رواية جمعية حب الفصل التاسع 9 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل التاسع 9 بقلم شمس محمد بكري





بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


والله إنِّي لم أجدُ عدوًا لنفسي أقسىٰ مني عليَّ..
ولم أرى في حياتي حربًا أقوى من تلك الحرب التي خاضتها نفسي بداخلها بطريقٍ ساقني هوايَّ إليه، 
أنا العدو الأول لذاتي، أنا من شنَّ الحربَ على نفسهِ،
أنا الذي لم ينجُ ولو مرةٍ من حروب رأسه،
 فهذا أنا أقف وحدي حائرًا في طريقي المجهول..
لم أستطع أن أمضِ للأمامِ ولم أقدر أن أعود للوراءِ..
سرقني مني الطريق وقتل فيَّ الأملَ،
بدل أحلامي بكابوسٍ وسَّكن بجسد الألمَ
وحتى الآن لم أعد لي أنا،
 ولا أعرف في تلك الحرب من المهزوم ومن المنتصر..
أهُزِمت أنا؟ أم نفسي هزمتني أنا؟.

     <"حين حسبتُ نفسي رابحًا كنت خارجِ السباقِ">

ها أنا وقفتُ في نهاية الطريق أبحث بعيني عن المُتسابقين معي فلم أجدهم، فرحتُ حين حسبت أنني الرابح الوحيد وأدركت نهاية الطريق قبلهم جميعًا، لكن الصدمة كانت من نصيبي حين وجدتُ أنني خارج السباق، وجدت نفسي كمن كان خارج إطار الصورة الجماعية ولم يدعونه كي يكون معهم في الصورة، كانت الخيبة الأقوى حين حسبت نفسي رابحًا كل شيءٍ، ثم اتضح لي أني خارج سياق الحسابات..

نقطة ولم ينتهِ السطر..
فالحكاية لم تُكتَبُ بعد، لازالت القصة لم توضع فيها الأساسيات الهامة، والحرب بين طرفيها شديدة للغاية، حربٌ غير أهلية وغير متساوية، حربٌ فيها طرفٌ تجهز في الخفاء، وفيها الطرف الثاني سيقَ للميدان أعزلًا حتى بدونِ علمٍ بميدان المعركة وقسوة خصمه، وقف "سُليمان" مشدوهًا وهو يستمع لـ "رحمة" التي ظهرت من العدم وهي تقول:

_إياك ثم إياك تفكر تقرب منها، موكلتي معاها حكم محكمة بحضانة الأولاد وحكم من المحكمة برضه بتمكين الشقة ليها، عندك استعداد تعترض على حكم المحكمة؟ وريني شطارتك، بس هتلاقيني قصادك أنتَ وأخوك لحد ما أجيب حقها من عينكم، ويانا يا أنتَ يا "سليمان" بيه.

حرك عينيه نحو "صابرين" التي رفعت رأسها بتحدٍ له كأنها أفعىٰ ظهرت في الخفاء تلدغ صاحب البيت، بينما "رحمة" فتحدثت تضيف من جديد كي تُخرجه من حالة الذهول هذه وتُعيده لوعيه ورُشده:

_من فضلك هات الولاد من غير شوشرة، بالذوق والهدوء أحسن بكتير من الفضايح وخصوصًا يعني أنكم مش محتاجين فضايح، أخوك عامل اللي عليه وزيادة.

هُنا وعاد لرُشدهِ حقًا، حيث غلت الدماء في عروقه وتوسعت عيناه ومد يده كي يمسك بعنق "رحمة" يفصله عن جسدها، حاول أن يتهجم عليها لكن قوات التنفيذ الجبري كبلوا حركته وهو يرفع صوته بغير وعيٍ ولا مثقال ذرةٍ من رُشدٍ:

_وسع يا عم أنتَ وهو، أقسم بالله لو فكرتي بس تقربي من عيل منهم هاكون جايب رقبتك تحت رجلي، ليكِ عين بعد اللي عملتيه، أنتِ جايبة الفُجر دا منين، أمشي بدل ما تبقى آخر مرة في حياتك تقفي فيها على رجلك.

كان يُهدد ولم يُبالِ بركض أمه ولا بصوته الذي ملأ البناية ولا بخوف الصغيرين واختبائهما خلف جدتهما، كان في حالة ضياعٍ للعقلِ وغيابٍ للرُشدِ، كان في وادٍ غير الوادي، حتى أن "صابرين" بكت أمامه تترجاه بطريقةٍ جعلت ثغره يفتر بذهولٍ:

_علشان حق ربنا يا "سليمان" بس عاوزة ولادي، مش عاوزة منكم حاجة تانية إن شاء الله حتى أكون خدامة تحت رجلك ورجلهم بس متاخدهمش مني، عيالي هيتبهدلوا من غيري أبوس إيدك حس بيا، بكرة يكون عند ولاد وتفهم كلامي.

توسعت عيناه وعينا أمهِ التي نزلت عبراتها بغير قصدٍ، لكن ما إن رأت هذا المشهد أمامها كادت أن تُصفق للأخرى، ما هذا التمثيل الجبار الذي اتقنته؟ كيف تعلمت بالله أن تقوم بحياكة هذا المشهد ليرتديه العقل باقتناعٍ تامٍ دون أي شكٍ؟ وقد شعرت "رحمة" أن ذُل هذه السيدة وإهانتها لأجل أولادها شيءٌ محظورٌ، فنطقت توقفها بقولها:

_مدام "صابرين" مفيش داعي للكلام دا كله، قولتلك الولاد هيرجعوا من غير كلام، دا حكم محكمة مش هزار، ومعانا التنفيذ الجبري أهو، لو حد فكر يعترض أو يقف في طريقك هيشرف في النيابة ومش بعيد يلبس قضية هو كمان.

عند هذه اللحظة تمسك الصغيران بجدتهما التي حاوطتهما في كتفها بذراعيها، بينما "سُليمان" فَكُتِفَ ذراعيه حين كاد أن يعترض الطريق حين ولجت "صابرين" تأخذ الصغيرين وسط حالةٍ من الهلع والقهر حدَّ خلعِ الفؤاد من محلهِ، كان المشهد دراميًا بسياقٍ حزينٍ من الدرجة الأولى، كان "سُليمان" يصرخ ويمنع أخذ الصغيرين وسط تجمهر ساكنيِّ البنايةِ، وبين سحب "صابرين" للصغيرين ودفعها لذراعي "ثُريا" عن ابنيها، وبين تدخل "رحمة" بالتهديد لهم إذا طالت الأمور أكثر من هذا الحدِ..

في لحظةٍ واحدة انقلب كل شيءٍ على رأس أصحابه، "سُليمان" شعر بجسده يتحرر لكن قلبه لازال مُقيدًا بأغلالِ الضعفِ كيف للحياة أن تقهره مراتٍ ومراتٍ وهو فقط يكتفي بالصمتِ؟ وقف يراقب انسحاب "صابرين" بالصغيرين بعد أن تحصلت عليهما كأنهما الكنز الثمين، بينما أمه فبكت وهي تُردد بقهر أمٍ:

_منك لله يا شيخة، ربنا ينتقم منك ويردلي حق ابني منك، يا رب انتقملي منها ورد حقي وحق عيالي، يا رب ردهملي تاني أنا ماليش غيرك، أنتَ وأنتَ القادر، انتقملي منها يا رب، برد نار قلبي فيها وردلي مظلمتي من ضي عينها.

كانت تصرخ بقهرٍ وبغير شعورٍ، تبكي وتصرخ وهي ترى الفوضى في المكان عارمة، مفرش الطاولة سقط أرضًا، كل المقاعد أصبحت بغير مكانها وموضعها، المكان أصبح غير مُهيء للعيش، كل شيءٍ نتجت عنه فوضى عارمة كأنه احتلالٌ أصاب المكانَ وخَّلَفَ عنه خرابًا، بينما "سُليمان" فارتمى فوق المقعد بهزيمةٍ ساحقة، هزيمة اللاعب الذي خسر فريقه وتم طرده هو بعينه من المباراة بخروجٍ غير مُشرف، حاوط الاحمرار عينيه كأن هناك جَمرٌ واشتعل بمحيط مُقلتيهِ..

اقتربت منه أمه تربت فوق ظهره فرفع رأسه عنوةً بانكسارٍ وقال بصوتٍ مبحوحِ شُحٍ من العزيمة:

_أقوله إيه يا ماما لما يفوق؟ طلعت عيل خايب ماقدرتش أحافظ على عيالك؟ دا قبل الغيبوبة كان موصيني عليهم وقالي أحطهم في عيني، هاقوله إيه بس؟ دا لو فاق وعرف باللي حصل مش بعيد يروح فيـ..

بتر حديثه حين أدرك عاقبة كلماته، توقف عن الكلامِ ورفع رأسه ضارعًا بقلبه أن يرأف المولىٰ به، بينما العقل فكان ناقمًا على القانونِ وعلى حُكمٍ هكذا صدر دون عمله وسلب منه..مهلًا "سُليمان" كيف صدر الحكم هكذا بغير علمك؟ وكيف لم يصلك ولو اخطارٌ واحدٌ من المحكمة؟ كيف تم كل شيءٍ هكذا في الخِفاءِ عنكَ؟.

هكذا صدح صوت عقله مُشيرًا له على حقيقةٍ غائبة لم ينتبه لها إلا لتوِه، رفع عينيه وهو يُعيد التفكير من جديد فيما حدث وحتى الآن لم يصل لنقطةٍ واحدة تستقر به في درب الشتاتِ، هو فقط يرى النتيجة دون أن يسبق له ويرى الخطوات السابقة لها، فكيف تعلن الحرب هكذا في يومٍ وليلة بغير سابق هجومٍ أو انذارٍ حتى ينبه الطرف الثاني؟ تبدو أنها حرب قذرة فيها طرفٌ يُبيد الطرف الآخر _رًغم مسالمته وركوزه_ لكن لازال خصمًا في الحربِ.
____________________________________

      <"من يشكو الورد هو بذاته من سرق الرحيق">

لكل موضعٍ في الحياة فلسفة خاصة به..
فلسفة تحمل حقيقة لا مناص منها ولا مفرٍ عنها، تلك الحقيقة تتضح لمرأى العين وضوح الشمسِ، وهي أن الشاكي هو السارق بذاته، هذا الذي سلب كل الحقِ من صومعة الخير حتى أمست فارغة، فأصبح يشكو من فراغها، هذا هو الشخص ذاته الذي يقطف الزهرة طمعًا في ريحقها ثم يشكو من موتها أبكر من وقت استنشاقه عبيرها..

للضرورةِ أحكامٌ لا مفر منها..
وهو حُكمه أن يجلس قعيدًا المتبقي من عمرهِ فوق مقعدٍ يراقب أيام العمر وهي تركض من غيرهِ، يراها تذهب وهو واقفًا بموضعه، كأن حياته حلقة مُفرغة تودي لنفس النقطة في نهاية الأمرِ، جلس "مُرسي" أمام التلفاز يشعر بالجوعِ والتيه حتى أنه جسده أصبح مرخيًا بشكلٍ ملحوظٍ، زوجته تُهمله عن قصدٍ وتتسكع مع الجارات، وابنه لم يدرِ بمن حوله كي يكترثُ بأبيه.

ظل يُنادي عليهما وينادي حتى بح صوته وفرغت طاقته فتنهد بثقلٍ وألقى رأسه بخمولٍ وهو يشعر أن جسده بدأ يفقد كل ذرةٍ في وعيهِ ورُشده، ظل يردد الدعاء لأجل "ورد" وهو يتمنى من الله أن يرزقها كل الخيرِ في حياتها كما لم تبخل عليه هي ولو لمرةٍ..

بينما في شقة بالطابق الأسفل كانت "خيرية" تجلس مع زوجة شقيق "مُرسي" وهي تنسج من خيوط الكلمات حديثًا، تشكو لها حالها وتشكو لها زوجة الابن غير المُطيعة، تشكو لها تخاذل موقف ابنها معها، تزبد وتُكثر من الحديث وهي تذمُ في الوردة لكونها لم تعد تُعطيها الرحيق كما اعتادت هي، تشكو وترسم بالكذب حالًا يصفها حين تقول:

_بس هاعمل إيه ياختي؟ البت تلك بكلمتين كدا وتسكنك مكانك، لسانها حلو وتعرف تبلف اللي قدامها، والمحروس ابني بقى جاته خيبة في خيبته ميت فيها، وقال إيه شايف إن دا حقها، كسر حُقها البعيدة لا تكون فاكرة نفسها بتذلنا، وأقوله يا "منتصر" ابعت هاتها يا حبيبي يقولي لما هي تعوز تيجي مش هقدر أجبرها، أقوله علشان خاطر أبوك يقوله ما أنتِ أهو، صعبت عليا نفسي والله يا أم "مروة" وأنا قايمة أتسند أعمل لقمة للراجل، وأقعد استنى لحدما "خلف" ييجي…

توقفت عن الحديث حين بكت وبُحَ صوتها، تبكي بجدٍ وكأنها مظلومة في حماية هي الشريرة الوحيدة فيها، فربتت الأخرى فوق كفها وقالت تعلن التضامن معها:

_وحدي الله يا أم "منتصر" بقى كفاية، ياختي منها لله البت اللي متراعيش بيتها وحماتها في الوقت دا، مش كفاية أويها في بيته وعايشة في خيره؟ كمان بتتشرط؟ ماعرفش ياختي الواد "منتصر" جراله إيه من وقت ما اتجوزها، تقوليش ياختي راحت سحرتله؟ الواد ماشي وراها في كل حاجة، حتى كلمة عمه وأبوه كسرها لما رفض يتجوز "مروة" بعدما عاشت عمرها كله مستنياه، لأ يا حبيبتي شدي عليها وعليه، عارفة جوزك عمره ما هيفتح بوقه، شوفي "خـلف" خليه يكلم أهلها يقولهم.

لوت "خيرية" فمها بتهكمٍ واستهجانٍ وهي تقول مُعقبةً:

_ياختي بلا خيبة، كان عاوز يقول لجوزها يخليها ترجع ورجع خاف من أخواتها، بيني وبينك الدنيا كلها تخاف من الجدع الكبير "أدهـم" إلا أنا أخاف من السوسة الصغير "آدم" أعوذ بالله منه ومن لسانه ومن طريقته، الواد ياختي مش وش كسوف، ولسانه مبرد، دا يوم القايمة قالها بالفُم المليان كفاية أنكم واخدينها بنت عز وهتعيش معاكم في بيتكم، كمان عاوزين تقللوا من القايمة والدهب، وصمم يتحطلها ٥٠ جرام بعدما اتفقنا على ٣٠ بس، أهو أنا أخاف منه، اكمنها أخته مابيعرفش يسكت.

طرأت بعض الأفكار الخبيثة في عقل الأخرى فضمت كف "خيرية" تهمس لها بحديثٍ غير مسموعٍ دون محيطهما:

_ياختي ماهي برضه عيب تفضل هناك في وجود "أدهـم" دا ماهو يجوزلها برضه، طب "آدم" وأخوها راضع من أمها وتُحرم عليه، إنما التاني اللي أكبر منها بكام سنة دا؟ عيبة برضه علشان محدش يتكلم، وابنك لو بيحبها بجد وبيغير عليها يجيبها في بيتها أحسن، بدل ما الكلام يروح وييجي بشكل مش كويس، أنا فولت أقولك يمكن تكوني مش واخدة بالك.

بلغ الحديث مبلغه في عقل الأخرى حقًا، فلم تكن في حاجةٍ للبحثِ عن حُجة قوية تُخاطب بها ابنها فتبدو سفيهة في عينيه، ها هي وجدت الحديث الذي يجعلها صاحبة الرأي القوي وصاحبة الصوت الصحيح، سكتت عن الحديثِ والتزمت الصمت وهي تُقلب مقادير الوجبة التي تقوم بطهيها داخل عقلها..

أما من تجاورها فهي كانت تريد إيصال شيءٍ وقامت به، كانت تريد زرع فكرة مُحددة في عقل الأخرى وقد كان وفعلتها، تثأر لأجل ابنتها التي كرست قلبها لأجل رجلٍ وهذا الرجل التفت عنها وذهب لأخرى وفضلها عليها، فحتى لو لم تنعم ابنتها بهذا النعيم لن تتركه لغيرها تنعم هي به، مرضٌ يزداد في قلبها كلما ذهبت بعينيها لرزقٍ لم يكن لها، فتراه كثيرًا على صاحبهِ..

بالأسفل حاول "مُـرسي" أن يستفيق من تلك الكومة اللعينة لكنه لم يستطع، ارتفع السُكر في دمه وأصابته كومة تسببت في إغماءٍ له، فقد وعيه وتندى جسده عَرقًا، والسبب يكمن في إهمالٍ من ذويه والتلصص من مسؤولياتٍ هامة والسعي خلف ضلالٍ وبُطلانٍ، أمَّا النتائج فهي في علم الغيبِ..

ببيت "الشيمي" حيث مجمع البنايات السَّكنية..
كان صباحهم جديدًا وفريدًا بعد ليلٍ قضاه "آدم" ساهرًا بصحبة أخته التي عادت له، قضى الليل بأكمله معها هي و "ورد" غير مهتمٍ بغيرهما، حتى "أدهـم" ذهب لمكان "سُليمان" الخاص بسباق السيارات وقضى الليل بأكمله هناك، أما "آدم" فهو يقف منذ باكورة الصباح يصنع الطعام لأجل أخته التي لازالت مأخوذة من الواقع حولها ويسيطر عليها خوفها وخجلها معًا..

خرج يقوم برصِ الأطباق فوق المائدةِ وعاتبها حين قال بيأسٍ:

_برضه لسه قاعدة مكسوفة تتحركي؟ يا بنتي البيت بيتك والله، بعدين هي مش مسألة يوم واتنين وتمشي دا بيتك خلاص وليكِ فيه زي ما ليا بالظبط، قومي يلا كدا اتحركِ وساعديني، دوقي فطار أخوكِ وأديني رأيك.

ابتسمت وتحركت معه تعاونه في نقل الطعام من المطبخِ إلى المائدة الكبيرة في بهوِ الشقة، كانت مغرمة بتفاصيل الشقة والذوق الرفيع في تجهيزها، تبدو كشقة زفاف عروسين حديثي التزوج، أعجبها كل شيءٍ فيها وظلت تراقب التفاصيل براحةٍ سكنت عينيها، مقارنةً بالبيت المتهالك الذي كانت تسكنه فهي الآن تسكن قصرًا وهي الأميرة التي دخلته بالخطأ..

في الأسفل سحبت "ورد" المصعد كي تصعد لأخيها فوجدت "أدهـم" بداخله بملامح مُجهدة بان فيها أثر تعبه وإجهاده، وقد وقفت أمامه تسأله باهتمامٍ:

_أنتَ شكلك تعبان كدا ليه؟ وكنت فين من إمبارح؟.

_روحت التجمع علشان "سليمان" كان عاوزني أتابع كام حاجة هناك ومقدرتش أرجع تاني، نمت هناك وبصراحة اليوم كان تقيل إمبارح عليا أوي، شوفت فيه حاجات كتيرة فوق طاقتي، تعالي علشان تطلعي تشوف البلاوي اللي فوق.

ولجت المصعد وضحكت على سخريته ثم بدأت الحديث قائلةً:

_على ذِكر البلاوي اللي فوق بقى على فكرة اللي قولته إمبارح كان غلط، مكانش ينفع خالص يا "أدهـم" تندفع كدا وتقول كلامك اللي قولته، البنت أكيد اتضايقت، وكلامك عن "آدم" زعله بس والله العظيم والله العظيم كمان مرة هو كل اللي فرق معاه زعلك منه، وبعدها فضل يلوم نفسه كتير، صدقني هو أصلًا مايقدرش على زعلك.

كان المصعد قد توقف بالفعلِ فتنهد هو وقام بفتح الباب ثم قال بصوتٍ هاديءٍ بعدما تنفس بعمقٍ:

_عارف يا "ورد" والله، بس حطي نفسك مكاني البيه مختفي من قبلها بليلة كاملة من غير ما يقول لحد أي حاجة، وطول الليل النوم مهاجرني بسببه، وفي نفس الوقت يجيلي قبلها مكالمة من "حلمي" بيه يهددني ويقولي أنه هيوجعني عليه، ماحسيتش بنفسي بقى غير وأنا بخرج كل دا في وشه هو وهي.

كانت على علمٍ مُسبقٍ بما حدث مع "لمار" وزجها في المطعم الخاص بأخيها، لكنها آثرت الكذب أمام "أدهـم" وفضلت أن تهرب من الحديث لكنه أوقفه يطمئن عليها حين قال:

_سيبك من كل دا كل حاجة هتتصلح، المهم "منتصر" أخباره إيه برة؟ وأنتِ عاملة إيه؟ خليكِ مع جوزك واقفي في ضهره يا "ورد" سيبك من كلام الناس، الراجل مننا ما بيصدق يلاقي ست بتنصفه وتقف في صفه وضهره، وهو الله يعينه على غُربته، أنصفيه أنتِ على الأقل.

حركت رأسها موافقةً ببسمةٍ حنونة ثم أضافت برقةٍ طبيعية غير مفتعلة:

_حاضر والله، أنتَ عارف أنا بحبه إزاي، هو والله العظيم غلبان أوي، وطيب وأحلامه كلها جميلة زيه، ادعيله وادعيلي ربنا يراضيها ويراضيني معاه، ويعوضك خير يا رب.

ابتسم لها وراقبها وهي تدخل الشقة بينما هو فوقف بالخارج يُهيء نفسه قبل الدخول، تلك المقابلة التي لم يكنُ على استعدادٍ لها، خاصةً بعد أن قال ما قاله بالأمسِ حين قابلها، لذا اختصر الطريق للأعلى وصعد متوجهًا لسطح البنايةِ يجلس رفقة "سيمبا" وكأنه يهرب من شيءٍ مجهولٍ أو تأنيبٍ في ضميرهِ الحي..
____________________________________

<"لو كنت أعلم أن البحر غدارٌ ما كنت يومًا وقعت في غرامه">

أقوى المُفارقات المُضحكة في هذا العالم هي أنك قد تكره شيئًا قبل أن تعرف عنه أي شيءٍ، ومن ثم تفشل في نزع محبته من قلبك بعد أن تقع في حُبه، وكأنك تُحب المشقة وتهوى غرامها فقط لأجل شيءٍ نزع منك كل ما فيك حتى نفسك سلبها منك..

قبل أن يذهب للعمل أصبح لديه عادة جديدة بائسة، يعشق الجلوس في الظلام وحده برفقة مرمدة السجائر المنطفأة، يقوم بغلق الستائر ويهرب لنفسه القديمة، لنفسه التي لازالت تبيت في عناق الذِكرىٰ، شعر بطيفها يسري حوله فالتفت بلهفةٍ يبحث عنها، دار بعينيه في المكان ثم تنهد بثقلٍ وعاد من جديد يجلس في صمتٍ وقد أغمض عينيه ليسبح في بحر الذِكرىٰ القاسية..

وقتذاك عاد من الخارج لغرفته داخل الفندق السياحي..
أنهى رحلة الغوص مع الفوج السياحي ليلًا وعاد يشعر بالتعبِ؛ لكن وجود عالمه الصغير هنا كان سببًا قويًا كي يتلاشى تعبه كله، ولج الغرفة ليلًا وفتح وذهب حتى اقترب من فراش زوجته، وجدها تتسطح فوق الفراش وهي توليه ظهرها فتمدد بجوارها وضمها من الخلف وقبل أن ينام وجدها تلتفت له بعينيها الخضراوتين المتوهجتين وهي تقول بصوتٍ بانَ فيه أثر النوم:

_حمدًا لله على السلامة، اتأخرت ليه؟.

ابتسم حين وجدها مستيقظةً ثم لثم كلتا عينيها بتتابعٍ وضم رأسها لصدره وهو يقول بعدما سبق قوله بتنهيدة حارة كأنه كان مشتاقًا لعناقها:

_فيه فوج ابن مجانين كانوا مصممين ينزلوا دلوقتي المياه، نزلتهم علشان أخلص من زنهم، وأنتِ عارفاني غاوي تنشيط للسياحة الخارجية.

مازحها بحديثه بينما هي رفعت رأسها ترد المزاح بمزاحٍ يماثله:

_طب والسياحة الداخلية يا "يحيى" مالهاش نصيب يعني؟.

ضحك بعينيه فوجدها تُراقص حاجبيها له بمرحٍ، كانت ودودة تملأ عالمه بأكملهِ، كانت تملأ الفارغ الذي قرر أن يحيا هو به، كانت وصفًا لاسمها الذي لم يرَّهُ مُناسبًا لأخرى غيرها، كانت "مـودة" وتسحبه نحو أعماق قلبها بالرحمةِ، فيغوص ويغرق فيها وفي بحور عينيها الخضراء، كأنه طيرٌ نزل عند حقلٍ أخضر ووجد فيه جنته، ضمها لعناقهِ وقبل أن ينعم بالنومِ وجدها تقول بنبرةٍ هادئة:

_ما تيجي ننزل؟ عاوزة أقعد معاك تحت.

عاد للخلف وعقد حاجبيه يُناظرها بحيرةٍ فهمست بنعومةٍ كأنها تقصد أغواءه بفنٍ لم يستطع مجابهته:

_هتستخسر فيا شوية من وقتك؟ هو أنا لازم أكون زي السُياح المزز اللي تحت دول؟ البركة فيا أنا في الآخر، يلا بس علشان خاطري ماترفضش، بكرة هسافر مع بابا وهتوحشني الأسبوع دا.

أثرت عليه وأجادت ضربة هدفها فلم يمر الكثير من الوقت إلا وكانا سويًا على الشاطيء بالأسفل، كانت ليلة مميزة والنجوم تشهد على ليلتهما وهو يتمدد برأسه فوق ساقها، يراقب ضي القمر المُنير وصوت الموج يعزف أجمل لحنٍ سمعه في حياته، يرى الحياة من منظورٍ آخرٍ غير وحدته وعزلته بعيدًا عن العالم، يرى الدنيا من على بُعدٍ وهي معه، كأنه لم يكترث قط بغيرها في دُنياه، لذا مالت عليه تهمس بذات النعومة:

_حتى وأنتَ ساكت كل حاجة فيك مميزة.

اعتدل بنصف جلسةٍ وناظرها بنصف عينٍ وهو يقول بقلقٍ:

_أنتِ سخنة يا "مودة" ولا مالك فيه إيه؟ الكلام الحلو اللي ورا بعضه دا وراه حاجة؟ دا إحنا أول جوازنا ماسمعتش منك الكلام دا، فيه إيه ريحيني وقوليلي عاوزة تقولي إيه؟.

كان يعلم أنها تكاد تكون تخفي عنه شيئًا، تخفي عنه الحقيقة رُبما، وقد تكون تخفي عنه جزءًا من الحياة، لا يعلم لكن نظرات عينيها لم تُظهر شيئًا مُحددًا، وإذ بها تسحب يده تضعها فوق بطنها وهي تقول بنبرةٍ حماسية:

_أنا حامل يا "يحيى".

تيبس جسده من المفاجأة وناظرها بعينين مُبتسمتين دون أن يشعر، وجد الفرحة تنطلق وتنهمر من عينيه ثم ضمها لعناقهِ يُشدد ضمته لها وهي ترتاح أخيرًا من كتمانِ سرها بين ذراعيه وهي تقول بصوتٍ غلفته سعادة طاغية:

_مش قادرة أصدق إن ربنا كرمني بكل حاجة اتمنيتها، كنت بتمنى ربنا يكرمني براجل زيك رزقني بيك أنتَ، واتمنيت أكون أم وأهو برضه بشاركك أنتَ الحلم دا، أنتَ أحلى حلم اتمنيته وأجمل حياة عيشتها يا "يحيى".

عاد للخلف يراقب عينيها الباكيتين بعبرات الفرحِ وظلا يتبادلا النظرات سويًا حتى ضمها من جديدٍ لعناقه تستقر فيه بعد أن عبرت لشاطيء أحلامه تستقر فيه من بعد الضياعِ، تلك التي كانت تخشى البحر وقسوته أصبحت تعشق حتى طوفان موجهِ، وقتها أهدته الدنيا على جناحِ يمامة سلامٍ وكأنه تقول له أن يعبر لأرضها وكفىٰ غُربة وإنعزالٍ..

خرج "يحيى" من شروده على صوت الباب الذي صدح جرسه وعلى سخونة عبراته حين أحرقت وجنته، تنهد بوجعٍ وتحرك ولُفافة التبغ في يده نحو الباب يفتحه وقد وجد في وجهه خاله، تعجب من قدومه له في هذا التوقيت لكن الآخر ما إن رآه ضمه لعناقه وهو يقول بلهفةٍ:

_ليك وحشة يا ابن الغالية.

شعر "يحيى" بالذهول حال عناق خاله له، كأنه لم يعتد على لمسة أحدهم له بهذا الشكل، لكن عواطفه سُرعان ما عادت من جديد للعملِ فرفع ذراعيه يضم خاله وهو يقول بصوتٍ مبحوحٍ:

_أنتَ اللي ليك وحشة والله.

بعد مرور دقائق جلسا سويًا في الشرفة مع بعضهما وقد جلس خاله يرتشف القهوة بينما الآخر يملأ جسده بدخان التبغِ، لاحظه خاله ولاحظ المرمدة الممتلئة حتى آخرها فقال بضجرٍ منه:

_يابني كفاية خلاص، كل دي سجاير هتموت نفسك.

رفع "يحيى" عينيه له وقال بخيبة أملٍ تُزينها بسمة حسرة:

_وإيه يعني ما أنا ميت، هتفرق أوي يا خال؟.

_على الأقل علشان بنتك اللي متعلقة في رقبتك دي، علشان تفضل صالب طولك وواقف على رجلك وتحارب علشانها، يابني مراتك الله يرحمها لو كانت شافت حالك كدا وحال بنتها كانت ماتت من قهرتها، دا نصيب يا حبيبي وربنا أراد ليك الاختبار دا، يابني أنا قلبي وجعني عليك، مين يصدق إن "يحيى نصار" الغواص اللي الساحل كله عارف صحبته للبحر يبقى دا حاله؟ دا حال يرضي مين

جاء هذا الرد من خاله بينما هو رفع عينيه بقهرٍ وقال:

_وهو يرضي مين يحصل اللي حصلي دا؟ مراتي تموت ويتهموني فيها بنتي وصوتها يروح وماعرفش حتى أساعدها، عمي يجبرني أروح مستشفى علشان أثبتله إني مش مجنون ولسه في وعيي، واتغرب ويتحكم عليا بالسجن بس في دنيا كبيرة شوية عن الزنزانة، صدقني مش فارقة والله…

توقف عن الحديث وزفر بقوةٍ معبرًا عن ثقلٍ يسكنه ثم قال بنبرةٍ أهدأ والكسر بدا فيها بشكلٍ أعمق:

_سيبك مني، أبويا عامل إيه دلوقتي؟.

كان القلق يظهر من كلماته رغمًا عنه وعن أنف جموده، لكن خاله ابتسم وقال بصوتٍ ظهر فيه الصدق والحقيقة التي لم تُخفَ عليه وكأنه يراها بقلبه:

_أبوك دلوقتي أحسن بكتير، مكالمتك معاه فرقت كتير أوي فوق ما تتخيل واحتمال يخرج بكرة، عمك معاه بصراحة مش سايبه، وهو لو عليه مش عاوز حاجة غير إنه ياخدك في حضنه بس للأسف صعب، "حسين" مفتح عينيه أوي عليك ومتأكد إنك هتروح تشوفه، بس معلش بكرة هنشوف صِرفة ونخليك تشوفه.

شرد "يحيى" بعينيه في جهةٍ أخرى وهو يتذكر ملامح أبيه، وجد نفسه يُغالب جموده والشوق ينتصر عليه ويخبره أنه مهما تصنع وكذب لن يخفي حقيقة شوقه ولوعته على والده، حتى لو كان يشعر أنه لم ينصره النصر الكافي في حربه، لكنه لن يجرؤ على تخطيه كونه أهم قائد في معاركهِ..

وفي الجهةِ الأخرى بمدينة "الغردقة"..
في مشفى استثماري يقدم أفخم رعاية وعناية للمرضى كان "حسني" يتسطح الفراش وحيدًا وعيناه لم تبرحا الشرفةِ، يراقب البحر الهاديء ويتذكر رحيل ابنه عنه، لازال يتذكر صفات ملامحه وكل شيءٍ يخصه، يتذكر ضحكته ومرحه وحلاوة روحه، وأصبح يقارنه بهذا الذي أصبح عليه فيحزن قلبه على موت شخصٍ لازال حيًا..

شعر بباب الغرفةِ يُفتح فحرك رأسه ليجد شقيقه يتقدم ابنه ويجلس بجوار الفراش وهو يقول بثباتٍ بعض الشيء:

_الحمدلله الدكتور قال إن السكر دلوقتي مستقر وتقدر تخرج بس لما تقيس السكر والضغط تاني، على بكرة بالكتير هتكون في البيت يا "حسني" متقلقش، ولا أنتَ مش عاوز ترجع بيتك؟.

سأله بنبرةٍ تحمل من الخُبثِ ما يكفي، فانتبه له شقيقه وهو يقول بتيهٍ مفتعلٍ كأنه لم يفهم مقصده من الحديث:

_ليه يعني مش هاعوز أرجع؟.

_يمكن تكون مستني حد يجيلك، ألا قولي صحيح "يحيى" مجاش يشوفك؟ قولت مستحيل يفرط فيك للدرجة دي.

رمى الحديث قاصدًا إلهاب النيران بكل عمدٍ، فيكفيه الحرب الباردة عند هذا الحد ولتلتهب بكل ما فيها وتنطلق شظاياها كي تنطفيء نيرانه هو، لكن "حُسني" تمالك نفسه لحدٍ معقولٍ وقال بثباتٍ كاذبٍ:

_مش عاوزه ييجي يا "حسين" ولا عاوز أشوفه، قولتلك الموضوع دا خلص من زمان، وبلاش تجيب سيرته قصادي.

ابتسم شقيقه بزاوية فمه وأخرج سؤالًا منطقيًا في وضعهما:

_وياترى بقى مش عاوزه ييجي علشان أنتَ خلاص مش عاوزه ولا خايف عليه لو جه هنا؟ عمومًا أنا مش هسيبه ومسيري هلاقيه لو كان فين، بس لو لاقيته والله العظيم روحه ما هتبقى كفاية وقتها، هحرق قلبه قبلها زي ما هو عمل فيا، ابنك قوم الحرب ومشي وساب كل حاجة ورا ضهره، عاوزني إزاي أسيبه يا "حُسني".

طالعه أخوه بخوفٍ حقيقي، لم يُصدق أن شقيقه قد يفعلها ويؤذي ابنه الوحيد، شعر كأن الأرض تميد به لكنه مدَّ عينيه نحو الشاب الواقف وقال بصوتٍ غائمٍ كما سماءٍ مُلبدة بغيومٍ:

_طب قول حاجة يا "يُسري" مش دا ابن عمك دافع عنه حتى.

طالعه الشاب بنظرةٍ مقتولة، نظرة رحلت الحياة منها وقال بصوتٍ أعرب عن خيبة الأملِ:

_ابنك اللي وصلنا لكدا يا عمي، أنا الوحيد اللي قولت إني واثق فيه ومعاه وأكيد هساعده الدنيا تتصلح بس هو أناني، بص لنفسه ومشي حتى مشالش هم العيلة الصغيرة اللي بقت عاجزة عن الكلام معاه، قولي الحل إيه غير إني أطفي ناري منه؟.

تعجب "حُسني" كون هذا الحديث يخرج من هذا الشاب تحديدًا..

لكن لمَّ العجبُ إذا كان عدو اليوم هو صديق الأمسِ؟
فاليوم من يقف ويرفع راية بدء الحرب ضدك هو من كنت تسعى أنتَ لتغمر أيامه بالسلامِ، اليوم من تخشىٰ القُرب من مساحته كان هو أرض الأمان لك، لمَّ العجب والصديق حين انقلب عدوًا أصبح مُخيفًا أكثر من مدينة أعداءٍ كاملة وكأنه ينتقم منك على كل ليلةٍ طمئن قلبك فيها ليحول هذه الطمأنينة لخوفٍ..
____________________________________

         <"ألم بالرأس وطلقة بالقلب وجرح بالروح،
                    وكلمتك وحدها تقتلني">

هُناك كلمة واحدة تُقال فتمحو كل شيءٍ..
تمحو الأثر الطيب السابق وتمنع الخير من القادمِ، 
تجعلك على حافة الهاوية في بئرٍ مُظلمٍ، قد تكون تلك الكلمة هي وحدها التي تسلب منك الحق في الحياة، 
وقد تكون هي أيضًا أملك الوحيدة في النجاة
_بشرط أن تبقى مكتومة ولا تُقال_
لكن على كلٍ تبقى في وجهة نظر صاحبها مجرد كلمة.

يومه أصبح غريبًا، كل شيءٍ هُدِمَ فوق رأسه، منذ أن ضاع الصغيرين من يديه وهو يقف قليل الحيلة وهو يشعر بالضياعِ، كأن كل القبيلة أشعلت الأحطاب وتركوه وحده في بردِ الشتاء يتسول بحثًا عن الدفء، لكن هل مثله يستحق البردَ وكأنه أضاع حرارة الشمس من يديه؟ كانت حالة "سُليمان" يُرثى لها، ميتٌ فوق الأرض ومفقودٌ في ألقاب الحياة، ومعه الرفيق الذي لم يتخلَ عنه، يشدد أزره ويجاوره في مصابه، يقف "أدهـم" داعمًا له، يجاوره ويُطمئن قلبه..

نزلا سويًا لمكتب محامٍ خاص بالأحوال الشخصية وهو صديقٌ قديمٌ لهما، عرضا عليه المسألة القانونية ليستشيراه ويفضي لهما برأيه القانوني، لكن حال "سُليمان" لم يسمح له بالتفاوض، فرفع صوته يسأل بنبرة مظلومٍ في حكمٍ صدر:

_أنا عاوز أفهم يعني إيه قضية تترفع وتكسبها، وتاخد العيال بحكم وأنا ماعرفش، على الأقل كنت هاروح أقدم التقارير الطبية اللي تثبت حالة "سالم" وإنه مريض، إزاي أصلًا يتحكم ليها ومفيش طلاق ولا فيه أي حاجة بينهم؟ هو القانون بمزاجه؟.

قدَّر الشاب حالته فحمحم وقال بهدوءٍ مراعيًا حالته:

_أنا معاك في اللي بتقوله يا "سليمان" وحاسس بيك، بس هافهمك اللي حصل جه إزاي، مدام "صابرين" رفعت قضية نفقة على أخوك أنه مش بيصرف عليها وحارمها من ولاده، وأكيد قالت إنه هربان منها وسايبها زي بيت الوقف وبالتالي القانون هياخد صفها لأن الزوج سايبها، وفي نفس الوقت اتهمته بخطف الولاد منها، فبقى أخوك في نظر القانون بيشكل خطورة عليها لأن غير أمين ولا مسؤول عن الولاد، وفي نفس الوقت هي الأم وليها الحضانة طالما الأطفال لسه صغيرة.

توسعت عينا "أدهـم" وفرغ فاهه وهو ينظر لوجه رفيقه، لكن السؤال الأول الذي جال بذهنيهما كان منطقيًا حيث قال الأول:

_طب وهي ليه تعمل كدا في ابن خالها؟ على يدي أنا "سالم" ماحرمهاش من حاجة، عربية وفلوس وبيت وعمره ما خلاها محتاجة حاجة، ليه تعمل كدا؟ والأهم إزاي ولا مرة جاله محضر جولا استدعا ولا أي حاجة تخليه يحضر ويدافع عن نفسه؟.

سأل يخرج شتات أفكاره من رأسه، فقال الخبير يجاوبه:

_علشان ببساطة تقدر تغير العنوان، يعني تحطه على عنوان قديم أو عنوان عارفة إن محدش فيه وتتفق مع حد يضلله، وفي الأغلب هيكون العنوان اللي في بطاقته ودا أكيد لأن "سالم" في بيت والدته، أو محل الميلاد اللي في شهادة ميلاده ودا الأكيد لأن بيته القديم مافيهوش حد ومقفول، وهي اتحركت صح أوي.

وهنا تدخل "سُليمان" يقول بصوتٍ عالٍ:

_دي غبية، "صابرين" طول عمرها دماغها واقفة وماتعرفش تفكر لوحدها كدا، أكيد حد فهمها تعمل إيه علشان تكسب القضية وتاخد الحكم لصالحها، وأكيد هتبقى المحامية الـ**** اللي معاها هي دي اللي هتبقى ساعدتها.

كان منفعلًا وهو يسبها بلفظٍ يتجرد من الأخلاق، وقد سأله المحامي عن اسمها ونسبها ليقول هو بجمودٍ كأنه يكره أن ينطق باسمها:

_اسمها زفت الهباب "رحمة محمد المشير" لاقيته مكتوب في نسخة الورق اللي الزفتة سابته، هتلاقيها محامية شمال من اللي بيلعبوا بالورق صح.

ابتسم الآخر بزاوية فمه وقال بسخريةٍ:

_مش تقول أنها فيها "رحمة المشير" ما طبيعي تكسبها، دي مفيش واحدة ست راحتلها غير لما خدت حقها تالت ومتلت، عارف فيه كام راجل بيتهم أتخرب بسببها؟ عمومًا مش عاوزك تقلق، هتعملي توكيل علشان أبدأ أتحرك، هنعمل طعن على الحكم بحجة ظهور أدلة جديدة اللي هي تقارير أستاذ "سالم" الطبية وهقول إن الزوجة تحايلت علشان تاخد الحكم لصالحها، حاجات كتير بس من بكرة لازم توكيل علشان ألحق اتحرك.

عاد "سُليمان" للخلف يرتمي بظهره على المقعد وكل ما فيه يستشعر ثقل الدنيا عليه، فآهٍ لو كانت الدنيا أخف من ذلك، آهٍ لو كانت باليُسرِ الكافي الذي يجعله يتوقف ليلتقط أنفاسه، لمَّ الدنيا بتلك الصعوبة على أحلامٍ يسيرة؟ وكيف أنقلبت فجأةً ليصبح في حربٍ دائمة لا يستحق بها هُدنة حتى؟ هو الذي عاش عمره كله بالسلامِ ولم يعهد حربًا في حياته قط، لتصبح الأيام بأكملها قاسية كحربٍ غادرة.

بعد أن أنهى المقابلة الشخصية مع المحامي ذهب للمشفى، ذهب يرى شقيقه ورُبما يستمد منه أمنًا من نوعٍ خاصٍ، فلربما يجد عنده ما لم يجده في نفسه، وقد يرى فيه النور من وسط الظلامِ، لذا ولج الغرفة التي يستقر فيها شقيقه والخيبة تُحيط به، فعينٌ تبكي على الأخ المُسجىٰ فوق الفراش وعينٌ أخرى تبكي قسوة الحالِ، وما بين الحالين هو ضائعٌ، لذا ناداه بهمسٍ خفيضٍ يسأله:

_"سالم"...قولي أعمل إيه علشان حقك يرجع؟ والله العظيم حاولت أحافظ عليهم ولو كنت أعرف أنها هتعمل كدا كنت خليتهم معايا وخافيتهم عن عينها، بس أنا والله العظيم ما كنت أعرف، إحساسي دلوقتي أصعب علشان بقيت خايف تفوق، خايف تفوق قبل ما أرجعهم وتلاقيهم مستنيينك ترجع ليهم من تاني، خايف أشوف في عينك بصة كره ولا حتى إني كسفتك وقصرت رقبتك وأنا والله كان عندي استعداد أخسر روحي علشانهم، مش بس بيتي وحياتي.

كان يريد أن يكشف ضعفه، أن يقوم بتعرية وجعه دون أن يُصدَر الحُكم عليه بالضعفِ والهوان، وقتها بكى دون أن يشعر، نزلت عبراته تواسيه وتخبره أنها لن تُفارقه، وحين رفع كفيه يمسح وجهه لمح مُقلتي شقيقه تهتزا خلف ستار الجفون، فرغ فاهه ومال عليه بلهفةٍ:

_"سالم" أنتَ سامعني، "سالم" أنت بتفتح عينك صح؟ قوم يا "سالم" وكلمني.

فتح شقيقه الجفون أخيرًا كأنه يستجيب له، فرقهما بصعوبةٍ ووهنٍ وكأنه الميت الذي عاد للحياة، فتوسعت عينا "سُليمان" وقفز قلبه من موضعه، ثم أدرك فمد يده يمسك كف شقيقه بينما الآخر أصدر همهمات خفيضة كأنه ميتٌ يُنازع للبقاء على قيد الحياة، لكن في اللحظةِ ذاتها الروح عادت له ولمن يجاوره، خاصةً حين نادى على الطبيب فولج مُهرولًا له وتفحصه وحينها أنارت بسمة مشرقة وجهه وهو يقول:

_الحمدلله الأستاذ "سالم" فاق تاني.

والجُملة هذه لم تكن مجرد كلمات أحيت القلب الميت، بل كانت الحياة بأكملها له، جملة قد لا يكون لها محلًا من الإعراب النحوي، لكن في الواقع هي تُعرف بعودة الحياة لصاحبٍ ظن الموت نهاية الطريق ورغم ذلك أصر أن يُكمله على أملٍ بسيطٍ برؤية الحياة البعيدة، وها قد وجدها أخيرًا، لكن الحياة أتت من رحمِ الموت والمُعاناة والآن سوف تبدأ حربٌ من نوعٍ آخرٍ..
____________________________________

   <"كنت أرى بقلبي الحق معك، وبعقلي أنتَ مع الحق">

حين نُحب يُصيبنا العمىٰ..
فلا نُبصر أي خطأٍ، وكأننا نرى فقط الحق والحقيقة لكن بمنظورٍ واحدٍ، نتغاضى عن أخطاءٍ قوية في سبيل حُبٍ غير مكتمل الأركان، يستند على طرفٍ واحدٍ والطرف الآخر يستمتع على حساب الثاني، والحقيقة لازالت مغمورة في جُب هاويةٍ مُظلمة..

أثناء استراحته من العمل يحدد الوقت لمخابرةٍ هاتفية بين الأهل والحبيبة، فبدأ بأهلهِ أولًا يطمئن منهم ليجد أمه تشكو وتبكي، ترثي حالها وحال زوجها في غياب زوجته هو، وتزيد وتزبُد في الحديث بقولٍ معتدل المذاقِ ليتناوله باقتناعٍ وهي تقول ببكاءٍ متقطعٍ:

_كنت بجيب أكل من تحت علشان أعمله لأبوك ودوخت في الشارع والناس والجدعان اللي يراضيهم ويفاديك يادي الجدع اللي لحقني، وسندوني وجابولي عصير وفين وفين يا حبيبي لما فوقت والروح ردت فيا علشان أرجع البيت ألاقي أبوك في كومة سكر، والروح رايحة منه، بقيت أصرخ وأصوت علشان حد يلحقه…

توقفت عن الحديث باكيةً ثم أكملت بذات النبرةِ اللعوب:

_قولت يا حبة عيني راح مني خلاص، لولا الجيران الله يراضيهم ومرات عمك رنت على بنتها "مروة" جت جري ولحقته وفوقته وبعدها خد حقنة السكر، اتبهدلنا والله وعرفت قيمة "ورد" خالص وبقيت ادعي ربنا ترجع تاني، على الأقل حد فينا كان بيكون معاه، بس نقول إيه بقى، يلا جت سليمة مالناش بخت في حاجة، بس أمانة عليك ما تقول لأبوك اللي حصل، صعبت عليه نفسه يا حبة عيني وعيط، أول مرة يعيط من زمان.

اتقدت النيران في قلبه وهو في غُربته عنهم، شعر بقلبه ينقبض لأجل أسرته وقال بقلة حيلة وخيبة أملٍ:

_أنا يعني كنت بتغرب علشان يحصل كدا؟ في داهية الفلوس لو دا هيحصل، أنا هكلم "ورد" وأطلب منها ترجع اليومين دول لحد ما بابا يتحسن، هي قالتلي أنها بقت أحسن دلوقتي، على العموم خلي بالك من بابا ومن نفسك وخلي "خلف" يجيب الطلبات هو قبل ما يمشي، شقيه شوية يا ماما ويعتمد على نفسه هو مش صغير، دا عنده ٢٥ سنة واللي زيه بيسعى يفتح بيت.

_يا حبيبي في شغله بييجي نص الليل، نزل مع واحد جارنا في كافيه كدا ماسك الكاشير هناك، ومبسوط علشان الشغل من العصر لحد بليل، وقبلها بيكون نايم من التعب هعمل إيه يعني؟ بس والله اتبهدلنا خالص وأبوك صعبان عليا أوي.

أغلق معها بعد أن طمأنها أن كل شيءٍ سيكون على ما يُرام ثم زفر بقوةٍ، شعر أن الهموم تزداد حوله، لذا طلب رقم زوجته التي جاوبته بلهفةٍ وهي تضحك، لكنه قال بصوتٍ غلفه الحزن:

_معلش يا "ورد" ينفع ترجعي البيت علشان بابا تعب وجاتله كومة سكر وأنتِ مش هناك وماما لوحدها ماعرفتش تتصرف.

أصابها الذهول وتبدل حالها وهي تقول بغير تصديقٍ:

_عمو !! حصله إيه؟ ما أنا كلمته الصبح وكان كويس.

_هو أنا هكدب يعني يا "ورد" عليكِ؟ اتصلت ولاقيت الدنيا خربانة هناك ومش عارفين يتصرفوا، وماما عمالة تقولي عرفت قيمتها وكانت معانا وساندانا، يا ستي روحي بس طمنيني عليه ولو عاوزة تمشي تاني أمشي أنا مش هاجبرك.

لاحظت اندفاعه في الحديث فانفعلت هي الأخرى بقولها:

_إيه يا "منتصر" أنتَ بتزعقلي ليه؟ وإيه الجديد يعني طيب؟ كل مرة باجي فيها عند ماما لازم مامتك تقول كدا لحد ما أرجع، ولما برجع تاني بتفضل تسم بدني بكلام زي الزفت، وأفضل أسكت أسكت علشان خاطرك، وبراعي ربنا فيك في غيابك، بس هتزعقلي أنتَ كمان؟.

_أنا مازعقتش يا "ورد" بس حطي نفسك مكاني، أبويا كان هيروح مني وأمي ست كبيرة وأنا متغرب مش عارف أعمل إيه ولا إيه، وعمري ما قصرت معاكِ علشان عارف إنك بتيجي على نفسك علشاني، وأنا هنا مطلوب مني أشتغل وأراضي أهلي وأراضي مراتي ومش هينفع آخد صف حد على حساب حد، وأنتِ بالذات عارفة اللي فيها.

تنهدت وهي تحاول كتم رد فعلها ثم قالت بقلة حيلة وفراغ يدٍ:

_ماشي يا "منتصر" وأنا هعمل بأصلي وهاروح علشان خاطر عمو، بس والله لو لاقيت عكس اللي اتقال وطنط قالت كدا وكبرت الموضوع علشان أرجع أنتَ هتبقى ملزوم تردلي حقي، وكدا أنا عداني العيب، علشان أنا عمري ما هقصر مع باباك ولا مامتك بمزاجي غير لو فعلًا كنت تعبت ولازم أفصل شوية.

كانت تهاوده حتى تستقر الأمور وتُنهي المكالمة التي أتت بغير توقعٍ، وهي حالها كحالهِ، فكلاهما ينقسم لنصفين، ما بين أصولٍ يتبعها وبين واجبٍ مفروض وبين راحةٍ لازمة، هو يحارب لأجل أفرادٍ وهي تحارب لأجلهِ هو في سبيل إنارة الطريق، على الرغم أن إنارة الطريق هذا لن تأتي إلا في نهايته فقط..

أغلقت الهاتف بغير الوداع المعتاد وتحركت تجمع حاجتها، فولجت أمها خلفها تضم كفيها على بعضها وتقول بتهكمٍ كأنها اعتادت هذا الروتين بحذافير حبكته الدرامية:

 ص١ موال كل مرة، تيجي تقعدي يومين والمكالمات تشتغل، أصلي تعبت، أصلي وقعت، أصل أبوك وقع، أصلي ماعملتش أكل، وقعت في السوق، وتروحي تخدميهم وتشيليهم وياريتك حتى بتتشكري، وهو بعدما يعلي صوته ويزعلك يرجع يراضي ويحايل وكل دا علشان إيه؟ الحب يا شيخة يغور دا حب يخليكِ تدبلي بالشكل دا، عملك إيه "منتصر" غير إنه بيسحب طاقتك وروحك وهو برة مريح دماغه، أنا مش وحشة يا "ورد" بس حقي أزعل على بنتي.

نزلت عبرات "ورد" وجلست على طرف الف،راش تضم جبهتها بتعبٍ اتضح عليها وفي تلك اللحظة اقتربت منها "ربـاب" وضمتها لعناقها وتركتها تبكي وهي تُربت على ظهرها وهي تسألها بحنوٍ بالغٍ:

_مالك يا حبيبة ماما، قولي إيه مزعلك.

_تعبت، تعبت يا ماما والله، كل اللي بيحصل دا فوق طاقتي وفوق طاقته هو كمان، أنا بحبه وعارفة إن هو بيحبني بس مشكلتنا في أهله، أمه تتفات ليها البلاد كلها وأبوه راجل غلبان وقاعد لا أنا قادرة أتحمل أمه ولا قادرة أموت ضميري ناحية باباه، أنا مش عاوزة أخسر "منتصر" علشان هو ماعملش حاجة تخليني أخسره، قوليلي لو مكاني هتعملي إيه؟.

ربتت أمها على ظهرها وقالت بحنوٍ عاد يملأ موضع الكلمات:

_هعمل اللي يريح ضميري يا "ورد" يمكن أنا مش واخدة بالي من وضعك علشان أنا مش مكانك، بس أقولك حاجة؟ حتى لو مكانك عمري ما كنت هاجي على نفسي علشان حد، بس هي دي تربية "عـرفه" قدر يديكِ الحنية اللي تخليكِ توزعي منها على كل اللي حواليكِ، ربنا يراضيكِ يا بنتي زي ما أنتِ مراضية الكل، روحي يا "ورد" وشوفي حماكِ يا بنتي وربنا يريح قلبك بس بالله عليكِ لو حد زعلك كلميني، هاجي لحد عندك.

وافقت أمها ثم لثمت كفها كأنها تسترضيها، بينما "ربـاب" فكانت تعلم أن ابنتها تغلبها العاطفة، تلك التي لم تفلح في التعامل بعقلانية بحتة وتعود من جديد لنقطة العاطفة تُجابه بها حرب الأيام، لذا ربتت عليها وهي تتمنى لتلك الزهرة أن تفلح في حرب أيامها هذه وأن تنتصر هي في الطريق رغم صعوبته عليها.
____________________________________

 <"وإن عاد الزمن وعادوا الرفاق مَن يُعيد رونق الذكرى؟">

ليست كل الذكريات تتحول لأشواكٍ مع مرور الزمانِ..
فبعضها يظل هكذا كما هو برونقه، يظل كما هو جميلًا عند تذكره كأنه تحضره حال حدوثه، ليست كل الذكريات مُرة وقاسية، فبعضها لم يزل محتفظًا بنقاء روحه وبساطته..

فوق البناية كان "آدم" يجلس هناك بجوار الكلب يُطعمه نظرًا لغيابِ "أدهـم" عنه وقد صعدت "عُـلا" له حين هاتفها وطلب منها أن تتوجه له وبمجرد أن صعدت شهقت بعنفٍ وارتدت للخلفِ بينما هو اعتدل وقال بصوتٍ ضاحكٍ:

_أنتِ بتخافي من الكلاب ولا إيه؟.

اهتزت حدقتاها وقالت بصوتٍ مرتجفٍ:

_قصدك بغل، دا كلب إزاي يعني؟.

ضحك لها بعينيه ثم اقترب منها وهو يقول بصوتٍ ضحوكٍ:

_بصي أغلطي فيا عادي، اشتميني عادي تغلطي في عيلتنا على راسي والله، لكن تغلطي في "سيمبا" دي غلط أوي، وخصوصًا لو قدام "أدهـم" علشان دا أيده طرشة ومبيتفاهمش.

_ومابيفهمش.

نطقتها هي تقاطعه فطالعها "آدم" بعجبٍ في أمرها لتُضيف هي بقهرٍ بسببه حين تذكرت قوله في حقها:

_أخوك دا لسانه طويل ودبش وعديم الذوق، فيه راجل يقول لبنت الكلام اللي أخوك قاله دا ليا؟ والله لولا وجودك ولولا إني في بيتك وبحترمك كنت وريته أنا هعمل فيه إيه، كنت هخليه يتمنى الأرض تتشق وتبلعه جواها..

_خلاص إحنا فيها، اعتبري "آدم" مش هنا وإنه مش موجود ووريني هتعملي إيه يخليني أتمنى الأرض تتشق وتبلعني يا حلوة.

أتى الصوتُ من خلفها فجأةً كي تتسع عيناها وهي ترى وجه أخيها لأمها الذي تحول كُليًا وأصبح باهتًا وكأنه يركض في صحراءٍ جافة بحثًا عن حل الموقف، لكن "أدهـم" تقدمها ووقف في مواجهة أخيه يهتف بجمودٍ:

_أهيه بتغلط فيا قدامك وأنتَ واقف تسمعلها وماحاولتش حتى توقفها عند حدها، علشان تعرف بس إنك راجل ضلالي وبذمتين وذمتك مش واحدة، تُشكر يا سيدي بس وربي وما أعبد لو فتحت بوقك معايا تاني لأكون مكسر عضم أهلك في أيدي وأخليك مش نافع تاني، اخفى من وشي بقى.

تحولت ملامح "عُـلا" حين لمحت وجه أخيها أصبح باهتًا لهذا الحدِ ثم رفعت صوتها توجه الحديث للآخر قائلةً:

_أنتَ بتكلمه كدا ليه وهو ماله يعني؟ كلامك معايا أنا علشان أنا اللي اتكلمت ومبخافش من حاجة وقولت كدا لأني متضايقة من طريقتك وكلامك عني وعنه وقتها، وآخر مرة تهدده ولا ترفع عينك فيه، هو مش بيشتغل عندك علشان تكلمه كدا، ولا أنتَ ليك حق تعامله كدا.

التفت لها "أدهـم" يُرشقها بنظراتٍ نارية وقبل أن ينطق بكلمةٍ واحدة اندفع "آدم" يفصل بينهما وهو يقول بلهفةٍ:

_علشان خاطري هدي نفسك، عيلة وغلطت يا كبير وعندي أنا دي، هي ماتعرفش اللي فيها اعتبرها أختك يعني، هي أختك فعلًا وأنتَ عارفها من قبلي، مش قولتلي إنك شايل فضل وجود أمي في حياتك، عديها علشان خاطر أمي حتى.

تمالك "أدهـم" أعصابه بصعوبةٍ ثم تجاوزهما واقترب يجلس بجوار الكلب وهو ينهي الحوار بينهما بهذه الطريقة وقد دفعها "آدم" من المكان وتحرك بها نحو المصعد قبل أن تزداد الأمور سوءًا أكثر من هذا الحدِ وتنقلب على عاقبيها أكثر، بينما "أدهـم" فتنهد بثقلٍ وجلس على رُكبتيهِ وهو يتذكر الماضي مع نفس الفتاة في صغر عُمرها حين وُلِدَ "آدم" وتشاجر معها بسببه لتقول هي باندفاعٍ وقتها:

_دا أخويا أنا مالكش دعوة بيه، ماما قالتلي إن هو أخويا أنا هات أشيله زي ما أنتَ بتشيله أنتَ كمان، اشمعنا أنتَ يعني؟.

_علشان أنتِ صغيرة وهتوقعيه من إيدك بعدين هو أخويا أنا كمان مش أخوكِ لوحدك بابايا وباباه واحد، أنتِ اللي مش أختي وأصلًا أنا مش عاوزك تكوني أختي، عاوزه هو بس.

عاد من الذكرى على حركة "سيمبا" بين يديه فتنهد بحرارةٍ ثم قال بضجرٍ وضيقٍ بسبب عودتها ومزاحمتها له في قلب أخيه:

_دي إيه اللي جابها تاني دي؟ هي ناقصة صداع.

تحرك بعد جملته وخلع سترته ثم تمدد فوق الأريكة الخشبية الموضوعة ووضع ساعده فوق عينيه يغمضهما لينعم ببعض الراحةِ أخيرًا بعد يومٍ عصيبٍ عليه وعلى طاقته ومشاعره.

وفي الوقت ذاته كان "حلمي" يجلس في محل عمله يستند على مقعده ويفرد ظهره للخلفِ وهو يتذكر أمه، أرقت الذكرى مضجعه وجعلته كمن يجلس فوق أحطابٍ مشتعلة، لن يقدر على تخطي الأمر مهما فعل، لقد اشتاق لها ولتواجدها معه، أن تكون حاضرة بقلبها في حياته وتمنحه السلام كما كانت، انقلب بعد رحيلها عنه ليصبح غريبًا عن ذاته، حياته أصبحت على المحكِ يحياها بغير روحٍ، يستغل الفُرص كما هي ويستسغي كل لُقمةٍ لمضغها، لذا يشعر أن جزءًا من الروح لازال مفقودًا..

صدح صوت هاتفه برقم مساعده فاعتدل في جلسته يجاوب على المكالمة بمللٍ ليقول الآخر بصوتٍ يؤكد له بالضرسِ القاطع:

_طلع كلام الواد "عبده" صح فعلًا يا رياسة، الحج "عبدالحق" باع المحلات لابن "الشيمي" بالمخازن، وكدا إحنا لبسنا في البضاعة ولبسنا في الحيطة.

توسعت عينا "حلمي" بصدمةٍ وتيبس جسده بمجرد أن تيقن من الخبرِ، لذا أصبح الثأر لديه مُضاعفًا، فكيف له أن يتخطى الخسارة إن كانت بتلك الفداحة؟ الآن وحده "أدهم" من سيدفع ثمن كل هذه الخيبات بلا شكٍ وعليه تحمل العواقب إذا كان الصديق انقلب عدوًا في ساحة العِراكِ..
____________________________________

     <"لم تكن رؤيتك صدفة عابرة، كنتِ الطريق بذاته">

ربما قد تكون الحياة في نظرك مجرد طُرق للهلاك، و لكن قد يجمعك القدر صُدفةً عابرة بأشخاصٍ هم سُبِل النجاة، لطالما كان المرء دومًا في حاجةٍ للآخرين، لكن هل الحاجة قد تجعل من مَرَّ في حياتك صُدفةً يولد فيك الحياة من جديد كما النضفة ؟ إذا أردت الجواب هيا بنا لنعرف كيف وجد الأخرين النجاة من بعد الهلاك..

في بيت "طـاهر" صدح صوت هاتفه برقمٍ من الخارج، رقم جعله يتعجب لكنه جاوب على الإتصال ليجد صوتًا بدا مألوفًا له وهو يقول بنبرةٍ حادة كنصلٍ ينغرس في القلب:

_إزيك يا "طاهر" معاك "ماهر" أخو "ناجي" الله يرحمه، الحقيقة إني عرفت إنك مسكت الشغل بعد وفاة "ناجي" بناءً على إيه معلش؟ وبأي حق تعطل ورق الورث الخاص بالعيلة وحضرتك مجرد غريب عنها؟ أيًا كان وصفك دا مايخليش معاك حق للتدخل في خصوصيات العيلة.

تعجب "طـاهر" من الحديث لكنه قال بثباتٍ:

_بناءً إنك مش موجود يا "ماهر" ولا كنت معانا ولا حتى جيت دفنة أخوك، بنات أخوك لوحدهم وأنتَ راضي ليهم بالتعب والبهدلة دي؟ عمومًا دا حقك وأكيد مش هقرب من شغله وفلوسه تاني، لكن بناته أمانة هو موصيني عليهم قبل ما يمشي، ومهما حصل مستحيل أفرط فيهم، وأعمل اللي أنتَ عاوزه.

_خلاص بيني وبينك وبين بناته المحاكم وكله بالقانون، ووروني مين هيفكر ياخد حاجة مش من حقه عمومًا ابني رايحلها دلوقتي وهيشوف صرفة وحل معاها.

كان "غسان" يقف بجوار والده ولاحظ أنفعاله لكن الآخر بُهتت ملامحه وازداد القلق في قلبه على الفتاة المسكينة التي لن تقدر مجابهة كل هذا وحدها، لذا نظر لابنه بتيهٍ وهو يشعر بالخزي من حاله كونه أصبح مقصرًا في حق الرفيق الراحل..

بينما هي فكانت تجلس بهمٍ كبير، حيث رحل من جعلها السبب في عيش تلك الحياة، أكثر من أثر بها و علمها و كان الرفيق الأبدي لدربها ها هو يتركها و يرحل لتغدو بمفردها في حربها، كانت تجلس القرفصاء على الأريكة بوهنٍ، دموعها تنهمر على وجنتيها كما انفجار الشلالات من منبعها، لم تتوقع أن يفارقها والدها الحبيب في غمضة عينٍ كما فرار السراب، وكان شحوب وجهها و السواد المُغلف لعينيها يحيطها من كل الجوانب خير الدليل على القهر بها، فتحولت روحها الفرحة المنطلقة في الأرجاء إلى أخرى ذابلة مُحطمة، تبدو كما الأبكم يود الصراخَ وسط عالمٍ أصمٍ لم يستمع لصرخاته.

كَثُرت الهموم بعد رحيله و أصبحت مدائن الطمأنينة خاويةً من بعده و كأنها تسير عارية في الطرقات دون أن تمتد الأذرع لحمايتها و سترها، وقد وصلتها مكالمة هاتفية عبر هاتفها الخلوي فأخرجت زفيرًا مهتزًا و كأن نفسها يرتجف كما ترتجف هي، وأجابت على الهاتف بقولها:

_أيوة يا آلاء، معلش كنت قاعدة لوحدي ماسمعتش الموبايل.

ردت عليها صديقتها بتفهمٍ و تقديرٍ لحالتها وهي خير العالمين بها وبما فيها وفي قلبها:

_أنا عارفة يا "نوف" بس عاوزة أقولك على حاجة، الجمعية مشاكلها زادت و الفلوس قصرت معانا أوي، ممكن نشوف حد تاني يدمجها مع أي جمعية ؟! أنا متأسفة بس دي أمانة في رقبتنا وعمو طول عمره كان بيثق فيا وفي الناس اللي هنا بس هما مش قد الثقة، عاوزين نشوف حل ضروري.

سمعت الحديث ونزلت الدموع من عينيها و هي تنتحب؛ فلم تتوقع أن يحدث كل ذلك بعد موت والدها الحبيب، فها هو المكان الذي أفنى عمره و حياته به، أوشك على السقوط أرضًا بعدما كان أكثرهم شموخًا وسط غيره، أصبح رفاتًا يعتمد على الفتات بعدما كان يُقدم موائد الخير للجميع..

أغلقت الهاتف دون أن ترد على حديث صديقتها، فأي حديثٍ يُقال في ذلك الموقف؟ غاصت في دوامة حزنها و قبل أن تنغمس بها وصلها صوت طرقاتٍ على باب البيت، عقدت ما بين حاجبيها ثم وزعت نظراتها بين الباب و ساعة الحائط تستعلم منها عن الوقت، فوجدت الوقت تخطى التاسعة مساءً و شارف على العاشرة !! فكرت من يمكن أن يأتِ لها في ذلك الوقت، فمِن بعد وفات والدها و انتهاء العزاء لم يُطرق الباب مرةً واحدة و كأن العالم مبتور الذراعين !!.

تحاملت على نفسها و على ألم جسدها بسبب ألمها النفسي و إذا وُضِع كليهما في مقارنةٍ بالطبع الألم النفسي يجتاح الخانة الأكثر ألمًا، وصلت للباب تفتحه بعدما وضعت غطاء رأسها، لتجد أمامها شابًا طويلًا يقف على بعد خطواتٍ من الباب يرتدي قميصًا باللون الأسود و كذلك البنطال ملامحه هادئة وعيناه رغم غموض نظراتهما لكنه كان صادقًا بنظراته، حركت رأسها باستنكارٍ و هي تقول بصوتٍ خافت بالكاد سمعه هو:

_أيوة، مين حضرتك؟.

تنحنح هو يجلي حنجرته ثم قال بنبرةٍ هادئة وقد أصابه الشتات برؤيتها:

_مع حضرتك "غسان" أنا "غسان طاهر أبو سويلم" البقاء لله في موت والد حضرتك أولًا.

طالعته بدهشةٍ يغلفها الاستنكار، فلا تتذكر أنها قابلته من السابق حتى يعلم بموت والدها و يأتِ لهنا، ومن هو كي يُعطى الحق قي الحضور في هذا التوقيت وبهذه اللهفة التي يتحدث بها؟ وأي واجب عزاء هذا الذي يُقدم قبل منتصف الليل وكأنها آخر الحدود في اليوم؟.




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة