
رواية جمعية حب الفصل الثالث عشر 13 بقلم شمس محمد بكري
|| في أي لحظةٍ سوف ينفجر؟. ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
لم يُرهقني في الأمر سِوىٰ أنني أنا..
ولم تُرهقني الهزائم بقدر ما أرهقت أنا نفسي، فعلت في حقي ما لم يفعله الغريب بيّ، أنا الذي كنت أشد على نفسي من حجر الصوان حين يتصلب بجذور الأرضِ، كأنني نصفان لا يعرف أيًا منهما الآخر؛
نصفٌ مات فيه الأمل، ونصفٌ عاش به الألم..
يقولون أن الشقاء يأتي للمرء حين يُهزم من مواطن أمنه، لكني لم أُهزم إلا من نفسي أنا، تلك التي كنت أحسبها من تعرفني، فذُهِلتُ بها تُغربني عنها وتُنفيني خارج حدود موطنها، فأصبحت غريبًا في نفسي، وضِعتُ وضاع مني ضوء شمسي،
وها أنا من جديد أغدو غريبًا..
بلا مأوى ولا مرسى ولا هوية، بين الجموع فردًا بلا أُنسي..
<"مرة واحدة يتوجب عليك أن تصبح عدوًا..">
ليست كل الأحوال تُقبل بالصمت..
فهناك ما لا يُسترد بغير ندٍ، فعليك ولو لمرةٍ واحدة أن تتمرد وترفض الخنوع، عليك أن ترفض تسليم الراية والسير خلف القطيع، بل يتوجب عليك أن تكون كما الشوكة القاصمة في ظهر عدوك، حتى وإن اضطررت أن تأتيه من الخلف، فلا تتردد..
كانت "رحمة" تمشي فوق الأرض بخيلاءٍ وثقةٍ، ترتدي بذلة نسائية رمادية داكنة، والحجاب باللون النبيذي وكذلك الحذاء ذي الكعب العالي، تتحرك فوق الأرض الرخامية في رواق القاعة وتتجه لباب الخروج، تسير بثقةٍ وهي تتذكر تفاصيل الحفل، تبتسم وهي ترى إلى أين وصلت موكلتها بعدما عاونتها، تبتسم لمجرد أن هناك إمرأة انتصرت على ذئب نهش لحمها، الرجل الذي تاجر وغامر بعرض زوجته حتى سقطت تُقبل قدمه وترجوه أن يرحمها..
توقفت عند باب مرآب السيارات تجاوب على الهاتف الذي صدح عاليًا فأخرجته تجاوب على المُتصلة التي كانت "يارا" مساعدتها فقالت بعدما استفسرت الأخرى عن عدة أشياءٍ:
_كنت في حفلة "هالة الصواف" عزمتني وأصرت أحضر جيت شوية علشان متزعلش وماشية أهو، بكرة بإذن الله عندنا محكمة وبعدها "صابرين" هتيجي على الساعة ٤ العصر بتقولي فيه حاجات جديدة حصلت الأسبوع اللي فات، على العموم هشوفها علشان أخلص من زنها عليا.
أنهت الحديث وفتحت باب السيارة تجلس فيها فوق المقعد وبمجرد أن أغلقت الباب ووضعت المفتاح وجدت شيئًا يُلامس رأسها فتوسعت عيناها وتجمدت أطرافها وتيبست حين وجدت أحدهم يرتفع من فوق الأريكة الخلفية ويضع السلاح بجانب دماغها وهمس لها بفحيحٍ أرعبها:
"Buona serata, bella_
_ مساءك سعيد يا حلوة.
والحديث والجملة في هذه اللحظة كانا بمثابة خطرٍ أكثر من السلاح الموضوع في رأسها، تحجرت عيناها وفرت الكلمات من طرفها فلم تجرؤ حتى على الصراخ أو حتى الاستغاثة بأحدهم، هي فقط تُحسب حاليًا ضمن عداد الموتىٰ، والموت آتٍ بلا محالة، جحظت بعينيها للخارج وكأنها ميتةٌ لا شك في يقين خبرها، بينما
هو اعتدل في المقعد الخلفي وهمس من جديد بذات النبرةِ الوحشية:
_لو فتحتي بوقك من غير حلفان هخلي التسعة مللي دي تعمل فرح في دماغك، مع إني مستحرمها عليكِ، عاوزك تتربي قبلها شوية.
رفعت عينيها للمرأةِ بجرأةٍ شبه منعدمة وحركت رأسها موافقةً ثم نبست بخوفٍ كأنها لم تستطع أن تتحدث من الأساسِ:
_ح.. حاضر، بس أنتَ مين؟.
كانت تُجاريه لحين تجد مخرجًا من هذا المأزق، بينما هو ابتسم ساخرًا ثم أضاف نبرة تهكمية لكلماته حيث قال مستهزءًا بفكرها:
_مش عيب ست محامية زيك كدا ليها تُقلها تبقى ناسياني؟ إيه مش فاكرة حاجة خالص؟ بصيلي يمكن تفتكريني، ولا أنتِ بتدوسي على الناس من غير ما تعرفي هما مين وإيه أصلهم؟.
تبينت ملامحه بعينيها جيدًا في المرآةِ فتذكرته، هذه النظرة الثاقبة هي تعرفها، وتعرف صاحب هاتين المُقلتين جيدًا، تعرف أنه "سُليمان الإدريسي" شقيق الخائن "سالم الإدريسي" لكنها لم تعرف أنه مجرم وقد يكون قاتلًا، تملكتها شجاعة حقيقية وهي تبتسم له بتهكمٍ ثم قالت بتجبر:
_آه، قول كدا بقى، وياترى أخوك اللي باعتك بقى علشان تخلص عليا؟ ولا أنتَ بتتصرف من نفسك علشان تاخد point "نقطة" عنده على حسابي؟ عمومًا انزل يا بابا ونزل اللي في إيدك دا بدل ما أخليك تقضي الباقي من عمرك في السجن جنب أخوك اللي هحبسه قريب بإذن الله.
كانت تتحدث ولم تدرِ ماذا تفعل بهذا الحديث بهِ، تتكلم ولا تُبالي بما ترميه من كلماتٍ، بينما هو فكان على حافة الجنون، كان قاب قوسين أو أدنىٰ من الانفجار في وجهها، وجلَّ ما فعله أنه ضغط بمقدمة السلاح على رأسها فتوسعت عيناها مُجددًا ليقول هو بغلٍ منها:
_والله العظيم لو ما كتمتي بوقك دا وفتحتيه تاني بكلمة عن أخويا لأكون مندمك ندم عمرك، أطلعي بالعربية لو فكرتي تعملي حاجة غير اللي هقولك عليها هتبقى خراب على دماغك، أطلعي.
دفعها من جديد في رأسها وهي لم تجد حلًا، التزمت الصمت أمام نوبة جنونه وسكنت عن الحِراك، لم تُنفذ ما قاله هو لها، لكنه هدر في أذنها بصوتٍ عالٍ:
_أنا مش قولت أطلعي؟ أنتِ غلباوية ليه؟ ما تـطلعي.
اجفلت من صوتهِ وارتعدت بخوفٍ بينما هو هجم على موضع القيادة يتحكم في القيادة حتى بدأت السيارة بالفعل تشق الطريق فصرخت هي بخوفٍ من المفاجأة التي داهمتها بعد فعله، بينما هو فمال يقود السيارة بجنونٍ أذهلها، كانت تصرخ بخوفٍ وهي تتوسله أن يتوقف، ترجوه وهو لا يسمع صوت الرجاء بل أوقف السيارة فجأةً حتى اندفعت هي للأمام وكادت أن تُضرب بحافتها الداخلية، أما هو فعاد يهمس بزهوٍ:
_دي أقل حاجة ممكن أعملها، تخيلي لو ركبتِ دماغك ومشيتي بنفس الطريقة دي هعمل فيكِ إيه؟ كملي يا حلوة ولا آجي أسوق أنا؟ ونصيحة بلاش تجربي سواقتي علشان شكلك ماتعرفيش أنا مين، ها انجزي في ليلتك دي بقى !!.
هدر في وجهها حتى بُهتت ملامحها، شحب وجهها وهي في خضم نزالهِ تبدو بهذا الضعف أمام رجلٍ من المُفترض أن يكون عدوًا لها، عادت بأدراجها تقود السيارة وهو يضع السلاح في جانب رأسها، كانت تقود السيارة بذُعرٍ منه، هي لا تضمن ردود أفعاله، ولا تضمنه هو من الأساس، وكُلما انحرف عقلها نحو حلٍ جديدٍ وجدته يضغط بالسلاح وهو يقول بذات الجمود:
_لو فكرتي تعملي حاجة كدا ولا كدا هوريكِ جناني بجد.
كانت تعود للخضوعِ على عكس طبيعتها، تعود للسكون والخنوع وتلتزم صمتًا قاتلًا لروحها المُناضلة، بينما هو فأدرك أنها هشة يستطيع الدهس عليها بكل سهولةٍ، يجرؤ على السيطرةِ عليها بمجرد أن يتحكم هو في قيادة الأمر كما يقود هو الطريق، انتبه للطريق فأشار لها بلهجةٍ آمرة:
_ادخلي يمين وكملي علطول.
اجفلت من صوتهِ بينما هو رفع حاجبه يُحذرها أن ترفض أو تفعل ما لم يُحمد عقباه، وقد لمحت هي نظرته فسألته بجمودٍ واهٍ تتصنعه كي لا يفترسها وهي تكره أن يجمعها به نفس المكان وتتنفس معه نفس الهواء:
_هانروح فين؟.
_شقتي.
أتى بالجواب يُلاحق سؤالها ليصيبها بجحوظٍ في العينين فورما نطق، تيسبت وصرخت في وجهه وهي تلتفت برأسها توبخه قائلةً بانفعالٍ:
_احترم نفسك يا حيوان أنتَ !! شقتك إيه أنتِ فاكرني إيه بالظبط؟.
ابتسم بزاوية فمهِ ثم شدد أجزاء السلاح الذي بيده وقال مُهددًا:
_لو صوتك عليّ تاني هجيب راسك، أما بقى مسألة أنا فاكرك إيه بلاش أقولك علشان هتقرفي أوي من نفسك لو عرفتي، اتنيلي كملي الطريق مش ناقصة صداع، وفري طاقتك للي جاي يا حلوة.
و "اللي جاي" في قاموس عقلها يحمل الكثير من المعانيّ، لم تُحدد هي مَعلمًا واحدًا منهم، لذا قادت الطريق وهي توزع نظراتها بينه تارة وبين الطريق تارة أخرى وتميل بطرف عينها لفوهة السلاح فينقبض قلبها خوفًا منه ومن الذي يضعه عند رأسها، وقد طفح كيلها فقالت بصوتٍ غاضبٍ كأنها في ذروة الغضب:
_ها هنفضل كدا كتير ؟! ما تنزل الزفت دا بقى.
عاد للخلف يلعب بالسلاح على إصبعه وقال بغير اكتراثٍ مفتعلٍ وهو يتأكد من خوفها وقلقها منه بعدما لمح اهتزاز حدقتيها:
_ماشي بس لو فكرتي تغيري السِكة ولا تعملي حاجة هوريكِ اللي عمرك ما شوفتيه، بعدين هتثبتيلي فعلًا إنك خوافة وجبانة ومش قد وقفة الرجالة علشان كدا بتضربي وتجري.
قصد أن يُثير استفزازها فوجدها ترفع من السرعة وتقود بتهورٍ جعله يبتسم بزاوية فمه ثم ظل يُشير لها وهي تتحرك مثل ما يقول دون أن تُحدد وجهة بعينيها، تتحرك وفق أوامره حتى مرت نصف ساعة، نصف ساعة من القيادة المتوترة بسبب هذا المجنون الذي يركب السيارة معها ويضع السلاح في رأسها، أوقفت السيارة عند بناية وسط مجمع بنايات شاهقة العِلو؛ مُضيئة الوجهة، المنطقة بذاتها تشير أن الساكن هُنا من عِلية القومِ..
نزل هو من السيارة أولًا وتبعته هي خلفه مُباشرةً بعدما وقف هو بجوار الباب لها، رفعت عينيها الجريئتين تواجهه وقد عادت الشجاعة من جديد تُسلِحها؛ فقالت بقوةٍ منافية لخوفها السابق:
_اسمع بقى علشان من دلوقتي الكلام كلامي أنا، أنا جيت بس علشان أعرفك إني مبخافش وأقدر أسِد في أي حاجة وقدام أي حد حتى لو التخين بنفسه، ثانيًا متفتكرش إنك كدا هتعرف تخليني في صفك وصف أخوك، إنسى، "صابرين" قالتلي إنك كنت بتحبها قبل أخوك علشان كدا خربت حياته وحياتها وخليته هو بنفسه يوصل للي وصلوله دا، تصدق نفسي أقتلك !!.
ارتسمت ذات البسمة التهكمية فوق ملامحه ثم دفعها على السيارة ومال عليها ينطق بنفاذ صبرٍ من بين أسنانه المُتلاحمة:
_تصدقي إن أنا اللي نفسي أفصل راسك عن جسمك !! مستحيل تكوني غبية الغباء دا، أكيد بتمثلي الغباء، بس دورك مبالغ فيه أوي، عميا مابتشوفيش صح؟ بس إحنا فيها أنا هخليكِ دلوقتي تشوفي الحقيقة وغصب عنك.
جرها من يدها بعنفٍ وهي تحاول أن تُخلص يدها من قبضته العنيفة، كان يقبض عليها بعنفٍ وهي تحاول أن تخلص نفسها منه حتى ضربته بطرف الحذاء في ظهر ركبته، أتته الضربة فجأةً فتوقف والتفت فوجدها ترفع حقيبتها ذات العلامة التجارية الشهيرة تضربه في وجهه بها..
لم يبدُ عليها هذا الشكل منذ الوهلة الأولى، تبدو للعين فتاة ضعيفة مكسورة الجناحِ، لم يُخيل لهُ أن تفعل ما فعلتها، لكنه كان الأسرع حين قبض فوق حجابها يُمسكها من رأسها حتى ظهرت مقدمة خصلاتها وتأوهت بعنفٍ، لكنه هدر من بين أسنانه:
_أقسم بالله لأخليكِ تترمي في الشارع ما تلاقي كلب حتى يرميلك لُقمة، قُدامي يا حيلة.
دفعها أمامه وهي تحاول أن تجد مفرًا منه، تُفتش بعينيها عن مخرجٍ لكنها كانت كمن ولج نفقًا ولم يجد فيه ضوءًا، كانت تُساق خلفه كما الماشية وهي تضربه في يده لكنه لم يُبالِ حتى ولج بها مدخل البناية، وبمجرد أن ولج وكادت أن تصرخ دفعها يُلصقها بالحائط ثم همس لها بفحيحٍ:
_مش عاوز أسمعلك نفس، لو فكرتي تعملي كدا وتعلي صوتك أو عقلك وزك أبسط حل هقولهم واحدة جايبها تقضي معايا ليلة واختلفنا على السعر، وساعتها شكلك هيبقى زبالة، ها ؟ ناوية تسكتي ونطلع بهدوء ولا تعملي اللي في دماغك وأعمل برضه أنا اللي في دماغي؟.
لم يُهدد وهذه حقيقة، فمن تجرأ وفتح باب السيارة وولجها وجعلها تقود تحت أوامره ورغبته؛ سيصعب عليه أن يفضحها ويفضح نفسه أيضًا؟ قررت أن تُكمل معه الطريق حتى آخره، لن تتراجع في هذه اللحظة، لكنها أولًا قبضت على ذراع الحقيبة المُطابقة للون الحجاب تستمد قوة واهية، فابتسم هو بسخريةٍ وعاد للخلف يُعطيها مجالًا كي تتنفس وقال بتهكمٍ:
_شنطة Dior !! جايباها بفلوسك بقى ولا حد جابلهالك علشان تخربيله بيت ولا تشرديله حد؟ لايق عليكِ فعلًا تكونِ خرابة بيوت.
توسعت عيناها وطالعته بنظرةٍ تحمل كل الكره، لكنه أقسم لنفسه أنه بعد هذه الليلة سوف تركض هي خلفه، سوف تصول وتجول كي تصل له، سوف تنقطع أنفاسها كي تلاحقه لكنه سيبخل عليها، سوف يجعلها تتجرع من نفس كأس القسوة الذي تجرعه هو غفلةً حين ظنه يروي ظمأه..
قادها للمصعد وهو يقبض على رسغها بقوةٍ غير آبهٍ بيدها التي تكاد تتهشم في قبضته أسفل يده، لم يُبالِ لها ولم يهتم بعينيها اللاتي تحولت الحياة فيهما لنيران ثأرٍ وانتقامٍ، لذا حين وقف أمام الشقة التي يقصدها دفعها تقف بجواره فقالت هي بهمسٍ حانقٍ:
_شوف بقى علشان خلاص كدا جيبت أخري منك، تعمل اللي تعمله براحتك، قول اللي تقوله مش فارقة، أقولك؟ قولهم إني حرامية وداخلة أسرقك يا محور الكون ياللي مفيش في الكون كله حد زيك، آخرك معايا جيبته خلاص، ابعد عني بقى.
تحدثت بصوتٍ عالٍ جعله يفتح الباب وهو يتجاهلها، تعمد أن يرفع غيظها ويُثير استفزازها وهي للأسف تستحق، الغباء له ضريبة غالية يتوجب على الغبي دفعها، إما بجزءٍ غالي من ماله أو بجزء أغلى من مشاعره ومعه يدفع جزءًا من الروحِ..
ولج الشقة وهي في يده يسحبها معه نحو الداخل فلمح أمه تجلس على طرف الأريكة وما إن لمحته وفي يده تلك الفتاة تعجبت وجعدت ملامحها، راقبته بتيهٍ وكذلك فعلت "رحمة" وهي تراقب ملامح أمه التي قالت بصوتٍ مبحوحٍ علُقَ به أثر البكاء:
_مين دي يا "سليمان" وجاي بيها هنا ليه؟.
وزع نظراته بينهما ثم تحرك نحو الداخل وفتح الباب الخاص بغرفة شقيقه ثم دفع "رحمة" لمنتصف الغرفة لتقف في مواجهة فراش "سالم" تراقبه، شخصٌ ينام طريح الفراش، الأجهزة الطبية موصولة بجسدهِ لا حول له ولا قوة إلا بالله العالم بحالهِ، ظلت تراقب الوضع بصمتٍ وعلامات الاستفهام تزداد حتى لمحت "ثُريا" أمه تركض بخوفٍ نحو ابنها وتقف هي الأخرى بتيهٍ..
كان مشهدًا دراميًا من الطراز الأول، فتاة مجهولة في غرفة مع أسرة مكونة من ثلاث أعضاء، أم تتشح بملابس سوداء، ابنٌ طريح الفراش لا يدري بمن حوله، وآخرٌ متمردٌ على الحياة والناس، وهي تشبه الفتاة التي تاهت في الغابة لكن من بؤس حظها، لم تجد الأقزام السبعة، هي تجد فقط الحيرة والانكار..
لم يُخرجهما من تلك الحالة إلا سؤالها الذي خرج بديهيًا وأكيدًا في هذه اللحظة بغير تلوينٍ أو تجميلٍ:
_مين دا ؟ وإيه علاقته بيا؟.
رفع "سُليمان" حاجبيه مستنكرًا رد فعلها وقال بتهكمٍ:
_يا شيخة؟ بقى معقولة دي إنك ماتعرفيش خصمك في القضية؟ دا "سالم الإدريسي" اللي سيادتك رافعة عليه قضية علشان هربان وسايب ولاده ومراته ومش سائل فيهم، أحب أعرفك عليه، معقولة دي يا حضرة المحامية؟ تدمريه بين الحيا والموت وماتعرفيهوش؟ أنتِ محامية كُفتة ولا إيه؟.
وحديثه هو ضريبة الغباء..
هي من فعلت ذلك في نفسها قبل الآخرين حين رضت أن تُنصت لطرفٍ واحدٍ فقط من القصة، هي من اختارت طرفًا على حساب الآخر وبالتالي هي من تستحق ما تشعر به الآن، وتستحق أن تُرد لها الصفعة بعشر أمثالها..
____________________________________
<"حتى وإن كانت الظروف بأكملها ضدك؛ يكفيكِ أنا معكِ">
في هذا العالم يصعب عليك أن تجد العالم بأكمله في صفك..
سوف تجد الكاره،
والباغض، والصامت، والحاقد،
ومن وسطهم قد تجد مُنصفًا واحدًا فقط،
فدعيني أكون مُنصفك هذا الذي يقف في مواجهة العالم لأجلكِ ولأجلٍ غير مُسمَّىٰ..
الوضع برمتهِ في شقة "ناجي" كان غريبًا على جموع الحاضرين، بعد حديث "غسان" عن "نـوف" وعن تلك القرابة التي ظهرت من العدم لها، الجميع وجهوا نظراتهم بعينٍ أخرى غير السابقة التي كانت تنظر لشرفها وعرضها، الجميع كانوا في أوج انتظارهم لإيجاد ما يدل على دناءة طباعها، وهذا الذي قد كان يحدث في طرفة عينٍ، لكن الله قدر هذا وشاء وفعل ما يُريد، لذا أصر "غسان" على تكملة المشهد حتى التممة الأخيرة، فقال:
_أنا صحيح ماينفعش آجي وأنا يادوب لسه كلامي على البر بس برضه ماينفعش هو كمان ييجي وهو سُمعته لامؤاخذة يعني مش مظبوطة، دا يشبه بلد بحالها، وعلشان كدا من حقي أضمن إنه مايجيش تاني هنا، وأي كلام في ورث أو فلوس أنا موجود وأبويا معايا، واللي كان بيقول خلاص مالهاش راجل، أنا أهو راجلها.
رفعت "نـوف" عينيها الباكيتين نحوه تطالعه بدهشةٍ، لم تعلم أن النجدة سوف تأتي بهذه السرعة منه، هي حتى لم تتخيل أن شرف والدها لازال مصونًا ومحميًا بسببه هو، حتى لو كان هناك من يُكذب الحدث بنظراته كما تفعل عمتها في هذه اللحظة لكن حديثه وإصراره كانا دليلًا كافيًا وصفعة على وجه من ينتظر التشفي فيها، تلاحمت نظراتهما سويًا هي وهو، رآها في عينيها أنها تشكره وتتعلق في كلماته كما الغريق حين يقبض فوق طوق النجاة بمرفقه ويده، فابتسم ونظر لأمه التي ضحكت له بعينيها ثم أرسلت له قبلة في الهواء جعلته يغمز لها بشقاوةٍ ثم عاد يرسم الجمود من جديد أمام الرجال..
فتحدث "متولي" ابن عم المتوفي يُقدم اعتذاره بقوله:
_طيب يا أستاذ "طـاهر" علشان سوء التفاهم اللي حصل دا "نـوف" مقالتش حاجة وأنا عاذر مشاعرها، و"ناجي" الله يرحمه مقالش حاجة خالص عن موضوع الجواز دا، وعلشان كدا أهو بقولك إن "غسان" ابننا وشرف لينا ياخد بنتنا، بس الأصول نعدي على الأقل الأربعين بتاع المرحوم وبعدها نشوف هنعمل إيه، وهو يلبسها دبلة على الأقل علشان يبقى معروف هو مين طالما قرر يكون راجلها بقى.
تدخل "غسان" في هذه اللحظة يقول بثباتٍ:
_حضرتك معاك حق، وعمي لسه ميت مكملش شهر ، معانا شهر كمان من دلوقتي وأنا هكلم حضراتكم ونعلن الخطوبة رسمي، بس لحد ما دا يحصل "معتز" بقى مالهوش دعوة بأي حاجة تخصها، وهي ليها حق عنده علشان سمعتها اللي هو لبخ فيها، ودا أبسط حقوقي وحقها.
إذا أتتك الفرصة كي تُصبح بطلًا لا تبخل على نفسك بتصفيق الجماهير لكَ، وها هو يتربع على عرش مسرح التمثيل لدرجة أن والداه انتابهما الشك في أمرهِ، وقد تحدث تلك المرة "معتز" بضجرٍ منه:
_أنتَ يا عم عايش الدور ليه؟ تعرفها من إمتى على الصداع دا؟.
_حب عمري يا عم من تانية ابتدائي، ها مرضي كدا؟.
جاوبه بهذا الرد الذي جاء بلمحة سُخريةٍ اسكتته حتى التزم الآخر الصمت أمام الجميع، بينما هي فتنهدت بقوةٍ وعادت للذكرى تحتويها بدلًا من حاضرٍ قسىٰ عليها وغربها عن نفسها، وتلك الذكرى كانت تخص أبيها الراحل، لذا ضمت ذراعيها تشرد في ملامحه حين ركضت ذات مرةٍ من غرفتها تُهلل باسمه ثم اندفعت تجلس بجواره فوق الأريكة وهي تقول بحماسٍ:
_بابا، عندي ليك مفاجأة.
انتبه وقتها "ناجي" مُضيقًا عينيه فوجدها تقول بخجلٍ فطري:
_طنط "نادية" صاحبة خالتو جايبالي عريس.
عقد حاجبيه وتعجب من فرحتها فقالت هي موضحةً:
_لأ مش دي المفاجأة، المفاجأة إني رفضته، أصل هقولك مش هتوافق وتقولي لأ مش هفرط فيكِ وييجي وتتعبه وتتعبني معاك على إيه، رفضته علطول وقولت أعملهالك مفاجأة.
ضحك "ناجي" وجلجلت ضحكاته عاليًا ثم تنهد وتشرب ملامحها بعينيها وقال بهدوءٍ:
_مش عاوز أفرط فيكِ فعلًا يا "نـوف" وشايفك غالية على أي حد، بس خلينا واقعيين دي سُنة الحياة، وأنا فعلًا مش هعيشلك العمر كله، مسيري في يوم هختفي من حياتك، ويكون ليكِ الحق الكامل تعيشي حياتك وتكملي مكاني لوحدك، بس لازم يكون معاكِ راجل بجد، راجل يقف في ضهرك ويكون معاكِ في الوحشة قبل الحلوة، يمكن كلامي جاي متأخر، بس عمك "طاهر" خلاني آخد بالي إني معلقكم بيا، تصدقي كمان طلبك لـ "غسان" وقولتله إني مش موافق، ضحك وقالي هيخطفك، بس لو الموضوع قلب جد أنا موافق، "غسان" دا أنا اللي مربيه وحنية الدنيا كلها فيه، إيه رأيك؟.
وقتها انتاب الخجل خلجاتها وأصبحت كما المقبوض عليه في الجُرم المشهود وقالت بتلجلجٍ وتوترٍ من أبيها:
_يا بابا بقى مابلاش الكلام اللي يكسف دا، بعدين "غسان" إيه دا اللي كان بيفضل يتريق عليا وأنا صغيرة ويقول عليا قصيرة، لا يا عم علشان علاقتك بعمو "طـاهر" ماتبوظش كفاية خراب لحد كدا، اعتبره أخويا وقول لعمو "طـاهر" بنتي رفضت ابنك.
خرجت من شرودها على إنسحاب الرجال بعد عدة أحاديث لم تكترث هي بمضمونها لكنها ميزت من بين الجميع صوت تنهيدة أمها التي أحست بالراحة فور رحيلهم من بيتها، وقد وقفت هي كأن الروح عادت لها، وانصتت لحديث أمها حين قالت بامتنانٍ:
_ما شاء الله على تربيتك يا "رئيفة" ربنا ينصفه ويحرسه ويرزقه بكل الخير ويوقفله في طريقه ولاد الحلال، اللي عمله النهاردة دين في حقي وحق "ناجي" قبل ما يكون في حق "نـوف" نفسها، شكرًا يا "غسان" طول عمرك بتفهم في الأصول.
نظر هو لأمه ثم نظر لأبيه الذي يبتسم له بعينيه ثم تحرك يجلس بجوارها وقال بصوتٍ هاديء:
_بعد الجو اللي حصل دا كله ولسه بتقولي شكرًا؟ المفروض إني ابنك زي ما بتقولي، عمومًا اللي عملته دا واجبي وحقها في رقبتي لأني أنا اللي حطيتها في الموقف دا، ماكنتش أعرف إن هما عيلة مُخها مهوي كدا، عمومًا ماتزعليش نفسك واعتبريني ابنك وفي ضهرك أنتِ وبناتك، وشرف ليا طبعًا لو اعتبرتوني راجل البيت دا، رغم إن عمي "ناجي" محدش يقدر يعوض مكانه أبدًا.
ابتسمت له "فريدة" ثم ربتت فوق كفه، بينما "رئيفة" حركت رأسها نحو "طـاهر" تراقب ملامحه المُنبسطة وابتسامة عينيه وما إن تلاقت المُقل مع بعضها وتذكرت هي ماضيها معه تنهدت وأدركت أن ابنها هو النسخة المُستحدثة من زوجها، وتلك القصة رُبما تعاد من جديد بأطراف جديدة تحمل للقصة عنوانًا مُختلفًا، لكنه سوف يكون بطل هذه القصة لا شك في ذلك.
جلست "إسراء" بجوار شقيقتها بعد أن قدمت لهم المشروب وهمست لها بصوتٍ حماسي يحمل ضحكة شقية:
_أقسم بالله طول عمري بحبه وبحترمه، بس النهاردة بجد اتقفلت منه، مكانش قادر يجيب الدِبل معاه بالمرة ويُسبكها صح؟ والله العظيم بابا لو كان هنا معانا كانت الفرحة خليته يطير من مكانه، أصلك ماتعرفيش "غسان" عنده إيه، دا كانت روحه فيه، وأهو ربنا بيجمعك بيه علشان بابا كان نفسه في كدا.
ناظرتها "نـوف" بصمتٍ دون أن تتحدث ثم نظرت له من جديد فوجدته يمسك هاتفه دون أن ينظر لها، يبدو أنه يتهرب أو رُبما يعيد ترتيبات علاقته بها، وهي في كل الأحوال لن تتسرع في شيءٍ، ستترك نفسها وتُسلم للخالق شؤونها والله كفيلٌ بها وبحالها، لذا تنهدت بثقلٍ ثم نظرت أمامها تلتزم الصمت، بينما هو فكان يُراسل "آدم" ويُطمئنه أن الأمر أخيرًا انتهى كما أراد ورغب، وهي سوف يحين دورها هي الأخرىٰ..
وأمام العالم ببشاعة أهله، يكفيها هو من بين الجميع معها..
____________________________________
<"تلك الغُربة التي تسكنك لن تجد لها حلًا إلا بأُنسي أنا">
في موطن غُربتك رُبما تحنُ للذي قد كان..
لكنك من المؤكد سوف تشتاقُ ليّ، لن تنسانيّ وتنسى نظرة واحدة من عيني كانت تأويك في غُربتكَ، وأنتَ بعيدٌ عنيّ رُبما تُغريك الغُربة، لكن تلك الغُربة وإن كانت تسكنكَ حلها فقط بأيام أُنسي أنا..
ما يُقارب عشر أيامٍ وهو لم يرَ أخاه، مرت الأيام والأخ التزم الرحيل وترك البيت له ولأخته معه كي لا يُثير ازعاجهما، وقد شعرت "عُـلا" أن تواجدها هنا قلب الموازين، حيث أن "آدم" أصبح مختلفًا بعد رحيل أخيه، لقد وجدتها في عينيه أنه أشبه بالتائه دون والده، وكُلما حاولت أن ترحل أو تترك المكان وجدته ينفعل ويغضب ويُجبرها على البقاء معه..
عاد "آدم" من العمل واطمئن قلبه على رفيقه ثم ولج المطبخ في شقته يصنع الحُلوان لأجل أخته، الحلوى الشهيرة بـ "أم علي" المفضلة لدى أخيه وتذكره حينها وابتسم فأخرج الهاتف يكتب له وهو يُراسله:
_طب إيه طيب؟ مش ناوي تحن وتيجي؟ مخاطرتش على بالك يوم تيجي تاكل معايا لُقمة حلوة؟ بقالي أكتر من عشرة أيام ماشوفتكش.
وصلت الرسالة لـ "أدهـم" الذي كان في شقته بمنطقة المعادي وقد كان يقرأ جريدة اليوم بعد أن عاد من العمل، وما إن استمع لصوت أخيه ابتسم بشوقٍ وحنينٍ ثم تنهد بقوةٍ، عاد للخلف يراقب الشقة التي يجلس فيها ويُقارنها بالأخرى وشتان ما بين الاثنتين، هذه غريبة لا روح فيها ولا حياة، شقة رغم جمال منطقتها وأساسها وتصميمها إلا أنها لا تحتوي الدفء كما في قلب شقيقه بالأخرىٰ، حتى رفيقه "سيمبا" اشتاق له كثيرًا وتبدلت أحواله بعد غيابه وعمته تؤكد له ذلك..
مرت ثواني قليلة ووجد أخاه أرسل له أغنية جعلته يفتحها مُسرعًا ظنًا منه أنها دعابة من "آدم" كما يفعل دومًا، لكنه ما إن فتحها ابتسم بسخريةٍ وتذكر أن شقيقه كُلما أراد أن يُقلب عليه مواجعه يضع تلك الكلمات في طريقه، لذا ترك الأغنية تواسيه وهي توصفه باسمه:
-الغربة مالهاش حد على قلب مالهوش حد
محتاج لحضن حبيب يقدر معاه على البُعد
-الغربة مالهاش حد على قلب مالهوش حد
محتاج لحضن حبيب يقدر معاه على البُعد..
في سكة اللي يروح على كفه شال الروح،
من غربة بين أحباب لعذاب تاني أشد،
أدهم يا عيني عليك..
يا هل ترى الأحلام، تلقاها أماني ونور حواليك
نور حواليك وتصالحك الأيام،
يا جراح وراها جراح، راح ييجي يوم يرتاح
ويلاقي قلبه براح بعد السنين يفرح..
تنهد "أدهـم" وأغلق الهاتف ثم وضع كفيه في جيبي سترته وتذكر الليلة التي انفجر فيها في وجه أخيه، الليلة الموالية لخطبة "لمار" على صاحب دربه _سابقًا بالطبع_ رغم أن الحدث يُشبه لغزًا مفقودة فيه أهم أركانه، لكنه يوم أن تعرض للغدرِ كان الوضع في غاية القسوة، لذا يومها كان يواسيه أخوه بخوفٍ عليه، فقال هو بصوتٍ غاضبٍ:
_الكلام مش هينفعني بحاجة، أنا عاوز أفهم "حلمي" شاف مني إيه يخليه يعمل فيا كدا، وهي إزاي من شهر واحد بس كانت بتقولي إنها عاوزة فرحنا دلوقتي قبل بكرة علشان تكون معايا ؟ أديني عقلك وقولي تفهم إيه من دا كله غير إني كنت مختوم على قفايا، مش دا "حلمي" اللي كانت بتقعد تشتم عليه معايا وتقولي أبعد عنه؟ دلوقتي بقت لابسة دبلته؟ هو أنا غلطت لما مديت أيدي ومسكت فيها من صُغري؟ ولا هي اللي قساوتها عمت عينها عن حالي؟ هي إزاي مشافتش نفسها في عيني؟.
كان يتحدث بجنونٍ وغضبٍ من صدمته، يضرب كل ما تطوله يده ويدفع به حتى اندفع "آدم" وقتها يحول بينه وبين الطاولة التي كاد أن يضربها بيده فخشى عليه أن يتأذىٰ فأمسك به وهو يقول برجاءٍ له:
_علشان خاطري أنا خلاص، غاروا في داهية هما الاتنين وراحوا لحال سبيلهم، سيبك منهم هي عمرها ما كانت نافعاك، و "حلمي" مش صاحبك، الصاحب اللي يعمل كدا في صاحبه حتى لو مقاطعين بعض عمره ما كان صاحب، دا عدو بس ظهر على حقيقته، وهو تلاقيه كان واخدك سِكة يوصلها بيها، أنتَ الكسبان يا "أدهـم" مش هما، كفاية إن ربنا كشفهم ليك.
تذكر هذا الموقف ثم أغلق التلفاز وأغلق الشقة ونزل منها يقود سيارته نحو المكان الذي يُريده، شق الطريق إلى هناك وما إن وصل بعد فترة يسيرة أخرج الهاتف يطلب رقم أخيه وما إن وصله الرد قال بلهفةٍ:
_وحشتني يا صايع، أنزل.
ركض "آدم" مهرولًا من الشقة للأسفل وما إن وجده أمام البناية ارتمى عليه يُعانقه بقوةٍ، عناقٌ أتى من بعد أيامٍ فصلتهما الحياة بمشاغلها عن بعضهما، وكأنهما لا يفترقا أبدًا، لذا كان العناق هذا يُشبه الحياة التي عادت للجسد بعد موتٍ، وقد ربت "آدم" فوق ظهره يمتن له ولما فعل لأجله ولأجل بقاء أخته معه وقال بنبرةٍ حملت جزيل الشكر:
_ربنا يخليك ليا، وشكرًا إنك ماخليتش "عُـلا" تمشي رغم إنه مش بيتها وبيتك أنتَ، كنت عارف إنك مش هتخليني أتحط في موقف وحش قدامها، وعارف كمان إنك عارفني وفاهم دماغي، والله ما ليا غيرك يلحقني طول عمري.
ضمه "أدهـم" من جديد وربي على خصلاته وقال بأسى:
_أكتر حاجة أثرت فيا في الغياب دا الأكل اللي باكله، دا أنا راجع أبوس إيدك وراسك يا أعظم وأفجر شيف في البلد كلها، جه اليوم اللي أعرف فيه قيمتك وقيمة أكلك يا "آدم".
ضحك "آدم" بزهوٍ ثم أصر واصطحب أخيه للأعلى معه، ورغم أن "أدهـم" رفض هذا الشيء لكنه لم يرفض مطلب أخيه، صعدت معه وتوجه للأعلى ففتحت هي الباب لهما، ابتسمت "عُـلا" لرؤيتهما سويًا مع بعضهما، بينما "أدهـم" فابتسم لها وقال يمازحها:
_إزيك يا شبه مخطوبة، أوعي تقولي لسه متأكدتيش.
تضايقت هي من مزاحه فزفرت بقوةٍ بينما "آدم" فعقد حاجبيه بحيرةٍ حين استبين ملامح أخته التي أولتهما ظهرها، وقد ولجا الشقة سويًا وتعجب "أدهـم" حين وجد أثرها في كل مكانٍ، البيت بوجود أنثى يُشكل فارقًا عن حياة الشباب العازبين، وهذا ما اتضح على البيت وترتيبه بطريقتها، وبعض الإضافات التي وضعتها هي في المكان..
أتت تضع لهما القهوة التي قامت بعملها لأجلهما، فيما سأل "آدم" بتعجبٍ:
_هي إيه حكاية شبه مخطوبة دي؟.
رفعت عينيها نحو "أدهـم" تواجهه، بينما مال هو يأخذ القهوة وهو يقول بثباتٍ يُحسد عليه:
_بسألها بقولها إيه حكاية إنها مخطوبة دي قالتلي إنها شبه مخطوبة، قولتلها خبط على الباب وطلع يجري؟ ومن ساعتها وأنا مستغرب يعني إيه شبه مخطوبة، تقريبًا لسه بيحفظ الفاتحة وييجي يسمعها.
ضحك "آدم" وأضاف بسخريةٍ هو الآخر:
_دا تلاقيه مادخلش البيت من بابه.
_أومال؟.
_دا تلاقيه نط من الشباك.
دار الحوار بينهما بهذه السخرية وعلا صوت الضحكات حتى قامت "عُـلا" بضرب الطاولة بهاتفهما وقالت بصوتٍ جامدٍ:
_اللهم طولك يا روح.
انتبها لها سويًا وقد صدح صوت هاتفها بنفس الرقم فتحركت وهي تقول باتكاءٍ على حروف كلماتها:
_عن إذنكم هرد على خطيبي.
_قصدك شبه بقى.
نطقها الاثنان معًا حتى كادت أن تصرخ بينما "آدم" انتظر رحيلها ثم حدث أخيه بصوتٍ خفيضٍ حتى لا تسمعه هي:
_كويس إنك فكرتني، أنا مش مرتاح للواد دا يا "أدهـم" مش عاجبني الحال، بقاله فترة بيكلمها وكل يوم يفضل يسأل عنها ويسأل عن كل تفاصيل حياتها، وقبلها مكانش حد يعرف عنه حاجة، غير كدا دا ابن عمها وأنا مش ضامن العيلة دي، شور عليا أعمل إيه؟ وهي شكلها حابة وجوده معاها، تفتكر أسيبها؟.
حرك "أدهـم" كتفيه بحيرةٍ ثم قال بثباتٍ:
_اللي يريحها هي أعمله وسيبك منه هو، لو هي بتحبه يبقى خلاص خليها معاه، لا أنا ولا أنتَ نقدر نمشي عليها كلمة، وبعدين أنتَ مالك مقلق كدا ليه؟ مش هي عارفاه وهو ابن عمها؟ يعني مش غريب عن العيلة وكلهم قرايب في بعض.
_ماهي دي المصيبة، منين ابن عمها وأبوه طردها من البيت ورماها وابنه خاطبها وعاوزها؟ ومش بس كدا، دا عاوز يتجوزها ويرجعها ليهم اسكندرية تاني، وبيضغط عليها بجدتها، أنا مش فاهم حاجة بس دي أختي وأنا مش مرتاح وحاسس بغدر جاي ليها.
على الطرف الآخر كانت هي تتحدث في الهاتف مع "مأمون" الذي كان يطمئن عليها وعلى حياتها من بعد الانتقال إلى القاهرة، كانت هي تغض الطرف عن قرابتهما وتعامله كأنه غريبٌ عن تلك العائلة، وهو أيضًا فعل المثل، حتى قال من بين الأحاديث:
_إن شاء الله الإجازة كلها شهرين هاجي نكتب الكتاب وترجعي البيت تاني مرفوعة الراس وتفضلي مع "ياقوت" بعدها نيجي هنا وتعيشي معايا، هعوضك عن كل اللي شوفتيه يا "عُـلا" من غيري، بس خلي بالك من نفسك وسلميلي على أخوكِ.
ابتسمت هي لكلماته المعسولة وتنهدت ثم ردت عليه السلام بصوتٍ خافتٍ، رغم أن هناك ما يُثير استغرابها حيال الأمر، فمن أين أتى هو بهذا الحنوِ ومن أين أصبح مُراعيًا لها؟ منذ متى وهو لينًا بهذا الشكل؟ مرت على الأخوين مع بعضهما بشرودٍ وولجت غرفتها، بينما "آدم" راقبها وهو يعلم أنها تخدرت بكلمات الآخر وبدأ المفعول يظهر عليها..
على الطرف الآخر البعيد..
كان "مأمون" يُطفيء السيجارة المشتعلة في مرمدة السجائر، ثم رمى الهاتف من يده ومدد جسده فوق الأريكة، كان رفيقه يجلس بجوارهِ وسأله بسخريةٍ بعد أن أنهى المكالمة التي كانت معه هو الآخر مشغولٌ بها:
_والعة معاك يا عم، شغال هنا وهناك، طالما بتحبها كدا ما تنزل تتجوزها وتخلص، مصدعنا ليه؟ على الأقل تلاقي حد ياخد بِحسك كل يوم وبعدين إيه فجأة كدا أحلوت في عينك وبقيت تكلمها كل يوم؟.
زفر "مأمون" بحنقٍ وقال بضجرٍ:
_الله يكرمك يا "ويكا" اسكت وأنزل شوية من على ودني ماتبقاش قاعد للسقطة واللقطة كدا، عمومًا أنا لو هتجوزها يبقى علشان خاطر أمي بس وتسكت شوية هي كمان، بعدين أهيه بتشغل وقتي بدل ما العملية ناشفة كدا، هيبقى من كله يعني؟.
أنهى حديثه ثم أمسك الهاتف يتجاهل كل الأصوات حوله، هو لا يكترث بها حقًا، لا يكترث بمشاعرها كأنثىٰ ضعيفة تحتاج لقويٍ يحميها، لا يأبه بها كفتاةٍ ضعيفة وجدته ملجأ الحماية التي من بين خوفها، هو لا يكترث بأي شيءٍ غير نفسه وصوته وليحترق العالم من حوله إن كان لا ينفعه بشيءٍ..
____________________________________
<"الحقيقة المُرة حين يتجرعها الفرد، يتمنى الموت يُلاحقها">
عزيزي، لا تتألم لهذا الحديث..
هي مُجرد حقيقة عُرضت عليك وظهرت لك كما شمسٍ أشرقت من جديد، تلك الحقيقة التي عُميت أنتَ عنها ورفضت أن تُنصت لصوتك الداخلي حين كان يُخبرك ببصيص الضوء فيها، هي نفسها الحقيقة التي حين تأتي متأخرة عن موعدها تصفعك فوق وجهك كي تستيقظ من غفلتكِ..
أتاها بالحقيقة ولم يُبالِ بها، أخبرها أن النائم فوق الفراش هو شقيقه التي اتهمته هي بالهرب، وحين لم تُصدقه ورأى ذلك في عينيها أخرج التقارير الطبية وبطاقته الشخصية يُريها ما لم ترَه هي، وقد قالت هي بانكارٍ هيستيري ترفع صوتها تعبيرًا عن الغضب:
_أنتَ كداب !! مستحيل يكون كلامك فيه حاجة صح، "سالم الإدريسي" خاين وساب مراته وولاده علشان واحدة تانية، والواحدة دي أنتَ اللي حدفتها عليه علشان تخرب بيته، أنتَ بس تلاقيك مش مستوعب اللي حصل وإن كل حاجة راحت منك.
ابتسم بزاوية فمه كأنه توقع رد الفعل هذا، بينما أمه فاقتربت منها تمسك مرفقها وهي تصرخ فيها بقلب مكلومٍ على فلذة كبدها الذي ضاع منها حيًا وميتًا:
_أنتِ لسه مصدقة نفسك؟ مش قادرة تستوعبي إنك خربتي حياته وبيته وضيعتي ولاده؟ هنكدب في ديه كمان؟ اللي زيك أنتِ و "صابرين" عقابهم إن ربنا ينصرهم في الدنيا علشان يخسروا في الآخرة، منك لله أنتِ وهي، بس بكرة ابني يقوم يقف تاني على رجليه وساعتها والله حتى الرحمة مش هخليكِ تشوفيها، وعيال ابني هيرجعولي غصب عنك وعنها وعن التخين اللي يفكر يتشدد ليكم.
هرعت العبرات من عيني "رحمة" بينما "سُليمان" اقترب يقف في مواجهتها وقال بنبرةٍ مغلوبة كأنه أعلن هزيمته صراحةً:
_أنا بس حبيت أقولك إن كدا خلاص عملت اللي كنت عاوزه، علشان شكله يخليكِ تراجعي ضميرك وتفتكري إنك جيتي عليه وغلطتي في حقه، كدا كدا بمجرد ما هقدم التقارير دي للمحكمة واطعن في الحكم وقتها أنتِ هتبقي خسرتي أول وأهم قضية في حياتك، بس معاها هتكوني خسرتي نفسك كمان.
كانت تبكي والبكاء من عينيها خرج مدرارًا..
تبكي بعينين حمراوتين وتتمنى لحظة الإفاقة من كابوسها هذا، تتمنى أن تخرج من هذه الدوامة التي أغرقتها، بينما "سُليمان" فأمسك ذراعها وقادها لباب الشقة ثم فتحه ودفعها للخارج وهو يقول بصرامةٍ وجمودٍ:
_كدا نتقابل في المحكمة بقى، بس لا دنيا ولا دين هسامحك وحق أخويا هاخده منك ومن ***** اللي حركتك، ووريني هتعملي إيه بقى في اللي جاي، طالما حطيتي نفسك قصاد اللي يخصوني.
أغلق الباب في وجهها حتى أجفل جسدها، لم تُصدق ما كانت تراه للتو، هل هي عاونت الخائن كي تنتقم من الأمين؟ هل مدت يدها لتكون عونًا للظالمِ وتجور على المظلوم؟ جلست القرفصاء على أول درجةٍ قابلتها وشردت باكيةً أمامها تتذكر ليلة الظُلم عليها، الليلة التي صرخت فيها في وجههم:
_يعني أنتوا عاوزين تستروا عليها وعليه على حساب مشاعري وفرحتي؟ مش فارق معاكم الرخيصة اللي راحت لواحد خاطب ولفت عليه وفارق معاكم سمعتكم علشان لو اتكلمت الناس هتاكل في سيرتكم؟ والنار تاكل في قلبي أنا عادي؟ على جثتي الفرح دا يتم، دا أنتوا تحضروا جنازتي وتخرجوني بأبيض الكفن أهون من اللي أنتوا عاوزينه.
وقتها نزلت الكلمات أصعب من السوط، كانت هي محط الأنظار كلها ومحض اتهامٍ، كانت تقف مظلومة وحدها، تقف بغير مُساندٍ إلا من زوجة عمها فقط، كانت هي المرأة الوحيدة التي تأخذ صفها، والجميع يقفون يشاهدونها بصمتٍ وكفىٰ، هي تحترق بدون دخانٍ وكيف تبرهن لهم أن النيران تأكلها؟.
خرجت من شرودها على صوت المصعد ففزعت من مكانها وهرولت للأسفل باكيةً، ركضت بغير هُدى ولا هوادة تمامًا كما تسير عبراتها فوق وجنتيها، هي تركض والعبرات تركض ولا نهاية لكليهما، مالت على مقدمة سيارتها تستند بكلا كفيها، والمشهد السابق ضوءه يميض ويخبو، وصوت "سُليمان" يتدخل في سمعها وهو يُعرفها على شقيقه لم يُبرحُ سمعها..
صرخت بملء صوتها صرخة عالية أتت من جوفها تشق سكون الليلِ، صرخت والمكان حولها يتخلى عن التضامن معها، مالت للأمام بانحناءٍ وكأن رايتها سقطت، انحنت كما البناء الشامخ الذي سقط وأصبح رُكامًا باليًا لن يعود شامخًا كما كان بعد أن أصاب الشرخُ عمق روحه.
____________________________________
<"وقعت في عينيكِ ولم أطلب النجاة بل رغبت بالغرق">
نجاتي منكِ لم تكن يومًا برغبتي…
كانت مفروضة عليَّ كما لم تكن رغبتي الغرق فيكِ منذ البداية، أنا رجلٌ كنت مُرتابًا، خطواتي بأكملها لم تكن مسحوبة، وعند النظر في عينيكِ أصبحت كل الخطوات معلومة، وجدت الرُشد من وسط التيه وأدركت أنك الوجهة الصحيحة،
ويوم أن بُليت بِحُبكِ لم أرضَ لنفسي بالنجاةِ، لكن النجاة أتتني وأنا في عُمق غرقي..
حاول أن يتخطى الأيام بعد رحيله من مدينة الغردقة، حاول أن يتعايش مع حياته بقدر ما يستطيع، كل شيءٍ حوله أصبح ثقيلًا أكثر من ثُقل الجُثمان في الغرقِ، وحال ابنته كان أكثر ما يُثير زوبعة ثباته، سكونها وصمتها، عزوفها عنه وعن الجميع، انكماش روحها المُنطلقة كان سببًا لانكماش حياته.
كان في مقر عملهِ يجلس فوق مقعده بشرودٍ ثم ضم كلا كفيه واستند بجبينه على كفيه وهو يتنهد بقوةٍ وعاد للذكرى القديمة، الذكرى التي عصفت به، ذكرى أثرها يُشبه أثر الرياح حين تعصف بكلِ ما يَمرُ عليها، أغمض عينيها يركب قطار الذكرى ليصل لمحطة الآلام، يغرق في بحرٍ عميقٍ بغير نجاةٍ..
وقتها كان في الفندق الذي تعود ملكيته لعائلته، كانت العائلة بأكملها حاضرة معهم، وهو كان يدير بعض الأعمال ثم لاحظ أن "مودة" لم تكن حاضرةً بينهم، انسحب يتجه لغرفتهِ فوجدها تجلس وحدها بشرودٍ، عقد حاجبيه واقترب منها يجلس على عاقبيه أمامها وسألها بعجبٍ في أمرها:
_مالك يا "مـودة" أنتِ ساكتة ليه؟ مين مزعلك؟.
رفعت عينيها الباكيتين وأغصبت شفتيها على بسمةٍ وهي تقول بصوتٍ غلفه الحزن:
_كويسة يا "يحيى" ماتشيلش همي، المهم أنتَ طلعت بدري ليه؟ حصل حاجة تحت زعلتك؟ لو بابا زعلك معلش هو متضايق علشان الشغل مش زي الأول وفيه حاجات كتيرة بايظة مؤخرًا.
لاحظ ارتجافة حدقتيها فأمسك كفها بين كفيه وسألها بحنوٍ:
_سيبك منهم كلهم وقوليلي مالك، أنتِ زعلانة علشان مارضيوش يخلوكِ تنزلي المياه؟ هما خايفين عليكِ وحقهم، بس لو عاوزة في الخباثة كدا أنا ماعنديش أي مانع بس شوية صغيرين، مايهونش عليا زعلك، رغم إني مش عارف دور برد إيه وحساسية إيه في الصيف اللي إحنا فيه دا؟.
وقتها كذبت وصدقت كذبتها، تصنعت القوة وهي تقول:
_سيبك منهم هما بيحبوا يكبروا المواضيع، بس تصدق أنا فعلًا كبرت في دماغي وعاوزة أنزل المياه معاك؟ ينفع دلوقتي؟ وخصوصًا إن "رحيق" مش هنا ومع "مُراد" يعني مش هتشبط، اعتبره آخر طلب ليا منك ومش هطلب حاجة تانية والله.
عقد حاجبيه وعاد برأسه للخلف فوجدها تُعدل على جملتها بقولها:
_أقصد يعني آخر طلب قبل ما نرجع البيت وأنتَ تحصلنا، علشان خاطري ماترفضش طلبي، نفسي أنزل المياه معاك زي زمان، خليك واثق فيا والله أنا بخير، بابا وماما بس خايفين عليا شوية علشان الحساسية دي عمالة تزيد، بس خليني أنزل وأفك شوية، وحشني أوي المياه والغطس بتاع زمان معاك.
لم يجرؤ كي يرفض مطلبها، هي تطلب منه بكل رجاءٍ وعيناها ترجوه ألا يُخيب أمالها، لذا خرج بها بهدوء من الفندق واتجه نحو البحر، ارتدى ثياب الغوص وهي مثله، كانت تبتسم بسعادةٍ وهي معه، ترافقه وتمسك بيده وهي تنزل في المياه قُبيل الشروق، لم تخشَ المياه ولم تخشَ الغرق لأنها معه هو، لطالما كَثُرَت جولاتهما في أعماق البحر سويًا فهي تشعر أنها آمنة معه.
نزل بها المياه وهي ترافقه، يصول ويجول بها، قُرابة العشر دقائق يتحرك بها نحو الأعمق، يمسك كفها بكفهِ ويتحرك من بين الأسماك بمختلف أنواعها وأشكالها، يتحرك بها حتى يصل للشُعب المُرجانية ويُحقق لها حُلمها، كاد أن يصل لكنه أحس بكفها ينسلت من كفهِ، التفت بلهفةٍ فوجدها تتحرك مع تيار المياه للجهةِ المُغايرة لجهته، غير وجهته وتحرك بلهفةٍ يُلاحقها بخوفٍ فوجدها جُثة..!!
فقدت النفس والحياة في لحظةٍ واحدة، في طرفة عينٍ سُرِق الأمان منه في عُمق البحرِ، آمن لبحره ولم يتوقع منه غدرًا، فباغته البحرُ بالشرِ غدرًا، كان يحسب نفسه داخل كابوسٍ وسوف يفيق منه، لكنه وجدها فجأة تختفي من أمامه نحو الظلام وهو يركض، وفي طرفة عينٍ كانت اختفت بالكلية، ظل يبحث ويصول ويجول حتى كاد أن يفقد أنفاسه هو الآخر، لم يجد لها أثرًا، فقرر أن يخرج لعلها تكون سبقته، قد يكون مزاحًا سخيفًا منها وهو يتوقع ذلك، لذا لم يضع الأمر في نصابه الصحيح.
خرج "يحيى" من العُمق للبرِ ولم يجد لها أثرًا، التقط أنفاسه وقرر الغوص من جديد، غاص في عمق البحر يبحث عنها فلم يجد لها أثرًا، كأنها سرابٌ لم يكن حقيقيًا ذات لحظةٍ، وحين فقد الأمل نشر الخبر، أخبر الجميع عن ضياع زوجته، انتشر خبر فُقدان "مـودة" في عمق البحر..
انتشرت قوات البحث وانتشر البلاغ بمساعدة سُلطة والدها، وقد كان "يحيى" يجلس على الشاطيء يحتضن ابنته التي ترتجف بسبب توتر الأجواء حولها، وهو ينتظر لحظة الإفاقة من هذا الكابوس المُروع، هو وابنته في انتظار لحظة الخلاص ولم يُخيل له أن تلك اللحظة حين تحين تكون بمشهد أكسر قسوةً من كابوسه، حيث ظهرت هي محمولة فوق أيدي قوات الإنقاذ بجسدٍ متخشبٍ وبشرة زرقاء كُليًا، بعد ضياعٍ دام لأكثر من ثمان ساعات خرجت ميتة والبحر أكل ملامحها البريئة..
وقتها هرول هو وسقط فوق الرمال وهو يذهب نحوها، بينما ابنته ركضت أسرع منه تصرخ بملء صوتها:
_مـاما !!.
ارتمت على أمها تحتضنها والصراخ يعلو فوق رأسها، الأم تبكي والأب يهز جسدها بعنفٍ و"يحيى" يمسك كفها ويتوسلها بالعودةِ، وهي ميتة بلا روحٍ، رحلت عن الحياة وتركت خلفها قلوب الجميع تحترق، رحلت بدون وداعٍ وقصدٍ منها، كانت تريد تحقيق حُلمها الأخير وحين حققته ماتت، ماتت بين يدي الحبيب وكأنها تُشير له على موضع الغدر به قبل أن ترحل، وتخبره أن البحر الذي آمن له هو الذي بادر وغدر به..
صرخة مدوية تالية أتت من جوف ابنته وعلى إثرها ذهب صوتها كُليًا ولم يعد، حيث تلقت الصدمة في صغر عمرها بوفاة أمها أمامها بهذه القسوة والبشاعة، بشرتها الزرقاء وموضع أكل السمك في وجهها ويديها كان مشهدًا لا يُعقل، مشهد لن تنساه مادامت حية تُرزق فوق وجه البسيطة، وستكون هذه الأم هي الجرح الأعظم في حياتها وحياة أبيها الذي مات معها، وكأن المأتم صار بقلبه، والوداع ألهب نيران الوجعِ في قلبه ولم يجد من يُطفيء تلك النيران..
_"يحيى".. يا "يحيى"..أنتَ كويس؟.
تداخلت الأصوات في بعضها فرفع رأسه فجأةً ليجد "تقوى" أمامه في مكتب أبيها برق بعينيهِ لها وسُرعان ما تذكر أمر ابنته التي غاب عنها للكثير من الوقت فاعتذر منها قبل أن تتحدث وسحب سترته وتحرك من أمامها بلهفةٍ نحو سيارته، بينما هي طالعت أثره بخيبة أملٍ، جلست على المقعد فلمحت صورة مقلوبة على ظهرها، حملتها بأنامل مرتجفة وكأنها على يقينٍ بما ستراه، وما إن قلبت الصورة لمحت صورة زوجته الراحلة، ضيقت عينيها تستبين ملامحها ثم قلب الصورة لتجده كتب عليها ذكرى وفاتها، وأضاف مُعبرًا عن حاله وحال دنياه:
_حبيبتي "مـودة" الحياة لم تُمر بدونك؛ الحياة مُرٌ بدونك.
تنهدت "تقوى" بقوةٍ وهي تدعو لها بالرحمة والمغفرة ثم عادت تنظر في أثره وهي تتمنى أن يُعطيها فرصة واحدة بس كي تُطيب تلك الجراح، تتمنى أن يناولها يده كي تمسك هي بها وتنقذه، حتى لو تُفني عمرها بالكامل لأجله، لن تبخل عليه بالعمر كُله، لكنه حتى في غرقه يرفض النجاة ويظهر بمظهر الناجي والمُنقذ.
____________________________________
<"لو كنت أعلم أنك قسوة زماني ما كنت حنيت لكَ">
لم أتباه يومًا بقلبي
الذي عرفوه الناس لينًا،
لكني تباهيت بقلبٍ كان يُطفيء
شُعلة اللين في قلبي..
لو يعلم كل فردٍ فينا مدى قسوة الناس أمام جراحه لمَّ كان يومًا كشف لهم عن جروحه، فلو كانوا يعلمون كيف يُعاني المرء كي يبدو بهذا الثبات ما كانوا أتوا على جراحه وقاموا بدهسها، المرء فينا يظل قويًا حتى يُكشف جرحه ويتعرى للعيانِ ووقتها يتلبسه الضعف، فيصبح أضعف مما كان..
استمرت "ورد" على نفس النهج الذي أخبرها "آدم" عنه، لقد طالبها بالاستمرار في هذا الطريق حتى لا تصبح كما اللقمة في يديهم، أراد أن تكون قوية بحيث يصعب عليهم تشكيلها كيفما تشاء، وهي تتعامل بما تستطع، رغم أن الطريق هذا يصعب على شخصها الرقيق لكن لا مفر منه كي تُنقذ نفسها منهم.
كانت بشقة حماتها تُطعم "مُرسي" ففتِح الباب وولجت منه "خيرية" ومعها "مروة" أيضًا تحمل معها الحقائب البلاستيكية من السوق، اقتربت منهما "ورد" ترحب بهما فرمقتها "مروة" بغيظٍ ثم وجهت حديثها لعمها تُرحب به:
_إزيك يا عمي أخبارك إيه؟.
_بخير يا بنتي، تسلمي على سؤالك.
راقبت هي "ورد" وهي تعود وتُطعمه وهو يتناول الطعام مبتسمًا فأدركت أنها تأخذ محلها في كل مكانٍ، تأخذ المكان والطَلة ذاتها، تأخذ ما يتوجب أن يكون لها، لذا تحركت تحمل الحقائب ثم مرت بجوار "ورد" ودفعتها بحركةٍ مفتعلة ثم اعتذرت تختلق كذبة:
_معلش يا "ورد" حقك عليا ماخدتش بالي.
_لأ ولا يهمك يا حبيبي، معذورة برضه نضارتك شكلها في الشنطة، طلعيها أحسن ما تلبسي في حد غريب.
ردت عليها "ورد" بذلك وهي تبتسم لها ببرودٍ كأنها تعلم حقيقة قلبها، لذا جلست بذات البرود بينما الأخرى أخرجت أصناف الفاكهة تضعها لعمها كأنها تحارب على مكانٍ احتلته أخرى وأثبتت عليه صك ملكيتها، وقد نطقت "خيرية" بحماسٍ غريبٍ جعل "ورد" تعقد حاجبيها:
_بصراحة والله "مروة" دي مافيش زيها، بت ونعم والله، لفت معايا السوق كله وشالت الحاجة على كتافها ومارضيتش أبدًا تخليني أشيل أي حاجة، وأهي دكتورة قد الدنيا، ربنا يسعدها ويعوضها ويفرحني بيها، وأشوفها ست البنات في ليلة فرحها.
ابتسمت "ورد" بسخريةٍ وهي تفهم مقصد حماتها لكنها لم تُبالِ، لم تعد تُصارع على مكانٍ ملكًا لها من الأساس، وفي هذه اللحظة صدح صوت هاتفها برقم زوجها فتحركت بلهفةٍ كي تجاوب لكن يد حماتها سبقتها وهي تخطف الهاتف وتجاوب بدلًا عنها، تحدثه بلهفةٍ، ورغم تعجبه لكنه جاوب ورحب وسأل واستفسر، حتى وجد أمه تعرض عليه مكالمة لابنة عمه.
كان تهميشًا صريحًا لزوجته التي ضمت كلا ذراعيها تراقبهما بحاجبين مرفوعين ثم جلست تهز قدميها وهي تحاول أن تتحكم في غضبها، تحاول أن تبدو بهذا الثبات أمامهم حتى وجدت الأخرى تقول بميوعة مقصودة فهمتها هي كأنثىٰ مثلها:
_بس بجد زعلانة منك والله يا "منتصر" أومال لو مش عمك موصيك عليا وقايلك إني أختك الصغيرة ومأمنك عليا؟ حتى عمك مش بتسأل عليه يعني؟ عمومًا معذور برضه الحياة عندك صعبة خالص، ربنا يرجعك لينا بالسلامة.
_الله يكرمك يا "مروة" ويسعدك ويرزقك بكل خير، عارف إنك زعلانة مني بس الحياة مشاغل والله ويادوب بلحق أجري هنا وهناك، معلش تديني "ورد" أكلمها علشان عاوز اسألها على حاجة؟.
رفعت عينيها نحو زوجته التي تجاهلتها وصبت كل تركيزها مع حماها فقالت بنبرةٍ ضحوكة أعلنت فيها التزييف والكذب لمن يعرف طباعها:
_حاضر هاقولها تبقى تكلمك، مشغولة بقى يا سيدي بتأكل عمي، روح أنتَ الحق شغلك وأنا هأكد عليها تكلمك، معلش بقى خدنا من وقتك بس كنا بنتطمن عليك، ربنا يسترها معاك ويبعد عنك ولاد الحرام والمؤذيين ويرزقك معرفة الطيبين وبس.
رمقت "ورد" بطرف عينها عند جملتها الأخيرة فزفرت "ورد" وهي تشعر أنها فقدت صبرها، هي حقًا تُجاهد أمامها كي لا تضربها، تُجاهد كي لا تنفعل وتُسمعها ما لم تتحمل سماعه، لكنها أدركت أن حماتها أعلنت عليها حربًا باردة بغير شررٍ، وهي عليها أن تتوخى الحذر أمامها كي لا تسقط في بئرها.
وعلى طرفٍ آخرٍ في مكانٍ ثانٍ..
كانت "لمار" بشقتها تجلس وحدها، تتابع عملها عبر الهاتف وهي تراقب مركز التجميل الخاص بها وتتابع عملاء المكان بالمراسلة، تبتسم كلما رأت بعينيها نجاحها ونجاح المكان الذي كان يستحيل عليها أن تفتحه، لكن وجود "حلمي" كان أكبر داعمٍ لها في هذا الشيء، هو حقق لها الحُلم وهي تعيشه فقط.
صدح صوت هاتفها برقمٍ جعلها ترتبك، رقم بمجرد أن وقع بصرها عليه جعلها تشعر بالخوفِ، لكنها لم تتجاهل هذه المكالمة بل جاوبت عليها، جاوبت بصوتٍ مرتجفٍ مهزوزٍ، بينما المتصل قال بثباتٍ:
_خير يا بنت أختي؟ مش عاوزة تردي عليا؟.
_لأ يا خالو أبدًا، خير فيه حاجة؟.
ردت على خالها بخوفٍ وبصوتٍ مضطربٍ بينما هو قال بلهفةٍ:
_دا عشمي فيكِ برضه، المهم عاوز فلوس، أمك مش عاوزة ترد عليا ومكبرالي خالص، قلبها مات وشكلها نسيت اللي ليها عندي، عمومًا براحتكم، مكالمة صغيرة لجوزك وهقوله إنكم كسرتوا كلامه وعملتوا اللي حذركم منه، بس ماترجعيش تلوميني.
انتفضت من موضعها وهي تقول بلهفةٍ تستجديه:
_لأ بلاش، بلاش "حلمي" يعرف حاجة، ومالكش دعوة بماما، أنا هتصرف وهاشوفلك فلوس بس أصبر عليا يومين، وياريت تهدا شوية مش كل فترة تنطلي تقرفني، أنضف بقى وخليك بني آدم محترم، مابتقرفش من نفسك؟.
_لأ يا حبيبتي برش مُعطر، متتأخريش عليا.
_مش هتأخر، بس الفلوس دي لو لعبت بيها وخسرتها برضه أنا ماليش دعوة، مالكش حاجة عندي تاني، تروح بقى تشوف حالك بعيد عني، وعلى الله تفكر تكلم "حلمي وتطلب منه حاجة، مش كفاية لبسته العِمة وفضلت تضحك عليه؟ إيه مابتشبعش؟.
في هذه اللحظة وجدت "حلمي" خلفها يخطف الهاتف من يدها فتوسعت عيناها بهلعٍ بينما هو قبض فوق خصلاتها بقوةٍ وقال بدون وعيٍ وكأنه وصل لذروة غضبه:
_هو لوحده اللي ملبسني العِمة؟ وأنتِ بتعملي إيه بتطرزيها؟.
دفعها فوق الأريكة وهي تتأوه بعنفٍ والقادم لا يعلمه إلا الله، وهي من المؤكد لا تعلم إلى أي نقطةٍ سوف يصل به الغضب وفي أي لحظةٍ سوف ينفجر من ضغطهِ...