت عليه بهذا الرد بلهفةٍ جعلته يتعجب من طاقتها وطريقتها، يتعجب من كونها لا تيأس من المحاولة ولا استكمال طريقها، لا يعلم كيف يُهيء لها الأمر ويُخبرها أن قلبه موصدٌ بغير رجعة، مثله لا يقبل الحياة حتى يُدمرها للآخرين، يكفيه جُرحه الذي لم يبرأ، فماذا فعلوا له الآخرون كي يُزيد من جراحهم؟ ابتعد بعينيه عنها ينظر لابنته التي اقتربت منه تُعانقه وقد ابتسمت لهما "تقوى" وشردت معهما تُكمل رسم اللوحة التي حلمت بها معهما.
في نفس اللحظة أتى "حلمي" وألقى التحية بثباتٍ عليهم، فانتبهت له "تقوى" وابتسمت وهي ترحب به بقولها:
_أخيرًا جيت؟ فالح بس تقولي أنتِ أختي ومش عارف إيه طب أقول لعمي أخليه يشد معاك؟.
ابتسم لها بسخريةٍ وهو يقول:
_وإيه الجديد ما طول عمره عمك بيشد معايا، المهم شوفي عاوزة إيه قبل ما أروح الشغل خلصي يا "تقوى".
استأذنت من "يحيى" وتحركت مع "حلمي" وتلك هي المفاجأة الجديدة أن "حلمي" هو ابن العم الأكبر لها، والمفاجأة الثانية أنه الصديق المقرب لها، ويُعتبر الصديق الوفي الوحيد الذي تخبره بكل شيءٍ منذ أن كانا صغيرين، ولولا أن القلوب لها سُلطانٌ كان الأمر الأكيد أن قلوبهما سوف تلتفت لبعضها.
ضم "يحيى" ابنته ثم تنهد بقوةٍ وسألها مبتسمًا:
_تيجي نروح نتغدا إحنا كمان زي القطة؟ تاكلي إيه معايا؟ أجيبلك طاجن بالفراخ زي اللي باكله كل يوم هنا؟.
أومأت بحماسٍ فعرض عليها أن تأكل معه هنا لكنها رفضت فأحذها وذهب بها إلى المطعم كي يشاركها وجبته المعتادة كل يومٍ، والغريب أنه لمح في عينيها الانبهار بالمدينة وأهلها وناسها، كانت تنظر للجميع بعجبٍ وذهولٍ، الأصوات الصاخبة رغم عُلوها لكنها أثارت فضولها، خاصةً الأدوات المعدنية التي يعمل بها عامل التوصيل في المكانِ، تبتسم بانبهارٍ وتكتم ضحكتها بينما "يحيى" فكان يلتفت حيث موضع نظرها ويبتسم هو الآخر، وعند مجيء الطعام صفقت بكفيها معًا فغمز لها وبدأ يُطعمها هو.
صدق من قال أن
"الخوف لا يمنع من الموت؛ لكنه يمنع من الحياة"
وهو خوفه كبله حتىٰ بُنىٰ جدارٌ بينه وبين الحياة فلم يعد يعلم كيف تُعاش الأيام، لا يعلم كيف تكون الحياة بغير ظلامٍ ودُخان لفافة تبغه الرمادي، لا يعلم كيف لم ينتبه أنه أبٌ لأميرة صغيرة ضحكتها توهبه حياة جديدة كان ميتًا فيها.
____________________________________
<"لا تحذر من عدوك، ولا تأمن لصديقك، اصفع نفسك">
دعونا نبحث معًا ونغوص في معنى كلمة الثقة..
هل هي الأمان اللامتناهي تجاه شيءٍ قد يكون هو الضرر بذاته لنا، أم هي اليقين التام في عدم غدر الآخرين بنا؟ في الحقيقة الثقة العمياء هي الشيء الساذج بذاته الذي نفعله ثم نلوم من حولنا، نحن من نجهل غدر العدو، ونحن من نأمن لصديقٍ، وننسى أن نصفع أنفسنا على الوثوق بالآخرين..
الرغد والهناء ظهر بمرور ليلةٍ وضُحاها، البيت امتلأ بالطعامِ وكل زاد الخير، تجلس "خيرية" والبسمة تزين وجهها كونها انتصرت على زوجة ابنها ونالت ما لم يكن حقًا لها، قامت بجلب كل شيءٍ وجدته وجعلت منه حقًا مكتسبًا لأجلها هي، يوسوس لها ابنها الصغير وتُنصت هي له والحُجة التي يتخذها لها أنها صاحبة الحق في كل شيءٍ هُنا..
لاحظ "مُرسي" كل ذلك فظل يستغفر ربه حتى رفعت هي صوتها تسأله بضجرٍ:
_بتبرطم ليه يا "مرسي" على الصبح؟.
_علشان مش عاجبني الوضع دا، الأكل دا مش حقنا ومش حاجتنا، دي فلوسها وحقها ومصاريفها اللي ابنك بعيد عنها بسببها يا "خيرية" والبت مش وحشة وعمرها ما كلت لقمة من غيرنا، وزي ما بتجيب لنفسها بتجيبلك، يبقى أنتِ تدخلي شقتها تمدي إيدك وتسرقيها؟ يا شيخة حسبي الله ونعم الوكيل.
رد عليها بهذا الرد القاسي حتى خرجت هي من المطبخ تقول بلهجةٍ حادة:
_دي أخرتها يعني؟ بتتحسبن عليا أنا؟ خلاص خلينا نموت من الجوع لحد ما البيه ابنك ربنا يفرجها عليه، ولا التاني اللي مش لاقي يسدد فلوس شغله القديم، والحاجة دي نخليها بقى مقفول عليها علشان ست الهانم ترجع تلاقيها متخزنة ليها، أصل هي بنت حسب ونسب وإحنا خدامين أهلها، خليكم أمرعوا فيها كدا أنتَ والمحروس ابنك، بكرة ترمينا كلنا برة البيت.
ضرب كفيه ببعضهما بيأسٍ منها، لم يعد يتحمل طاقتها السلبية وشؤمها الدائم في وجهه، أنثى قاسية القلب، وأم متحجرة الفؤاد صاحبة سُلطة وتجبر، تُحلل كل شيءٍ على هواها كما ترغب أن يكون وتُحب هي، تفعل ما يحلو لها حتى لو يضر الآخرين ويضغط فوق مشاعرهم.
ولأن العدو الواضح أكثر شرفًا من صديقٍ خبيثٍ، كانت "رحمة" تستعد للذهاب إلى عملها بعد ليلةٍ قضتها في البكاء والحزن، ليلة كاملة قضتها بين عناق البكاء والعبرات تواسيها دون أن تتركها وحدها، نزلت من شقتها تستعد لطلب سيارة لأن سيارتها بحياذة "سُليمان" منذ الأمسِ، أو هكذا ظنت، لكنها وجدت السيارة أمام بنايتها والمفتاح مع الحارس الذي سلمه لها.
ولجت السيارة بتوترٍ فوجدت رائحة عطره تفوح منها، رائحة رغم جمالها لكنها مُخيفة، تذكرها بصاحبها الذي لا يرحمها، رتبت أنفاسها وهي تحاول ضبط نفسها قبل أن يقع بصرها على مظروفٍ باللون الأبيض، فتحته بحاجبين معقودين فوجدت به مبلغًا من المالِ لا بأس به، ووجدت ورقة فتحتها بتوترٍ لتجده كتب فيها بوقاحةٍ تعرفها جيدًا:
_ألف شكر على واجب امبارح، بس أنا مابحبش يبقى عليا ديون لحد، الفلوس دي حق الليلة بتاعة امبارح واللي عملتيه مع ولاد أخويا وحق توصيلة العربية بتاعتك، كدا جميلك دا وصل، فرصة سعيدة، أتمنى ماشوفش وشك تاني.
حقًا !! هل يظنها تموت على رؤيته؟ من فكر نفسه كي يظن هذا الظن بها؟ هي إن كانت تحاول فهي فقط فعلت ما فعلت لأنها لا تقبل أن تكون الطرف المؤذي في قصةٍ مثل هذه، لكنه بالتقريب ظنها ضحية له سوف يدهسها بقدميه، صدقًا انتهت قصتها معه، من اليوم لن تتدخل في شؤونهم، سوف تنصرف من هذا الطريق ولن تتدخل أبدًا، سوف تعود لعملها بكل شغفٍ وحُبٍ كما كانت تفعل دومًا.
وصلت "رحمة" مكتبها تقرع الأرض بكعب الحذاء وهي تمشي بثقةٍ وخيلاءٍ فوق الأرضِ، ولجت مكتبها وجلست تستعد للقاء العميلة الجديدة، قضايا النساء في هذا المجتمع لا تنتهي، ولا الرجال حتى، كل البشر في هذه المدينة مغلوبون على أمرهم، سمحت بالدخول فولجت لها فتاة جميلة، بملامح منحوتة بشكلٍ رقيق، تبدو مهووسة بصالات الرياضة واتضح ذلك من قوام جسدها الممشوق، تبدو من الطبقة المخملية.
ظلت "رحمة" تراقبها حتى تنهدت الفتاة وقالت بصوتٍ متوترٍ به كبتٌ يَغمُ فوق صدرها:
_أنا جاية عاوزة أرفع قضية على طليقي.
عقدت "رحمة" حاجبيها فقالت الأخرى:
_طلقني وماخدتش منه أي حقوق، في يوم وليلة طلقني وطردني من البيت ولما سألت أعمل إيه ناس كتير دلوني عليكِ علشان أجيلك وقالولي إنك دايمًا بتكسبي القضايا دي، جيت علشان محتاجة مساعدتك، أنا بجد بحبه وكنت بحب بيتي معاه وحياتي معاه كمان، بس هو فجأة متغير وطلقني.
هذه قضية متكررة للمرة الألف من بعد المليون، لذا سألتها:
_طب معلش هو جوازكم كان طبيعي ولا في السر؟.
_لأ طبعًا طبيعي واتعمل في واحد من أكبر الفنادق في مصر، حياتي معاه كانت طبيعية وكنت بحبها أوي، بس كل حاجة فجأة اتغيرت بين يوم وليلة، علشان كدا جيتلك أخليه يعرف أنا مين، لو فاكر إني واحدة يقضي معاها كام يوم حلوين ويخلع يبقى غلطان.
بعد أن أتاها الرد تنهدت ومسحت وجهها ثم أخذت ورقة وسألتها عن عدة تفاصيل خاصة بعلاقتها بزوجها والأخرى تجاوب بدون مراوغةٍ، تعرض كل التفاصيل عليها حتى سألتها "رحمة" باهتمامٍ:
_طب معلش عاوزة اسمه وبياناته وعنوانه اللي هو مقيم فيه حاليًا، وفيه شوية حاجات هطلبها من حضرتك علشان قبل ما آخد أي خطوة كل حاجة تكون مظبوطة.
_تمام، أنا مع حضرتك، عمومًا هو اسمه "سليمان محمود صالح الإدريسي" صاحب معرض عربيات و….
_أنتِ قولتي اسمه إيه؟.
قبل أن تُكمل الحديث كانت "رحمة" قطعت عليها سبيل التكملة وبترت حديثها بهذا السؤال وقد انتبهت لها "مها" ونظرت لها بتعجبٍ بالأخص وملامحها تصرخ بالذهولِ وكأنها تعرف صاحب الاسم قلبًا وقالبًا، هذه الذي منذ أقل من ساعةٍ أقسمت أنها لن تظهر في طريقه من جديد، هو الطريق بذاته يُجبرها أن تسلك مسلكها حتى تصل لعنده في نهاية الأمرِ،
اليوم أتى لها كما الضحية بعد أن كان في نظرها هو الجاني الوحيد......