
رواية جمعية حب الفصل التاسع عشر 19 بقلم شمس محمد بكري
|| كأن الربيع قد عاد أخيرًا ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
لا يُلام الطير على طيره بغير وجهةٍ..
لأن الطير حين يُقرر أن يهجر مكانًا فهذا يعني أن المكان لم يعُد يُلائمه، وكذلك حين يُقرر الحُر أن يترك موطنًا فمن المؤكد أن هذا الموطن لم يعد يفهم معنى حُريته، كأنه يبحث عن أرض فضاءٍ كي يُحلق فيها فيوازي حركة الطير في سماهِ، إن الحُر هو الوحيد الذي تستطع أن تقرأ غيظه من الأسرِ، وتعلم أن قلبه يتألم من الغدرِ، هذا الحُر لن يقبل أن يتألم غيره من أبناء موطنهِ؛ لأنه يُدرك معنى أن يُغدَرُ بكَ في الخِفاءِ وتُطعَنُ في ظهركَ من عدوٍ يُكيدك كيدًا.
في قانون البشر من له أعداءٌ بكثرة هو الأكثر ظُلمًا..
لكن في حقيقة أخرى مخبوءة خلف آشعة الشمس أن من له أعداء بكثرة قد يكون هو أفضلهم، بل من الممكن أن يكون أذكاهم، وقد يكون هو صاحب الحق بينهم، كما قافلة تسير والكلاب تعوي وتنبح لتوقف سيرها، ولايزال الصراعُ قائمًا..
كانت المُقابلة مستمرة بين "رحمة" و "مها" طليقة غريمها، وبعد أن أتاها الرد تنهدت ومسحت وجهها ثم أخذت ورقة وسألتها عن عدة تفاصيل خاصة بعلاقتها بزوجها والأخرى تجاوب بدون مراوغةٍ، تعرض كل التفاصيل عليها حتى سألتها "رحمة" باهتمامٍ:
_طب معلش عاوزة اسمه وبياناته وعنوانه اللي هو مقيم فيه حاليًا، وفيه شوية حاجات هطلبها من حضرتك علشان قبل ما آخد أي خطوة كل حاجة تكون مظبوطة.
_تمام، أنا مع حضرتك، عمومًا هو اسمه "سليمان محمود صالح الإدريسي" صاحب معرض عربيات و….
_أنتِ قولتي اسمه إيه؟.
قبل أن تُكمل الحديث كانت "رحمة" قطعت عليها سبيل التكملة وبترت حديثها بهذا السؤال وقد انتبهت لها "مها" ونظرت لها بتعجبٍ بالأخص وملامحها تصرخ بالذهولِ وكأنها تعرف صاحب الاسم قلبًا وقالبًا، هذه الذي منذ أقل من ساعةٍ أقسمت أنها لن تظهر في طريقه من جديد، ها هو الطريق بذاته يُجبرها أن تسلك مسلكها حتى تصل لعنده في نهاية الأمرِ، اليوم أتى لها كما الضحية بعد أن كان في نظرها هو الجاني الوحيد.
بينما "مها" فأدركت الترابط بينهما من خلال قضية "صابرين" التي سبق ورفعتها ضد شقيقه؛ فقالت بلهفةٍ كأنها تذكرت لتوها:
_آه أكيد الاسم دا عدىٰ عليكِ قبل كدا، فيه واحدة معرفة قالتلي إنها دلت "صابرين" مرات أخوه عليكِ وعرفت إنك ساعدتيها لحد ما خدت الولاد وضمنت حقوقها، ويمكن دا اللي شجعني آجيلك لحد هنا، الكلام اللي سمعته في حقك شجعني.
لأول مرةٍ تشعر بالخزي من نفسها ومن نجاحها، بعد أن كانت تفخر وتشعر بالزهوِ في نفسها بعملها وبحنكتها القانونية الآن أصبحت تُطرق رأسها للأسفل من هذا النجاح، حاولت استجماع شتات نفسها ثم زفرت بتمهلٍ وقالت بثباتٍ كأنها أخذت القرار الأخير:
_كان نفسي أساعدك بس حقيقي وضعي صعب أوي، لأن قضية أخوه لسه شغالة وهيكون صعب أوي عليا كمحامية أكون خصم لنفس الشخص في قضيتين، بعدين في وضعك القضية صعبة لأنه بالفعل طلقك وتقدري تاخدي حقوقك منه ودي، طالما هو مامتنعش، لأنه ببساطة مفيش حد شاهد على الطلاق ومفيش وثيقة رسمية، فمن رأيي تحاولي من تاني معاه بالهدوء.
أغلقت عليها الطرق حتى لا تضطر آسفةً لكشف أي شيءٍ عن نواياها، وقد استأذنت "مها" ورحلت من المكان بعدما وجدت الطريق نهايته مسدودة في وجهها من قِبل "رحمة" التي فكرت بعجبٍ في الأمر كيف تؤدي كل الطُرقات لنهاية واحدة فقط تحمل اسم "سُليمان" الذي أصبح غريمًا لها؟ منذ سويعات فقط أقسمت ألا تطيء طريقه بقدمها، والآن الطريق بذاته يُجبرها نحوه.
في بيت "سُليمان" صباحًا اختلف البيت كثيرًا عن حاله سابقًا، الوضع اختلف كُليًا بعد عودة الصغيرين، أصبح البيت حيويًا ومزدهرًا كما حقلٍ مرَّ عليه الربيعُ فأحيا زهوره، كانت "ثُريا" تجلس برفقة الصغيرين منذ الصباح وكأنها ما صدقت عودتهما إليها، لم تبرح موضع بقاء الصغيريْن، بل ظلت تستمع لأحاديث "سدره" وثرثرتها مع عمتها "سُعاد" التي سعدت بعودتهما ولاحظت الفرق في نظرات "سالم" وهو يرمق صغيريه براحةٍ أخيرًا.
لكن أيضًا لم يُخفَ عليهم انكسار "سليم" الذي انزوى بصمتٍ بعيدًا عنهم، عزف موضع جلوسهم واستقر وحده منفردًا خاصةً حين تقابلت عيناه بعيني "سُليمان" الذي هرب بنظراته من نظرات الصغير، كان يُدرك أنه لن يغفر له الخطأ بسهولةٍ كما يَظنُ، يعلم أنه لن يتساهل معه بعدما ظن به السوء وطرده لأجل إمرأةٍ دمرته.
تجهز "سُليمان" بداخل غرفته وخرج يرتدي سترته ويُهندم هيئته وقد لمحه "سليم" الصغير فاقترب منه يقول بثباتٍ دون أن يكون حديثه حماسيًا كما كان:
_أنتَ هتمشي ولا هتيجي هنا تاني؟.
كانا في نقطة بعيدة عن البقية فزفر "سُليمان" وقال بجمودٍ:
_لو سيادتك مش طايقني ممكن ماجيش هنا تاني، خلاص أنتَ بقيت مع باباك وتيتة وفي أمان هنا محدش يقدر يضرك، إلا لو بقى حابب ترجع تاني ليها فدي بشوقك أنتَ، مش هجبرك على حاجة ولا هفرض عليك حاجة، في النهاية أنتَ حُر.
تجهز للرحيل بالفعلِ وتخطى وقوف الصغير الذي قال بصوتٍ غلبه الحزن خاصةً أن رفيقه المفضل يُجافيه بتلك الطريقة القاسية التي يعهدها لأول مرةٍ منه:
_بس أنا بتطمن علشان عاوزك ترجع هنا تاني، أنتَ زعلان مني صح؟ أنا ماكنتش قصدي أزعلك والله، افتكرتك…
_افتكرت إيه يا "سليم"؟ ها !! إني بضربها صح؟ افتكرت إني الوِحش اللي عاوز ياخدكم منها ويحرمها من عيالها، وصدقت اللي هي عاوزاك تشوفه، عمومًا مفيش مشكلة خلاص، أنا عرفت أنتَ شايفني إزاي، عن إذنك.
نزلت عَبرات الصغير على الفورِ وازداد وجعه أضعافًا ولم ينتبه له سوى "سُعاد" التي تحركت وضمته لعناقها فوجدته يضمها ويُزيد من حدة البكاء، حينها نظرت في أثر "سُليمان" بمعاتبةٍ لكنها التزمت الصمت لأن الحديث قد يكون ملحًا فوق الجرحِ، اكتفت بضمة الصغير لعناقها واستسلامه ثم مسحت فوق وجهه وقالت بضحكةٍ طفيفة:
_تيجي نروح نغسل وشك وتسيبك من العياط دا وتفرح مع بابا؟ خلاص دلوقتي بقيت معاه ومفيش حد هيزعلك تاني، هو من الصبح قاعد متضايق علشانك وعمال يبصلك علشان تشوفه، روح يلا فرحه وأقعد جنبه.
تحرك من مكانه وولج المرحاض وتذكر أمر "رحمة" التي جعلته يبتسم لأول مرةٍ منذ فترة طويلة طال فيها عبوس وجهه، تذكر كيف اعتنت به وبأخته واهتمت بجراحه بعناية فائقة، قضى معها يومًا بأكمله سعيدًا حتى حين أنهته أنهته نهاية لم يتوقعها، حيث استيقظ صباحًا في عناقِ "سالم" الذي ضمه بوهنٍ بقدر ما سمح له جسده الضعيف.
خرج من المرحاض واتجه يجلس بجوار "سالم" الذي ابتسم ما إن رآه بعينيه فوجده يميل عليه ويستند بخفةٍ، بينما "سالم" نفسه فشرد بعينيه في ماضٍ لم يكن بعيدًا، في ماضيه مع أبيه حين اجتمع بهما ليلًا هو وشقيقه وقال بصرامته المعهودة:
_واحد منكم لازم يتجوز "صابرين" عمتكم مش هتقدر تآمن على بنتها وسط عيلة جوزها وهما تاريخهم كله زبالة وسوابق، أبوها مات خلاص ومعنى إن هي هناك في عيلتهم يبقى حد منهم هيحط عينه عليها، ودي أمانة مش هقدر أفرط فيها.
وقتها ثار "سُليمان" في وجهه وقال بانفعالٍ:
_وهو إحنا اللي موتناه؟ واحدة أبوها مات الله يرحمه مالنا إحنا بقى؟ جايبنا رجالة بشنبات تخيرنا فيها؟ أنا مفيش عمار بيني وبينها أصلًا علشان توصل للجواز، ولا حتى هرضاها لـ "سالم" يتجوز بالطريقة دي، مش علشان أختك تطمن يبقى التمن على حسابنا.
وقتها جاء الرد من والده بغضبٍ وتسلط حيث قال منفعلًا:
_أنا مش عاوز طول لسان منك يا "سليمان" وياريت تتكلم بأدب ماتنساش إن دي بنت عمتك وليها حق عليا زي ما ليكم بالظبط، لو دي أختك ترضاها إنها تتبهدل كدا؟ ترضالها الذل والبهدلة؟ هيضيقوا عليها عيشتها وهما كلهم تُجار ومعلمين يعني مش شبهنا ولا زينا، دا عمها وابنه تُجار أفيون.
_والله لو منها أتعلم أرص حجر للرجالة.
نطق بها "سُليمان" مستهزءًا وساخرًا حتى رمقه أبوه بنظراتٍ نارية ثم وجه الحديث لابنه البكري بقوله الذي انفكت عنه صرامته وبدأ يسلك مسلك اللين والهدوء:
_سيبك منه يا "سالم" ركز معايا أنتَ، أنا عاوزك يا حبيبي تفكر في الموضوع وتحسبها، أنتَ أحق بيها من أي حد تاني، بنت عمتك ولحمك ودمك وعمتك طلبتها مني بعشم، قالتلي لو حد من ولادك مستعد هي كمان هتكون مستعدة وجاهزة ومفيش عندها أي موانع، مش هقدر أكسفها، عاوز حد منكم يكون في ضهر بنتها.
وقتها "سالم" كان حكيمًا وعقلاني أكثر من كونه متهور كما شقيقه الأصغر، فقال بصوتٍ رغم غُلبه لكنه بدا حكيمًا:
_طب ما ممكن نعمل كدا ونكون كدا فعلًا من غير جواز، أنا أقدر ض1أكون في ضهرها وأكون معاها ولو احتاجت حاجة كمان أديها عيني وأكون أخوها الكبير لحدما أسلمها لراجل أبقى متأكد إنه أمان ليها.
_ماهو أنا عاوز كدا بس مش هينفع من غير جواز، عاوزها تبقى مراتك وعلى اسمك وتكون في بيتك، عارف إنك مش هتقبل حد يقلل مني ومن صورتي، عمتك يعتبر فاتحت أخوات جوزها في موضوع جوازك منها، وقالتلي أشوف مين فيكم ممكن يكون مايل ليها أكتر، وأنا علشان عارف "سليمان" غبي ممكن يضيع كل حاجة قولت أنتَ أعقل وحكيم وعمرك ما تكسر كلمتي.
احترامه لذاته ولوالده وقتها لم يكن قليلًا كي يتجاهلهما ويمضي في طريقهِ كما يُريد، احترم رغبة والده وحديثه وكل ما تفوه به كانت كلمات مقتضبة يُلملم شتات الوضع:
_ربنا يسهل ويقدم اللي فيه الخير.
_يعني مبدأيًا اعتبرك موافق خلاص؟.
سؤال أتى من والده بلهفةٍ يقطع عليه سبيل التردد والشك؛ باليقين الحاسم، فكان الرد وقتها مُترددًا منه هو بذاته كونه لا يعلم كيف يسلك طريقًا غير ذلك، وقتها لم تُسعفه الكلمات غير بقول كلمة واحدة فقط؛ وياليته ما قالها:
_موافق.
خرج "سالم" من شروده على ابنته التي ركضت نحوه تجاور موضع جلوس شقيقها في عناقهِ فحاول أن يضمها له، لكنه لم يفعلها، هذا الفعل رغم بساطته لكنه كان أصعب عليه مما يتوقع، كان الأمر في غاية الصعوبة حتى تأكد هو من عجزهِ، تأكد أنه لن يستطع فعل هذا الشيء البسيط، تألم قلبه وشعر كأنه مجرد سجينٍ بقلبٍ مفطورٍ، أو كما طيرٍ قُصِصَّ جناحه فأصبح أسيرًا للهمِ..
أتت "سُعاد" التي رأته وعاونته في رفع ذراعه وانتبه لها بدهشةٍ ليجدها تضع الصغيرة أسفل ذراعه ثم أحكمت ذراعه فوق كتفها وابتسمت له بعينين حزينتين، عيناها انطفأ الوهج فيهما كأنها أضحت رمادًا؛ لتُشبه بقايا حريقٍ من الحماسِ واللهبِ.
____________________________________
<"من وسط غُرباء المدينة أعرف أنك لم تكن غريبًا">
الغُربة كُربة قاتلة..
بالأخصِ حين يكون المرء غريبًا عن من هُم حوله، عن المُحاوطين له وهو يظن أنهم يعرفونه جيدًا، فحتى لو كان المرء وحيدًا يحب أن يختلي بنفسه فهو من المؤكد يحتاج لمن يفهم سبب وحدته وانعزاله.
كانا سويًا في الطابق الأرضي ببيت والدها، أتى لها لأنه علم أنها تحتاجه في أمرٍ هامٍ، ولأنه اعتاد من صغره على تواجدها وقُربها فهو لم يتأخر عنها، أتاها "حلمي" وجلس ينتظر حديثها حتى قالت هي بحماسٍ ألهبه تلقائيًا لمجرد وميض عينيها:
_بفكر أرجع شغلي تاني، المكتب اللي قفلته الخاص بالديكورات والتصاميم والجو دا عاوزاه يرجع تاني، أنا في فترةٍ ما كنت ناجحة جدًا في الشغل دا ومبسوطة أوي، مش حابة الشغل دا يقف وعاوزاك تساعدني أبدأ منين؛ لأن المكتب اللي كنت فيه خلاص اتقفل وصاحبه سافر، ومش هقدر أقوم مكان زي دا من غير شريك معايا، فاهمني يا "حلمي" ولا لأ؟.
كانت تتحدث بكلماتٍ خلف بعضها مُتتابعة أتت من فرط حماسها وشغفها الذي عاد يتجدد في الحياة، لربما تلك الطريقة تكون هي الأفضل في حل مشكلتها، كما أنها تعلم أن الرجل ينبهر بالمرأة الذكية، الناجحة، المنطلقة، وعلى غرار قول أمها؛ الرجال يحبون المرأة المتوهجة كي يطفئون هُم لمعتها بذاتهم..
ابتسم "حلمي" بفخرٍ لها وتنهد بقوةٍ يُضيف ببسمةٍ مُشجعة:
_أخيرًا قررتي ترجعي تاني لحياتك؟ أكيد طبعًا معاكِ في الخطوة وفي ضهرك وهاكون أول واحد يقولك لازم ترجعي وتشوفي حياتك يا "تقوى" علشان حرام توقفيها على حد مش حاسس بيكِ وبوجودك، لازم تشوفي نفسك علشان ليها حق عليكِ.
فهمت مقصد الشطر الأخير من الحديثِ وارتبكت بعينيها وهي تقول بصوتٍ مهتز كأنها لم تملك ثباتًا قط:
_الفكرة مش في كدا يا "حلمي" بس أنا بدأت أحس بملل غريب في حياتي، كل يوم قاعدة محلك سر بتمنى حاجات بس من غير ما آخد خطوة لأي حاجة في حياتي، يمكن علشان كدا بدأت أشوف طريقي شوية، بعدين ياريت مانفتحش في مواضيع هتضايق حد فينا.
أدرك أنها تتهرب منه وتبتعد عن الحديث الذي يقصده هو، وحين طال الصمت من كليهما بادرت هي بسؤالٍ لم يستسغه هو:
_طمني عامل إيه أنتَ و"لمار" مع بعض؟.
رفع عينيه وشدَّ حاجبيه للأعلى وجاوب بقوله حين ارتخت ملامحه :
_كويسين، أو يعني يمكن عاديين، مش عارف.
لاحظت أن جوابه غير مُحدد فقالت تناقضه بتأكيدٍ:
_طبيعي تكون مش عارف، عارف ليه؟ علشان إحساسك بالذنب يا "حلمي" معجزك ودا صعب تتخطاه، متكدبش على نفسك بس لسه واحشك وجود "أدهـم" في حياتك، طب كان ليه من الأول، أنتَ بتحبها من صغرك، من قبل "أدهـم" حتى ما يحبها ويعرف إنه ليه مشاعر ناحيتها، ليه الدنيا باظت كدا بينكم؟.
كانت تضغط فوق جرحه وتنبش بيديها فوق صدره، تؤلمه بكلماتها واتضح ذلك في عينيه وهو يقول بصوتٍ بانت فيه إمارات الألم النفسي:
_ماعرفش، صدقيني والله ماعرفش حاجة، فجأة كدا كل حاجة باظت، أنا حبيتها من صغري وفضلت ساكت مستني الوقت المناسب علشان أقول، ويادوب بشد عودي لاقيت "أدهـم" جاي يصارحني ويقولي أنا بحب "لمار" ووقتها خدت فوق دماغي، كنت فاكرها عنده زيها زي "ورد" كدا أخته وبنت عمه وخلاص، بس لما جه لاقيته فرحان، كان مبسوط وهو بيقولي إنه شايفها في عينها، سكت وقبلت وقولت مش نصيبي، بس لما حصل اللي حصل وقتها قولت يمكن دي فرصتي، ماعرفش بس مقدرتش أكون مثالي، واللي شجعني كلام "أدهـم" إن صفحتهم أتقفلت.
لا يعلم كَم هي المرة التي يضطر فيها لتوضيح مشاعره منذ أن كان شابًا يشتد جسده، لا يعلم كيف يُفسر لهم مقصد قلبه حين وقعت في مأزقٍ وشعر كأنه هو المسؤول الوحيد عنها وعن أمنها، رُبما خشى أن يُطالعها أحدهم بسوءٍ وأن تكون محط الأنظارِ والجميع يطالعونها بنظرةٍ دونية، رُبما يكون لمح فيها التيه فخشى أن تتيه هي من دونه، لا يعلم لكنه خسر في سبيل ربحها الكثير والكثير..
تحدثت "تقوى" هنا تُخرجه من صمته وشروده بقولها الصارم:
_هاقولك على حاجة، يمكن هي و"أدهم" فعلًا كانوا مجرد اتنين ومفيش نصيب بينهم، ويمكن كانت تكون من نصيب حد تاني غيرك أنتَ، بس اللي حصل إنها بقت من نصيب صاحبه ويمكن علشان كدا هيفضل موجوع منك، ويا رب كل حاجة بينكم ترجع بخير من تاني، بس صدقني لازم تحاول علشان أنتَ مش لاقي نفسك من غيره.
_تعرفي إن النهاردة خطوبته؟ مش عارف هي مين بس الخبر مالي السوق وكل اللي رايح وجاي يبارك، تعرفي إني روحت وقفت عنده وكنت هباركله؟ بس ماقدرتش، ماقدرتش أعملها وأروح أبوظ فرحته لما يشوفني، عارفة في السوق لما بياخد مني شغل مش بزعل، بالعكس بحب أروح أناقره وأعانده علشان بحس إني مبسوط، خسارة.
جاوبها بصراحةٍ يُفيض لها بما في نفسه، يعلم أنه أمامها لا يكذب، يقول كل شيءٍ بغير تزييفٍ أو كذبٍ، بينما هي قالت بأسىٰ:
_الخسارة اللي بجد هي إنك تخسر نفسك وسط كل دا، خسرت أقرب صحابك، خسرت حاجات في شغلك، خسرت فلوس كتير علشانها وعلشان تلحقها وتلحق سمعتها، ورضيت لنفسك إنك تبان الشخص الوحش المؤذي في حياة الكل، صدقني هي خسارتك الكبيرة، حتى لو بتحبها وشايف إنك كسبتها.
هي غريبة أيضًا تكشفه وتكشف مافي نفسه، تطل على نافذة روحه فتكشف الأمواج الهائجة فيه وفي قلبه، لم تتركه وحده يفهم ويُفند حيرة نفسه، وإنما هي دومًا تكون المصباح الذي يُظهر عتمته وخواء روحه، لذا التزم الصمت بفراغٍ سكنه ثم استأنف حديثه معها عن العمل وأولى خطواتها التي تحتاجه كداعمٍ أول لها.
بينما في شقته فكانت تجلس "لمار" بخواءٍ يسكنها، فارغة من كل معنى وكل شيءٍ، لا تعلم كيف يكون المرء فارغًا ومُجردًا من كل المشاعر، لا تعلم هل هي سعيدة بزواج "أدهـم" كونه ابن عمها، أم حزينة لأن هناك بطلة قصته هو؟ هل هي يهمها الأمر من أصله؟ لمَّ كل شيءٍ يمر بهذه الصعوبة عليها؟ منذ أن فضل عليها أبوها العمل وتركها لأمها وهي أكثر من فتاةٍ مُشردة.
تحركت نحو غرفتها الخاصة بها وبزوجها، ولجتها بخطى هادئة، ظلت تنظر في المرآة بخبالٍ، بجنونٍ تبحث عن ملامحها، جميلة؟ بل هي فائقة الجمال، فتاة ولجت ملهى ليلي قلبت رأسه على عاقبيه، هل هي بها ما يُسحر الجميع نعم، كل ما تملكه من جمالٍ يُسحر الجميع، ماذا ينقصها؟ أن تحب هي نفسها أولًا، أن تكون هي في عين نفسها جميلة، وكيف تفعل ذلك؟ وهي تخلى عنها الأب، واستغلتها أشر الاستغلال الأم، وفضل عليها الحبيب أخاه، وافترقت عن طرقاتها الأصدقاء، حتى عائلة زوجها لم ترحب بها، بل هي دخيلة في حياة الجميع..
تذكرته وتذكرت وسامته، قامته الطويلة، وسامته حين يبتسم، حتى عبوس وجهه وملامحه حين يغضب منها ومن أفعالها، حتى حنوه في وقت تفهمه لها، الوحيد الذي اكتشف كل سيءٍ فيها ولم يتركها، تحمل لأجلها كل شيءٍ، وهي يتوجب عليها بكل إقدامٍ أن تتحمل لأجله، لذا جلست تهتم بمظهرها، تهتم بهيئتها، تضع مساحيق التجميل، أخرجت غلالة حريرية ترتديها وتنساب عليها ثم تممت على هيئتها، وأخرجت هاتفها.
التقطت لنفسها صورة وأرسلتها له كي يراها لكن باستخدام خاصية المرة الواحدة، وهو حين لم يرد ولم يُبالِ برسالتها وتعمد تجاهلها، وجدها تهاتفه بمكالمةٍ عبر موقع المراسلات وحينها اضطر آسفًا أن يمسك الهاتف وفتح الصورة بدافع الفضول، فوجدها بتلك الهيئة، سبحان الله الذي خلق وصور هذا الجمال فيها هي، وقع أسيرًا في طلتها هذه فوجدها ترسل من جديد، وبكل غباءٍ يملكه ترك الصورة ليجاوب عليها، فوجدها كتبت له:
_مستنياك ترجعلي، ما أنا ماليش غيرك.
ابتسم دون أن يعي وقرر أن يعود لصورتها المُهلكة هذه لكنه لم يجدها، تبًا لها ولهذه الخاصية اللعينة، أهذا هو وقتها كي تفعلها حقًا؟ كيف تسحبه نحو بحرها وتتركه هناك غريقًا؟ كيف لها هذا الأثر عليه؟ لذا التزم الصمت وقرر أن يعود، حتى لو عودته هي بمثابة الخطأ، فهو يستمتع حين يُخطيء لأجلها وبسببها.
_فلو كان الحُب ذنبًا؛
فيصعب على المُحبِ أن يتوب عنه
ولو كان إثمًا، فالآثم حقًا هو من يزهد حبيبًا لجأ إليه،
ولو كان الحُب شغفًا،
فالمُحب هو الذي يُبدع في فنه، ياليته كان بسيطًا حتى ينجو المرء من براثنه.
____________________________________
<"قد أكون أخطأت لكني حقًا استمتعت">
في فلسفة قديمة قدمها أحد المتحذلقين..
"الخطأ الذي ينتج عنه استمتاعك فيه قد لا يكون بمثابة الخطأ، وإنما هو مجرد تغييرٍ يطرأ على ملل أيامك، فحتى الخطأ الذي تقع أنتَ فيه بغير قصدٍ، ينتج عنه شيئان، إما أنك تعلمت من الخطأ، وإنك اشتهيت الوقوع فيه".
ذهب لمعرضه يقضي يومه هُناك، حمد ربه كونه استيقظ على بسمة أخيه ووجود صغيريه، حمد ربه كونه استطاع أن يخرج من بيتهِ صباحًا وتخلص من تلك المزعومة "رحمة" قاسية القلب، المرأة الوحيدة التي هزت ثبات أرضه، وتزعزع كل شيءٍ أسفله، عاد وتذكر نظرات "سليم" له، الفجوة التي اتسعت بينهما لا يعلم سببًا لها، لا هل بسبب "صابرين" وما فعلته في حقه؟ أم بسبب تكذيبه له وتشكيكه به؟ أم أن "رحمة" استغلته واستغلت طفولته لصالحها هي.
أثناء شروده وجدها بكل أسفٍ تدخل المكان، تطيء الأرض بصوت الحذاء اللعين الذي أصبح يُميز خطواته، دبيب خطواتها وصله وكره هو لحظته التي تجمعه بها في كل وقتٍ وحينٍ، من أين تظهر له ولمَّ تظهر له وحده وتفسد عليه صفو لحظاته وأيامه؟ وقفت أمام مكتبه فرمى عينيه نحوها وقال بتهكمٍ:
_قال يا قاعدين، خير مع إني أشك.
تنهدت هي بقوةٍ ثم مدت يدها بقوةٍ تضرب المكتب بمظروف المال وقالت بثباتٍ وتحدٍ له:
_مفيش شر في الدنيا غير عمايلك وفلوسك أهيه عندك مش عاوزاها، أنا ماعملتش حاجة علشان قرشين ترميهملي لحد عندي، أنا إذا كنت عملت حاجة فدا علشان خاطر العيال الصغيرة اللي فعلًا غلطت في حقهم، لكن دا مش معناه إن كل حاجة ليها تمن، وإلا النهاردة كنت قدرت بجد آذيك وأخليك تعرف إن الله حق.
انتبه لها عند نهاية الحديث وقد لاحظ ذلك في وهج عينيها كأنها حقًا تود الانتقام منه، ربما كانت الفرصة معها والحظ حالفها، لكنها جلست وقالت بنبرةٍ أعربت عن خُبثها:
_اسكت مش المدام "مها الأباصيري" طليقتك جت ترفع قضية عليك عندي؟ يا أخي سبحان الله حب الناس دا نعمة كبيرة، مش فاهمة إزاي دا حصل وكل حاجة بتتهد فوق دماغك، دا ليه ياترى؟ مع إنك ما شاء الله لسانك بينقط سكر وعمر العيبة ما خرجت منه.
توسعت عيناه وتأهبت حواسه حين أخبرته بهذا الخبر، أذهلته بقولها وهي تدمر ثباته من جديد، ألم يكفيه شر إمرأة واحدة؟ هل جميع النساء ضده وهو أصبح في خصومةٍ معهن، لولا أمه لكان أصبح قاتلًا مأجورًا للنساءِ، لاحظت هي طيلة صمته وحين طرقت بأناملها سطح مكتبه وجدته يتنهد بضيقٍ ثم قال بتهكمٍ:
_وطلعتي ناصحة بقى ورفضتي القضية ولا قبلتيها علشان تاخدي حقك مني؟ أصل بصراحة هتبقى جايالك على الطبطاب دي، وأنا متوقع منك أي حاجة عادي.
_صدقني لو الموضوع كان عداء شخصي بيني وبينك كنت عملت كتير، لكن الموضوع كله سوء تفاهم وغلط مني، عمومًا أنا رفضت القضية، مش علشان خوف منك ولا ضعف مني، بس علشان أنا فعليًا مش عاوزة حاجة ولو بسيطة تجمعني بيك تاني، صدقني يا "سليمان" أنتَ آخر راجل ممكن أحط في دماغي إن فيه عداوة بيني وبينه، علشان لو دا حصل مش هسيبك غير مرمي في السجن.
لا يعلم هل حديثها مجرد إدعاء أم هو حقيقة أم هي حقًا تكرهه، على كلٍ لا يهمه ما يخصها ويخص شؤونها، فلتحترق إذا أرادت، وقد ترك مقعده وتحرك حتى جلس مقابلًا لها وقال بثباتٍ:
_عمومًا كدا الطريق الحمدلله بينا خلص، والقضية هتبقى ضد "صابرين" والمحامي خلاص عارف هو بيعمل إيه، وهي هربت للأسف وهتفضل في جُحرها زي الفار، وولاد أخويا معايا في حضني، كل حاجة بقت زي الفل، ناقص بس أخويا يرجع يقف على رجله من تاني وأنتِ تختفي من حياتنا، كفاية الأذى اللي شوفته منك.
كل الحديث وضعته في كفةٍ، والبقية في الكفة الأخرى تؤلمها، حيث حديثه عنها وعن ما تسببت فيه من إيذاء لهما، وقد تنهدت هي ثم وضعت كفيها فوق ساقيها تستعد للرحيل وقالت بهدوءٍ نسبي:
_عمومًا لحد هنا ودي هتكون آخر مرة نتقابل فيها، يا رب أقدر أتخطى ظهوركم في حياتي، وتقدر تبقى مع ولاد أخوك لحد ما أخوك يقف من تاني، نصيحة مني تقبلها ماتقبلهاش براحتك، بس ولاد أخوك فعلًا مايتعوضوش، خلي بالك منهم وحافظ عليهم، وصدقني "سليم" حاليًا محتاج احتواء فوق ما تتخيل، محتاج عيلته في ضهره، محتاج يحس بالأمان علشان اللي حصله كان صعب، ابن أخوك بيعاني بجد ورابط أمانه بيك وشايل ذنبك إنه زعلك، بطبعك دا أكيد عاندت معاه، ودي حاجة متأكدة منها، يلا سلام.
لأول مرةٍ منذ أن ظهرت في حياته وهي تنطق بالسلامِ، السلام الشامل على عكس الحرب الطاحنة بينهما دومًا، التفتت تتركه وترحل فوجدته ينطق اسمها بقوةٍ جمدتها، استدارت له من جديد فقال بسؤالٍ فضولي لم يستطع أن يُحجمه:
_عرفتي منين إني هعاند مع "سليم"؟.
ابتسمت بانتصارٍ كونها أضحت تقرأ كل الشفرات بوضوحٍ وقالت بزهوٍ لم يكن غريبًا على شخصها ووصفها:
_باين عليك، شخصيتك مش شخصية عاقلة علشان ولا حكيمة علشان تعرف توزن الأمور بين طفل صغير حركته عواطفه ناحية أمه وبين راجل كبير يقدر يفكر ويقرر، زي ما حكمت عليا إني واحدة شمال ممكن يكون تمامها قرشين، أو حتى آخرها فلوس، صدقني أنتَ واضح أوي يا "سليمان" ويمكن دي أحسن حاجة فيك، إنك مش خصم صعب.
أثارت حنقه كعادته حتى كاد أن يتحرك ويضربها في زجاج سيارة من ضمن السيارات المُتراصة بجوار بعضها، حقًا هذه الخبيثة تستحق لقب المحامية وبجدارةٍ، تستحق هذه المهنة التي تحتاج لحنكة عقلية، أكثر من كونها تحتاج عاطفة ومشاعر نقية، رحلت وتركته متخبطًا خلفها وتفكيره كله عاد ينصب في سيرة طليقته، تلك الحيَّة هي الأخرى ألم يكفيها ما حدث منها؟ حسنًا هي رقصت للوحش وعليها دفع ثمن إثارته.
كانت "مها" تجلس في بيتها بعدما رفضت "رحمة" القضية بشكلٍ غير مباشر كانت تتمنى أن تُرهق دفاعات "سُليمان" فيعود لها راجيًا ومتوسلًا؛ إما بالعودة وإما أن تحصل على ما تُريد بغير فضيحةٍ تُشوه اسمه وسط العاملين.
حسنًا سوف تبحث عن غيرها حتى تقلب عليه الطاولة قبل أن يقلب هو حياتها رأسًا على عقبٍ، خرجت من شرودها على جلوس أمها بجوارها في الحديقة وانتبهت هي لها وقبل أن تتحدث أيًا منهما ظهر هو من العدمِ، ولج يقطع صمتهما وسكون لحظتهما فانتفضت "مها" تلقائيًا بينما رفع صوته هو يُجلجل في الفراغ:
_بقى أنا بعد كل دا يوم ما آخد على قفايا يكون منك أنتِ؟ عاوزة إيه يا "مها" تاني مني؟ خلاص صفحتك اتقفلت ومش طايق حتى أبص في وشك من تاني، سكت وقولت هجيب العيب عليا وأقول إني طلقتها علشان ماليش أمان، لكن تصممي برضه إنك تيجي عليا وعلى طريقي وتروحي ترفعي قضية عليا؟ دا كدا أنا أفضح أهلك كلهم، ولآخر مرة هاقولك لو قربتي تاني على طريقي، صدقيني هادوسك.
ارتعدت فرائضها وعادت للخلف بخوفٍ منه، شعرت بعينيه تُزلزل كيانها وتعصف بها، دمر كل جزءٍ في ثبات روحها وبثَّ الخوف فيها كأنه يصبه فوق قلبها صبًا، وقد جلست بجوار أمها التي خافت هي الأخرى من تحول "سُليمان" عليهم، حقًا كل شيءٍ حوله أصبح لا يُطاق، حتى "مها" هذه لم يكن وقتها كي تعترض طريقه وسط تلك الكوارث، جميعهم أخطأوا في حقه، وحين ينتقم سوف يقدم وجبته باردة لهم جميعًا ويُجبرهم على الطعامِ..
____________________________________
<"قصدت السبيل إلى وصالك فلا تردني مهزومًا">
حين قصدت طريقك لم أكن تائهًا بين الزحامِ..
لكني قصدتُ طريقك أنتَ لأني تمنيت حتى التيه في سبيلك، خشيت أن أتوه وسط الغُرباء فأضيع بينهم، حتى ضياعي رغبته معك أنتَ، حتى ولو ضِعت وضيعني زماني، يكفيني أن أضيع ويدي في يدك فنضيع سويًا..
انقضى النهار أخيرًا وبدأت ستائر الليل تُسدل وعند خروج الرجال من المسجد بعد صلاة العشاء توجه "أدهـم" لشقة عمته يجلس فيها لحين مجيء زوج خالته، مناسبة عائلية في بيتٍ هاديء لطلب يد "عُـلا" من أخيها بصفةٍ رسمية، اكتفى "أدهـم" بالمقربين من عائلته فقط ووجود "سُليمان" بما أنه الصديق المُقرب له، لذا كان يجلس بجوار "عرفه" الذي ربت فوق فخذه وقال مستحسنًا قراره:
_عين العقل يا "أدهـم" والله، تعرف إني مبسوط أوي بقرارك دا؟ وشايف بذرة الخير اللي طرحها فيك "توفيق" الله يرحمه، ربنا يراضيك يابني ويسعدك ويجعلها زوجة الدنيا والآخرة.
ابتسم له "أدهـم" وتنهد ثم قال بوجهٍ بشوشٍ:
_تربيتك يا حج "عرفه" بعدين إذا كان الموضوع متيسر وماشي بكرم ربنا هنوقفه ليه؟ المهم عندي "آدم" يكون مبسوط ومرتاح وبنت الناس دي الدنيا تخف عليها شوية من اللي هي شايفاه دا، عارف لو شكيت للحظة في إنها طيبة وبنت أصول وغلبانة والله ما كنت كملت، وربنا يألف القلوب على بعضها.
أتت آنذاك "ربـاب" التي ارتدت بذلة نسائية باللون الأبيض ونسقت حجابها باللون الأسود وخرجت تقول بضحكةٍ واسعة:
_ياخويا القلوب متولفة من بدري أنتَ هتشتغلني يالا؟ أنتَ بس تعقل كدا وتشد حيلك وتخلص بدري بدري علشان ربنا يكرم، ولو عليا عاوزة الفرح بكرة قبل أسبوع، ربنا يسعدكم يا حبيبي ويكرمكم.
هرب بعينيه من لقاء عيني عمته التي يبدو أنها تكشفه أكثر من نفسه، تكشف في عينيه أن "أدهـم" القديم لازال هُنا موجودًا بين ثنايا "أدهـم" الجديد، بحث بعينيه عن "ورد" فلم يجدها، حرك رأسه هنا وهناك فسأل بلهفةٍ:
_هي "ورد" مشيت ولا إيه؟.
جاء الرد من "عرفه" ينفي الشيء بقوله:
_لأ يا حبيبي هي فوق مع العروسة بتجهزها وتحضرها، بعدين هي المرة دي مصممة إنها مش هتمشي، خلاص تعبت وياريتهم مقدرين، عارف لولا إني فعلًا واثق من حب "منتصر" ليها وعارف إنها لا يمكن تلاقي حد تاني يحبها الحب دا كنت قُولت إنها مظلومة وسطهم، بس هي دي الحياة، كل واحد بياخد رزقه في حاجة، وهي خدت نصيبها الحلو في زوج زي "منتصر" واقف في ضهرها.
الحديث لم يُعجب "ربـاب" كونها أمًا تغلبها العاطفة، على عكس الزوج الذي يفكر كونه رجلًا يفهم مشاعر الرجل الذي يطمح في بناء المستقبل، ومع ضعف الأحوال الاقتصادية وضيق الحياة المادية التي يحياها المرء، قد يكون الحل الأنسب فعليًا هو غياب "منتصر" وغُربته هُناك.
بالأعلى انتهت "ورد" من معاونة "عُـلا" التي كانت وحدها في يومٍ هكذا، وحدها لا تعرف أي شخصٍ، لولا معاونة "ورد" لها طوال اليوم ومساعدة "ربـاب" وهي تُعاملها كأمٍ لها، كانت جُنت من فرط الحزن والثورة التي قامت بميدان قلبها، كانت ترتدي فستانًا باللون الزهري المائل للزُرقة الداكنة، لونه أشبه بموجات البحرٍ حين تتلاحق خلف بعضها، توترت وهي تنظر في المرآة لترى نفسها بهذه الطلة الجميلة..
تبدو حقًا كعروسٍ على موعدها مع الحبيب، عاد لها رونقها كما لو كانت زهرة عاد ربيعها، ظلت تُرفرف بعينيها ثم تنهدت وابتسمت حين اقتربت منها "ورد" تضم كتفيها من الخلف وهي تقول بحبٍ بالغٍ لها:
_ماتعرفيش أنا مبسوطة إزاي بيكِ، زي القمر يا "عُـلا" وجميلة وكل حاجة فيكِ حلوة أوي، ربنا يسعد قلبك ويكرمك مع "أدهـم" وأشوفكم أجمل وأسعد اتنين في كل الدنيا، اضحكي بقى مكشرة ليه.
_ماعرفش بس متوترة أوي يا "ورد" كأني في امتحان، أنا ماعرفش المفروض يحصل إيه والمفروض إيه أوافق عليه وإيه لأ، بس اللي أعرفه إن أنتوا هنا و "آدم" هنا مش هيضرني أكيد، حتى ماعييش عيلة تقف وتكون جنبي.
ردت عليها تُفصح عن سبب خوفها وقلقها وقد ابتسمت الأخرى وقالت بحنوٍ وهي تمسح فوق كتفيها:
_وإحنا فين بقى؟ بابا وماما وأنا وأخوكِ كلنا معاكِ وهنا علشانك، و"أدهـم" جايب عيلة مامته علشان كل حاجة تبقى مظبوطة، متقلقيش مقامك محفوظ ومحدش يقدر يقلل منك.
وتلك الحقيقة لم تكن تعرفها، لم تعرف كيف سيمضي يومها، كيف تتصرف وهي غريبة وسطهم من دون عائلة؟ هي وحيدة وسط الجموع هنا، شردت من جديد في عالمها ولم تعد إلا على صوت "آدم" حين أطلق صفيرًا معبرًا عن إعجابه ثم اقترب يمازحها بقوله:
_دا أنا كدا أغير بقى وأحقد عليه، القمر دا كله علشان خاطر "أدهـم" جاي يطلب إيدك؟ محظوظ برضه ابن "فريال" بيكِ.
تضرج وجهها بحمرة الخجل بينما هو ضمها له وعانقها يبثها الأمان ثم مسح فوق ظهرها وعاد يُلثم جبينها ثم اعتدل يخبرها بصعود الجميع، وبالفعل وقف عند مقدمة باب الشقة بجوار "عرفه" يرحبا سويًا بدخول "طاهر" و "أدهـم" و "غسان" و "رئيفة" التي ولجت مبتسمة تبحث عن عروس ابن شقيقتها.
وقد ولج "سُليمان" آخر فردًا يجلس بجوار "أدهـم" الذي تنهد وهو يبحث عنها بعينيه وكأنه خشى من فرارها ورفضها لأمر زواجها منه، دقائق مرت من بعض المصافحات والترحاب وخرجت "عُـلا" برفقة "ورد" تقدم المشروب والحُلوان للجميع ثم جلست بجوار "ربـاب" تلتحد فيها من فرط توترها.
وقد بادر "طاهر" في الحديث بقوله المبتسم موجهًا كلماته لـ "عرفه" و "آدم" الذي اتخذ صف أخ العروس من الآن:
_طب يا أستاذ "عرفه" أنتَ والشيف "آدم" جايين نطلب أيد "عُـلا" أختك لـ "أدهـم" أخوك على سنة الله ورسوله.
الجملة وحدها كارثية، في محلها وبغير محلها، كانت كفيلة لتُثير صوت ضحكاتهم عاليًا وتجعل الجلسة تنقلب من الرسمية الشديدة للمزاحِ والضحك، حتى ضحكت "عُـلا" هي الأخرى وفشلت في كتم ضحكتها، وأول من نطق كان "آدم" الذي قال:
_طب بالله عليكم دا ينفع؟ لو حد غريب حاضر معانا ومش عارف اللي فيها مش بعيد يروح يبلغ علينا، أطلبها عدل يا "أدهـم" وبلاش تحشر صفة الأخوة، اعتبرني مجرد صديق.
ضحكوا مُجددًا وكأنهم أتوا للمزاحِ، وقد تحدث تلك المرة "أدهـم" ووجه الحديث لأخيه ومن يجاوره بقوله:
_أنا جاي وطالب إيد "عُـلا" للجواز ويشرفني توافق تشاركني الرحلة دي في الحياة، واللي هي تطلبه موافق عليه ومستعد علشانه، وأتمنى إن رصيدي عندك يا "آدم" يخليك توافق.
ابتسم له "آدم" وقال بحبٍ لم يسيطر عليه أمامه:
_أنتَ لو عاوز عيني تاخدهم، بس هسمعها منها هي علشان يهمني "عُـلا" تعرف إنها مقامها كبير عندي ويعز عليا أفرط فيها لأي سببٍ كان، موافقة يا "عُـلا" تتجوزي "أدهـم".
السؤال أمام الجميع كارثة بكل المقاييس حقًا، كيف تُخبرهم هي بموافقتها وكل الأعين تتطلع عليها؟ هي تشعر بالانتماء له، وقد يكون هذا الشعور خاص بجزءٍ من طفولتها، رُبما لأن في وقتٍ ما كانت تحصر كل ذكرياتها وأيامها معه هو، لا تعلم لمَّ لم تجرؤ وترفضه وكأنه فرصة النجاة الوحيدة، فرفعت عينيها توميء بالموافقةِ ثم تنهدت بقوةٍ كأنها تخلصت من همٍ يجثُم فوق صدرها.
رفعت "ربـاب" صوتها تُزغرد وتزف الخبر السعيد بطريقتها وقد انتشرت الضحكات والمباركات والتهنئات، وقبل أن يتحرك "أدهـم" كي يُعطيها خاتم خطبتها، صدح صوت الباب في هذه اللحظة، تحركت "ورد" تفتحه وقابلت الضيفة بوجهٍ مبتسمٍ وولجت مباشرةً تلقي التحية وجلست بجوار "عُـلا" التي تمسكت بكفها وهمست لها:
_اتأخرتي ليه يا "رحمة" كل دا؟.
كادت أن تجاوبها لكنها لمحته هُنا !! يجلس بجوار الرجال ويعطيها ظهره عند مدخل الصالة الثانية؟ أي حظٍ عثر هذا تملكينه يا "رحمة" حتى في نفس اليوم يجمعك ألف طريقٍ به؟ حتى طريق رفيقتك الوحيدة وجدتيه هُنا؟ ماذا يفعل بحق رب العالمين هُنا؟ طال شرودها فيه وغابت عن رفيقتها التي لكزتها بكتفها وقالت بهمسٍ:
_روحتي فين بكلمك؟.
_ها !! معاكِ آه أهو، معاكِ بس إيه القمر دا؟ عيني عليكِ باردة الله أكبر زي القمر، يا رب بس يطلع يستاهل كل دا ويطلع راجل بجد، مش عاوزة حاجة تزعلك يا "عُـلا" تاني، كفاية عليكِ كدا.
ابتسمت لها "عُـلا" وحركت عينيها نحو "أدهـم" الذي ابتسم لها بمجرد أن تقابلت نظراتهما سويًا، فهربت هي كعادتها من عينيه، في نفس اللحظة اعتدل "سُليمان" وأخرج الذهب يُعطيه لرفيقه فلمحها !! القنبلة الموقوتة هذه ماذا تفعل هُنا؟ بأي كارثةٍ أتت وبأي عواصف أُرسِلَت؟ توسعت عيناه حين تلاقت بعينيها وكاد أن يظن في نفسه سوءًا، أيُعقل أنه فقد عقله بسببها هي؟ هل أصبحت تراوده حتى في صحوه؟ ألم تكن شبحًا في كوابيسه؟.
هربت "رحمة" من عينيه بينما "أدهـم" زفر بقوةٍ ثم تحرك وجلس على مقعدٍ مقارب لها ثم أخرج عُلبة مخملية سوداء وقام بفتحها ثم مد خاتم الخطبة وقال بثباتٍ:
_خاتمك ودبلتك يا عروسة، اتفضلي.
توترت من هذه الأجواء الغريبة عليها وبحثت بعينيها عن أخيها فاقترب منها "آدم" ومد يده يعطيها الخاتمين وفي هذه اللحظة ارتدتهما هي بدلًا من معاونة "أدهـم" وهي لم تسمح له بلمسها حتى هذه اللحظة، وقد أخذ هو خاتمه ووضعه في إصبعه وظهرت إمارات الفرحة بالبيت أخيرًا.
تحرك "آدم" يقوم بتشغيل السماعات الكبرى ليضيف لونًا جديدًا للفرحِ ببيتهم، وقد كان "غسان" في عالمٍ آخر، تزايدت عليه الذكريات بين ماضيه وحاضره، كل شيءٍ من هُنا وهُناك كان أكبر من قدرته على التخطي، إهانته، الغدر به، تلويث سُمعته، طرده من بيت الحبيبة، اللعب باسم والده، ضربه في النادي، طرده خارج ميدان الركض، تركه للموطن والأحباب، كل شيءٍ ومن بينهم تذكر "نـوف" التي هاجرته منذ الصباحِ ولم تتواصل معه كأنها أمست سرابًا في طريقه.
لاحظه "أدهـم" فاقترب يسأله بدهشةٍ:
_أنا قولت هتولع الدنيا هيصة، مالك فيك إيه؟.
_جدك الله ياخده قلب الدنيا غم فوق دماغي، نكد عليا وفكرني بكل اللي سافرت برة علشان أنساه، مش فاهم لحد إمتى هيفضل محروم من نعمة العقل والتفكير الصح؟ هيفضل طول عمره كدا حيطة سد مفيش طريق يسلك بوجودها.
جاوبه بحنقٍ وضُجرٍ وقد ربت "أدهـم" فوق ظهره كأنه يواسيه بصمتٍ، ربما يعتذر عن شيءٍ خارج إرادته هو، حرك عينيه نحو "عُـلا" وهو يفكر بقلقٍ في رد فعل جده حين يعلم بتلك الخطبة؟ إذا كان رفض وجود "آدم" لأنه ابنًا لهذه السيدة، فكيف يكون رد فعله حين يعلم بزواج حفيده الكبير من ابنتها؟.
لوهلةٍ تملك منه الخوف والقلق فتنهد بثقلٍ وقرر أن يُسرع من خطوة الزواج قبل تدمير جده لحياته، قرر أن يملكها قبل أن يعترض الآخر ويستولى بطغيانه على حياته، شرد فيها وفي تلك البراءة التي تجلس بها بجوار رفيقتها وهي تبتسم بارتباكٍ كأنها يتيمة وسط عائلات العيد.
وعلى غرار اليُتم فكانت "ورد" بحالة حزنٍ غريبة، تفكر في بيتها وفي أحلامها المهدومة، تبحث بعينيها عن الحبيب الذي ترك الوطن وهاجر بغير موعدٍ للعودة، رُبما مشاعرها هي ثمن تحقيق أحلامه، ووحدتها هي مُقابل راحته وراحة عائلته، هي وحدها من تدفع الثمن معه، والبقية ينالون كل شيءٍ جاهزٍ..
تنهدت وهي تستغفر ربها كون الشيطان لازال باقيًا في فكرها وهي تجحد النعم، وقد يكون زوجًا مُراعيًا مثله نعمة في حد ذاتها، لذا تحركت تقدم الحُلوان حتى تعود لعُزلتها من جديد، ولم يلحظ ذبولها سوى "آدم" الذي فهم عليها سبب عدم راحتها، بالطبع شخص مسؤول مثلها لن يتستغ الهرب مما عليه وعلى عاتقه..
بالأسفل عاد "يحيى" حاملًا ابنته النائمة في كتفه ومعها الحقائب التي اشتراها لها من السوق لأجل خاطرها وخاطر بسمتها، اليوم حقق انجازًا جديدًا لأجلها، حبيبته ابتسمت أخيرًا، العقبى لعودة صوتها ومناداته من جديد، ولج المصعد وقبل أن يُغلقه وجد أحدهم يندفع وهو يلهث بقوةٍ ثم ولج بجواره، قام بتمرير الشريحة الزرقاء وسأله بهدوءٍ:
_حضرتك طالع الدور الكام؟.
_الرابع.
ضغط على الزرين وانتظر حتى خرج بابنته بينما الآخر أكمل للطابق الموالي وهو يحاول تذكر ملامح هذا الشخص، لم تُسعفه ذاكرته من فرط حماسه وفرحته، تحرك نحو باب الشقة يطرقها وانتظر تلك الثواني بنيرانٍ ملتهبة، كان يشعر بقلبه يحلق من موضعه لأجل رؤية الحبيبة أخيرًا، فجأة فُتِحَ الباب وطلت هي منه بعينين سُرعان ما أصابهما الجحوظ وهي تلفظ اسمه باستنكارٍ ودهشة حقيقية:
_"مُنتصر" !!.
_غلبتيني يا "ورد" وطلعتي عيني.
أنهى جملته ثم خطفها لعناقهِ يُشدد ضمتها له، يتأكد أنها بين ذراعيه حقًا بعد عامين من الغربة بعيدًا عنها، أخيرًا أضحت في عناقه بعد عامين من الفراق والضياع بين قسوة الحدود، بينما هي فكانت تُنازع فكرها بين الواقع والخيال، لا تُصدق أنه أتى حقًا، كانت بين ذراعيه تشعر كأنها وردة وربيعها عاد أخيرًا من بعد خريفٍ قتل روحها....