رواية جمعية حب الفصل الثاني عشر 12 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الثاني عشر 12 بقلم شمس محمد بكري





|| الموت آتٍ بلا محالة ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


بين طريقين مجهوليْنِ قد ترانيّ ضَّائعًا..
لا أعلمُ أي الطريقتين يتوجب عليَّ أن أسلكهُما، 
فلا أنا مُرتاحًا عند نقطة البداية التي كنت أجهل بها كل شيءٍ، ولا أنا سَّلِمتُ في نقطة النهاية التي اكتشفتُ عندها كل شيءٍ،
أنا بين كلا الدربينِ لَم أجِدُنيّ، بين الجموع قد تراني أنتَ وتجدنيّ؛ لكن فردًا وحيدًا كأنني أخشى الطريقَ..
أخشىٰ أن أتيه من جديد فأُفضِل السكون بموضعي
أُرافق ليليّ حزينًا وأُصاحِب بالهمِ مواجعيّ
أنا ليس أنا كي أقول للعالمِ أنا هُنا، 
أنا وحيدٌ، مهمومٌ، لم يألف البشرَ
ولا يُرى شيئًا في العالمِ من مدامعهِ..

     <"أتيتُكَ كي أحتمي بكَ، كيف الآن أحتمي منك؟">

بعض الخيبات حين تأتينا لا تهزمنا..
الهزيمة بحقٍ تكون ممن أتتنا منهم الهزيمة، حين كنا نتباهى بهم أمام الناس أنهم الجيش المُحصن ضد غدر أيامنا، فيأتينا الغدرُ منهم هُم بذاتهم، كأنك خشيت على سلاحك من السرقةِ فسلمته ليدٍ تظُنها آمنةً عليه؛ فتجد نفسك لا تُطعن إلا بسلاحك هذا.
كأنك أضِعت عُمرك في نزالٍ وهمي بينك وبين حبيبٍ كنت تأمنه، فاختار أن يَصفَعُكَ غدرًا ويقتلك قهرًا، ويرتضي لكَ ذُلًا وأنتَ الذي سبق وقُلت عنه أنه لقلبك عزيزٌ..

_إحنا فيها، هديك عيال أخوك بس تكون ليا.

نطقتها "صابرين" بتبجحٍ وهي تعرض نفسها عليه؛ فيما توسعت عيناه وكأنها نطقت بكل عُهرٍ، صدمته حين عرضت نفسها بهذا الرخص عليه وكأنها تعلم عواقب ما تفوهت به حيث نزلت صفعة فوق وجهها منه على غفلةٍ، الدم غلى برأسهِ وارتفع مقدار الغضب فنزل لسانه عليها بسوط الكلمات والوصف يهينها وهو يمسك خصلاتها، وابن شقيقه لم يلمح إلا عنفه ولم يسمع إلا صوت الشتائم والسب لأمه، فركض يدفعه بعيدًا عنها..

لمحه "سُليمان" فتهللت ملامحه وانفرجت أساريره في الحال وجلس على رُكبتيه أمام الصغير يمسك كتفيه وهو يقول بلهفةٍ:

_"سـليم" أنتَ كويس؟ طمني عليك أختك فين؟.

دفع الصغير يديه عنه وصرخ في وجهه ببكاءٍ:

_أنا بكرهك يا "سليمان" بكرهك علشان ضحكت عليا وطلعت كداب، أطلع برة ومالكش دعوة بيا تاني، أنا بقيت مش عاوزك خلاص.

ابتسمت هي بسمة مكتومة ثم اقتربت من صغيرها تضمه أسفل نظرات "سُليمان" المصدوم من الوضع برمتهِ وهو يرى الشبل الذي رباه وفنى عمره لأجله يتمرد عليه ويُطبق قانون الغاب فوق عنقه، هذا الذي قطع المدينة لأجله ركضًا اليوم يطرده منها شر طردةً، ولازال الصغير يحمل في قلبه الكثير..

ازدرد لُعابه بوجعٍ وزاغ بصرهُ في المكانِ بحثًا عن سبيل النجاة، يرى بعينيه الصغير باكيًا بين ذراعي تلك الحرباء المُلونة وهي تلتف حول جسده وتوهمهُ أنها تحميه، مشهد احتضانها للصغير وهي تُهون عليه جعل رأسه يكاد ينفجر من الغيظِ، لو بيده لكان قتلها ومثل بجثتها العَفِنة دون شفقةٍ أو رحمةٍ حتى..

صلبَ جسده وهو يستقيم واقفًا ونادىٰ ابن شقيقه بصوتٍ مذبوحٍ يُعبر عن الهزيمة الساحقة ولحقَ مُناداته بقوله المهزوم:

_بتكرهني أنا يا "سـليم" بعد دا كله؟ صدقتها علشان عرفت تخليك تصدق اللي عاوزاه يوصلك وتخليك تكرهنا، نسيت كل حاجة حصلت؟ لحقت تلعب بيك وبعقلك؟ هتصدقها برضه؟.

نظر له الصغير بتيهٍ وخيبة أملٍ، نظرة فارغة من كل معنىٰ كأنها نظرة ميتٍ فارق الحياة، نظرة العين بها كانت ميتة تسبح في فراغٍ أغرقها في قعر القاعِ دون أن يطفو الجسد على السطحِ، وحينها تدخلت هي تقول بلهفةٍ وهي تقنع الصغير بما تُريد:

_صدقني يا "سليم" والله أنا بحبك أنتَ وأختك، بس "سليمان" مش عاوزنا نكون مبسوطين مع بابا، علشان كدا عاوز ياخدكم مني، شوفت عمل فيا إيه؟ عاوز ياخدكم غصب عني، أنا والله مش عاوزة حاجة غيركم.

توسعت عينا "سُليمان" من الدهشة حين رأى تمثيلُها، حيث كانت تُتقن الدور بشكلٍ طبيعي وكأن هذه هي حقيقة قلبها، ولولا التاريخ الحافل بينه وبينها لكان صدقها فعلًا، وجد الصغير يقع في فخها كما وقع أبوه، وكما وقع هو وأتى لهُنا ليفعل ما تريد هي منه كي تُثبت ما تود إثباته، لذا في طرفة عينٍ أصابت اليقظة هدفها في عقله، أدرك أن محاربة العدو قد لا تفلح لو بسلاحك أنتَ، بل يتوجب عليك في أغلب الأحايين أن تنتهج استخدام سلاح العدو بذاته..

لذا عدلَ وقفته وتنهد كأنه مغلوبٌ على أمرهِ ولحظتذاك قال بطريقةٍ تمثيلية تُضاهي طريقتها في الإقناع والتمثيل:

_يمكن ماما فعلًا بتحبكم، ويمكن أكون غلطان كمان في حاجات كتير تخصكم أنتَ وأختك، بس الحمدلله أبوك فاق ورجع من تاني ومستنيك أنتَ وأختك علشان ياخدكم في حضنه، خليك مع ماما وبابا ورجعوا حياتكم زي الأول وأحسن وأوعدك ماليش دعوة بيكم تاني.

كان يتحدث بمنتهى الهدوء والثبات، طريقته كانت تُدرَس في الإلقاء وسط الأزمات، وقد نجح في إصابة جبهتها بضربة قاضية، نجح في إثارة فضولها والاستحواذ على نظرتها التي اهتزت بمحجريها، بينما الصغير فإمارات الفرحة بانت على ملامحهِ فسأل مُتلهفًا للحصولِ على الجوابِ، فابتسم الآخر بعينيه لهُنيهة عابرة ثم وارىٰ تلك المشاعر وقال بنفس الاصطناعِ:

_صحي وفاق وطالب يشوفك أنتَ وأختك وعلشان ماما بنت أصول أكيد مش هترضى تخليكم بعيد عنه وهو في الحالة دي، وهو مستنيكم ونفسه بس يحضنك أنتَ وأختك، وأوعدك وقتها مش هيكون ليا دعوة بيكم تاني.

تأهبت حواس الصغير وترقرق الدمعُ في عينيه ثم تركها واقترب من عمه يسأله بلهفةٍ حماسية:

_بجد صحي؟ يعني هينفع أروح أشوفه؟.

رفعت هي رأسها بحركةٍ عنيفة ما إن وصلها رد فعل الصغير وقد كان وقف أمام عمه فتناسىٰ الآخر الموقف الذي صار منذ قليلٍ ثم جلس على رُكبتيهِ وتنهد بعمقٍ وقال بأسى ظهر في نبرته ولازالت عيناه تأسران الأخرىٰ التي تراقبهما بطرف عينها وتطعنهما بسهامها:

_صِحي والله وفتح عينيه، وتقريبًا مش عاوزني أنا، عاوزكم أنتوا بس علشان هو مهما حصل روحه فيكم، ماما معاكم أهيه وزي ما قولتلك هي بنت أصول وهتوديكم لحد عنده علشان ترجعوا مع بعض زي زمان.

أنهى الحديث ثم استقام واقفًا وهو يُربت فوق خصلات الصغير وقد نطقت هي بعنفٍ تصرخ بما جاهدت نفسها كي تخفيه:

_ماتصدقهوش، أكيد بيقول كدا علشان ياخدكم مني، باباك أصلًا ميت والدكتور قال مش هينفع يعيش تاني، هو عاوز ياخدكم مني زي ما بابا سمع كلامه، علشان خاطري خليك معايا يا "سليم".

والصغير في موضعه لا يعلم أيهما الصواب، لا يعلم أين الحق، الحق يكمن كون أن أبيه هو "سالم" وما دون ذلك فهي مجرد تراهات في العالم وأكبر من قدرة عقله على التصديق، حتى "سُليمان" الرفيق الصالح له ضرب أمه وأهانها أمام عينيه، وقف بجوار أمه وقال بهدوءٍ كأنه يخشى قيام شجارٍ آخر في هذه اللحظة:

_خلاص ودينا نشوف بابا وتعالي معايا وأنا هرجع معاكِ تاني.

صُعقت !! في الحقيقة ما أصابها لا يتم وصفه بمجرد كلامٍ، كيف يتم وصف الخيبة التي لاقتها هي على يد صغيرها وكيف تصف شعور رد الصاع صاعين في لحظةٍ كهذه، استُطير فؤادها وشحب وجهها، بينما "سُليمان" فانتفخت أوداجه عزًا وفخرًا بصغيره الذي رغم كل شيءٍ لم يُخيب آماله حتى الرُمق الأخير.

فرد على الصغير هو بنفسهِ ينوب عنها كأن القط هجمَ وأكل لسانها:

_عين العقل يا حبيب عمو، ووعد مني لو جيت محدش هيقدر يقرب منك ولا من أختك ولا حتى من ماما، مهما كان برضه أنتوا أمانة في رقبتي وولاد أخويا، ويهمني فرحتكم، ولو فرحانين مع ماما مستحيل أزعل حد فيكم، ووقت ما تحبي تيجي تشوف بابا عرفني علشان أعرفك هو هيروح البيت ولا المستشفى.

رد المكر بأضعافٍ لها، سلب منها الحق كله ووضعه في صالحهِ، جعلها في موقفٍ لا تُحسد عليه أمام صغيرها حيث ترك الكرة في ملعبها وانتظر منها التصويب كي يُعيد الاستحواذ لنفسهِ ويصيب الهدف كما يجب أن يكون، الحياة معها مباراة وعليه أن يكون الخصم الأكثر ذكاءً، واللاعب الأكثر احترافًا..

انسحب من بينهم كما تتسرب المياه من بين الأناملِ وخرج وتركها تحت سطوة الصدمة، تركها وهو يعلم أنها لو لم تمت مرة فهذا الخبر يقتلها ألف مرة، خبر نجاة شقيقه من بحرها وهو الآثم في حق نفسه، بينما هي ارتمت فوق الأريكة بعينين شاخصتين في اللاشيء، كأنها تردت قتيلة ولا حياة لها في الدُنيا، بينما "سليم" الصغير فشعر بقلبه ينقبض بعض الشيء، يخشى الحبس بجوارها دون رؤية أبيه، فاقترب منها يسألها بترددٍ:

_ماما، هتودنيا نشوف بابا بكرة؟.

أعادها صوته لنقطة الوعي فانتبهت له، لاحظته بعينيها وهو يسأل بنظراته الحماسية فوجدها تتجاهله، تتجاهل حتى النظر في وجهه وهي تُدير رأسها عنه، وقبل أن ينطق من جديد نطقت بجمودٍ كمن هُدم المعبد فوق رأسها:

_قوم نام يا "سليم" ومالكش دعوة بالكلام دا، لما يفوق يبقى ييجي هو، أنا مش هروح بيكم لحد عندكم ياخدوكم مني تاني.

نظر لها بعينين مغرورقتين، حيث شعر بصدمةٍ تُصيبه في قلبه، حتى لو كان أبوه خرج من غيبوبته فهي الأحق أن تذهب وتراه حتى قبله هو، وهو لا يُريد أن يظلمها ويضعها في صورة سيئة، لكنها هي التي تفعل هذا بنفسها وتُسلط الأضواء كافة على نفسها وتترك آلاف علامات الاستفهام.
____________________________________

 <"غرقت فيك وأنا بكامل وعيِّ وحين نجوت كنت مجبورًا"> 

حين غرقت في البحر كنت بكامل وعيِّ، 
اخترت الغرق طواعيةً مني وكأنني أحببت موتي في البحر وأرفض الحياة فوق الأرضِ، وحين نجوت كنت مجبورًا على الحياة، كنت أرفض النجاة وأتمسك بالغرقِ، لم أرد أن أخرج من البحرِ، بل كان آخر أمالي أن يبتلعني البحر في جوفهِ، ولم يُشقني إلا أملي هذا..

كان يحمل ابنته فوق ذراعيه وهو يتحرك بها بخطواتٍ واسعة حتى وصل للشقة، كان يهرول في خطواته كمن يركض من المصير، يجري بها كأنما يحتمي من العالم بوحوشهِ، يضمها لعناقهِ كأنه يخشى فراقها كما سبق وفارقته أمها، ولج بها الغُرفة يضعها فوق الفراش ويرتكن بها، وجدها ساكنة وهي تراقبه، صامتة كما المُعتاد وعيناها تلتقطانه بالكثير من الأحاديث التي لم تبرح محلها بالحلقِ، أولها كان الحديث عن الجروحِ التي تراها في وجهه وفي كف يدهِ..

التقط هو تلك الأسئلة بعينيه في عينيها فضمها لصدره أكثر وقال بصوتٍ مختلط المشاعر وكأن أكثر ما يتمناه في لحظته هذه أن يُنصت لسؤالها حتى لو تسأله هي بكرهٍ:

_متخافيش عليا أنا كويس والله، وبقيت كويس علشانك أنتِ، عارفة يا "رحيق" أنا آخر حاجة شوفتها كانت وشك أنتِ، حسيت إنك بتندهيلي وعاوزاني، وقتها فوقت والله وجريت علشانك، ماحسيتش بنفسي غير وأنا قايم أجري علشان آجيلك لحد عندك هنا، ونفسي أسمع صوتك أوي، انطقي اسمي حتى لو هتشتميني، قوليلي طيب أنتِ زعلانة مني؟ فيه حاجة مضايقاكِ معايا؟ علشان خاطري سمعيني صوتك.

كان يرجوها بحالة من الهيسترية، يتحدث معها بأملٍ خفت الضوء فيه وأصبح في موضعه ألمًا لا يُشفىٰ، حتى لمحت العبرات الحبيسة في عينيهِ ووقتها رفعت كفها المُرتجف تمسح على عينيهِ بالتوالي، لا تواسيه بالكلامِ لكنها فعلتها بنظراتها، لم تقدر على النطق لكنها تقدر على المواساةِ بالنظرات، والعين تحتضنه وهو في أوجِ الغُربةِ، بينما هو فوجد نفسه بين عينيها يحتمي فيهما، يسكن ويرتكن قبل أن يسقط عليها..

ضمها لعناقهِ يحتمي فيها من هولِ المخاطر التي عاشها اليوم، ضمها يؤكد لنفسهِ أنها معه ولازالت بين ذراعيهِ، ضمها حتى شعر بأنفاسها تنتظم بقرب عُنقه فعاد للخلف يمسح فوق خصلاتها الناعمة، وقد أحس بصوتِ البابِ يُفتَح فترك جوارها وخرج من الغُرفةِ ليجد قي وجهه خاله "أنـيس" الذي قال بلهفةٍ بمجرد أن التقيا سويًا:

_أنتَ جيت إمتى؟ يا أخي قطعت نفسي وموتني من الرعب عليك ونزلت أدور عليك وأشوف حل وخليت "كرم" يروح المستشفى يتطمن عليك، طمني عليك، حد منهم مشي وراك؟.

حرك رأسه نفيًا فتحرك خاله يفتح الضوء لتظهر حينها علامات الضرب وأثر الجروح على وجهه ويده المتورمة، صُعقَ "أنـيس" بهذه الرؤية التي أصابته بالحزنِ والقهر أيضًا لأجل ابن شقيقته، حينها لم يتمالك نفسه من الغضب بل سأل بصوتٍ عالٍ:

_هما اتجننوا ولا إيه؟ "حسين" وعياله نسيوا الأصول ونسيوا إن قبل ما تكون جوز بنتهم أنتَ ابن عمهم وأخوهم؟ أتهبلوا شكلهم كدا، لو مش علشانك أنتَ يبقى علشان بنتهم الله يرحمها حتى، والله يا حبيبي ماكنتش عاوزك تروح علشان كنت خايف عليك، كنت عارف إن الموضوع فيه ضرر ليك، بس ماقدرتش علشان شوفتك خايف على أبوك، لو أعرف كدا ماكنتش خليتك تعتبها ليهم.

انفعل في نهاية حديثه ولاحظ ذلك "يحيى" فتنهد بثقلٍ وقال بصوتٍ ثقيلٍ مختلط المشاعر ما بين التعبِ وبين الحزن والكمد:

_محدش عارف النصيب مخبيله إيه، وأنا كويس متخافش، يادوب هلحق أنام شوية علشان تعبان مش قادر أقف، عن إذنك يا خالي.

التفت يوليه ظهره فوجد خاله يمسك رسغه ويعيده له وهو يقول بلهجةٍ حادة آمرة لا تقبل الرفض أو النقاش:

_مفيش نوم قبل ما تاكل الأول وتاخد علاج علشان الجروح اللي في جسمك ووشك دي، دول مش بشر، الغِل دا كله يطلع من الواد "مُـراد" عادي، دي عمايله، لكن "يُـسري" رغم كل دا بيحبك لسه، مش هيقدر يأذيك، على العموم أنتَ خسارة فيهم، هما لو يعرفوك هيعرفوا إن وجودك بينهم كان عامل ليهم قيمة ساعتها هيعرفوا إنك كسبت نفسك لما خرجت من وسطهم، أقعد واسمع الكلام.

كاد أن يُعارضه لكن خاله صاحب الرأس اليابس اعترض باحتجاجٍ وقال بصوتٍ امتلأ بالعندِ والصمود كما هي أصوله:

_ولا كلمة، ماتكترش معايا في الكلام علشان ماعندش معاك أكتر، أقعد خليني أحطلك لقمة تاكلها وأشوفلك جروحك دي، كفاية أوي إني سيبتك تعمل اللي نفسك فيه.

نفخ "يحيى" وجنتيه بضيقٍ ثم جلس على أقرب مقعد يُقابله وأخرج سيجارًا يشعله بينما خاله فتحرك يبحث عن أشياءٍ تداوي جروحه وإبان بحثه وجد الهاتف يصدح عاليًا فتوقف واعتدل يجاوب على المُتصل الذي كان "حُسني" ويتلهف للحصول على الجواب كي يطمئن على ابنه، وبمجرد أن وصله الرد قال "حُسني" بلهفةٍ:

_يا "أنـيس" طمني "يحيى" وصل ولا لسه؟.

تنهد الآخر وحرك عينيه يلحظُ "يحيى" بطرفه فوجده ينكفيء للأمام يُدخن سيجاره بشراهةٍ وقتها شعر بالضيقِ يُساوره حُزنًا على هذا البطل الذي غدر به البحر فوصل لتلك الحالة الميؤوس منها، عاد لمن يتحدث معه وقال يُطمئنه:

_وصل يا "حُسني" متقلقش، بخير والله بس للأسف شكلهم شدوا مع بعض، راجع وشه مجروح وأيده كمان، يفوق بس وياكل لقمة وهخليه يكلمك ويطمنك.

تنهد "حُسني" أخيرًا وكأن أنفاسه كانت مسلوبة منه، ثم قال برجاءٍ لرفيقه والأمل الأخير له في هذه اللحظة قبل ضياعه من يديه:

_بالله عليك يا "أنـيس" لو ليا غلاوة عندك تخليك معاه دلوقتي، بلاش تيجي الغردقة خالص في الوقت دا، هما أكيد هيفهموا إنك السبب والربط الوحيد بينا، لو احتاجت أي حاجة عرفني وأنا هتابع الدنيا هنا مع "كـرم" بس بلاش تسيبه لوحده، كفاية اللي عاشه وشافه في آخر سنتين في حياته.

_حاضر، من غير ما تطلب مني يا "حُسني" أنا عارف والله، على الأقل في الوقت الحالي مش هينفع أسيبه لوحده، ومتخافش كل حاجة هتكون بخير وهو كمان، بس بالله عليك بلاش تزعل نفسك علشان السكر يظبط، مش عاوزين نرجع لورا تاني، على الأقل علشانه هو، أديك شوفت لما فكر بس يتطمن عليك حصل إيه، يلَّا في رعاية الله.

أغلق معه الهاتف وعاد لابن شقيقته الذي أغلق الضوء وترك نفسه لسُحب الدُخان الرمادية تلتف حوله، يغرق في الظلامِ والحزن وتحاوطه الكآبة لكنه لم يستطع الخروج من هذا البئر العميق، يغرق فيه طواعيةً منه بل ويلتحد فيه بكامل قواه العقلية، ويرفض الخروج منه ولو كان الثمن في النظير روحه.

وعلى الطرف الآخر كانت الأوضاع أكثر توترًا، الأحوال برِمتها تأكل في أعصابهم جميعًا وبوجهٍ خاص "حسين" الذي علم بما حدث بشأن ابن شقيقه، قلب المدينة رأسًا على عقبٍ وبحث في مداخلها ومخارجها كي يلتقطه بعينيه لكنه فشل، كان قاب قوسين أو أدنىٰ من الجلطة الدماغية، رأسه يكاد ينفجر من الأفكار الخبيثة والهزيمة ترقص فوق رأسهِ..

ولج "يُسري" يضع على رأسه لاصقًا طبيًا إثر الجرح الغائر الذي تسبب فيه "يحيى" حين دفعهُ عند جذور الشجرة الميتة وركض، كان يحمل سترته على ذراعه وبمجرد أن ولج جلس أمام والده الذي قال بتهكمٍ يسخر منه:

_غفلك وهرب تاني؟ قولتلكم محدش فيكم أده، أهو دخل من وسطكم وشاف أبوه وعلم عليكم وخرج من تاني، من غير ما حد يلمحه ويحس بيه، وآخر المتمة راجعلي متعور ومش قادر تصلب طولك، علشان إيه كل دا؟ علشان "يحيى" حط عليكم وعليا، مفيش واحد فيكم عرف يكلفته لحد هنا؟.

كان يصرخ بصوتٍ هادرٍ جعل ابنه يزفر بضيقٍ ثم قال بجمودٍ ينهي الحوار الذي ضغط على عنقه حتى ضيق عليه الخناق، فانفجر فيه بقوله:

_خلاص كفاية دماغنا بقى، عاوز إيه؟ عاوز خبره؟ حاضر المرة الجاية هدخل عليك برقبته فوق أيدي لحد ما ترتاح أنتَ، مش عاوز تفهم ليه إن كلنا معاك في نفس المركب، واللي راحت دي كانت بنتي مش أختي، وهو معاه بنته وأنا أب زيه وعارف، صعب إني آخده من بنته، مش عاوز تتقبل ليه الحقيقة دي؟.

هدر بعنفٍ في وجه أبيه فركض صغيره من فوق الدرج بهلعٍ من قوة صوت أبيه وبمجرد أن لمحه "يُسري" اقترب يضمه بين ذراعيه ومسد فوق ظهره وهو يقول بهدوء:

_متخافش يا حبيبي، أنا كويس متخافش كنت بتكلم مع جدو بس.

حرك الصغير رأسه موافقًا وانتبه لجدهِ صاحب النظرات النارية وقد تبعته أمه بهرولةٍ فوق الدرج وما إن لمحت ابنها بعناق أبيه هدأت من ثورتها وخوفها والتقطت أنفاسها، بينما "حسين" اقترب من ابنه يُربت فوق رأس الحفيد وقال يتكيء على كلماته:

_ابنك في حضنك أهو علشان أنتَ أبوه وواعي لوجوده، بنت أختك هناك مع واحد مش واعي ليها ولا سائل حتى فيها، لو هو فعلًا قافل على نفسه وحُزنه يبقى حرام عليك تسيبهاله يدمرها، هاتها وإحنا أولى بلحمنا، ويرجع هو للبحر والأجانب والحياة اللي كان عايشها.

تلاقت نظرات "يُسري" بنظرات أبيه في صمتٍ تامٍ إلا من حديثِ الأعين التي لم تَكُف عن الكلامِ، رحل بعدها "حسين" يتوجه لغرفته بالأعلى فيما اقتربت "ولاء" زوجة "يُسري" وقالت بلهفةٍ تمنع مبلغ الحديث من مبلغه عليه:

_بلاش تسمع كلامه يا "يُسري" علشان خاطر ابنك، لو زي ما بتقول فعلًا إنك أب وحاسس بـ "يحيى" حط نفسك مكانه وتخيل حد ييجي يحرمك من "صُهيب" بحجة إنك مش أمين عليه ومش سائل فيه؟ لو هترضاها على نفسك يبقى خلاص، خليك ماشي ورا باباك لحد ما نشوف أخرتها.

أنهت الحديث بتحدٍ لضميره الحي، هي تخاطب الصوت الذي لازال يشعر بداخله، لا تتحدث عن هذا المُسير خلف رغبات والده، لكنها تتحدث مع هذا الذي يشعر ويَدري بمعاناة غيره في الحياة، وهو يضم ابنه الذي تعالت نبضاته ويشعر أن قلبه هو ينبض لأجل نبض صغيره، فماذا عن "يحيى" الذي يعيش لأجل ابنته؟.

جلس فوق الأريكة يحمل صغيره بين ذراعيهِ ويضمه لعناقه، ويرسو عند برٍ يأمن فيه على روحه من الغرق، يخشى أن يغرق في ظلام الأفكار فينتهي به المطاف قاسيًا ومتحجر القلب كما والده الذي تجلت الرحمة عن قلبه وأصبح صلدًا بعد موت صغيرته المُدللة، وكأن الموت كان فاجعة سرقته من نفسه، ونسى أن الابتلاء جزاؤه يكون خيرًا..
____________________________________

 <"ألم تتذكر حين كُنا صغارًا؟ كنت لي رفيقًا والقمر ثالثنا">

يُحكى على شاطيء البحر في الاسكندرية آلاف القصص..
جميعها حكايا تحمل الحياة بين سطورها، سردها بليغٌ كما شتاء ديسمبر حين تختفي شمسه خلف الغمام الرمادية فتوصل المُتعة داخل النفس البغيضة للحرِ، وتلك المرة الحكاية أتت عن عروسٍ أتعبها الغياب وأضنى الفراق عمرها، فماتت فيها الروح وماتت فيها العزيمة، ولازالت عيناها تسرد الحِكاية..

كما المعتاد منذ أن أتت إلى هُنا والحياة تدور بشجارٍ بينهما، كأنها أتت فقط كي تتصادم معه منذ أن وُلدت، منذ أن كانت صغيرة فوق ذراع أمها ويرعاها أبوه وهي دومًا كانت موضع قلقٍ له، والآن المشكلة تتزايد في تواجدها، هي حقًا مُثيرة، للغيظِ، مثيرة للاستفزاز فتشكل خطرًا على خلاياه العصبية، وأحيانًا تُشكل بعض الخطورة على رحمته فتكون مُثيرة للشفقةِ..

صعدت "عُـلا" تجلس بموضع تواجد شقيقها المُحبب بجوار "سيمبا" ارتكنت هناك هربًا من "أدهـم" الذي من المؤكد سوف يدخل الشقة كي يأخذ منها أغراضه أو قد يحتاج للنوم فيها، لذا تحركت تجلس على الأرض في حركةٍ مفضلة منها حيث ثنت رُكتبيها وجلست تُطالع السماء، لا تعلم كيف تتخلص من عذابٍ مثل هذا ولا أي أرضٍ سوف تحملها بعد كل ذلك، لكنها أطلقت العنان لعينيها تبكيان لعل البكاء يُريح الألم بقلبها.

في الأسفل كان في طريقه للشقةِ فتقابل مع عمته التي طالعته بعينين ينطق منهما الشرُ، راقب ملامح عمته رافعًا أحد حاجبيه فوجدها تقول بعتابٍ:

_ليه يا "أدهـم" زعلتها تاني؟ شوفتها وهي طالعة معيطة، حرام عليك يابني دي غلبانة ومكسورة، لو مش علشانها هي يبقى علشان "آدم" أخوك مايزعلش منك، مش فاكر أي حاجة خالص لأمها؟ دي أمها عمرها ما زعلتك، وفضلت معاك حتى بعدما عمامها خدوها منها، يبقى دا رد الجميل؟ تخلي البت كل يوم تعيط كدا؟.

_أنا ماقولتش ليها حاجة يا عمتو والله، يادوب لسه بكلمها لاقيتها عملت كدا وعيطت، بعدين دي لسانها مبرد دي كل يوم بتجيب سيرتي بشتايم وتهزيء وأنا ساكت، والله العظيم لو مش "آدم" ليه خاطر عندي كنت زماني مكسحها.

زفرت في وجهه ثم ضمت كفيها فوق بعضهما وقالت:

_خليها عليك، أطلع لو سمحت راضيها وطيب خاطرها بكلمتين قبل ما أخوك ييجي ويلاقيها كدا، وشوف حل بقى علشان ترسى في حتة هتفضل كل يوم تبات في المعرض وهنا وهناك؟.

رفع حاجبيه وقال بسخريةٍ ردًا عليه:

_مش علشان الكونتيسة اللي فوق؟ أديني مستني أشوف آخرتها وأشوف هترسى على إيه، مع إني أنا اللي اتبهدلت في الليلة دي كلها بس كله بثوابه، وحاضر هطلع أطيب بخاطرها بكلمتين، مش علشانها، بس علشان أبويا الله يرحمه كان بيحبها.

تجاوز وقوفها وتحرك بينما هي رفعت كفيها تدعو له بقولها:

_ربنا يهديك يا "أدهـم" ويسترها معاك دنيا وآخرة.

توجه للأعلى وهو يعلم أنها لا تدخل الشقة في حال تواجده، توقع أن يراها جالسة أو ربما بجوار "سيمبا" أو تتفحص أشياء أخيها، لكنه وجدها تجلس على الأرضِ وترفع رأسها للسماء، ومن المؤكد تبكي كما اعتادت منذ صِغرها، وقف يراقبها بسكونٍ وتذكر طفولتهما سويًا، حين كان يُبكيها وهي صغيرة وهي تدخل الشُرفة تغلقها على نفسها وتبكي وهي تُطالع السماء، ابتسم حين تذكر مرةٍ ما تسبب في إبكائها ففعلت مثل ما تفعل حاليًا..

بينما هي فكانت في وادٍ غير الوادي، كانت شاردة في اللاشيء وعيناها نجمتان في السماء تسبحان هُناك في الفراغِ، أتى من خلفها يراقب جلوسها بهذا الوضع وهذه المَسكنة الحقيقية، فلوهلةٍ حزن لأجلها، أصابه الحزن على فتاةٍ في وضعها كل يومٍ يرافق الدمعُ خديها ويُصادق ليلها الغمُ..

_لسه فيكِ العادة دي من وأنتِ صغيرة؟.

أتىٰ الصوتُ من خَلفِها وهي تجلسُ علىٰ رُكبتيها تُطالعُ السماءَ ولازال الدمعُ نازفًا من عينيها، تلجلجت ما إن وصلها صوتهُ وداهم جلستها، وقد أنزلت رأسها للأسفل فأحست بحفيفِ خطواته تقترب منها، ازداد خجلها وتوترها وهي تمسح عبراتها بكفيها بينما هو جلس على مقربةٍ منها وتنهد بصوتٍ مسموعٍ وصلها بالفعلِ؛ ثم التزم الصمت فقط وهو يرفع رأسه للسماء كأنه يستبين ما كانت تنظر هي إليه..

كان الصمت فقط هو الذي يرنو بينهما، طال الصمت بينهما وكأن الحديث فلَّ، أو تكاد تكون اختفت من العالم كل الأحاديث؛ حتى يُصبح الصمت هو الموجود فقط وصاحب السُلطة هُنا، ولم يقطع هذا الصمت إلا صوت شهقاتها إثر البكاء كل حينٍ وآخر وهي تتنفس، وحينها حرك "أدهـم" رأسه نحوها ومال برأسهِ يتطلع عليها ولحظتها ارتسمت البسمة فوق شفتيه وقال بهدوءٍ اقتبسه من الحالة التي تحاوطهما:

_من صُغرك لما كنا بنتخانق مع بعض كنتِ بتطلعي البلكونة تعيطي فيها وتفضلي تبصي في السما لحد ما تكوني أحسن، كبرتي ولسه ماتغيرتيش؟.

وصل الحديث لعمق قلبها وتمركز فيه، هو أتى يُذكرها بماضيها معهم حين كانت آمنة في سربهم، كانت محفوظة من غدرٍ لم تظن يومًا في دمِ الأقارب، لكنها أيضًا شعرت بالفراشات تطوف فوق جدار معدتها وكأنها أُعيدت لفترة طفولتها الحبيبة، بيد أنَّ ما إن تذكرت الحديث الذي قاله عنها منذ أن وطأت بقدميها لهُنا تراجعت عن التأثر وقالت بجمودٍ مقصودٍ:

_كفاية أنتَ اتغيرت، هبقى أنا وأنتَ؟.

أذهلته بكلماتها فرفع حاجبيه تلقائيًا وكأنها حقًا أثارت ذهوله ودهشته، لذا نظر أمامه يبحث عن ردٍ ولمَّا وجده قال بتأثرٍ لحظي وليد اللحظة هذه:

_معاكِ حق، أنا اتغيرت كتير عن "أدهـم" اللي تعرفيه، يمكن التاني مابقاش موجود، بس اللي موجود دا مش وحش برضه، ماشي حاله يعني، على الأقل مكانش هييجي هنا يشوفك بتعيطي ليه؟.

رفعت "عُـلا" عينيها نحوه ووجهت بصرها له هو ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ باكٍ:

_أنا مش بعيط بسببك، أنا بعيط علشان اللي حصلي وخلاني أتحط في موقف زي دا يصعب عليا نفسي فيه، لما أكون المفروض ليا بيت وحق وعندي فلوس تكفيني وفي الآخر آجي مكان مش مكاني ولا دنيا بتاعتي وأعيش فيها وأبهدل للناس حياتهم يبقى إيه؟ في النهاية الدنيا مش هتدي اللي بيعيط ويقف ساكت، وأنا جيت هنا يبقى استاهل اللي يجرالي.

قالت جملتها الأخيرة ببكاءٍ وحزنٍ بالفعل كانا حقيقيين لا يمكن تكذيبهما، فهي فتاة رغم جمالها لكن هذا الجمال مدفونٌ خلف الغمِ، تلك الأعين رغم حلاوتها لكن السُحب الشفافة تخفي روعتها، شخصَ ببصره في وجهها الحزين، وتعجب من قدرتها على الاحتفاظ بتلك البراءة فيهما، لازالت "عُـلا" كما هي بعينيها الواسعتين البُندقيتين، لذا تنهد وقال بصدقٍ دون أن يعي بماذا ينطق:

_بس أنتِ وعيونك تستاهلوا كل حاجة حلوة.

تلك المرة يرد لها ما فعلته هي، يثير ذهولها بحديثٍ لم تتوقعه منه، هذا الذي لم يترك فرصة واحدة إلا وشكك فيها وفي أخلاقها وفي طِباعها الآن يثني عليها وعلى عينيها؟ طالعته لمدة ثانيتين أو ربما أكثر، طال الزمن بينهما بحديثٍ ماضٍ حين كانا صغيرين، حين كان يحميها ويَعِد والده أن يظل حاميها حتى آخر الزمان، وهي تجد فيه صديق الطفولة القديم الذي ضاع منها في الدنيا وضاعت هي عنه في دوامات الحزن، وبين ماضٍ معلومٍ وحاضرٍ مطموسة هويته أشاحت بوجهها عنه فتنهد حين أدرك ما تفوه به وقال:

_أقصد يعني إن أنتِ متساهليش تضيعي عمرك في الحزن والعياط دا كله، الحياة فعلًا مش هتدي اللي بيعيط ويسكت بس، لازم على الأقل رد فعل قوي يخليكِ صاحبة حق أقوى، وعمومًا أنا قررت أبدأ معاكِ بهدنة تخليكِ تطمني شوية، من دلوقتي مش هقول أي حاجة تزعلك، ولا هضايقك، بس بلاش تشتمي عليا في ضهري الله يكرمك علشان بعرف وشكلك بيبقى بايخ.

تنهدت وهي تمسح وجهها ثم حركت رأسها موافقةً تعهد المعاهدة معه، بينما هو انتظر منها ردًا أو حتى جوابًا لكنها التزمت الصمت، فسألها تلك المرة بعجبٍ:

_صحيح إيه حكاية خطيبك دي؟ أنتِ مخطوبة؟.

ارتبكت من السؤال وظهر ذلك في نبرة الجواب حين قالت:

_يعني، شبه مخطوبة.

_يعني إيه شبه مخطوبة دي؟ جه خبط على الباب وطلع يجري يعني ولا إيه مش فاهم؟ مالحقتوش تقروا الفاتحة ولا لسه بيحفطها طيب ولا إيه؟.

سخر من ردها بطريقةٍ اندفاعية حقيقية كأن حديثها لم يعجبه، بينما هي فرغمًا عنها ضحكت، ضحكت وجلجلت ضحكاتها للمرةِ الأولى منذ أن أتت إلى هنا بهذه الطريقة، حتى ضحك هو الآخر بسبب ضحكها وألقى لها الكلمة التي تُثير استفزازها:

_خبيلك ضحكة للعيد.

طالعته بعتابٍ من عينيها من جديد فابتسم تلك المرة وقال:

_خلاص بهزر والله، عمومًا ماتزعليش نفسك بس زي ما قولتلك أنتِ هنا بصفة أكيدة ولازم الناس كلها تعرف أنتِ مين، فلما حد يسألك قولي عادي إنك أخت "آدم الشيمي" والدتك الله يرحمها صاحبة فضل كبير عليا بعد ربنا، وأنا عمري ما نسيت جِـميلة حد عملها معايا.

أومأت بتفهمٍ ثم سحبت نفسًا عميقًا وقالت بصوتٍ مبحوحٍ:

_تعرف إن طول السنين اللي فاتت دي كانوا بيقنعوني إن أنتَ السبب في اللي حصل؟ كانوا بيقولولي إنها اختارتك أنتَ ورمتني ليهم، قالولي إنها سابتني بمزاجها علشان تعيش حياتها مع ابنها وجوزها، طبعًا الكلام دا مش صح، لأني فاكرة كويس أوي إزاي هي فضلت تحافظ عليا منهم.

تعجب هو من قلب الحقائق وصناعة الأكاذيب بهذا الشكل فقال مدافعًا عن أمواتٍ لم يقبل المساسَ بسمعتهم:

_لأ طبعًا مستحيل، هما اللي أخدوكِ بحكم محكمة والوصاية راحت ليهم علشان مامتك اتجوزت تاني من بعد باباكِ، ووقتها المحامي بتاعهم قال إن بمجرد زواج الأم الوصاية بتتنقل للطرف التاني وفي حالتك أعمامك كانوا الأحق بيكِ، وحاولنا كتير نرجعك لأن مامتك تعبت، وجالها جلطة من كتر الزعل عليكِ وساعتها ماكملتش كتير وتوفت، وأنا اتيتمت مرتين في حياتي.

أشفقت هي الأخرى عليه فتنهدت قبل أن تبكي من جديد ثم رفعت رأسها للأعلى وقالت بصوتٍ أكثر انبساطًا وأريحية:

_يمكن كل دا حصل علشان "آدم" ييجي الدنيا ويكون ليا أخ في ضهري أجيله لما يحصل اللي حصلي، تعرف إنه أحلى حاجة في حياتي؟ أنا حاولت كتير أخليهم يوصلوني بيه بس هما بقى عملوا كدا بمزاجهم هما، وسابوني بس بعدما خدوا كل اللي عاوزينه مني، فلوس وصحة ووقت وجهد وكل حاجة، أنا بس كنت عاوزة ونسهم وحسهم معايا، بس هما فهموني غلط.

يبدو أنها ارتاحت له كثيرًا كي تتحدث بتلك الاستفاضة دون أن تتضايق من الكلامِ معه، تحدثت بدون خجلٍ أو ضيقٍ وهو يستمع لها ويترك المساحة الكافية كأنه يُنصت لأول مرةٍ، لذا حين صدح صوت الهاتف بجوارها تعجب هو من العالم حوله وانتبه لارتباكها حين قالت بصوتٍ مهزوزٍ:

_دا "مأمون" خطيبي، عن إذنك.

نظر لها بعينين تائهتين ثم حرك كتفيه وتركها تتحرك من جواره، راقبها وهي تتحدث في الهاتف وتضم الرداء الصوفي الزيتوني لجسدها وكأنها أصيبت بالتوتر والخجلِ معًا، لذا تنهد ثم قام وتحرك ليجد في مقابلته "عـرفه" الذي طالعه بحاجبٍ مرفوعٍ فقال هو بسخريةٍ:

_بلاش البصة ديه ماكنتش في حضني يعني، خير.

_أنا جيت جنبك؟ بس طالع أقولك ماينفعش يا "أدهـم" هي مش من محارمك وتجوزلك عادي، علشان محدش يجيب سيرتها وسيرتك اتقي الشُبهات وابعد عن الشر وغنيله.

حرك رأسه موافقًا ونزل من أمامه، بينما "عـرفه" فوقف يراقبها من الخلف ثم استغفر ربه ونزل وهو يتمنى صلاح الحال للأولاد جميعًا، بينما هي فكانت في غمار حربٍ تخوضها باسم الوفاء والعهود، حربٌ لا تعلم إن كانت مفروضة عليها أم هي لم تكن طرفًا بها، وهذه هي الحرب بذاتها؛
 ألا تعلم في أي طرفٍ أنتَ بالتحديد.
____________________________________

  <"فتىٰ يخوض الحرب مجبورًا، والحرب تقوم فيه هو">

يقولون أن السياسة تُحول الرفقاء إلى أعداءٍ
والمُعجبين لقتلىٰ، والأحرار تسجنهم خلف القبضان، والحقائق تنقلب لأكاذيبٍ، والنور يحل محله الظلام، وعلى غِرار ذلك،
 الغدر يفعل الشيء ذاته، فمن لا يصل لشيءٍ يُقبحه في عين الآخرين..

مرت أيام قلائل على أحداثٍ مرت..
ومن ضمن هذه الأحداث كان بيت "طـاهر" يواجه كارثة تمس الشرف، كارثة تخص الابن العائد من مضمار الغُربة ليواجه قسوة الوطن، يواجه ما لم يفعل هو وما لم كان والده يتحدث في الهاتف مع أقارب "نـاجي" فقيده رحمه الله، وبين مناقشات وتراهات كلامية انفعل هو وقال بصوتٍ ملأ بهو البيت الواسع:

_يا أستاذ "متولي" أنا عارفك من زمان، واللي بتقوله دا مايصحش، ابني عمره ما هيعمل حاجة غلط، والموضوع كله فيع سوء تفاهم، و"نـوف" بنتي وعمري ما أخلي حاجة تضرها ولا تأذيها، واللي بتقولوه دا بيأذيها وغلط، لو مش هتخافوا على سمعة بنتكم مين هيخاف عليها؟.

_خلاص إحنا فيها يا "طاهر" تيجي تقعد أنتَ وابنك في القعدة اللي معمولة لـ "نـوف" علشان نعرف إيه اللي حصل، طالما ابنك على حق وهي على حق، ولا عاوزنا نفضل في السيرة دي كتير؟ لو مش عارف أحب أقولك إن أنا وكل العيلة لينا مكانتنا، وأنا عضو في مجلس النواب، يعني مستحيل أقبل بحاجة تبوظ سمعة العيلة، يا كدا يا هتصرف أنا بقى بس محدش يزعل.

هكذا جاء الرد عليه والتمس التحذير، شعر بالخطر يقترب من ابنه، لذا حين نزل "غـسان" ووقف بجواره تنهد بثقلٍ وقال:

_حاضر، بليل هنكون عندك النهاردة بأمر الله.

عقد "غـسان" حاجبيه وهو يُطالع وجه أبيه، بينما والده أغلق الهاتف ثم مسح فوق رأسه وجبينه يُدلكه بقوةٍ فسأله ابنه بذهولٍ عن سبب تلك الحالة الغريبة التي وصل لها:

_مالك يا بابا فيه إيه مزعلك كدا؟ ومالك متعصب ليه؟.

نظر له أبوه بحيرةٍ ولا يعلم هل يخبره بما حدث ويحدث وتتم حياكته من خلف ظهره؛ أم ينتهج الصمت؟ أتت "رئـيفة" في هذه اللحظة وقالت بعجبٍ في الأمر:

_فيه إيه يا "غـسان" بابا ماله؟.

نظر لها بحيرةٍ بينما "طـاهر" فتولى الجواب عنه وقال بتعبٍ:

_عمة "نـوف" مش ساكتة، عملت مشكلة كبيرة وراحت لولاد عمها وقالت عن اللي حصل وطبعًا بسبب كلام ابن "مـاهر" صدقوه، وعمالين يلطخوا في سُمعة البت وسمعة ابني معاهم، وحاكمين نروح القعدة اللي هما عاملينها، إذا كان طبعًا محدش فينا خايف من اللي حصل وبنقول الحقيقة، وحاولت على ما أقدر بس هددوني، صراحةً كدا يا نروح ونلم الدنيا يا بما إنه عضو في المجلس هيخرب الدنيا.

شهقت "رئيفة" بسبب الخوف على ابنها، بينما "غـسان" غلت الدماء في رأسه وشعر أنه يتورط كي يُصبح جانيًا في جريمةٍ لم يرتكبها، قصة مُؤلفة منذ العديد من القرون والجميع يعرف أركانها، لذا احتج واعترض ورفض أن يُصبح مُسيرًا فقال:

_مع نفسهم، أنا مش هروح في حتة ومش هبرر حاجة، أنا ماعملتش حاجة غلط، وأنتَ عارف كدا كويس، علشان وقتها بعتني على هناك على أساس الشغل وأفهم منها الدنيا وعلشان ابن عمها كان هيروح يتهجم عليها، وأنا خوفت آخدك معايا علشان محدش يقرب منك، لكن كدا أنا مش هشيل حاجة زي دي، ولو روحنا هيتمسح بينا البلاط، وهيكون حقهم علشان دي بنت ومهما كان اللي حصل وقتها كان غلط.

طالعه "طـاهر" بعينين بدا فيهما الاضطراب واضحًا، ابنه في كل الأحوال كان مُحقًا لكن لا يجوز أن يدفع الثمن بتلك القسوة، لذا تنهد بقوةٍ وجلس على أقرب مقعدٍ يُقابله فيما كانت "رئيفة" تشعر بصعوبة الأوضاع حولها، ابنها استاء من كل شيءٍ، وزوجها في موقفٍ لا يُحسد عليه، لذا التزمت الصمت لحين يفرجها المولى، حيث ضاق الحال بهم ذرعًا والحل من الخالق وحده..

بعد مرور ساعات تلت كل ذلك..
أوقف "طـاهر" السيارة أسفل بناية "ناجي" وترجل منها هو وزوجته وصعدا للأعلى حيث الشقة التي تعود لملكية "ناجي" وأسرته، بمجرد أن وقف عند أعتاب الشقة لمح مجموعة من الرجال لا بأس بهم، كأنها مناسبة عائلية تُقام في هذا البيت، ارتد لثانيتين للخارج ثم ولج وتتبعه في خطواته زوجته وبمجرد أن ولجا سويًا قال لهما أحد الموجودين:

_أخيرًا جيت يا "طاهر" أومال فين البيه ابنك؟.

ولج "طـاهر" بزوجته وقد بحثت هي بعينيها عن "نـوف" واقتربت تجلس بقربها، كانت تجلس فوق الأريكة تُنكس رأسها للأسفل، تُربع كلا ذراعيها كأنها تحتمي في نفسها، تتشح بملابس سوداء وتُخفي عينيها عن العالم كله، تنزوي عنهم جميعًا وتعلم أن تلك المسرحية سوف تنتهي نهاية هزلية، نهاية تُضحك البعض، تُشفي غليل البعض، وتترك وسمة عارٍ على البعض.

وجه أحدهم حديثه لـ "طـاهر" الذي جلس بعد الترحيب الجامد والمصافحة الرسمية يسأله بفظاظةٍ:

_أومال فين البيه ابنك؟ ولا هو شاطر بس يروح لبنات الناس في انصاص الليالي؟ دي الأصول يا "طـاهر" برضه؟.

قبل أن يرد ولج "غـسان" يرد بثباتٍ يُحسد عليه:

_لأ يا فندم كنت بدور على ركنة مش أكتر، أنا باجي في أي وقت عادي مش شرط أنصاص الليالي، أؤمرني حضرتك، أديني جيت أهو.

طالعته الأعين بنظراتٍ مُتباينة بينما ولج هو وجلس بجوار والده في مواجهة "معتز" وفي مكانٍ يطل على وجه "نـوف" التي تخفي نفسها خلف المقعد الكبير، كان يبحث عنها حتى يعلم إلى أي نقطةٍ وصل آذاهم لها، إلى أي نقطةٍ دمروا ما تبقى منها، بدأوا الحديث وهم يستفسرون ويتساءلون حتى وجه "متولي" السؤال لـ "معتز" ابن عمها يسأله:

_هو دا الراجل اللي شوفته عندها بليل يا "معتز" ؟.

_هو يا عمو، واتعصب عليا لما قفشته.

جاء الرد قاصمًا لظهر البعير وحاسمًا للشكِ، أتى الرد بكل تبجحٍ وتصلد أمام معشر الرجال، بينما هي فتوسعت عيناها ورفعت رأسها بحركةٍ عنيفة لتراه يتحدث عن تلك الليلة بكل قُبحٍ وتشفٍ، وقد أتى السؤال من الرجال يُوجه لـ "غـسان" بجمودٍ:

_وحضرتك إيه اللي جابك؟ مش عارف إن دي مش أصول برضه تيجي لبنت لوحدها وتدخل البيت؟ مالهاش مبرر دي.

نظر لوالده الذي ترجاه أن يجاوب ثم نظر لها وهي تبحث بعينيها عن الأمان فلم تجده، يبدو أنها تبحث عن أبيها كي يُنصفها، تبحث عن الرجل الذي عاشت مُدللة في كنفهِ دون أن يجرؤ أحدهم على المساسِ بشرفها ولو بنظرة عينٍ، لمح عينيها الباكيتين وعاد لمن يسأله وقال بثباتٍ:

_عارف طبعًا إن كان غلط آجي في وقت زي دا، بس حط نفسك مكاني، واحد راجع من السفر وجاله تليفون قاله إن فيه واحد عامل مشاكل مع خطيبته ورايح يتهجم عليها في نص الليل، كان المفروض أسكت يعني؟ ولا آجي أشوف خطيبتي وأشوف مين دا اللي جاي؟ وفعلًا حصل، جيت لاقيت أستاذ "معتز" المحترم ابن عم خطيبتي بيتهجم عليها علشان خاطر الميراث.

تحدث وانتهى الأمر، الحياة بالنسبةِ له مغامرة، تستحق أن تحارب كي تربح دور البطولة فيها، وهو لطالما تم وضعه في تلك المسرحية الهزلية عليه أن يُحارب لأجل دور البطولة، وبطولته تلك ارتبطت بها هي، يفعل الذي يتوجب فعله، لكن بإرادته هو وإنصافًا لها قبل أن يكون بالإجبار من الغيرِ..

رفعت عينيها تتوجه بنظراتها له حيث تواجده وهي ترمقه بتيهٍ واستنكارٍ، فتنهد هو ثم تجاهل نظراتها وعاد الرجال وخاصةً والده الذي تفاجأ بما حدث منه، وقد استنكر الجميع قوله، فسأله عمها الثاني بصلدةٍ:

_ولما سيادتك خطيبها كنت فين؟ وإزاي وإحنا مانعرفش؟.

سؤال في موضعه من شخصٍ متطفل، لكنه ذكي بما يكفي كي ينجو من هذا المأزق، فتنهد بقوةٍ ثم قال بثباتٍ من جديد دون أن يهتز فيه جفنٌ حتى:

_علشان كنت لسه مفاتح عمي "ناجي" قبل ما أنزل مصر وكنت متفق معاه إني هاجي أخطبها وألبسها الدهب، بس أظن يعني الأصول بتقول في الظرف اللي زي دا ماينفعش أسأل في خطوبة ولا جواز، وقولت لما الدنيا تهدا شوية والأوضاع تكون أحسن أفتح الموضوع، بس دا مش معناه إني أسكت لواحد رايح يتهجم على خطيبتي، حتى لو الموضوع على البر لسه، بس كدا أبقى مش ابن أصول.

نقطة وانتهى السطر الذي يحمل نهاية الحكاية، هو ختمها كما تستحق أن تُختم، حافظ على نفسه، وصان كرامتها أمامهم، أنقذ ما يُمكن إنقاذه، واسكت الجميع ووضع حدًا لكل من يتوجب عليه أن يتوقف عن الحديثِ، تبادل النظرات معها فوجدها تبكي وهي تطالعه بامتنانٍ، تبتسم له بشكرٍ ويبتسم لها بالعرفان وكأنه حقًا التزم بحمايتها وحقق ما التزم به.

ابتعد بعينيه عن مرمى بصرها وانتبه لابن عمها وقال بسخريةٍ:

_شوف يا "معتز" الحقيقة يعني كنت ناويلك نوايا كتيرة جدًا بس حظك إن الرجالة دي موجودة وليهم احترام عندي، بس غير كدا والله العظيم كنت هوريك وأخليك تقول حقي برقبتي علشان غلطت مرتين، مرة في حقي لما فكرت تيجي هنا وتتهجم عليها،  ومرة لما كدبت وفكرت تجيب سيرتها وسيرة سُمعتها، ما تقولهم كدا يا دكر جيت ليه لبنت عمك في نص الليل؟ ولا هو حلال عليك؟.

رد الكرة في ملعبهم بالطريقة التي تُرضيه، تصرف كما الرجال حتى أن "طـاهر" فرد ظهره للخلف وارتكن يُتابع احتراف ابنه في اللعب، يعلم أن تلك الليلة لن تنتهي كما ظنَ، بل ابنه سوف يُنهيها بالنهاية التي تُرضيه وتُرضي حق وسُمعة رفيقه الميت، لذا عليه أن يُتابع الباقي للحصول على الاستمتاع المنتظر..
____________________________________

  <"مرة قتل العالم فيِّ شيئًا، ومرة قتلتُ أنا العالم كله">

"في الحياة فترات انتقالية، لا يمكن اجتيازها دون أن يموت شيءٌ ما في داخلك"
– شمس التبريزي

الحياة تقتل فينا على مراحل متنوعة، تقتل فينا البراءة مرة، ثم تقتل الحلم مرة، ثم تقتل الأمل آلاف المرات، ثم تُنهينا وتُبقينا رُفاتًا وترمينا على الطريق فُتاتًا، ترمينا بعدما يموت فينا ذاك الشيء الذي كان يُحيينا، فنصبح مجرد أمواتٍ فوق الحياة..

كانت كما الوردة المزدهرة، تعيش كما أرادت، تمنت وحققت، تحصل أخيرًا على حقوقها كما تمنت وأرادت، لا تفعل ما يفوق طاقتها ولا تلتزم بما لم تستطع فعله، خرجت "ورد" من المطبخ ترتدي اسدالًا فضفاضًا يخفي معالم جسدها وتفاصيلها وتحمل صينية معدنية عليها الطعام لأجل حماها ثم اقتربت تجلس بقربه وهي تقول بصوتٍ حيوي:

_يلا يا بابا علشان تاكل.

انتبه لها وابتسم بعينيهِ، بينما هي بدأت تُطعمه وتعاونه، كانت تعلم أن "خيري" لازال هنا ولم ينزل حتى هذه الساعة للأسفل، عاونته بصمتٍ وهي تبتسم له بينما هو يضحك ويشاركها الضحكات والابتسام، وقد ظهر "خلف" من غرفته وهو يقول بجمودٍ:

_هي الفلوس فين يا "ورد"؟.

تجاهلت النظر إليه وردت وهي تُطعم والده:

_فلوس إيه بالظبط يا "خلف" مش فاهمة؟.

تمالك نفسه قبل أن يجاوب بفظاظةٍ وهو يقول:

_فلوس أخويا اللي باعتها لينا، طلبت فلوس وأمي قالتلي إنهم معاكِ، البيه حاطط رقبتنا تحت إيدك وبناخد منك الإذن، عاوز فلوس علشان هجيب طقم للشغل الجديد، لو مش هيضايقك يعني.

_مفيش فلوس غير لما صاحب الفلوس يقولي، كلم أخوك وخليه يعرفني وساعتها هديك، لكن دي فلوس أمانة معايا هو شايلها، وقت ما صاحب الأمانة يقولي مش هقول لأ، غير كدا معلش والله مش بأيدي.

رفع حاجبيه باستنكارٍ وظل واقفًا يراقبها بينما هي فتحركت من جوار حماها وسحبت الهاتف تضعه في يد شقيق زوجها وهي تقول بثباتٍ:

_اتفضل كلمه وأنا عمري ما هكسر كلمته.

خطف الهاتف منها بعنفٍ وقبل أن يتصل وجد باب الشقة يُطرق، تحرك يفتحه فوجد رفيقًا له يقول بعتابٍ:

_ياسطا لاقيتك اتأخرت قولت آجيلك، هتيجي ولا؟.

أشار له بالدخول فتضايقت "ورد" ووقتها زفرت بقوةٍ ثم استأذنت من حماها وحملت صينية الطعام وتوجهت لشقتها بالأعلى، تغلق على نفسها وتحمي نفسها من "خلف" ومِن مَن هُم على شاكلته، جلست في الغرفة تمسك هاتفها حتى وجدت الرسالة من الحبيب الغائب الذي أرسل لها:

_وحشتيني، ياريت الدنيا كلها زي وجودك.

ابتسمت وخلعت الاسدال ثم فردت خصلاتها البُنية المموجة بنعومةٍ والتقطت لنفسها صورة وهي تضحك برقةٍ تليق بها ثم كتبت له أسفل الصورة:

_الورود دبلت والله يا كابتن في غيابك.

ابتسم هو على الطرف الآخر حين لمح صورتها ودون أن يعي قرب الهاتف من وجهه يُلثم الصورة، في الحقيقة هو وصل في حبها لدرجة صعبة يصعب عليه أن يعود منها، ظل يراقب الصورة مبتسمًا وهو يدعو الله أن يحميها ويحفظها، يتعجب كيف يحرم نفسه منها وهي حقه، كيف يبعد عنها برغبته وهي خلقت لأجله، شرد فيها وفي ضحكتها الخاصة به وتمنى لو كانت هنا، تمناها لو كانت معه وكل ليلةٍ ترسو سُفنه عندها هي..

شعر بأحدهم يقترب منه فأغلق الهاتف مُسرعًا؛ فأتى زميله بالسكن وقال بسخريةٍ وهو يجلس فوق الفراش المجاور:

_يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام، قولتلك يا عم ارجع وشوف حل بدل ما أنتَ حياتك كرب كدا، طالما بتحبها يا أخي سايبها ليه؟ لا معاك عيل ولا تيل وقاعد هنا، انزل يا "منتصر".

تنهد هو وقال بتيهٍ:

_الكلام دا كان زمان، دلوقتي صعب، فيه بيت في رقبتي وعلاج أبويا اللي بيعدي الكام ألف مستريح، وأمي ومصاريفها، وبيتي و "خـلف" اللي مقضيها على قفا أمه وبياخد الفلوس أول بأول، لو نزلت هنشحت كلنا وأفضل أدور في ساقية، كدا أضمن ليهم علشان يعيشوا، على الأقل مراتي لو احتاجت حاجة نفسها فيها بعرف أخليها تجيبها.

_بس أنتَ مش موجود، لو احتاجتك أنتَ مش معاها، الحياة مش فلوس وبس يا صاحبي ولا بتمشي كدا، بعدين أمك اللي مش عاوزاك تنزل مصر علشان خايفة على نفسها من الفقر، مش محتاجاك، لكن مراتك عاوزاك معاها، ونصيحة ليك هاقولك عليها بما إني لسه خاطب يعني، شوف مين فيهم محتاجة ليك أنتَ واسمع كلامها، شوف مين حابة وجودك مش فلوسك واعرف إن دي هي اللي تستاهل إنك تسمع كلامها، احسبها مع نفسك وشوف.

حديثه بلغ مبلغه في عقل "منتصر" هو حقًا تركها وحدها تُحارب وتُجابه هناك دون أن يُدربها على القتال، كيف يعود للحياة التي قتلت فيه كل شيءٍ حتى أمسى ميتًا فوق الأرض وماتت الحياة في قلبه، أعاد فتح الهاتف يراقب صورتها ثم تنهد بقوةٍ وهو يبتسم بمجرد رؤية مُحياها.

وفي مكانٍ آخرٍ..
كانت تمشي فوق الأرض بخيلاءٍ وثقةٍ، ترتدي بذلة نسائية رمادية داكنة، والحجاب باللون النبيذي وكذلك الحذاء ذي الكعب العالي، تتحرك فوق الأرض الرخامية في رواق القاعة وتتجه لباب الخروج، تسير بثقةٍ وهي تتذكر تفاصيل الحفل، تبتسم وهي ترى إلى أين وصلت موكلتها بعدما عاونتها، تبتسم لمجرد أن هناك إمرأة انتصرت على ذئب نهش لحمها، الرجل الذي تاجر وغامر بعرض زوجته حتى سقطت تُقبل قدمه وترجوه أن يرحمها..

توقفت عند باب مرآب السيارات تجاوب على الهاتف الذي صدح عاليًا فأخرجته تجاوب على المُتصلة التي كانت "يارا" مساعدتها فقالت بعدما استفسرت الأخرى عن عدة أشياءٍ:

_كنت في حفلة "هالة الصواف" عزمتني وأصرت أحضر جيت شوية علشان متزعلش وماشية أهو، بكرة بإذن الله عندنا محكمة وبعدها "صابرين" هتيجي على الساعة ٤ العصر بتقولي فيه حاجات جديدة حصلت الأسبوع اللي فات، على العموم هشوفها علشان أخلص من زنها عليا.

أنهت الحديث وفتحت باب السيارة تجلس فيها فوق المقعد وبمجرد أن أغلقت الباب ووضعت المفتاح وجدت شيئًا يُلامس رأسها فتوسعت عيناها وتجمدت أطرافها وتيبست حين وجدت أحدهم يرتفع من فوق الأريكة الخلفية ويضع السلاح بجانب دماغها وهمس لها بفحيحٍ أرعبها:

                                    "Buona serata, bella_
_ مساءك سعيد يا حلوة.

والحديث والجملة في هذه اللحظة كانا بمثابة خطرٍ أكثر من السلاح الموضوع في رأسها، تحجرت عيناها وفرت الكلمات من طرفها فلم تجرؤ حتى على الصراخ أو حتى الاستغاثة بأحدهم، هي فقط تُحسب حاليًا ضمن عداد الموتىٰ، والموت آتٍ بلا محالة...




                 الفصل الثالث عشر من هنا 


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة