رواية جمعية حب الفصل العشرون 20 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل العشرون 20 بقلم شمس محمد بكري





|| أتت هي له بماضيه  ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

_الرجاء الدعاء لـ "نسمة" ولكل أموات المسلمين  بالرحمة 
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

رُبما نسيت نفسي وأحلامي ولم أجرؤ أن أفعلها وأنساكِ..
نسيتُ ما كان بيَّ من ألمٍ وانفطار في القلب وانكسارٍ في الروحِ، لكني لم أنسَ قط أنكِ الباقية ليَّ من كل الدنيا، 
لم أنسَ لمعة عينيك حين تتلاقى المُقل ببعضها وتسرد حكايتنا منذ البداية حتى النهاية وأنا اتحرك عكس تيارات الدرب لطريقك، رُبما أنسىٰ كل الدُنيا ولكني لن أنسى أنكِ لي بكل الدنيا، 
رُبما أنساني أنا، لكني لن أنسىٰ أنكِ ضلعٌ من جوار قلبي هُنا..
رُبما أضيع من نفسي لكني لن أضيع عنكِ يا أنا..

     <"عاد ربيع الوردِ، وازدهر العُمر من بعد خريفه">

كل التفاصيل التي يحفظها المرء في ذاكرته ضد شخصٍ ما رُبما تنجلي بمجرد رؤية هذا الشخص بعد غيابٍ، حين تظل أنتَ ومشاعرك في حالة ثورة عارمة ضد غريمٍ لك وفي طرفة عينٍ تُقابله وتواجهه؛ فتنقلب مشاعرك ضدك أنتَ، فتصبح أنتَ المُشتاق لاعن الغُربة والفُراق..

_"مُنتصر" !!.

_غلبتيني يا "ورد" وطلعتي عيني.

أنهى جملته ثم خطفها لعناقهِ يُشدد ضمتها له، يتأكد أنها بين ذراعيه حقًا بعد عامين من الغربة بعيدًا عنها، أخيرًا أضحت في عناقه بعد عامين من الفراق والضياع بين قسوة الحدود، بينما هي فكانت تُنازع فكرها بين الواقع والخيال، لا تُصدق أنه أتى حقًا، كانت بين ذراعيه تشعر كأنها وردة وربيعها عاد أخيرًا من بعد خريفٍ قتل روحها..

لم تُصدق نفسها كأنها في حُلمٍ جميلٍ تُنكره هي قبل الاستيقاظ منه، مفاجأة العُمر كما يُقال عنها، ولم يكن لديها أي علمٍ بخبر عودته، لم تعلمُ حتى متى تتلاقى المُقل كما تتلاقى كل يومٍ القلوب؟ أحست به يضُمها ويطلق آنة قوية ثم أنزلها تواجهه وتجول بعينيه في وجهها وقال بلوعةٍ:

_مش مصدق والله إني جيت أخيرًا على آخر لحظة، ليا نصيب إني أشوفك وماتحرمش من طلتك أكتر من كدا، وحشتيني أوي، يحرق أبو الغُربة يا شيخة اللي تحرم الواحد من راحته كدا.

لم تُصدق حقًا وكل ما فعلته أنها رمت نفسها بين ذراعيه وتلك المرة شدَّت هي ضمتهُ، تمسكت به بقوةٍ وتركت نفسها في عناقه وهي تقول بصوتٍ باكٍ مُختنقٍ من فرط مشاعرها المُتضاربة:

_وحشتني أوي يا "منتصر" أخيرًا حنيت عليا؟.

استشف العتاب في كلماتها فربت فوق ظهرها ثم ابتعد عنها يعتذر بعينيه ولثم جبينها حتى ضحكت بنظراتها ثم ارتسمت البسمة فوق شفتيها، وقد خرج لهما "آدم" الذي لاحظ طيلة غيابها، وبمجرد أن لمحه ناداه مستنكرًا فانتبه له الآخر وطفق الحماس يُعلن عن تواجده، حتى نسىٰ "آدم" كل شيءٍ وضمه بقوةٍ لعناقهِ، ضمة أخوية ومشاعر صادقة من الطرفين بدون ضغينة أو شائبة كُرهٍ، كلاهما اجتمعا سويًا في قلب "ورد" التي وقفت تضحك مثل البلهاء حتى ألمها فكها اليابس من فرط بسمتها.

ولج "مُنتصر" يُلقي التحية وقد انقلبت الأوضاع في حضرته، الجميع تحركوا له يرحبون به، صيحات فرحة من الشباب وخاصةً "أدهـم" الذي تحرك يعانقه بقوةٍ ومثله فعل "سُليمان" الذي ظن أنه يتوهم، رُبما مفاجأة عودته غريبة لكنها جميلة، عودة مُحببة للقلب خاصةً قلب زوجة أنهكها الفراق، أضناها العشق بالرغمِ من أنها لم تُكمل كل أركان قصتها، ثبتت عينيها عليه وهو يصافح هذا ويُرحب بذاك ويتعرف على الحاضرين ثم اقترب منها وشبك كفه بكفها كأنه يخبرها بطريقةٍ أخرى أنه أخيرًا؛ عاد.

تقابلت نظرات "سُليمان" بعينيها ووقتها انقبض قلبه من مجرد رؤيتها، شعر كأن هُناك كارثة على مشارف الوقوع فوق رأسه، أصبحت المصائب تعرف طريقه جيدًا في حضرتها، لذا ما كان عليه غير أن يدعو ربه أن تمر ليلته بسلامٍ في تواجدها _رُغم أنه يجهل سبب حضورها_ لكنه في المُجمل يخشاها ويخشى حضورها الذي يبغضه هو.

ولأن القلوب مرآة لبعضها كانت هي مثله، تخشى منه كثيرًا وتخشى المصيبة التي قد تُلحق الأذىٰ بها، تُفكر في أي كارثةٍ سوف يتممها هي بها، بالطبع سوف يتممها أنها هُنا لتخريب ليلتهم، والآن ما عليها سوى الدعاء أن تمر ليلتهم هذه بالسلامِ قبل أن يتهمها هو بأي شيءٍ من جديد، يكفيها الأذى الذي تلقته من كلماته وغضبه الذي أشبه بطوفانٍ لا حدَّ له ولا كفايةً؛ مرة أخيرة تلاقت عيناها بعينيه الغاضبتين وتلحق نظرته تلك المرة لم تكن مخيفة بقدر ما توقعت، كانت مُرعبة ككابوسٍ يراه المرء في كلِ ليلةٍ.

سادت لحظة صمتٍ وهدوءٍ تنافيها الأعين في الحديثِ، كلٌ منهم تتحدث عيناه بدلًا عنه، نظراتٌ تسرد كل شيءٍ أخفته القلوب من مشاعرٍ، لم يقطعها إلا أسعدهم في هذه اللحظة حين قال مُعاتبًا عليهم ومُبديًا استغرابه للأخوين بقوله:

_إيه يا جماعة هي الليلة سُكيتي كدا ليه؟ جرا إيه يا "أدهـم" دا أنتَ طول عمرك راجل نزيه ورايق، إيه يا "آدم" مش هتوجب مع أخوك؟ إيه يا جدعان ساكتين ليه؟.

ضحكت "ورد" لأنها تعلم جيدًا أن زوجها مُحبٌ للبهجةِ، يكره العبوس والضيق والحزن، يحب الفرحة ويُقدر التعبير عنها، لذا حين جاوب "أدهـم" ضحكت أكثر كأنها فراشة حُرة من أسرِ الحزن وقبضة الغمِ، وقد قال ابن عمها بتهكمٍ:

_البركة فيك يا حبيبي، مش راجعلي بعد غياب سنتين؟ قُوم أعمل أي حاجة ولا أنتَ جاي تاخد اللي ليك وتمشي؟ عمومًا مفيش خروج من هنا غير لما تشارك في الليلة.

يبدو كأنه يتحداه والآخر قبل التحدي، تحرك نحو سماعة الصوت الموضوعة وقام بتوصيلها بهاتفه ثم قام برفع الصوت وثوانٍ فقط مرت وتلاها بعد ذلك صوت المزمار والطبل الصعيدي، ومع ارتفاع الصوت انتشر الحماس وتأهبت الحواس خاصةً حين قاموا بسحب "أدهـم" للمنتصف وسط الشباب وهُم يصفقون حين ناوله "عرفه" عصا قديمة وبدأ الرقص بها برفقة أخيه الذي ولج أمامه مُعبرًا عن فرحته، وفي طرفة عينٍ سحبه أسفل ذراعه وبدأت رقصتهما سويًا بحركاتٍ متطابقة وهما بجوار بعضهما..

وقفت "عُـلا" تراقبهما مُبتسمة الوجه بعينين فاض الحُب والتأثير منهما، وقد ولج "غسان" معهما يرقص بالعصا أمام "أدهـم" الذي ضحك له وشاركه الفرحة هو الآخر، كانت أجواء تُناقض سابقتها وتختلف عنها كُليًا، أجواء حماسية فَّرحة تنطق فيها الأعين قبل الألسنة، وقد وقفت "رحمة" تراقبه بعجبٍ وهو يقف مبتسمًا حتى وجدت "أدهـم" يتحرك نحوه ويدفعه نحو الشباب فأدركت وقتها قرابته بهم.

تحركت تستفسر من "عُـلا" في أذنها بصوتٍ خفيضٍ:

_هو مين دا اللي بيرقص مع خطيبك؟.

بحثت الأخرى بعينيها عن المقصود بوصفه رُغم أن "خطيبك" هذه أثارت في نفسها شيئًا غريبًا وجديدًا، صرفت فكرها عنه وعادت لرفيقه ثم تنهدت والتفّت تقول ببسمةٍ هادئة:

_اللي أعرفه إن دا صاحبه القريب منه وزي أخوه، تقريبًا اسمه "سليمان" علشان بسمع اسمه وسيرته هنا كتير، بس غريبة بتسألي عنه ليه؟ تعرفيه؟.

توترت الأخرى من السؤال وأدركت أن الجواب هُنا بغير محله فقالت بثباتٍ برعت في رسمه والاتصاف به:

_لأ عادي، بصي هاقولك بعدين علشان مش هينفع هنا.

راقبتها "عُـلا" بصمتٍ  وهي تتهرب منها ثم عادت بعينيها للأخوين تراقبهما سويًا، تبتسم بالعين وتتمنى بالقلب لو كانت قضت عمرها بالكامل هُنا، لو كانت معهما ترعرعت وسطهما دون غُربةٍ أو ضياعٍ أو حرمانٍ، يُخيل لها لو كانت تربت في كنفِ "أدهـم" كما أخيها كانت حياتها اختلفت كُليًا، لو كانت بجوار أخيها طوال العمر ما كانت يومًا اضطرت أن تكون بشخصيةٍ عكس شخصيتها، لو كانوا تركوها لهم هُنا، كانت علت من شأنها لتسمو وترتقي أكثر من كونها مُجرد عاملة بمشفى حكومي.

اقتربت منها "رئيفة" وجلست بقربها ومسدت فوق كفها وهي تقول بطيبةٍ نطقت بها ملامحها على الفورِ:

_زي القمر يا "عُـلا" الله يحفظك، فيكِ كتير من "عايدة" الله يرحمها ويغفر لها، عاوزاكِ تعتبريني والدتك هنا، أي حاجة تحتاجيها كلميني، من غير خوف أو كسوف خالص، أنا مربية "أدهـم" وليا فيه كتير أوي، وأوعدك لو هو زعلك هجيبهولك من ودنه.

ابتسمت لها "عُـلا" وشعرت كأن جبلًا أُزيح من فوق صدرها، توسعت البسمة أكثر وهي ترى طيبة هذه المرأة التي تُعاملها كأنها ابنتها وأكثر، ازدادت خجلًا بالأخصِ حين قالت الأخرىٰ بضحكةٍ مرحة تُمازحها:

_ليه حق يقول فيكِ أشعار، دا قال كل الكلام الحلو في حقك.

لا تدري هل هذه مُجاملة طفيفة منها أم هي حقيقة مُجردة من المجاملات الكذب ويُكللها الصدق والشفافية التامة؟ حركت رأسها بدون قصدٍ لجهته فوجدته يميل ويلتقط زجاجة مياه ثم انتصب يتجرع منها وفي تلك اللحظة تقابلت نظراتهما سويًا، نظرة مُرتاحة منه بعينيه الضاحكتين نظير الخجل في عينيها البريئتين، طالت النظرات بينهما فغمز لها بعبثٍ جعلها تهرب بعينيها منه بوجهٍ تورد واحمر خجلًا من جُرأته.

وها هو القلب المُغلق ينكسر قفل إغلاقه..
تطير منه الفراشات وتُحلق في ربيع عُمرها،
قلبها الذي لم يعلم كيف تكون الفرحة
ولم يَذُقها إلا حين غير خارطة موطنه 
ليسكن في عينِ أحدهم ويتخذ منها ملجأً له.
____________________________________

        <"قد يكون الزمان يُصالحني بقدومك لأيامي">

لن تَدُم الخصومة كثيرًا مع العالم..
حتمًا سوف تنقضي ذات يومٍ، سوف تنتهي المشكلات وتنفض النزاعات، وقد تجد العالم يُقدم لأجلك فروض الولاء والطاعة كي ترضى أنتَ، خصومتك مع العالم لن تبقى كثيرًا لطالما كنت أنتَ صاحب الحق.

لازالت السهرة مستمرةً، الأحاديث الجانبية منتشرة بين كل طرفين، صوت أغنية رومانسية هادئة تناسب عروسين في ليلة عُمرهما بعد قصة حُبٍ في غاية الصعوبة، بدأ "آدم" يُحضر لتناول الطعام الذي سبق وقام بتجهيزه لأجلهم، جهز مائدة كبيرة مليئة بشتى الأنواع وكل الأصنافِ، بالتقريب لم يترك وصفة لمثل هذا اليوم ولم يقم بطهيها، يبدو كأبٍ لعروسٍ يضع ما في يديه وكل زاده كي يُشرف وجهها أمام عائلة زوجها، ومع اختلاف القصة بباطنها كان هو المثال الأقرب له.

في داخل شُرفة كبيرة مستديرة مُزينة بإضاءة ذهبية من السقف حتى نهاية السورِ الزجاجي جلس "أدهـم" وحده كما تركه "عـرفه" وقد أتت له "عُـلا" مع أخيها الذي أجلسها بجوارهِ ثم وضع طعامهما سويًا وقال يمازح أخاه بقوله:

_ولا !! تاكل بس، أي حاجة كدا ولا كدا أنتَ عارف اللي فيها.

_حاضر يا أبيه "آدم" هربع أيدي وأقعد مؤدب.

نطقها "أدهـم" بسخريةٍ تهكمية وهو يُراقب انسحاب أخيه من أمامه، بينما هي فهرسّت أناملها من كثرة توترها وخجلها من الموقف برمتهِ، تجلس بجواره وحدها في جوٍ شاعري مملوءٍ بالعاطفةِ، نسمات هواء باردة تداعب وجهها وتُناقض سخونة وجهها وملامحها، أضواء ذهبية لامعة تُساعد على ارتخاء الأعصابِ والجسد، وعيناه بالطبع تستقرا عليها هي وحدها.

لم تكن خطبتها الأولى؛ لكنها المميزة، خطبة على رجلٍ تعرفه منذ طفولتها وتعهده قبل ما تفهم مقصد الحياة حتى، رجلٌ رغم عدة اللقاءات التي تحفظها بينهما منذ أن عادت لهم لكنها استشفت كونه رجلًا بحقٍ، ليس ذكرًا بالوصف في بطاقته الشخصية، شردت وغاصت فيه هو رغم أنها لم تلمحه حتى ولم تعلم ماذا يفعل بجوارها.

بينما هو فكان يُراقبها بصمتٍ، يُراقب طلتها المميزة هذه بعينين مشدوهتين، يُنقب بعينيه في وجهها المخبوء عنه، يراقبها بشغفٍ كأنه قاريء يبحث في مكتبته عن كتابه المفضل، كتابٌ يرى فيه البراءة كما هي، عيناها وكأنها مقصد السبيل، بدأ يشعر بالمللِ فزفر ونطق بجمودٍ مقصود:

_اللهم طولك يا روح، يا ست هو إحنا خاطفينك؟.

رفعت رأسه نحوه بحدةٍ غير مقصودة فتلاقت الأعين، عيناها الكحيلتان المُزينتان بكُحلٍ أسود استقر مستوطنًا عند الجفون، ابتسم بعينيه حين لمح عينيها وتنهد يمازحها مبتسمًا بقوله:

_طب ما أنتِ حلوة أهو مخبية وشك ليه؟.

واندفعت هي بغير تعقلٍ ترد عليه:

_هو حد قالك إني بخبي وشي منك علشان وحشة؟ بعدين أنا مش وحشة، وحشة في عينك.

_أنا عمري ما قولت إنك وحشة، أنا بس بستفزك.

جاوبها بكل برودٍ حتى تمنت هي أن تقوم وترميه من هذا الطابق متوسط الارتفاع، لأن في الحقيقة هو رجلٌ يستحق التقدير لطالما كان صامتًا بغير كلامٍ أو حديثٍ، وما إن يبدأ التحدث يُلقي عليها جمرًا من فاهه، بينما هو فنظرتها الغاضبة تُمتعه، تجعله مُنتشيًا برؤيتها الغاضبة، لكن مهلًا "أدهـم" هل في هذه الليلة وهذه اللحظة؟ ألم تكن هي سبب اندفاعك نحوها وبغزارةٍ؟ ألتوِكَ تُكرهها فيك وفي طباعك؟.

حرك مقعده وقابلها ثم سحب نفسًا عميقًا أخرجه على مهلٍ وقال بهدوءٍ أشبه هدوء عينيه وصفاء نظرتهما:

_المفروض إنك خطيبتي دلوقتي وعلى حسب الاتفاق كلها أيام وهتكوني على ذمتي، يعني على الأقل المفروض نتكلم مع بعض، مش نكشر ونعمل اللي بنعمله دا؟ أنا كنت جاي أهزر معاكِ لاقيتك مكشرة، طب إيه آخد دبلتي وأمشي؟ أروح أجيبلك مأمون القرد بتاعك دا؟.

نطق جملته الأخيرة ببواد غيرة لم يُدركها هو كونها كانت تضحك وتُمازح آخرًا غيره _ومن المفترض أنها تكره الآخر ذاك_ بينما هي فضحكت رُغمًا عنها بمقصد جملته وقررت أن تتمادىٰ في المكر وسألته بإنكارٍ:

_وأنتَ مالك وماله؟ خلاص راح لحاله وأديني روحت لحالي، خلينا في حالنا بقى لو سمحت، بعدين ليه عملتوا ليلة وكبرتوا الموضوع كدا؟ أنا افتكرت إنها مناسبة على الضيق، مش كدا.

_هو فيه أضيق من كدا إيه؟ كنا عاملناها في أوضة عم "رزق" البواب بقى.

رد عليها بسخريةٍ جعلتها تضحك من جديد فقرر أن يثير استفزازها بقوله المعتاد:

_خبيلك ضحكة للعيد.

وحقًا هي تكرهه حين يقول هذه الجملة الغريبة، أي ضحكةٍ هذه التي تقوم بتخبئتها إذا كانت تبتسم له بالقليل وما أقل منه؟ ضربت سطح الطاولة بكفها وهي تقول بحدةٍ مفتعلة جعلته يكتم بسمته ويبتلع كلماته قبل أن يرد ويجابه معها في الحديث:

_شوف بقى لو عاوز موضوعنا دا يكمل ونتعامل زي اتنين جواز صالونات يبقى تبطل الجملة الرخمة دي، عيد إيه اللي هخبيله ضحكة دا، حرمتني أضحك في وشك يا شيخ.

هُنا وانفجر هو الآخر بقوله الذي هدأ تدريجيًا:

_يا سلام؟ كلمتي أنا اللي واقفالك في الزور ومش مخلياكِ تضحكي؟ طب تمام، أنتِ زي القمر والليلة دي مختلفة عن كل مرة شوفتك فيها، فكرتني بيكِ وإحنا صغيرين، إيه برضه كلمتي واقفالك في الزور؟ ولا أنتِ مش عاوزاها مني أنا؟.

للمرة الثانية على التوالي يُشير لها أنها لم ترغبه هو، وللحق تجربته الأولى كانت قاسية حتى تجعله مُرتابًا في أخذِ الخطوات التالية في الحياة بالأخصِ تلك التي تنتج عنها قرارات مصيرية حياتية، رُبما يود أن يرى بعينيه اليقين منها هي وبردها، فتنهدت وقالت بثباتٍ تُحسد عليه:

_أنتَ ليه مصمم تحولني نِد ليك؟ أنا ماعنديش معاك أي مشكلة والله العظيم، ولو شايفة بعيني إنك راجل مش مضمون عمري ما كنت هآمن ليك ولا أوافق حتى إنك ترفع عينك فيا، يا "أدهـم" أنا غير الناس كلها، ماتعودتش على الفرح، أنا أصلًا ماعرفش إزاي الإنسان بيفرح، ولو فرحت بخاف.

كانت حقيقة، مُجردة من أي زيفٍ أو كذبٍ، كانت تتحدث بكل شفافية كأنها تفتح مرآة قلبها له كي يرى الإنعكاس بعينيه ويعرف ما تخشاه هي، تحدثت له بدون وعيٍ، والغريب أنها لم تندم على ما تفوهت به، هي فقط التزمت الصمت وأخفت عينيها المغرورقتين بالعَبرات فحمحم هو يجذب نظرها ثم قال بهدوءٍ حانٍ:

_من غير عياط يا "عُـلا" أنا مش عاوز أنكد عليكِ في يوم زي دا، ومش هسامحك لو نكدتي عليا وقلبتيها غم، شوفتي الناس كلها فرحانة لينا إزاي؟ بلاش كل الناس، شوفتي أخوكِ؟ حاسس إنه مبسوط لأنه اتطمن عليكِ أخيرًا بعد عمر كامل عاشه حاسس بالذنب علشان مقدرش وماعرفش يوصلك، أنتِ بس محتاجة تسلمي نفسك للفرحة أكتر من كدا، علشان تعرفي تفرحي.

أخيرًا ابتسمت له بمجرد أن حركت عينيها ولمحت قدوم "آدم" بصينية الطعام مُقتربًا منهما، كان وجهه باسمًا ومُحياه مُزينًا بصفاءٍ تراه هي لمرتها الأولى في وجهه، كم غريب أن يكون خطيبها شبيهًا لأخيها؟ وكم أغرب أن يكون الاثنان أخوين؟ الفكرة بمجملها تُثير الضحك، ورُبما الاستغراب، وقد يكون الاستنكار، هي لا تعرف كيف وصل بها السبيل لهُنا..

اقترب "آدم" يُلثم جبينها ثم تحرك وتركهما وحدهما فمد "أدهـم" يده ووضع الطعام أمامها وقال ببسمةٍ تراها لمرتها الأولى منذ بداية اليوم:

_يلا سمي الله وكُلي دي أول مرة تجمعنا لقمة مع بعضر، هتكسفي إيدي ولا إيه؟.

أمسكت الطبق منه وهي تُحرك رأسها نفيًا ثم تنهدت والتفّت بالمقعد تقابله مباشرةً كي تجلس بأريحية أكثر، ومن يراهما من على بُعدٍ يظن أنهما عاشقان في سماءِ الحُرية، النظرة من بعيد عليهما تحمل الكثير من الأفكار والنقيض لها الاقتراب أكثر ورؤية الحقيقة المُجردة لهما أنهما مجرد اثنين اجتمعا بمحض الصُدفةِ دون أن يختار أيًا منهما الآخر أو يعرف طريقه كي يقصده كما يبدو.

في الخارج كانت "رحمة" تجلس بجوار النسوةِ بعد تعارف سطحي غير عميق مع البقية، لكنهم رحبوا بها أشد الترحيب كونها صديقة "عُـلا" المقربة بل هي أختٌ لها كما قالت، كان "سُليمان" يراقبها بين الحين والآخر حتى أدرك سبب تواجدها هُنا وعلمَ أنها رفيقتها، كم غريبة صدفة معرفته بها، لكن فلتحترق إذا أرادت، هي موطن مصائب ومن يدخل أرضها يحترق ظُلمًا وقهرًا..

انسحبت هي داخل الشُرفة الثانية تجاوب على رد "يارا" مُساعدتها ومعاونتها بشؤون المكتب والقضايا، وقد تفاجأت الأخرى من ذهابها وسألتها عن السبب ليأتيها الجواب بقول:

_ما أنا قولتلك خطوبة "عُـلا" صاحبتي يا بنتي ولازم أكون معاها، علشان كدا مشيت وأجلت كل حاجة لبكرة، المهم يا ستي شوفي القضية اللي قولتلك عليها بتاعة مدام "لُبنى" دي واتأكدي من الحاجات اللي قولتلك عليها لو هي صادقة يبقى نبدأ نتحرك.

ولأن الأخرى تعجبت من الحديث سألتها باندفاعٍ:

_ومن إمتى إحنا بنفضل ندور ونسأل يا "رحمة" على حاجة؟ ما طول عمرنا بنشتغل وخلاص من غير كل دا، الست هتكدب يعني؟ قالتلك إنه سادي ومريض ومهددها بعيالها وأخوها، دا هنتأكد منه إزاي؟.

_من دلوقتي يا "يارا" ودا قرار مش هارجع عنه، وأنا إيه يضمنلي إن هي مش كدابة ولا حد قايلها إزاي تاخد حقها بالقانون، لما فعلًا اتأكد من علاقاته ومن اللي هو بيعمله زي ما بتقول وقتها هبدأ اتحرك، ولو الزفتة "صابرين" دي كلمتك أو بعتت أي رسايل عرفيني ضروري.

وهي تتحدث ولج "سُليمان" يتحدث في هاتفه بالتقريب مع أحد العملاء وهو يقول بثباتٍ وإصرارٍ:

_يا حج ما أنا قولتلك الاتنين لو فوري هيخلصوا على مليون ونص وكدا والله عامل معاك الواجب، أنتَ عارف أنا مش معايا أي توكيل ولا عندي أي حاجة، بعدين يا راجل حد يروح يجيب لمراتاته الاتنين نفس العربية؟ دا لو واحدة لبست فستان شبه التانية بيقلبوا وشهم.

انتبهت هي لصوته ثم لضحكته التي علت فجأةً وفكرت كيف له أن يكون مرحًا وضحوكًا بهذا الشكل؟ في كل مرةٍ تقابله لا تجد منه سوى الجلد بسوط لسانه، والوقاحة بأفعاله، أما في هذه اللحظة فهو يضحك ويبتسم حتى ملامحه أكثر أريحية، رُبما يكون هذا هو التوقيت المناسب كي تسأله عن الصغار، لقد اشتاقت لهما بعد يومٍ قضاه بصحبتها واستأنست هي بهما.

اقتربت تقف بجواره فانتبه لها لتوهِ فأغلق الهاتف وتجاهل انقباض قلبه منها كأنها وحشٌ كاسر تقتحم كهفه وتُخرجه منه، ثم اعتدل يواجهها فتنهدت هي بقوةٍ وقالت بثباتٍ زائف:

_كنت عاوزة أتطمن على "سليم" و "سدره" هما كويسين؟ دلوقتي؟.

رفع أحد حاجبيه وصدر لها الجمود بقوله:

_دا على أساس إنهم يخصوكِ يعني؟ اتطمني بخير طول ما هما في حضن أهلهم، وطالما أنتِ بعيد عنهم أنتِ وأمهم.

_على فكرة أنا مش عاوزة أفرض نفسي، أنا بس بستفسر بحكم إني قضيت معاهم وقت حلو مش هقدر أنساه بسهولة واتأثرت بوجودهم معايا، وشكرًا لذوقك دي حاجة مش جديدة عليك يعني.

ردت عليه باندفاعٍ حزينٍ وهي تخبره أنها حقًا استاءت من أفعاله وطباعه معها، حتى وهي تُبادر بنيةٍ حسنة تجده يصدها بتلك الطريقة الصلدة الجافة كأنها متسولة تقف بجوار نافذة سيارته تسأله المال والمعاونة لأجل الخالق، حتى لو كانت هي هذه لكان عاملها بشكلٍ أفضل بكثيرٍ، بينما هو قرر أن يُصارحها بمشاعره تجاهها؛ فقال بغير كذبٍ:

_بصراحة !! بكرهك وبخاف من ظهورك، مفيش مرة ظهرتي فيها ليا من يوم ما شوفت وشك غير وفيه مصيبة حلت على راسي، وياريتها مصايب عادية هقدر أعدي بيها، دي كلها مصايب تقطم الضهر، عرفتي ليه بعاملك كدا؟ علشان مش هقدر أنسى إني بسببك أمي اتكسرت واتذلت والعيال بيتاخدوا من حضنها، ولا هنسى إنه لما فاق ملاقاش عياله قصاده وبرضه كان بسببك أنتِ، سيبك من كل دا، تقدري تقوليلي في حالته دي هيعمل إيه لما يعرف اللي بيتقال في حقه إنه راجل شهواني بياخد منشطات ومقويات ويجبر مراته وكمان بيعتدي عليها؟.

ذنبها غظيمٌ والتكفير عنه أصعب، كيف تمحو تلك الخطيئة من سجل حياتها وأيامها؟ لقد فعلتها بجهلٍ منها وبغير عمدٍ، كيف تحولت للجاني في هذه اللحظة؟ كيف أصبحت هي الشيطان والعقل المُدبر لعرض المسرحية في حين أنها مجرد دور ثانوي لعبته مُقتنعة بذلك أنها تلعب دور البطولة في إنقاذ حياة الأميرة، كيف تخبره بهذه الحقيقة؟ وهل هو يستعد لسماع الحقائق المخبوءة خلف ستار الكذب؟ وهل هي تهتم بالتوضيح له؟.

شردت بحزنٍ طغى على لمعة عينيها حتى بان ذلك في ملامحها التي بُهتت كُليًا، بينما هو كاد أن يخرج ويتركها لكن صوت هاتفه حين صدح جعله يعود للداخل يجاوب على مكالمة "سُعاد" التي قالت بلهفةٍ باكية:

_الحقني يا "سليمان" أخوك قطع النفس وجسمه متلج ومش عارفين نعمل حاجة، أنا طلبت الإسعاف وهتيجي في الطريق.

توسعت عيناه وقد لاحظت ذلك "رحمة" التي وصلها الصراخ عبر الهاتف فانقبض قلبها بخوفٍ دون سببٍ مُحدد وكأن المذكور يعنيها، لذا تابعت ركض "سُليمان" من المكان وخروجه ودون أن تشعر بنفسه وجدت عقلها يقف عن كل شيءٍ وتتبع صوتًا بداخل قلبها يُحثها على الركض هي الأخرىٰ، فتابعت ركضه للخارج وولجت سيارتها تلحق بسيارته..

يسير المرء في بعض الأحايين طواعيةً من قلبه بالإجبار على عقله كأنه ليس بمُخيرٍ، يسير وفق نداءٍ يصرخ به القلب ويرفضه ويحتج عليه العقل، لكنه في النهاية يفعل ما يحلو لقلبٍ ملك السُلطة وتمكن من تنفيذ أحكامه.
____________________________________

 <"لو كان للمرءِ إرادة ما كان البحرُ فعل ما فعله بالغريق">

لو افترضنا في فلسفة الحياة أن الدنيا بحرٌ..
فالمرء فينا هو الذي يرمي نفسه في دوامات الحزن بنفسه، حين يُعميّ عينيه عن دروب السعادة ويسلك بنفسه كل مسالك الشقاء، حين يختار أن يكون الضحية في حين أنه بنفس مرتبة الناجي، المرء فينا قد لا تُشقيه إلا نفسه،
 وقد يعيش هو ولا يُشقي إلا نفسه.

أخيرًا عاد للبيت بها وقد استفاقت هي من نومها بعد يومٍ انطلقت فيه تعانق الحياة بذراعيها الصغيرين، صحيح في بداية اليومِ كانت واجمة بملامح ذابلة كأنها وردة ذبلت وذهب عنها رحيقها، حتى بدأت تعتاد الناس وتألف الوجوه وتستقبل الحياة بناسها ومصافحتهم لها، وقتها ضحكت ودفنت نفسها بتلك الضحكة في عناق "يحيى" الذي يبدو أنه عاد للحياة أخيرًا..

قد لا يُصدق هذا القول لكنه ابتسم بالتقريب خمس مراتٍ في يومٍ واحدٍ، بالإضافة لضحكتين خرجا منه بغير قصدٍ ليقابل بهما ضحكة ابنته التي أهدته هدية خشىٰ أن يرفضها، وها هي تجلس أمام التلفاز بجوار حقائب الهدايا والمشتريات الجديدة وتُجرب كل شيءٍ بنفسها، حتى طقم الحُلى والتاج الذهبي وضعته فوق رأسها ودارت كما الأميرة الحبيسة بالبرج "ربانزل"..

لمحها وهي تدور حول نفسها من داخل المطبخ فأخرج هاتفه يلتقط لها مقطعًا تصويريًا وهو يبتسم ويشعر بالندمِ في آنٍ واحدٍ، لقد ضيعته الحياة في دروبها حتى ضيع هو من ابنته دربها، لن ييأس في الحياة لأجلها هي، سوف يستعيد "يحيى" القديم حتى ينقذ ما يُمكن إنقاذه لأجلها هي، ظل يبتسم بعينيه على رؤيتها بهذا الوضعِ السعيد وهو يقسم أنه لأول مرةٍ منذ عامين وأكثر يراها هكذا.

أنهى التصوير ثم وقف مترددًا، حائرًا في أمرهِ حتى حسمه في النهاية وقام بإرسال المقطع لوالده، ابتسم حين وصله ثم أرسل له صورها برفقته طوال اليوم وبرفقة القطط التي عطفت عليهم طوال يومها، وصورة أخرى مع طفلٍ صغير ابن حارس عقارٍ بجوارهما، صور مُجملها الحياة بذاتها وعودتها لقلب ابنته، اقترب منها يحملها بذراعيه القويين ثم ضحك وهو يُلثم وجهها ويدغدغ وجهها بذقنه غير الحليقة وهي تبتسم وتشاركه الفرحة لكن بغير صوتٍ للأسفِ.

في مدينة الغردقة ببيت عائلة "نصار"..
كان "حُسني" جالسًا في حديقة البيت يمسك هاتفه يتصفحه بصمتٍ ووجومٍ فوق ملامحه حتى وصلته الصور والمقطع الخاص بحفيدته، دون أن يعي ابتسم بعينيه واحتل الصفاء ملامحه، تهللت أساريره، بَشَّ وجههُ ونطقت عيناه بالسعدِ، دون أن يشعر لثم الهاتف، ظل يُكبر صورتها حتى لمح عينيها الضحوكتين رغم أن الحزن أطفأ وهج عينيها.

شرد فيها وفي ملامح ابنه الذي يبتسم بالإجبار دون أن تصل البسمة لعينيه ولم يستطع أن يتمالك نفسه فقام بإرسال رسالة صوتية لابنه يقول بلوعةٍ مزقته:

_يا "يحيى" يا حبيبي طمني عليك وعليها، زي القمر يابني والله، ربنا يعوضك فيها خير ويقويك عليها وعلى رعايتها، وحشتوني أوي، والله لو بأيدي كنت جيبتك هنا بس مارضاش ليك البهدلة من "حسين" وعياله، خليك بعيد عنهم.

في الحقيقة هو أكثر حملًا عليه من ابنته، هو بمجرد الاقتران به سوف يُفتضح أمرهم وسيكون الهم الأكبر خاصةً بسبب عمله وشراكته مع "حسين" شقيقه الذي سوف يأتي ويصل إليه بعد مرور أيامٍ، هو هُنا يشعر بنفس مشاعر البقية، يشعر بالشوق الجارف لابنه ويشعر كأنه سُرِق منه كما هُم يظنون بـ "يحيى" أنه سرق منهم ابنتهم.

كان يجلس يراقب الصور بعينيه للمرةِ التي لا يعرف لها عددًا، شعر بأحدهم يقترب منه ويقتحم مجلسه بلهفةٍ أقلقته وأثارت زوبعة الشك والريبة في خلجاته وقلبه، وقد رفع عينيه مضطربًا كمن تم الإمساك به في الجُرم المشهود، لكنها قالت بصوتٍ أقرب للبكاء من شدة لوعتها واشتياقها:

_أنتَ بتشوف صور "رحيق" صح؟ وريهالي يا "حُسني".

اغرورقت عيناه بالعبراتِ التي أسرها بين جفونه ثم استنشق الهواء حين وجدها زوجة شقيقه وقال بثباتٍ واهٍ يتصنع به الجمود عليها:

_لأ دي مش صورها، دي صور قديمة ليها.

كانت تعلم أنه يكذب عليها، تتيقن من أن هُناك الحديث من الصور وصله وهو يختلي بنفسه ليراها، تعلم أنه يعلم مكان ابنه أو حتى يعلم أين تقع أراضيه ولو بغير تحديدٍ، هرع الدمع من عينيها وترجته بقولها الباكي الذي أبدىٰ صوتها مكتومًا:

_لو ليا خاطر عندك وريني الصور، والله العظيم مش هقول لحد حاجة ولا هجيب سيرة، أشوفها بس وأملي عيني منها وبالي يرتاح إنها بخير، ومصحف ربنا ما هفتح بوقي لبني آدم.

لم يكن بتلك القسوة التي تجبره على تجاهل مشاعرها، لم يفعلها هو ولن يفعلها لذا بكفٍ مرتجفٍ مد يده لها بالهاتف فالتقطه والعبرات تسبق رد فعلها، خطفت الهاتف منه تراقب ملامح حفيدتها التي تُذكرها بملامح الراحلة فقيدتها وفلذة كبدها، ضمت الهاتف لعناقها ثم لثمت الشاشة وهي تتمنى أن تُعانقها، تتمناها كما الطير حين يحط فوق مرفأه، وياليتها هي هذا المرفأ.

لمح "حُسني" ظل شقيقه يقترب منهما فخطف الهاتف وأغلقه سريعًا وانتبهت هي لفعلهِ فمسحت عبراتها ورسمت ملامح جامدة شابتها شائبة قوة طفيفة، بينما همس لها بتحذيرٍ أن تتوقف عن الحديثِ؛ فتوقفت بالفعل لحين اقترب "حسين" منهما وعقد حاجبيه وهو يراهما فسأل بجمودٍ:

_مالكم شكلكم عامل كدا ليه؟ أنتِ معيطة يا "ميراف" ولا إيه؟.

_آه.

نطقتها بثباتٍ جعل "حُسني" يتمنى الموت لنفسه بينما هي رفعت عينيها نحو وجه زوجها وقالت بحزنٍ ظهر بوضوحٍ فوق ملامح وجهها:

_كنت بشوف صور "مودة" القديمة مع "يحيى" وبنتهم وحسيت إنهم وحشوني أوي، مقدرتش أمسك دموعي من الزعل، الله يرحمها ويغفرلها ويقدر "يحيى" على بنته ويرجعهم لينا بخير.

ابتسم بتهكمٍ بزاوية فمهِ وأرشق شقيقه بنظرةٍ حادة كأنه يود قتله ثأرًا على الحال الذي وصلهم، بينما "حُسني" فاستقام واقفًا ثم انسحب من المكان حين لمح نظرة شقيقه، ولم يُصدق أن الأوضاع بينهما وصلت لهذه النقطة بعد أن كانوا عائلة واحدة تربط بينهم أواصل الدمِ والمحبة، أمَّا الآن فالذي يربط بينهم فقط الاسم وفُتات من مشاعر الحُب قبل أن يمتليء القلب بالكراهية.

****

بالفندق الذي يقع في يد عائلة "نصار"..
كان "يُسري" يتجهز للرحيل إلى البيت فلمح بعينيه شقيقه يجلس عند الجسر وحده وبجواره زجاجة خمرٍ، المشروب الذي أدمنه بعد رحيل توأمه، كأنه يُعوض فقدان نصفه بالنسيان عن طريق مشروبٍ حُرِمَ عليه لكنه لم يُبالِ بهذا، أصبح كل ما يهمه أن يهرب من الخواء الذي يسكنه بعد أن حُرِمَ من نصفه الثاني، فهل يُعقل أن يُكمل المرء عمره دون نصفه؟.

كيف يهرب المرء من ألمٍ صك ملكيته على روحه؟.
كان سؤاله الدائم في الحياة، كيف للفقد أن يكون بهذه القسوة؟ كيف أن يحيا هو والموت رفيق لياليه؟ أصبح يبحث عن أي طريقٍ يدفعه نحو الموت ولم يكترث أن بالحياة، ألم يكن حيًا بها؟ الموت اختاره كي يتذوق مرارة الفقد ويعيش بنصف روحٍ، بنصف أملٍ، بنصف روحٍ، بجسدٍ فقط.

جاوره شقيقه وتنهد بقوةٍ ثم قال مُعاتبًا:

_وآخرتها؟ الزفت دا مابقاش يفارق إيدك وماشي بيه علطول؟ يا أخي لو شايف نفسك كبير كفاية ومش عاوز حد يقولك الصح من الغلط يبقى على الأقل خاف على نفسك وعلى صحتك، علشان تقدر تقف على رجلك بدل ما تتسطل وتقع من طولك، ولا هتفرح بنفسك لما تطب ساكت؟.

في الحقيقة حديثه لم يكن بوقته بالنسبةِ للآخر الذي نفخ وجنتيهِ بضيقٍ ثم التفت له فوجده يرمقه بازدراءٍ من علياءه وحينها تشدق بنزقٍ:

_يا سيدي لما أطب ساكت ماتبقاش تيجي تلحقني.

_أنا زهقت منك يا "مراد" ومن عمايلك الزفت دي.

هدر بها "يُسري" بصوتٍ أجش غاضب فوقف الآخر في مواجهته وقال بنبرةٍ أعربت عن جم غضبه ونيران قلبه:

_يا سيدي ما تسيبك مني، بقولك إيه روح شوف حياتك وابنك وبيتك وسيبك مني أنا، أشرب، أسكر، أولع بجاز حتى صدقني والله ما هتفرق في حاجة، ابعد بس أنتَ عني وخليك في حالك وخليني في حالي، أنتَ عمرك ما هتعرف أنا حاسس بإيه، سيبك مني وروح لبيتك وحياتك.

هل يتهمه بالتقصير لمجرد أنه مسؤولٌ؟ هو لا يجرؤ على التملص من مسؤولياته ولا الهرب من دورٍ يتوجب عليه أن يقوم به، شعر "يُسري" بالضيق منه فتركه وترك المكان بأكمله ووصل لبيت العائلة _القريب من الفندق_ وقد ولج بغضبٍ من شقيقه لكنه لمح ابنه "صُهيب" في وجهه وقد ركض نحوه يناديه بلهفةٍ، فرق ذراعيه عن بعضهما يضمه لعناقه ثم تحرك به وجلس بجوار "ولاء" التي كانت تذاكر مع ابنها دروسه.

لمحت ضُجره واستياء ملامحه وكادت أن تتصنع اللامبالاة، لكنها لم تستطع فعلها، تحركت وتزحزحت من موضعها حتى جاورته وقالت بنبرةٍ هادئة تبدي استفسارها بغير فضولٍ:

_أنتَ كويس؟ شكلك عامل كدا ليه؟.

_مخنوق شوية، ماتشغليش بالك.

رد عليها ببرودٍ ثم لثم وجه ابنه وجبينه وتحرك نحو الأعلى، تركهما وأثناء صعوده لمح صورة شقيقته الراحلة فوقف أمامها لثوانٍ كأنه يتأملها، يراقب صورتها بعينٍ أخرى غير التي اعتاد عليها، لوهلةٍ جالت بذهنه فكرة وحيدة لا مفر منها ولا مناص عنها، وهي أنها الوحيدة المُتسببة في كلِ ما يحدث الآن، الحقيقة المجردة من أي كذبٍ أنها فكرت في نفسها ثم الآخرين بعدها.

كم هي طاعنة وقاسية الحقيقة حين تأتيك فجأةً من عقر دارٍ كنت تأمن على نفسه به بين جدرانه؟ تمامًا كأنك تثق بصديق عُمرك وأيامك وتقف أمام الناسِ تتباهىٰ به؛ فيخذلك ويُشمت فيك كل عدوٍ وحاقدٍ، تلك الحقيقة التي تُريح المرء حين تظهر، قد لا تشقي إلا هو أيضًا بذاته.
____________________________________

    <"حين يعود الربيع قد لا تجد في طريقك إلا الورد">

يقولون أن المرء يُشبه ما يُحب..
يألف مكانه مهما بَعُدت المسافات، حتى ولو كان هذا الشيء هو الوحيد في العالمِ بنسخته الوحيدة سوف تألفه وتنجذب إليه، ومن بين كل الأشباه سوف تجد شبيهك أنتَ..

عاد بها لربيع أمامهما، حضر المناسبة العائلية وأكمل يومه معهم ثم أخذ زوجته ورحل بها لبيت والده وبيتهما، هرول بها للشقة الخاصة بوالدهِ مُسرعًا وبمجرد أن لمحته أمه ارتمت عليه تتشبث به وتُعانقه بقوةٍ، لم تُصدق أنه عاد وأنه هُنا بين ذراعيها، لم تُصدق نفسها وهي يضمها داخل جسده القوي، ابتعدت عنه تقول بلهفةٍ باكية وبمشاعر مختلطة ببعضها:

_جيت إمتى وإزاي؟ أنتَ بخير يا حبيبي؟ يا فرحة قلبي بيك وبرجوعك، دا البيت نور بوجودك فيه، ندرًا عليا لأزغرط دلوقتي.

أنهت الحديث ثم أطلقت من فمها زغروطة عالية هزت أرجاء البيت وجلبت البعيد قبل القريب منهم، قاد "مُرسي" مقعده حيث موضعهم وتفاجأ بابنه في عقر دارهم، وقتها بكى وفرق ذراعيه عن بعضهما فارتمى عليه "مُنتصر" يُلثمه فوق رأسه ثم كفه ثم كلتا يديه، كان كما السفينة التي رست أخيرًا عند الشاطيء الآمن، كأنه عاد صغيرًا يرتمي بكنف والده حين يعود من قسوة الشارع والخارج.

انتبهت لها أمه التي تغضنت ملامحها برؤيتها لكن "ورد" ابتسمت لها حتى لا تُفسد يومها هذا، اليوم المميز بعودة الحبيب أخيرًا من بعد غيابٍ طال عليها، مرت دقائق من الترحيب الحار والمُصافحات ثم جلسوا بجوار بعضهم وهو يجلس بجوار ساقي أبيه، تكررت الأسئلة عليه والاستفسارات حتى قال هو بضيقٍ:

_ما تفككم من الأسئلة دي وخلونا نقعد مع بعض شوية، هو أنا مش واحشكم يعني؟ بعدين فين الواد "خلف" أخباره إيه بقاله كتير مش بيكلمني، يا رب ألحقه قبل ما أنام.

بدأ التعب يظهر عليه وعلى ملامحه وخاصةً بان في عينيه التي نطقتا بكل تعبٍ وكأنه يُغالب النوم ويُصارعه، فنطق والده يرأف به بقوله الحنون:

_خُد مراتك يابني وأطلع نام وارتاح وريح جسمك شوية، وبكرة نقضي اليوم كله مع بعض، واسمع !! حسك عينك تزعل "ورد" ولا تضايقها، تحطها في عينك وتخلي بالك منها، يلا يا حبيبي ربنا يسعدكم.

حديث والده أتاه مُصيبًا هدفه، هو حقًا يشتاق لها، يشتاق لضمتها، لعناقها، لعبيرها وعطرها المميز الذي يحفظه عن ظهر قلبٍ، عيناها وآهٍ منها تلك العيون، عيناها تُشبه المأوىٰ للآمن للتائه حين يجد أمنه، هي ككلٍ مميزة، جميلة، قوية، كما ورود التوليب ناصعة البياض، هي بيتٌ وحدها وإن سقطت كل جُدران المدينة وأصبحت رُكامًا..

صعد بها نحو الشقة بعدما ودع والديه وأخذ الحقائب للأعلى، فيما اشتعل غضب أمه ونيرانها وجلست فوق الأريكة تضرب فخذيها بغيظٍ ثم وجهت الحديث لزوجها بقولها المُغتاظ:

_يا راجل أنتَ عاوز تجنني؟ ما هما كانوا قاعدين معانا هنا، لازمتها إيه تخليه يطلع بيها فوق؟ هتطير يعني ولا هتطير؟ أقطع دراعي إن ما كانت اتمايصت وشغلت شغل المسكنة بتاعها دا لحد ما هو رجع زي الدلدول علشانها، مش بعيد يكون ساب الشغل هناك علشان ييجي ويراضيها.

امتقع وجهه بملامح أعربت عن ضيقها وضُجرها ثم أولاها ظهره بالمقعد المتحرك بينما هي فكانت تتلظى بالنيران وحدها هكذا، بينما بالأعلى صعدا سويًا يمسك كلًا منهما بيد الآخر وهي تبتسم وصوت قلبها تكاد تُجزم أنها تسمعه، تشعر بقلبها كأنه تحرر من قيده وسجنه أخيرًا بصحبتهم.

ولجا سويًا وسبقته هي فلمحت الشقة على غير ما تركت، كل شيءٍ فيها طالته أيادٍ أخرىٰ، هرولت بسرعةٍ فلمحت المطبخ به أثر استخدامٍ سابق، ويبدو أن هناك من جلس بغرفة المعيشة والجلوس وترك زجاجات المياه الفارغة، البيت يبدو كأنه مهجورٍ، أو كبيتٍ لشابٍ أعزب يعيش وحده بغير رعاية.

تعجب "منتصر" من الشقة ووضعها فسألها بغرابةٍ:

_الشقة مالها مكركبة كدا ليه؟ أنتِ مشيتي وسيبتيها كدا؟.

التفَّت له بحدةٍ وقالت بقهرٍ بان في صوتها:

_لأ طبعًا، أنتَ عارف أنا أكتر حاجة بتضايقني عدم النضافة والكركبة، أنا قبل ما أمشي مسحت الشقة الصبح وفي نفس اليوم قفلتها ومشيت، بُص بنفسك شوف الوضع يا "منتصر" وشوف الشقة ووضعها وحُط نفسك مكاني كدا، بالله عليك تقبلها دي؟ أنا عارفة وأنتَ عارف كويس إيه اللي حصل، علشان دي مش أول مرة تحصل، بس كدا كتير عليا، يا سيدي بيتهم على عيني وراسي ومامتك ليها حق فيك وفي بيتك، بس مش في حالة غيابي وعدم وجودي، ترضاها لأختك دي؟.

هُدمت أحلامه فوق رأسه، كما طيرٍ ارتفع وحلق بعيدًا بحثًا عن الطعام، فعاد في نهاية اليوم مُحملًا بخيبة الاملِ وكسر الخاطر حين وجد السماء ممتلئة بالطلقات النارية، وهكذا كان وضع "مُنتصر" حين وجد زوجته بهذا القهر، فما كان عليه إلا أن يُلملم شتات الوضعِ فقال بثباتٍ:

_لأ مرضاهاش وحقك عليا أنا، عندي أنا دي يا "ورد" نامي دلوقتي وأنهي الليلة دي وبكرة بأمر ربنا هساعدك ونروق كل دا، معلش عارف إنك اتحملتي كتير وجيتي على نفسك بس صدقيني والله العظيم وحشتيني، أنتِ ليه عاوزة تضيعي اليوم مننا؟ ماوحشتكيش طيب؟.

الأبله يسألها؟ ألم يكن يعلم أن الشوق بلغ مبلغه في قلبها؟ ركضت تعانقه من جديد بلهفةٍ تحتمي بين ذراعيه من غدر الفُراقِ، فضمها هو بقوةٍ، ضمها كأنها سرابٌ سوف يفر من بين يديه، ضمها بحق شوقه لمدة عامين كاملين بدونها لا يعرف فيهما سوى نبرة صوتها فقط، واليوم يعودا سويًا للإكتمال من جديد، وكأن كل نصفٍ فيهما يُقابل النصف الثاني ويُرحب به في أرضهِ التي فُتحت على مصراعيها ترحيبًا به.

الورد عاد رحيقه بعد أن كان ذَبل..
وقد عاد العناق الآمن من جديد بين المُقلِ، 
اليوم تهفو الروح وتطير بخفةٍ دون أي ثُقل
اليوم تطير العصافير وتنتشر الفراشات..
اليوم عادت لمقرها الحياة.
____________________________________

<"إذا أردت أن توقعني في الفخ انصبه ليَّ جيدًا قبل أن أعود">

إذا أردت أن تنصب لعدوك فخًا تيقن أنك نصبته بالطريقة الصحيحة، تأكد أنك أوقعت به في الفخ قبل أن يقوم هو ويُعيدك أنتَ لداخل الحُفرة ويُغلقها عليك، فلا تأمن لعدوك بالخفاءِ حتى تراه غير قادرٍ على العودة من جديد..

ركض "سُليمان" من المكان لبيته، وصل لهناك ليجد الأوضاع المتدهورة تُقابله وتُرحب به، شقيقه يميل فوق الأريكة بجسدٍ استحال للونٍ أبيضٍ شاحبٍ، ملامحه زرقاء وأنفاسه غير متواجدة، يبدو كجثةٍ على مشارف الموت وكأنه تعرض للاختناق حتى مات، والعجيب والمُقلق في آنٍ واحدٍ أن المُسعفين رفضوا استقبال الحالة، رحلوا وتركوه رغم توسل "سُليمان" ومحاولاته معهم.

حاول هو أن يراعي شقيقه ويوقفه لكنه فشل في ذلك حتى أعصابه لم تُسعفه كي يُسعف شقيقه، القهر تمكن منه ومن الآخر، كل شيءٍ بات صعبًا على رجلٍ حُر مثله وبمثل طباعه، لوهلةٍ تمنى أن تكون "صابرين" هُنا ليقتلها، يتمنى أن تُرصد أعنف جريمة قتل ضد سيدةٍ على يديه هو وينول شرف قتلها والتمثيل بجثتها.

صوت أمه وهي ترجوه انتشله من هذه الحالة لكن صوت الجرس الذي صدح أربك الأوضاع برمتها، الوضع أصبح في غاية الغرابة خاصةً حين ولجت "رحمة" وركض "سليم" يُعانقها، في هذه اللحظة كاد أن يندفع نحوها، حاول أن يمنع نفسه لكنه فشل، فتحرك يسألها بتهكمٍ مريرٍ:

_إيه جاية تشمتي فينا؟ ولا جاية تطمني وتوصلي الأخبار ليها؟.

كان هذا ظنه الوحيد بها، ولم يُفكر قط أنها قد تكون هُنا كي تمد لهم يد العون، لذا مسحت عبراتها التي نزلت بغير وعيٍ وقالت بصوتٍ مبحوحٍ بالكادِ يميزه السامع:

_أنا جيت علشان سمعت المكالمة وشوفتك وأنتَ بتجري تلحقه وماعرفش جيت ليه بس قولت أكيد في موقف زي دا ممكن أعرف أتصرف خصوصًا لما بتوع الإسعاف مشيوا وسابوا أخوك لوحده، أنا ممكن أتصرف على فكرة.

_مش عاوز منك حاجة يا ستي، أبوس إيدك حلي عن سمايا وأمشي بقى كفاية اللي بيحصلي بسببك من يوم ما شوفتك، الدنيا نازلة تخرب فوق دماغي وأنا مش ملاحق، خلاص بقى كفاية.

لم تُصدق أنها تُهان بهذه الطريقة على يد رجلٍ، لقد أهانها بشكلٍ لم تتوقعه ولم تتخيله، والأدهىٰ أنها مُجبرة على الصمتِ، فلا يُحق لها أن ترد حتى وتُدافع عن نفسها، لقد سلب منها حق الدفاع وتولي مرافعة لأجل براءة سيرتها التي لم يذكرها إلا بكل سوءٍ، لذا حين بكت تدخلت أمه تقول ببكاءٍ هي الأخرىٰ:

_علشان خاطري أنا لو تقدري تساعدينا ساعدينا، ابني بيروح مني وهو مخضوض على أخوه، تعرفي مستشفى نقدر نوديه عليها؟.

حركت رأسها موافقةً ومسحت عبراتها ثم تنهدت بقوةٍ وقالت بصوتٍ مكتومٍ باكٍ:

_أنا فعلًا كلمت مستشفى تانية أنا عارفة بنت صاحبها وفيه عربية إسعاف هتيجي تاخد أستاذ "سالم" دلوقتي ماتشيليش هم، وهفضل معاكم لحد ما اتأكد إن كل حاجة بقت بخير الحمدلله.

وبالفعل مروا خمسة عشر دقيقة وأتت سيارة الإسعاف المُجهزة وصعدوا رجالها يحملون "سالم" بغير جدالٍ أو رفضٍ أو نقاشٍ، علاقة "رحمة" بابنة صاحب المشفى يسرت الكثير عليهم، ولج لغرفة الرعاية من جديد وجلست أمه بجوار الغُرفة ومعها "سُعاد" التي قامت بمساندتها، بينما "رحمة" فكانت تتابع مع الطبيب المختص بالحالة وتقف متولية زمام الأمور بإقدامٍ وشجاعةٍ.

تحرك "سُليمان" يجلس على طرف المقعد البلاستيكي بجوار الصغيرين فارتمى عليه "سليم" وانطلقت منه العبرات بغير مقدمات، هرع الدمعُ من عينيهِ واهتز جسده بتشنجٍ جعل "سُليمان" يضمه بقوةٍ لعناقهِ، ضمه يحميه بكنفهِ ثم ضم الصغيرة التي همست بسؤالٍ قلق مُخيف:

_هو بابا كدا مش هيفوق تاني يا "سليمان".

هوىٰ قلبه أرضًا من مجرد التخيل فقط، انقبض فؤاده واُستطير فؤاده زُعرًا وغَمَّ عليه الحزن الكئيب وجاهد نافيًا ذلك بقولهِ:

_إن شاء الله هيفوق أحسن من الأول، مش هو أول مرة تعب رجع تاني وفاق؟ المرة دي بقى علشان يفوق أحسن من الأول، مش أنا قولتلك اتعودي تدعي وتطلبي من ربنا كل حاجة؟ أدعي ربنا يخرج بابا ليكِ بالسلامة.

وقفت "رحمة" تراقبه بعد رحيل الطبيب بعينين دامعتين وهي تُشفق عليه وعلى الصغار الذين كُتِبَ عليهما أن يعهدا حالة أبيها بهذا الوضع القاسي على صغيرين مثلهما، هرعت العبرات من عينيها وهي حقًا تتمنى الموت لـ "صابرين" التي أوصلت أسرتها لهذه الحالة المُزرية، مثلها لا تستحق الحياة، تستحق الموت بأبشع الطُرقِ، وهي تنويها وسوف تنل شرف المحاولة.
____________________________________

 <"لم أكن أعلم يومًا أنك نقطة قوتي وضعفي وإليك مُنتهاي">

بعض العلاقات السامة لا تُعالج بغير البترِ من جذورها..
أن تقوم بجذر الجزء الخاص في قلبك وتتخلى عنه كي لا تضعف مع مرور الزمنِ ويُصبح أمر استغلالك أيسر من شربة الماءِ، عليك أن تكون طرفًا قويًا يتحكم في نقاط ضعقه وقوته كي لا يسقط في خديعةٍ باسم الحُب والهوىٰ..

حاول أن يُكابر مع نفسه ضدها، رجولته تُصر على الثأر منها، كرامته تأنِ من أفعالها، عقله يُخبره أنه يخسر في قربها دومًا والربح لا سبيل له في حياته لطالما هو معها، لكن ثمة الخائن الضعيف الآخر يضع لها آلاف المبررات، يبحث ويُفتش عن أسبابٍ لكل فعلٍ يصدر عنها، تارةً يكون السبب في ماضيها، وتارةً أخرى يكون السبب في والدها، وقد يكون السبب في تربية أمها التي أسقتها الاستغلال وشكلتها كما قطعة الصلصال في يديها حتى أصبحت على ما هي عليه.

عاد للبيت منذ ساعات وقرر أن يتجاهلها، يعزف عنها حتى تعرف أنه لم يكن الرجل الذي يركض خلف فتنةٍ تسوقه إليها وقتما تشاء، ظل جامدًا أمام فتنتها وإغوائها له وتحجج بالعملِ وهرب بداخل الغرفة وأغلقها على نفسه، وجد أن هذا هو الحل الأفضل قبل أن ينتهي به اليوم أسيرًا لها ولهيئتها، وقد طال به الوقت دون أن يشعر بنفسه فترك الغرفة وفتح الباب أخيرًا وخرج.

بحث عنها وعن أي صوتٍ فلم يجد لها أثرًا، بحث عنها بكل شبرٍ بالشقة حتى وجدها تنام فوق الأرضية الباردة وتتكور بوضع الجنين وهي تضم وسادة مُربعة صغيرة لعناقها، نفسها نومتها التي تنامها كلما غلبها الحزن، اقترب منها وجلس على عاقبيه يمسح فوق ذراعها وهمس باسمها بنعومةٍ حتى انتفضت هي بخوفٍ وظلت تُفتش بعينيها في اللاشيءٍ.

ظلت لثوانٍ ثم انتبهت له فبكت بصوتٍ مسموعٍ جعله ينتبه لها بلهفةٍ وسألها بقلقٍ ظهر عليه رُغمًا عنه:

_أنتِ كويسة يا "لمار"؟.

كيف تكون هكذا وهو يبتعد عنها؟ كيف تكون هكذا وهو يُعاقبها؟ كيف يكون الجلاد والضحية في آنٍ واحدٍ بالنسبةِ لها؟ ضمته بقوةٍ كأنها تخشى هروبه وقالت بخوفٍ من رحيله:

_علشان خاطري ماتقولش إنك زعلان وهتسيبني، خليك معايا.

تعجب من حالتها ومن تشبثها به فجلس وضمها لعناقهِ وربت فوق ذراعها وهو يتعجب من تلك النوبة التي تأتي لها بين كل حينٍ والآخر بغير سببٍ محدد، أو حتى بدون سبب كبيرٍ يوصل الأوضاع بها لهذا الحد القاسي، جلس بتيهٍ يضمها ويبثها أمانه، بينما شخصت هي بعينيها في الفراغ وقالت ببكاءٍ:

_كلهم بيسيبوني ويمشوا، محدش فيهم بيحبني علشان يفضل معايا، حتى بابا مش بيحبني، لو بيحبني كان فضل معايا، مكانش سابني لوحدي، أنتَ ليه بتعمل زيه؟ أنا بحبك أنتَ، زعلان مني؟ أعمل إيه علشان تصالحني؟ عاوز تكون معايا دلوقتي؟.

توسعت عيناه بدهشةٍ وهي تعرض نفسها عليها فوق طبقٍ من ذهبٍ وتُبادر بالاقتراب منه فعاد للخلف مبتعدًا عنها وقال بجمودٍ لم يقصده لكن مشاعره خانته:

_لأ طبعًا من إمتى وأنا بعاملك كدا؟ ومن إمتى واللي بينا كدا؟ أنتِ مراتي مش واحدة جاية من الشارع، وإذا كنت متضايق شوية فدا مش معناه إن الطريقة دي هتحل حاجة، قومي نامي وارتاحي يا "لمار".

يرفض الاقتراب منها؟ هل هذه هي نصائح أمها التي لم تُكَذب؟ يبدو أنها خدعتها في هذه أيضًا، لقد أعطتها الكثير من الوصايا بشأن علاقتها بزوجها وكيف تحيا حياة زوجية سعيدة، لكنه ولا مرةٍ استجاب لهذه الطُرق، لذا شعرت بالرفضِ منه وإنكسار روحها وكبرياء أنوثتها فوقفت بجسدٍ يهتز بضعفٍ ثم طالعته بانكسارٍ وتحركت.

بينما هو زفر بقوةٍ وشد كفيه فوق خصلات شعره متوسط الارتفاع وفكر بجديةٍ بماذا تعاني زوجته كي تصل لهذه الحالةِ الميؤوس منها؟ تعامله دومًا بحالٍ غير الحالِ ولا تعرف للعقل دربًا، الأمور معها إما ناصعة البياض حدَّ سرقة العين، وإما حالكة السوادِ حدَّ الظلام المُميت، لا تعرف رمادية الاشياء، لذا هو في بعض الأحيان يرفض مبادئها، يرفض أن يستغلها كرجلٍ باسم الحُب والزواج، يرفض أن تكون مجرد وسيلة لتفريغ غضبه، لقد أحبها الحُب المُقدس، وياليتها تعلم عنه شيئًا.

انتظر لبعض الوقت ثم عاد وولج الغرفة فوجدها تنام من جديد لكن تلك المرة ببقايا عبرات استقرت عند مقدمة عينيها، زفر مُطولًا ثم اقترب ينام بجوارها، وقد خلع ثيابه وبقى بجذعٍ عارٍ ثم ضمها لعناقه مُربتًا فوق رأسها ويُربت فوق خصلاتها بشرودٍ فيها وفي أحوالها التي تتراقص به كل يومٍ فوق مسرح الحياة وهو المُشاهد الذي لم يعلم حبكة القصة كيف كُتِبَت.
____________________________________

       <"كنت أتباهىٰ بضيك، ولم أُدرك أنك نيرانٌ">

ظننتُ أن الضوء البعيد في سفينتك هذا هو نجمة رُشدي..
ولم أظن ولو بخيالي أنها نيرانٌ مشتعلة سوف تحرقني أنا، أنا التي تباهيت بضوءك أمام العالم أجمع، اليوم أشير لهم نحوك لأخبرهم أنك بضوءك هذا أحرقتني حتى غدوت في نهايتي رمادًا.

باليوم التالي بعد الظُهرِ..
كان "غسان" فاض به وطفح كيله من غيابها الغريب هذا، لم يستطع أن يصل لها وقدر غضبها، لكنه تعجب حين نزلت في الصباح ووثقت نزولها بصورةٍ للشارع عبر تطبيقٍ من تطبيقات التواصل، وبتواصلٍ بسيطٍ مع أمها عرف مكانها وأين هي تحديدًا، لذا استجمع ثباته وتملك من شجاعته ثم قرر أن يذهب إليها.

وصل لهناك بسيارته حيث مقر الجمعية الخاصة بوالدها، جمعية "ضي القمر" التي أصبحت هي تديرها بعد موت أبيها، انتظرها لحين ينتهي الاجتماع الذي أقامته هي ووقف في مدخل المقرِ، وصله صوتها وهي تضحك فابتسم تلقائيًا وكاد أن يدخل لها فوجدها تخرج وهي تضحك مع شابٍ ثم قالت له بوجهٍ مبتسمٍ:

_بس بجد يا "شريف" ماتعرفش وجودك فرحني قد إيه، وماتعرفش برضه قبل ظهورك كنت خايفة إزاي، الحمدلله جيت في وقتك الصح، ياريت ماتغيبش تاني بقى عننا، أنا بجد محتاجالك أوي.

رجولته رفضت المشهد ككلٍ، خطيبته تقف مع شابٍ غريبٍ وتخبره أنها ضائعة بدونه ولم تكتفِ بذلك، هي أيضًا تخبره عن حاجتها له؟ أي وضعٍ هذا الذي يتوجب عليه أن يتقبله؟ ولماذا جرائم القتل يعاقب عليها في مثل هذه الأوضاعِ؟ ألم يكن حقه الفتك به وبها هي الأخرى؟.

اقترب منها يرفع أحد حاجبيه فلمحته وتعجبت هي من قدومه، لكنها تعاملت برسمية شديدة للغاية وهي ترحب به بفتورٍ قائلة:

_أهلًا يا أستاذ "غسان" نورت المكان.

ماذا دهاها؟ بماذا أصيب عقلها كي تتحدث معي بهذه الطريقة؟ هل هي مُصابة بمرض ازدواجية الشخصية أو ما شابه ذلك؟ ماذا عن بوادر قصة الحب والمشاعر الصادقة التي حدثتها عنها؟ أهي معتوهة أم مخبولة في عقلها؟.

كان يفكر بهذه الطريقة حتى عرفته هي بالآخر قائلةً:

_دا أستاذ "غسان" ابن الاستاذ "طاهر" يا "شريف" أعرفك بالأستاذ "شريف" الـ Hr هنا في الجمعية ومسؤول التطوع والكشف والاستكشاف يا أستاذ "غسان".

طريقتها غريبة ولم يُحبها هو ولم يتقبلها أيضًا، لذا كان رده عليها فظًا وجامدًا حين أضاف حقيقة أخرى لحديثها:

_وخطيبك يا "نوف" أظن يعني الموضوع مش هيفضل كتير في السر، كلها أيام وكل حاجة هتبان للناس وتوضح، وأكيد هنعزمهم كلهم علشان يكونوا معانا، ولا لسه مصممة كل حاجة تتم من بعيد لبعيد.

يرد لها صاع حديثها صاعين بأكثر قوةً وقسوةً..
اتقدت نيران الغضب في صدرها خاصةً حين انسحب "شريف" من بينهما بعد أن بارك لهما وتحرك يتركهما في خصوصية لحظتهما، بينما هي لم تتحمل أكثر فقالت باندفاعٍ:

_كنت وخلاص كل واحد راح لحاله، عرفت اللي فيها خلاص وسبب إنك بالسرعة دي عاوز الجوازة تتم، جدك جه وقالي كل حاجة، قالي إنك عاوز موضوعنا يتم بس علشان تبعد "بسملة" عن طريقك وترجع للنادي من تاني علشان أبوها يسيبك في حالك، ومش بس كدا دا وراني حياتك معاها قبل كدا، هو أنا يعني كنت ناقصة استغلال؟.

توسعت عيناه من جديد وتخشب جسده بينما هي ففتحت الهاتف على صورته مع الفتاة الأخرى وهي تقف بجوارهِ وتضم ذراعه بينما يحمل هو كأس البطولة ويضحك بسعادةٍ يومها ضحكة يدفع ثمنها حتى الآن، ولم يتوقع أن تأتي هي له بماضيه قبل أن يخبرها هو عنه...




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة