رواية جمعية حب الفصل العاشر 10 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل العاشر 10 بقلم شمس محمد بكري





|| مواجهة غير محسوبة والنتيجة محسومة ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


لازِلتُ أعجب في أمري..
أنا الذي مشىٰ آلاف الأميال بغير ترددٍ 
الآن تنتابني حالة ارتيابٍ حيال خُطوة واحدة صحيحة، 
أنا الذي كنت أقصد الطريق بجهلي ولا أخشاه، الآن وأنا أعلم النهاية أخشى الاقتراب منها كأنها نهاية روحيِّ.
لا أعلم منذُ متى وأنا جبانٌ في الحربِ هكذا، لكني أعلم السبب في ذلك، السبب الذي جعلني أُخذَّل في كل مرةٍ اندفعت فيها كما الطلقة من رأسِ السلاحِ، والآن أنا أتردد كما مجرمٍ هاربٍ من العدالة من فتحِ النافذةِ..
والسبب كله أن الحياة لا تُرحب بمحاربٍ شريفٍ بقدر ما تُعظمُ دناسة مخادعٍ كاذب، وكأن الحرب لا تليق بك مادُمت فيها نزيهًا..

      <"أحببت هواء الشتاء حين دفعني نحو دفئك">

لا تعلم لعل تلك الموجة التي تخشى مواجهتها هي بذاتها التي تجعلك تُدير ظهرك فتتفاجأ بنور الشمس يطول عينك فينير لك لحظة ظلامٍ تكاد تكون غارقًا بها، ولعل هذا الطريق الذي كنت تخشى المشي فيه هو بذاته الذي تجد فيه أمانك من مجهولٍ كنت في طريقك كي تهرب منه..

صدح صوت جرس الباب فتحاملت على نفسها و على ألم جسدها بسبب ألمها النفسي و إذا وُضِع كليهما في مقارنةٍ بالطبع الألم النفسي يجتاح الخانة الأكثر ألمًا، وصلت للباب تفتحه بعدما وضعت غطاء رأسها، لتجد أمامها شابًا طويلًا يقف على بعد خطواتٍ من الباب يرتدي قميصًا باللون الأسود و كذلك البنطال ملامحه هادئة وعيناه رغم غموض نظراتهما لكنه كان صادقًا بنظراته، حركت رأسها باستنكارٍ و هي تقول بصوتٍ خافت بالكاد سمعه هو:

_أيوة، مين حضرتك؟.

تنحنح هو يجلي حنجرته ثم قال بنبرةٍ هادئة وقد أصابه الشتات برؤيتها:

_مع حضرتك "غسان" أنا "غسان طاهر أبو سويلم" البقاء لله في موت والد حضرتك أولًا.

طالعته بدهشةٍ يغلفها الاستنكار، فلا تتذكر أنها قابلته من السابق حتى يعلم بموت والدها و يأتِ لهنا، ومن هو كي يُعطى الحق قي الحضور في هذا التوقيت وبهذه اللهفة التي يتحدث بها؟ وأي واجب عزاء هذا الذي يُقدم قبل منتصف الليل وكأنها آخر الحدود في اليوم؟ حمحم هو من جديد حين استشعر حرجه وقال موضحًا:

_أنا ابن "طـاهر أبو سويلم" صاحب والدك ربنا يرحمه.

هي تعلم هويته ولا تحتاج لذلك، ما تحتاجه حقًا معرفة السبب الحقيقي وراء المجيء لهنا في هذا التوقيت، طالعته بصمتٍ فيما وقف هو في موقفٍ لا يُحسَّد عليه، وقف بصمتٍ يُتابع سكون ملامحها ثم قال معتذرًا:

_طبعًا أنا آسف إني جيت فجأة كدا بس كنت محتاج أتكلم مع حضرتك في حاجة مهمة بخصوصك.

_دلوقتي !!.

سألت باستنكارٍ فشعر أن فداحة موقفه تزداد أكثر، لكنه شجَّع نفسه وقال بثباتٍ في الحقيقةِ يُحسد عليه كونه أجاد الاتصاف به أمامها:

_عارف إن الوقت مش مناسب أبدًا، وطبعًا غلط آجي هنا في وقت زي دا بس الموضوع بجد مهم ومش مستاهل تأخير أكتر من كدا، ولو مش حابة ممكن تتصلي بأبويا وتسأليه وهو هيفهمك كل حاجة وخصوصًا اللي عاوز أتكلم معاكِ فيه.

طالعته بغرابةٍ لمدة ثوانٍ قليلة لا تُذكَر كأنها تحسمُ أمرها وبعد ثوانٍ أخرى دعته لدخول الشقة؛ فولجها على استحياءٍ بينما تترك هي الباب مواربًا، جلس وجلست هي أمامه وهي تقول بصوتٍ مبحوحٍ:

_معلش بس ماما وأختي في بيت تيتة علشان ماما تعبت شوية، حضرتك تقدر تقولي إيه الموضوع اللي مش سامح بالانتظار أكتر من كدا، وعمومًا مفيش داعي أكلم عمو "طـاهر" وأسأله عن حاجة، هو كان من بدري بيستنى رجوعك وبابا معاه، بس للأسف ملحق يشوفك، حمدًا لله على سلامتك.

كانت تتحدث بغير ترتيبٍ وكأنها ترمي ما في جبعتها دُفعة واحدة بغير إدراكٍ لاختلاف الحديثِ، بينما "غـسان" ففطِن أن من أمامه فتاة تعرضت للجرحِ الأكبر في عُمرها، رحيل من أحبها ألم قلبها وجعلها مُشتتة، لذا زفر بخفةٍ وقال يُلاحق حديثها:

_الله يسلمك، وآسف طبعًا إني ماقدرتش آجي غير دلوقتي من ساعة رجوعي، بس أنا كان عندى ظروف كتير وحاجات مش مترتبة، بس والدي قالي إنك لحد دلوقتي الدنيا تايهة وفيه لغبطة كتيرة حصلت بعد وفاة عمو الله يرحمه، وعارف طبعًا إن كان فيه شغل بين بابا وعمو "ناجي" الله يرحمه، علشان كدا أنا جيت أقول لحضرتك إني ممكن أتولى إدارة كل حاجة وخصوصًا الجمعية الخيرية، دا مجال دراستي أصلًا، أنا خريج إدارة أعمال Auc يعني شغلي ومجالي.

ازدادت دهشةً فوق دهشتها وظلت تُدير الحديث داخل عقلها، تقوم بتدوير الحِسبة من كل حدبٍ وصوبٍ حتى تصل لنتيجةٍ ترضاها وقد أضاف هو من جديد يُلاحق فكرها:

_أنا مش قصدي أي حاجة والله بس بما إني هنا في مصر لفترة قصيرة فعندي استعداد أدير الشغل كله هنا فترة وجودي، وأهم حاجة إني ألحق أدير الدنيا وأظبط الوضع لأن والدي مبلغني كل حاجة وأنا عندي علم كافي بكل الظروف الحالية فحضرتك عندك استعداد توافقي؟.

_في الحقيقة أنا مستغربة العرض بتاع حضرتك، ومستغربة وقته بصراحة، يعني مكانش ممكن يستنى لبكرة؟ بعدين أنا ماعنديش مانع حضرتك تدير كل حاجة بس السبب ليه؟ هل دي شفقة مثلًا ولا صعبان عليك حالي مثلًا؟ ماهو أكيد فيه حاجة قوية ومهمة تخليك تعرض عليا عرض زي دا.

قاطعته هي بأول ما بدرَ لذهنها ما إن فكرت في عرضه، بينما هو فكان يتوقع ردًا هكذا بل وكان متيقنًا من وصول تلك الكلمات له لذا تنهد وقال يُباشرها بكلماته:

_آنسة "نـوف" هو فيه من قرايب حضرتك جالكم؟.

عقدت حاحبيها في طرفة عينٍ بينما صدح صوت الجرس في هذه اللحظة فانتفضت هي وهرولت تجاه الباب لتجد ابن عمها بالفعل أمامها على أعتاب الشقة، توسعت عيناها وهي لم ترَهُ من وقت دفن جثمان والدها بينما هو تنهد وقال بسخريةٍ تهكمية:

_أنتِ كنتِ عارفة بقى إني جاي؟.

تبدلت نظرتها للإزدراء القاتل فقال هو بثباتٍ يُحسد عليه:

_عاوز أتكلم معاكِ ضروري يا "نـوف".

_اتفضل شوف اللي عندك وقوله سامعاك أهو.

ردت عليه باختصارٍ وإيجازٍ وقد لاحظ هو طريقتها فتابع الحديث مكملًا بعتابٍ صريحٍ دون موارةٍ لكلماتهِ أو إخفاء قصده:

_مش عيب يعني يا "نـوف" لما نبقى ولاد عم وتروحي ترمي اللي لينا في حضن الغريب، مين عم "طـاهر" دا وبصفته إيه يتحكم في كل حاجة؟ بعدين بيت العيلة المقفول اللي كان أبوكِ مسيطر على مفاتيحه ومانع دخوله غير بإذنه هنروحه إمتى، عاوزين نبيعه علشان نخلص من الحوار دا.

_البيت اللي سيادتك عاوز تروحه علشان تخرب الدنيا سهر وشرب وعربدة زي ما بتعمل؟ وإلا ماكنتش سيبت أبوك برة وجيت هنا علشان تعرف تخرب الدنيا براحتك، وبعدين أنتَ ليك عين تتكلم يا بجح؟ دا أنتَ ماجيتش عزا عمك، جاي عاوز تقسم في ورثه؟ مش دا "نـاجي" اللي كلكم كنتوا بتيجوا لحد عنده وقت حاجتكم؟ دلوقتي كلكم بتقطعوا في بناته وبيته؟.

صرخت بقهرٍ ورفعت صوتها أمامه وقد دفعها هو في كتفها يصرخ هو الآخر بصوتٍ هادرٍ في وجهها:

_أنتِ بتزعقي وتعلي صوتك عليا ليه يا بت أنتِ؟.

صرخت بألمٍ إثر دفعهِ لها وقد ظهر في ذلك التوقيت "غـسان" من الداخل وحال بينهما ثم أمسك يد الآخر وقال بصوتٍ عالٍ هو الآخر:

_بت لما تلعب في بطن اللي جابتك، أنتَ أهطل ياض أنتَ؟ ما تحترم نفسك بشكل أهلك دا؟ أقف عدل وأتكلم بأدب ولو ليك حق هتاخده بالذوق والأدب أكتر من كدا هتاخد فوق دماغك.

_الله الله الله !! مين دا كمان؟ أنتِ خرباها هنا وما صدقتي ولا إيه؟ أومال عاملة علينا الخضرا الشريفة ليه؟.

توسعت عيناها وشهقت بفزعٍ ما إن سمعت حديثه بينما "غـسان" قال بجمودٍ يوقفه عند هذا الحد من الحديث والكلمات:

_احترم نفسك بقولك، دي بنت عم يا زبالة وأنتَ اللي المفروض تحافظ على سمعتها وتخاف عليها، أومال الغريب يعمل إيه بقى.

_يا جدع !! على أساس إني داخل لاقيتك بتسمعلها قرآن؟ سيادتك جاي منين بقى إن شاء الله؟ كنت بتعمل سبيل للمرحوم جوة؟.

رد عليه "معتز" ابن عمها بذلك الحديث فلاحظت هي صعوبة الوضع بينهما فتنهدت بقوةٍ ثم قالت توقف الأوضاع عند هذا الحد:

_خلاص يا "معتز" من فضلك، خلاص يا أستاذ "غسان" لو سمحت تقدر تتفضل وتمشي وأنا هكلم عمو "طـاهر" علطول وأفهمه كل حاجة وشكرًا مرة تانية لموقف حضرتك، تقدر تتفضل.

تعجب "غسان" من طريقتها وحديثها بينما ابن عمها زاد في التبجح فرمى الحديث بخبثٍ يواري خلفه مقصده المشين لشرفها:

_هو أنا جيت ضربت عليكم اللية ولا إيه؟.

من جديد يثير فزعها لكن هذه المرة لكمه "غسان" في وجهه بقبضةٍ أتت مباغتةً له ثم قال من بين أسنانه بغيظٍ من هذا القرد المتحذلق الذي يقف أمامه:

_يحرق تربيتك في الأرض، إيه يالا قلة الأدب دي؟.

حاول "معتز" أن يقف من جديد لكنه ترنح وهو يمسك أنفه التي آلمته بسبب الضربة التي تلقاها بينما هي أحست ببشاعة موقفها بينهما، لقد كانت صورتها مُهانة وكذلك شرفها، لذا قالت بصوتٍ تمالكت نفسها فيه كي يبدو ثابتًا بهذا القدرِ:

_من فضلكم يا جماعة كفاية أوي كدا، أبوس إيديكم مش عاوزة حد منكم يفضل هنا أكتر من كدا، وشكرًا لكل حاجة سواء منك أو منه، أنا مش محتاجة أي حاجة من حد غير إنكم تمشوا من هنا، وأنتَ يا "معتز" فلوسك هتوصل لحد عندك وأي حاجة ليك فيها أنتَ وعمو هتوصلكم.

كانت ترتجف في موضعها وهي تقف أمامهما وقد لاحظ ذلك "غسان" الذي كان على درايةٍ بما تُعانيه من أوضاعٍ نفسية وجسدية سيئة للغاية، لذا وافقها على ما تقول وقرر أن ينسحب هو أولًا ووقف خارج الشقة فيما وقف "معتز" يطالع الوضع بنظرةِ تقيمية ثم تنهد وقال متجاوزًا ألمه:

_ماشي يا "نـوف" أنا هسكت وأعديها بمزاجي بس لينا قعدة مع بعض ونشوف آخرة الكلام والوضع دا إيه، واللي حصلها دا مش هسكت عليه خدي بالك.

رحل وأغلق الباب خلفه بقوةٍ حتى ارتعد جسدها وأحست برجفتها تزداد، سقطت موضعها على أقرب مقعدٍ بجوار طاولة السُفرة ومعها هبطت عبراتها تواسيها على الخدين، وقد رفعت رأسها للأعلى ببكاءٍ حتى علا صوت البكاء أكثر واهتز جسدها بعنفٍ وهي تناجي ربها بصوتٍ عالٍ، زاد الصمت وران أكثر ومعه ازداد صوت النحيب وهي تعلم بكل يقينٍ أن هناك ربٌ يسمع ويرى وهو وحده القادر على اغاثتها؛ وكان لسان حال قلبها يتم وصفه أنه، كل يوم أردد أن يرد لي ضالتي وكأنها فارقتني وفي الحقيقة المرة ضالتي هي نفسي 
_تلك التي لم تفارقني_
لكنها لازالت ضالة عني.
____________________________________

       <"يقولون الأمطار في الاسكندرية شديدة 
      ولم أر أشد من عينيك خطرًا علىَّ وعلى قلبي">

الماء والنار مجرد قوتين لن يمتزجا سويًا..
لن يكونا واحدًا إلا في حالة موت أيُهما، فإما انطفاء النار للأبدِ وإما اختفاء المياه وسط التُراب، لكن الحقيقة التي لا مناص عنها أو مفر منها أن لابد من فقدان أحدهما لطاقته كي يبقى الآخر بجوارهِ، فإما حقًا تنطفيء النيران وإما تذوب المياه في التُراب فيمتزج بها ويصبح كلاهما رمادًا واحدًا.

أطال "أدهـم" جلوسه فوق السطح برفقة "سـيمبا" وهو يفكر في حلٍ قاطعٍ حتى يعود للشقة في وجود هذه الفتاة التي أتت بكل خرابٍ لاحق خطواتها، يأخذ بعين الاعتبار مكانته ووضعها في البيت وهي فتاة غريبة عنه تحلُ له، ظل جالسًا حتى نام "سيمبا" فتركه وأغلق السطح وقرر أن يدخل غرفته ويأخذ منها متعلقاته وبعض الحاجات التي لا يتخلى عنها..

في الشقة كان "آدم" في حالةٍ لا يُحسد عليها، كان يشعر بالضيق بعد نظرات "أدهـم" له بالأعلى؛ فحتى لو لم ينطق بها فهو أحس أن نظرات الخذلان كانت تشع من عيني أخيه، وقد كانت "عُـلا" بالداخل فأتت على استحياءٍ وجلست بقربه وهي تقول بصوتٍ مهزوزٍ:

_معلش يا "آدم" لو خليتك في موقف صعب قدام أخوك والله ما كان قصدي وماكنتش أعرف إنه جه وممكن يتضايق منك كدا، حقك عليا، بس والله أنا ممكن اعتذرله عادي ماعنديش أي مشكلة، المهم مايكونش فيه حاجة بينكم، ولو هيزعلك أنا ممكن أفهمه إنك قبلها كنت لسه بتشكر فيه.

توجه لها ببصرهِ وقال بلهفةٍ قاطعة:

_لأ طبعًا مستحيل أخليكٍ تعتذري، هعتذرله أنا وهفهمه ماتشغليش بالك أنتِ يا "عُـلا" بالموضوع دا، عاوزك بس تعرفي إن "أدهـم" أغلى حد في حياتي والله، أنا كبرت مالقيتش غيره، خصوصًا من بعد أبويا ما مات بقيت يتيم ومش لاقي حد وكل الناس كرهاني ومحدش عاوزني، وبسببي خسر كل الناس وكل حاجة، حتى دراسته كان ناوي يكون معيد بس قرر يكمل في تجارة بابا علشان يحافظ على فلوسي، ووقف قصاد جده علشاني وخسر حب حياته برضه علشاني، والله العظيم "أدهـم" دا السبب إني لسه عايش أصلًا.

_بس قليل الذوق ولسانه طويل ومابيفهمش.

قاطعته بذلك تعانده حتى ضحك "آدم" بيأسٍ بينما "أدهـم" قال من خلفها بجمودٍ يواري خلفه انبساط ملامحه:

_هو أنا كل ما أقف في حتة هلاقيكِ بتغلطي فيا وعاوزاني اسكتلك؟ ما أنا مسيري في يوم هكسر عضمك ومحدش وقتها هيلحقك مني، حتى دكر البط اللي جنبك دا، واسأليه كنت بمسكه أرنه العلقة لحد ما يموت في أيدي ومحدش كان بيلحقه مني، ياريت نوقف بقى لحد هنا زي ما أنا وقفت واعتذرت وقولتلك خلاص يا كونتيسة عندي دي، ولا تحبي أجيبك من شعرك زي زمان؟.

توسعت عيناها وهي تشهق بينما "آدم" ضرب وجهه بيأسٍ لكنه لمح أخيه يقترب منه فعاد للخلف بخوفٍ منه لكن "أدهـم" مال عليه ولثم وجنته بنعومةٍ أثارت ريبة الآخر لكنه قال بنبرةٍ تمثيلية واضحة وهو يُجيد لعب دور الأب:

_اتعشيت وغسلت سنانك يا حبيبي قبل ما تنام؟.

أدرك "آدم" أنه أنصت لحديثه معها بينما هي ضحكت رغمًا عنها من طريقته مع أخيه ورغمًا عن أنفها أُعجبت بعلاقتهما وبطاقة الحب الواضحة بينهما، وقد التفت لها "أدهـم" يرفع أحد حاجبيه ولاحظ وجهها المُضيء بضحكةٍ صادقة فقال بتهكمٍ:

_خبيلك ضحكة للعيد.

فهمت أنه يقصدها هي بهذه الجملة فتلاشت ضحكتها تستغفر ربها بسبب وقاحته بينما هو تنهد ثم قال بغلبٍ وقلة حيلة حقيقية وهو يريد فض تلك المنازعات والاشتباكات التي بينهما:

_عمومًا نورتي برجوعك تاني وكفاية إن "آدم" فرحان بيكِ، وأنا والله ماعنديش أي مشكلة معاكِ؛ بالعكس أبويا الله يرحمه ميت وموصيني عليكِ زي ما وصاني على "آدم" بالظبط، ياريت ننسى كل حاجة حصلت ومتاخديش على أي كلام اتقال قبل كدا لأنه مش مقصود والله وأنا مش قليل الذوق، أنا راجل بفهم أوي.

أحرجها بحديثه فحمحمت هي تُبرمج الحديث على طرف لسانها ثم قالت بصوتٍ هاديء وهي تُعيد خصلاتها من جديد أسفل الحجاب تواريه عن العيون كأنها محط الأنظار جمعًا:

_مفيش مشاكل والله وكل دا كان سوء تفاهم، المهم عندي إنك ماتكونش زعلان من "آدم" لأنه بيحبك أوي وباين عليه إنه مايقدرش يستغنى عنك، ربنا يباركلكم في بعض، وأنا بإذن الله شوية وهمشي لأني مش هتقل عليكم أكتر من كدا، كفاية بس إني عارفة إن "آدم" في ضهري ومعايا.

أنهت الحديث الأخير بصوتٍ حزينٍ وأخيها يُطالعها بضيقٍ لأجلها هي، يرى فيها قلة الحيلة والوحدة والضعف وكلهم ضدها هي، يرى فيها فتاة تم كسرها بيد أقرب الأقربين، لكنه تذكر أمر خطيبها فسألها باهتمامٍ:

_صحيح أخبار خطيبك إيه؟.

انتبهت لحديثه فرفعت رأسها نحوه وقالت بعينين مغرورقتين بالدمعِ وصوتها كساه الانكسار والخوف:

_لو أنتَ تعرف حاجة عنه يبقى أنا أعرف، لسه مسافر ومبيكلمنيش بقاله فترة، بس بعد اللي حصل دا أنا مش عاوزاه خلاص، لازمته إيه وأنا بتخبط كل دا لوحدي في الدنيا يعني؟.

تهدج صوتها وانكشف عن روحها سترها فهربت للداخل تحتمي في الغرفة بينما "آدم" فحقًا اكترث لألمها وجرحها، لمح في عينيها الاستغاثة من جرحٍ لا شفاء له ولا إنقاذ منه، شرد في حالها والتزم "أدهـم" الصمت لحين صدح صوت هاتفه برقم رفيقه، جاوب بصمتٍ ليجد الآخر يقول مُهللًا بسعادةٍ:

_"سالم" فاق يا "أدهـم" فاق والله وفتح عينيه.

انتفض "أدهـم" وهو يقول بملء صوته:

_بجد !! طب شوفته بعينك؟.

_أيوة أنا واقف قصاده أصلًا، فاق أهو.

هرول "أدهـم" بغير حديث وكأنه طيرٌ أخبره رفيقه أنه وجد عشه، طار بدون ترددٍ وقلبه يُغردُ عن السعادةِ مواويلِ ويميل عليه كل طيرٍ في الانشاد، وهو طيرٌ يطير قلبه لأجل قلب رفيقه والطير للطيرِ يميل في الحُرية والفرح ويكون معه في أوقات الجرح، حتى إذا لم تسع الدنيا أيًا منهما يطير الآخر فوق جناح صاحبه..
____________________________________

 <"لو كان ما ضاع مني يُعوض كنت أتيت به، لكنه عمري">

ليس كل المفقود يعوضُ..
فهناك أشياء حين تفقد لا تعوض ولو بمال الدنيا جمعًا، أشياء لا تُقدر بثمنٍ، فلو كانت تُقدر كنا أتينا بها، لكن ما ضاع وفُقِد هي أشياء لا يجوز تقديرها بشيءٍ، كما الأحلام، والأيام، والعُمر..والأم.

الليل يأتي على صاحب القلب الحزين بمشاعر تزداد سوداويتها، وهو مع كل مفقودٍ تزداد نيرانه قسوةً في قلبه، ومن سوء حظه أن كل ما فُقِد منه لا يعوضُ بثمنٍ حتى يستبدله، لكن خسارته الأكبر أتت في أمه التي فقدت ذاكرتها وعانت من مرض آل_زهايمر وتُرِكت به في قسوة الشارع، ومعه خسارة تالية تليها خسائر وأخرى وآخر هذه الخسائر أتت منذ سويعات قليلة، خسارة فادحة في عمله بعد أن ربح "أدهـم" الجولة عليه..

جلس "حلمي" في بيت والده يدخن سيجاره بشراهةٍ وجوعٍ والنيران فيه تزداد تزامنًا مع ارتفاع حرارة لفافة التبغ في يده، وقد أتى والده ومر من جوار الغرفة التي يجلس فيها بالظلام وقال بعجبٍ في أمرهِ:

_أنتَ جيت هنا؟ غريبة افتكرت إنك هتروح شقتك.

زفر "حلمي" بقوةٍ ثم أطفأ السيجار في مرمدة السجائر ووقف في مواجهته، طالت النظرات القاسية بينهما وأنهى هو الحرب الباردة هذه بقوله:

_لو عاوزني أمشي هامشي أنا مش عاوز وجع دماغ، بس الأوضة دي محدش يغير فيها حاجة، وياريت المحروسة بتاعتك تحترم نفسها وتخلي بالها من الحاجات اللي متخصهاش.

كان يقصد بالقولِ زوجة أبيه، لكن والده تنهد ثم قال بقلة حيلة:

_الأوضة دي مقفولة من ساعة اللي حصل وكل حاجة فيها بحطة إيدك هنا يا "حلمي" ياريت يابني تشيل من دماغك فكرة إن فيه حد عمل في أمك كدا، دا نصيب ووقتها كان عزا والدنيا مهدودة وأكيد هي خافت من اللي حواليها، يابني دي كانت ست ولا ست الستات، إزاي هيجيلي قلب أعمل كدا ولا حتى "أزهار" تعمل كدا؟ بقالك كام سنة بتبصلي بنفس النظرة.

ابتسم "حلمي" بوجعٍ وطاف من عينيه القهر وهو يقول:

_أمي اللي بتقول عليها ست الستات دي أنتَ روحت اتجوزت عليها لما مرضت وعقلها طار منها، ولو مش مصدقني اسأل البت اللي كانت هنا واللي قالت وقتها إن الست "أزهار" مراتك فتحتلها الباب وكانت جنبها في المدخل، أقسم بالله بحق كل النار اللي أنا عايش بيها دي لأخرب الدنيا فوق دماغ الكل، أولهم مراتك أم عيالك دي، وحق أمي هجيبه لو طلعت فعلًا ميتة ومش هرتاح غير لما أوصل لقبرها.

انخفض يُلملم حاجته واستقام واقفًا ثم تخطى والده وتحرك من جواره وأثناء خروجه اصطدم بكتفه في كتف "أزهار" زوجة أبيه التي طالعته بنظراتٍ نارية جعلته يلتفت لوالده يحول نظراته من الوجع للسُخرية وهو يقول بتهكمٍ مريرٍ:

_ابقى خلي بالك علشان مربي جواسيس في بيتك، أبقى خليها تحلفلك على مصحف ربنا إنها ماعملتش كدا في أمي يمكن تتسخط قردة أكتر ماهي مسخوطة.

رمى الحديث وضربها في كتفها وهو يترك المكان وقد التفتت هي لزوجها تقول باندفاعٍ وقهرٍ في قلبها أظهرته أمامه:

_مش قولتلك ابنك دا مش هيرتاح غير لما يخربها فوق دماغنا؟ شوفت بيقول عليا إيه يا "عـزَّام" وأنتَ واقف ساكتله؟ برضه مصمم إني أنا اللي مشيت أمه من البيت؟ ليه وأنا شايلاها من ساعة ما جيت؟ كلام ابنك في حقي لو زاد تاني مش هسكتله وهعمله قعدة مع أهلي وأنتَ هتقعد علشان ولا مرة شوفتك بتدافع عني وتجيب حقي منه.

طالعها زوجها بنيرانٍ من عينيه ثم جلس يضع كفه فوق رأسه وقال ينهي الحوار بينهما بنبرةٍ عالية:

_خلاص يا "أزهـار" قولتلك كفاية الكلام بقى، الكلام مش هيغير حاجة وهي لو رجعت حتى مش هتقول حاجة، ربنا الوحيد اللي عنده علم باللي حصل وربنا يلطف بيها إن كانت حية، ويرحمها برحمته إن كانت ماتت، قفلي بقى على السيرة دي.

تركته وولجت غرفتها كأنها حتى لم تطِق أن تبقى في غرفة غريمتها السابقة، بينما هو فكان يجلس والحرب في رأسه ضربٌ من الجنون والفوضى، هو لم يعد يعلم في أي ميناء يرسو بسفينته، لا يعلم هل ينصر ماضيه على حساب حاضره؛ أم يُجاري الأيام بما هي عليه ويترك أمر النصر والهزيمة لحين إشعارٍ آخر؟.

عاد "حلمي" لشقته بداخل المجمع السكني الفاخر الذي يُنسب لعليةِ القومِ، ولج شقته بملامح مُكفهرة وواجمة ثم رمى مفاتحيه وجلس على الأريكة يضم رأسه بكلا كفيه بعد أن داهمه صداعٌ كُلي احتل رأسه، وقد أتت "لـمار" من الداخل واقتربت من موضع جلوسه تسأله بجمودٍ وجفاءٍ:

_أنتَ كنت فين كل دا؟.

رفع عينيه لها وسكت عن الكلام فلاحظت هي ضيق حاله وقررت أن تجلس بقربه، جلست بجواره ووضعت كفها على ظهره وسألته بنعومةٍ أبرزت الاحتواء في صوتها وكلماتها:

_أنتَ كنت في بيت مامتك النهاردة؟.

رفع عينيه الحمراوتين اللاتي سكنهما الجمر وأغمض جفونه يهرب من قسوة الجواب، وهنا أدركت أنه ذهب يفتح جراحه بيده من جديد، لذا ضمته لها وقالت بهدوءٍ إلى حدٍ ما كأنها تسير على حقلٍ من الألغام:

_ما أنا قولتلك بلاش تروح تاني طول ما أنتَ متضايق، بتروح كل مرة تشوف حاجة مش قادر تواجهها وترجع تعبان بالشكل دا، يا "حلمي" علشان خاطري فوق لنفسك وافتكر إنها مكانش ليها غيرك في الدنيا دي، لما تفضل بالشكل دا هتعمل إيه؟ والمفروض إيه يداويك غيرها؟.

انتبه لها وكأن صوتها أعاده لرشده، رفع رأسه يواجهها ثم همس بصوتٍ يعرب عن حاجته الكُبرى للأمانِ وإن كان لا يعرف له طريقًا غيرها فقال:

_أنتِ، عاوزك أنتِ بس.

أعلنها بصراحةٍ أنه في أشد الحاجةِ لها ولقربها الآمن له، وهي لأنها تسير معه على دربٍ مجهولٍ كانت ترحب به كونه يختارها هي على العالم حتى نفسه، ربما هي وجدت فيه ما لم تبحث عنه من قبل لأن وفي بلاغة القول هي لم تكن على علمٍ كافٍ بما تُريد، هي فقط كانت تعلم أن هناك شيءٌ ينقصها دون أن تدرك هويته، ووجدته يوم أن اقترن اسمها باسم "حلمي" وأصبحت معه، زوجة بالاسم، ثم شريكة مسكن بالوصفِ، ثم حبيبة بالقلب وبالأخير زوجة له رضيت بإتمام الزيجة بعد أن سقطت في بئره الغامض، والعجيب _ كل العجب في أمرها_
 أنها حتى الآن لم ترد الخروج من هذا البئر
 وكأنها ألفت الغُربة والظلام لطالما هو يقود الطريق بها..
____________________________________

<"انتظرتك وأنا كلي يأسٌ، فكيف لا أفعلها وأنا يسكنني الأمل">

حين سكن اليأس في جوارحي كان هناك بصيصًا من الأملِ في العودة من جديد، فعلتها وأنا كلي يأسٌ وطريقي مُظلمٌ، والآن أمسى الأمل يسكن في جوارحي وكل ما فيِّ، فكيف لا أفعلها وأصدق أن عودتك سوف تطيل؟ كيف لي أن أفعلها وطريقي مجهولٌ، وأصدها عني وأنا أعلم الطريق جيدًا؟..

أشرقت الشمس بنور ربها أخيرًا، ليلٌ يعقبه نهارٌ والحكايات لم تنتهِ، الحياة بذاتها لم تتوقف قط، تسير وتمشي ونحن نُسايرها كل يومٍ دون توقف لا منَّا ولا منها هي، كأن الغبي وحده هو من قرر أن يتوقف ويراقب مرور الأيام دون الأخذ بعين الاعتبار أن ما يمر أمامه هو عمره وأن ما ينفلت من بين أنامله كما المياه الحُرة هي سنون عمره التي لن تُعوض بقدرٍ..

كان "سـالم" استفاق فعليًا من الحالة السابقة لكنه من سيءٍ لأسوء، فهو منذ أن استفاق وهو يجلس على الفراش بصمتٍ، يفتح عينيه ويعود ويغلقهما، فقد النطق وبعض الحواس أصابها خللٌ في العمل وأداء مهامها، كأنه يتعرف على الحياة من جديدٍ، وقلب شقيقه مفطورٌ عليه، لكن "أدهـم" جاوره في الغرفة وقال يؤازره:

_احمد ربنا إحنا كنا فين وبقينا فين يا "سليمان" بعد كل الشهور دي؟ أخوك راجع من الموت تاني بعد كام شهر غاب فيهم وعلى يدك شوفت كام دكتور قالوا كدا خلاص خلصت، وربك أراد وردله الروح من تاني، يبقى نيجي في الآخر بدل ما نحمد ربنا نقعد قعدتك دي؟ عيب دا أنتَ طول عمرك اللي بتقويني.

رفع "سُليمان" رأسه وقال بخيبة أملٍ في نفسه:

_علشان الكلام طلع سهل والفعل صعب حد ينفذه، إزاي كان سهل عليا أعمل كل دا؟ كان سهل عليا إزاي أفضل كل يوم أكدب على نفسي أنه هيرجع تاني وإزاي أخلي عيني في وسط راسي وإزاي كنت هحافظ على بيتي وشغلي، وإزاي كنت هحافظ على عياله وأنا مش قد الأمانة؟ طبيعي يكون دا شكلي في النهاية يا "أدهـم" بعدما خسرت كل حاجة، عارف لو هو يفوق وروحي تروح والله راضي بيها، بس قلبي يتطمن شوية.

ربت "أدهـم" فوق كتفه ثم ضم رأسه فوق كتفه كأنه يقاسمه الحمل الثقيل لكن بشكلٍ أقوى، رأسه تلك التي تشبه قنبلة ذرية على وشك الانفجار كان الصديق وحده هو الذي يعلم ما فيها من حربٍ ضارية، فتبدو كغابةٍ مليئة بالظلامِ والقهرِ، وقد طرق الباب وولج الطبيب وحينها وقفا أمامه كلاهما، فقال هو بثباتٍ:

_أولًا أنا آسف بس الآشعات بتاعة أستاذ "سالم" طلعت الحمدلله، للأسف المنشطات اللي دخلت جسمه كانت قوية جدًا وشديدة على جسمه وعلشان كدا حصل كل اللي حصل دا، بين اضطرابات جسدية وخلل في أداء بعض الوظائف الحِسية وفقد بعض الحواس، وكل دا هيحتاج وقت لحد ما الحالة تستقر، طبعًا على حسب التحاليل ظهر إن المواد دي دخلت جسمه خلال شهر واحد بس يعني انتحار أو موت بالبطيء، وعلى حد قولك إنه مستحيل يعمل كدا في نفسه يبقى أكيد حد تعمد يحطهاله، علشان كدا حبيت أطمنك إن أخوك عدىٰ المرحلة الخطر الأكبر واللي جاي كله متوقف على كرم ربنا وهمتكم معانا، بس ياريت التواصل بينكم يزيد لعله يكون سبب نفسي ويخليه يرجع من تاني.

شعر "سُليمان" أن الحمل يزداد ثقلًا عليه فشخص ببصره نحو أخيه الجالس فوق الفراش بصمتٍ، ظل يراقبه بعينين شاردتين في سماءٍ فارغة ثم اقترب وسحب المقعد وجلس بجواره يمسك كفه وهو يقول برجاءٍ وتوسلٍ:

_من ساعة ما غيبت عني وأنا متأكد إنك حاسس بيا، طول عمرك أصلًا عارف اللي فيا حتى لو مداريه عن كل الدنيا، غيبتك طولت والدنيا وحشة من غيرك أوي، أنا عمال اتفرم بينهم كلهم ومش عارف آخد نفسي علشان خاطري حسسني إنك حاسس بيا، خليني أقدر أتنفس في غيابك.

مال على كف شقيقه كما الهر الصغير الذي يحتمي بصاحبه في ليلٍ شتاءه أتى عليه شتاتًا، لكن الغريب أن كف شقيقه ارتجف أسفل قبضته، كأنه حقًا يشعر به، وما إن شعر "سُليمان" بذلك رفع رأسه فلمح شقيقه يُحرك أهدابه لكن حالته الصعبة منعته من إظهار أي شيءٍ يُعبر عن تضامنه مع أخيه وتفاعله معه..

في مكانٍ آخرٍ تحديدًا بالشقةِ التي قامت "صابرين" بتأجيرها كانت تتحدث في الهاتف مع صديقتها التي تخابرها من وقتٍ للآخر وهي تطمئن عليها وقد انشغلت بالأحاديث معها وغفلت عن الصغيرين بالخارج، وقد كان "سليم" يراقب أثرها الذي طال غيابه ثم عاد لشقيقته وقال بصوتٍ مهزومٍ:

_أنا مش مبسوط معاها، عاوز أرجع لتيتة وعمو "سليمان".

حركت شقيقته كفيها بيأسٍ وهي تقول بتفسيرٍ:

_ما هما اللي خلونا نمشي زي ما هي قالت، مش قالتلنا إن عمو "سليمان" وبابا راحوا عند البوليس وكتبوا في الورقة إنهم مش عاوزينا عندهم وهي البوليس قالها وجت تاخدنا علشان مانفضلش في الشارع.

رفع الصغير حاجبيه باعتراضٍ واضحٍ وقال بسخريةٍ:

_إيه الهبل دا !! لأ طبعًا بابا مش هيعمل كدا وبعدين هو أصلًا في المستشفى من زمان جدًا، بعدين عمو "سليمان" كان بيتخانق معاها جامد هي والظابط الرخم دا علشان محدش ياخدنا، يبقى إزاي راح يقول للبوليس خدوهم؟ هي بتضحك عليكِ، بس أنا بجد مش عاوز أكون هنا، عاوز أروح أشوف بابا، ماما علطول كانت بتتخانق مع بابا وبتخليه يمشي من البيت، وتيتة كانت بتعيط وقالت إن بابا تعب بسببها.

اضطربت الصغيرة أمامه وكأنها تُنصت لحقائق أكبر من مستوى عمرها وعقلها، بينما هو ضمها لعناقه وجلس بها فوق الأريكة ثم تنهد بقوةٍ وظل يردد بأملٍ أن يرده الخالق لعمهِ أو يجد عمه أي طريقٍ لأجلهِ، يعلم أن الظلام كبير والأمل ضئيلٌ لكنه يتيقن أن خالقه أكبر من كل شيءٍ، وسوف يعينه على مصابه..

وفي الوقت ذاته كانت "رحمة" بمقر مكتبها بعد أن عادت من المحكمة صباح اليوم تُنهي أوراق قضية أخرى، كانت طاقتها في أقصى حالاتها، كيف لا وهي خلال ما يقل عن أسبوعٍ دمرت ثلاث رجال وهزمتهم شر الهزيمة؟ جميعهم يستحقون وإن كان المجتمع يضع لهم التبريرات الكافية لجعلهم موضع براءة الذئبِ من دمِ بن يعقوب، لكنها تعلم ما يؤلم كل رجلٍ وتفعله، والبداية كانت من عندها هي..

عادت بذاكرتها للخلف تضع القلم في خصلاتها المموجة ثم تنهدت بقوةٍ، تذكرت اليوم الموعود الذي أصبح مشؤومًا، تذكرت وهي تجلس أمام المرآة تتزين لأجل الزفاف بعد أن ارتدت الفستان الأبيض وقد أجبرتها العائلة على تكلمة الزفاف، جميعهم وقفوا ضدها وهي تحاول أن تُخلص نفسها من هذه الزيجة التي سوف تُقدم هي بها كما القربان، سوف تقدم كما الذبيحة بلا روحٍ لرجلٍ يفترس لحمها وعرضها..

قبلها بيومٍ كانت تصرخ وتستغيث الكل والجمع، تقف بين الجموع ببكاءٍ تطلب منهم جميعهم نصيبها في اسمها، تطلب منهم الرحمة بها وبقلبها الذبيح وقالت بقهرٍ وصوتٍ مرتفعٍ:

_حسوا بيا شوية، خايفين من كلام الناس والفضايح وسيرتكم ومحدش فيكم خايف عليا أنا !! عاوزيني أدخل بيت واحد خاني قبل فرحي بيوم وجاب واحدة فرشتي وياريتها أي واحدة، دي بنت عمتي يعني لحمي ودمي، واتجوزها في بيتي وقضى معاها يوم في أوضتي قبل ما أدخلها، وعاوزيني أسكت !! دي نزوة من وجهة نظركم؟ دي نكسة، نكسة وخيبة مش هقبل بيها.

اقترب والدها منها يمسك مرفقها وقال بهدوءٍ:

_طب حطي نفسك مكاننا، المكس كلها وعَرفت إن في فرحكم بكرة، والناس كلها جاية تهني وتبارك واللي عليه حاجة جايبها حاجات، لما نسيبك توقفي الموضوع وتبوظي الجوازة مين اللي هيتضر؟ هو راجل مش هيعيبه حاجة، الإِمة كلها بتشهدله بأخلاقه، ومحدش هيجيب سيرته، أنتِ اللي الكلام هيكتر في حقك وشرفك وهيتقال هي عملت إيه قبل فرحها بيوم علشان الفرح يبوظ والعريس يطفش؟.

صرخت في وجه أبيها بالحقيقة التي يتعمدون إخفاء شعاعها:

_هقولهم اللي حصل كله ومش هخاف من حد.

_وتفضحي بنت عمتك وتحطي راسنا في الطين؟ ترضيها دي؟ ترضي سيرتنا كلنا تبقى زي العجينة وكل واحد يشكلها في أيده شوية؟ الحل بسيط قولتلك ٣ شهور قضيهم طول ولا عرض نسكت الناس بيهم وأنتِ تخليه مايقربش منك وأنا بنفسي هطلقك منه، لكن غير كدا مش هيحصل ومش هينفع يحصل.

وقتها كانت هي المُضحي الوحيد، هي التي توجب عليها أن تكون شمعةً لأجل الآخرين تحرق نفسها وتحترق حتى تذوب، وكلما عارضت وعلا صوتها كلما كمموا فاهها هي وحادوا بعينيهم عن الحق وتحلفوا في برد الشتاء من حقيقةٍ تشع كما شمس الظهيرة، لذا أكملت ليلتها ونصف يومها، وفي النصف الثاني وهي تجلس أمام مرآة الزينة وجدت الفتاة التي تُزينها تقول بحزنٍ لأجلها:

_زي القمر يا عروسة، لو بس تضحكي زي باقي العرايس؟ طب وربنا المعبود دا أنتِ قمر منور في المكان، فيه عروسة تبقى مكشرة كدا في يوم زي دا؟ ياختي روقي بالك وكل حاجة هتبقى فل، والله أول ما يتقفل عليكم باب واحد وتلاقي نفسك حققتي حلمك مع اللي حبتيه هتلاقي نفسك طايرة من الفرح..

ازدردت لُعابها وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته في غرفتها، تذكرت ملامحه الغارقة في حب الشهوات وتذكرت الوضيعة الأخرى وهي ترقص بشكلٍ فج بملابس عارية، المشهد بأكمله يُثير غثيان معدتها، انقبض قلبها وهي ترى هذه الليلة بخاتمة درامية تليق برواية كاتبها مختل عقليًا، فهي لم ترَ سوى هذا الزوج ذبيحًا فوق الأرضِ وهي بفستانها الأبيض لطخهما الدمُ والسكين بكفها يقطر دمه الدنس..

استفاقت من شرودها على صوت هاتفها برقم "عُـلا" فخطفت الهاتف تستغيث بها، وما تلى ذلك كانت فضيحة كاملة الأركان، حيث قاعة زفاف بدون عروسين، الأقارب والأحباب في الانتظار يجلسون، الوقت تخطى الحد المعقول، العريس كما المجنون يركض هنا وهناك، أبوها ينادي ويزأر كما الأسد الجريح، وكل الدلالات أمامه تقول أن العروس هربت، وهذا ما فعلته هي حقًا، حين خلعت فستان الزفاف وارتدت عباءة سوداء تليق بالمأتم الذي في قلبها ثم ركضت في الشوارع حتى ولجت لمحطة القطار واندفعت داخل أول قطارٍ واجهها.

خرجت "رحمة" من شرودها على حرارةٍ فوق خديها جعلتها تنتبه لنفسها فمسحت العبرات بكفيها مسرعةً ثم ذكرت نفسها بوضعها الحالي، هي لا تبكي وإنما هي تجعل الرجال يبكون، لا يليق بها الضعف؛ لكنها تحب لهم حالة الضعف والذُل والهوان، هي عدوة الرجال وإن لم يكن لهم هناك أعداءً فهي ندٌ لهم بكل الأعداءِ..
____________________________________

   <"من يستفيد من الرحيق هو وحده من يسرق الورد">

المستفيد وحده من الرحيق هو الأناني الذي يحبه لنفسهِ..
وهو الذي سوف يقطف كل وردةٍ حتى يصبح هو المستفيد الوحيد من الرحيق لذاته وهو أيضًا من يُعاني من قسوة الأشواكِ في يديه حين تنغرس في يده بكثرةٍ كل يومٍ نتيجة طمعه..

في الصباح بدأت تعود للحياة التي اعتادتها، عادت ووجدت حماها بالفعل طريح الفراش وهذا ما هدأ نفسها الثائرة في بحر الغضبِ، تخطت حماتها وتجاوزت كلماتها المحقونة بالسمِ، وتغاضت عن لفظها التهكمي في الحديث وكله لأجل زوجها فقط، وضعت الطعام وقامت برص الأطباق فوق صينية معدنية واستعدت لدخول غرفة حماها، فأتت حماتها من خلفها تقول باستعطافٍ:

_والله يا حبيبتي طول فترة غيابك وهو مكالش لقمة واحدة، ماتبقيش تغيبي عنه علشان بيتعب من غيرك أوي، والله لو بأيدي أخليكِ علطول عند مامتك ماتجيش هنا خالص، بس هو بقى علطول عاوزك.

تنهدت "ورد" والتفتت لها وضحكت بسماجةٍ وهي تقول:

_طبعًا يا طنط أنا عيني ليكم، وفي خدمتكم العمر كله، بس قصاد دا بقى أهلي ليهم حق عليا علشان أخدمهم، أبويا وأمي اللي ربوني وكبروني ليهم الحق إني أخدمهم برموش عينيا، على الأقل هناك أنا متصانة مفيش عيون بتترفع فيا ولا إيد وسخة بتتمد عليا، أظن أنتِ عارفة اللي فيها، كلمتي هتبقى قصاد كلمتك، وأولهم "منتصر" اللي عارف وفاهم اللي فيها، فخلاص بقى نقفل اللي فات كله ونفتح صفحة جديدة بشروطي وكلامي؟ ولا نخربها علينا كلنا؟.

تتحدث بجرأة وبكلامٍ أول مرةٍ تتفوه وبطريقةٍ تستخدمها لمرتها الأولى في حياتها، لكنها لم تتعجب من الطبيعي أن تعود بهذا التحول بعد أيامٍ قضتها برفقة "آدم" سليط اللسان منعدم الأخلاق، وحينما التفتت "ورد" وجدت "خلف" في طريقه للمطبخ فرسمت الحدة فوق ملامحها وقالت في وجهه باندفاعٍ:

_ارجع ورا خليني أعدي، أنتَ أعمى؟.

_أنا أعمي يا أم لسان طويل؟ لمي نفسك يا..

بترت أمه حديثه قبل أن يتطاول ويُزيد في وقاحته حين هتفت بملء صوتها وتقطع عليه السبيل قبل أن يعبره:

_خلاص يا "خـلف" مش عاوزة كلام تاني، وسع علشان مرات أخوك تعدي وتدخل تفطر أبوك، وأنتِ يا "ورد" خشي يا حبيبتي حطي الفطار واللي عاوزاه هيحصل، ربنا يكرمك يا بنتي.

ولجت "ورد" ببسمة انتصارٍ فوق ملامحها لغرفة حماها الذي ابتسم ما إن رآها، توسعت بسمته وازدادت ملامحه إشراقًا بمجرد أن طلت عليه بطلتها البهية الصبوحة، بينما هي وضعت الصينية على طرف الفراش بينهما وقالت بحماسٍ وكأن حالها تبدل كُليًا:

_حضرتلك أحلى فطار هتاكله علشان يرم عضمك وترجع أحسن من الأول، مش تخلي بالك من نفسك يا "مرسي" كدا تعملي مشاكل مع الراجل وتخليه يقلب عليا؟ ملزم تراضينا بقى وتخليه يعتذرلي ويا أقبل يا أرفض، أنا ست قلبتي وحشة.

ضحك "مرسي" على حديثها ثم ربت فوق كفها وهو يقول:

_والله لو بموت وظهرتي قدامي الروح هترد فيا من تاني، حقك عليا علشان مش قادر أقف في وشهم علشانك، بصراحة أنا مش قادر أقف في العموم أصلًا يعني.

مازحها بغلبٍ فضحكت هي ثم بدأت تطعمه في فمه بيدها في اللحظة التي صدح فيها صوت هاتف حماها، وقد أعطته الهاتف وهي تتحاشى النظر فيه فجاوب هو المكالمة بحماسٍ يرد على ابنه ثم ولمح وجهها الممتعض فمد يده بالهاتف لها، توسعت عيناها بدهشةٍ فرفع "مرسي" صوته وقال لابنه بنبرةٍ ضاحكة:

_معاك أهيه وعاوزة تكلمك يلا ياض بقى شوف شغلك.

أشار لها أن تتحرك من أمامه فتحركت هي نحو النافذة تقول بجمودٍ حاد:

_نعم.

_يا ستار يا رب على قلبتك !! نعم كدا من غيري وحشتني ولا حبيبي ولا أي دلع كدا ولا كدا؟ لا دا أنا آجي أصالح بنفسي بقى ونشوف الورد اللي قالب علينا دا، عمومًا حقك على راسي والله العظيم، أنا ماليش غيرك أنتِ يا "ورد" أقربلي من نفسي، وقولتك ماليش حد في الدنيا دي بياخد صفي غيرك، علشان كدا متعشم فيكِ بكل خير، بس مش هقبل بزعلك مني، علشان خاطر الراجل الكُبرة اللي قاعد مستني يفرح دا.

تنهدت هي بقوةٍ وقررت أن تصارحه فقالت بلهفةٍ كأن الفرصة أتيحت لها وعليها أن تقتنصها:

_شوف يا "منتصر" أنا عيوني وعمري كله ليك ومش هبخل عليك بروحي حتى، بس قصاد دا مش عاوزة حاجة منك غير إنك فعلًا تكون معايا وفي صفي، ووقتها أنا ممكن أشيل الدنيا علشانك وأكون لوحدي في ضهرك، بس ماحسش منك إنك بتحب اللي بتاخده مني مش بتحبني أنا، أنتَ صعبان عليا أصلًا، شبابك ضايع في الغربة والجري ورا لقمة العيش وأحلى أيام عمرك وعمري هتضيع مننا، المفروض إيه يحصل بعد كدا؟ تيجي مرة زيارة بعد سنتين غياب ونقضي شهر مع بعض أحمل فيه وتمشي وأكمل من غيرك وأولد وتيجي تشوف ابنك عنده سنة وعاش تفاصيل كتيرة من غيرك، وترجع كل إجازة تحطله فلوس وتشبعه منك شوية وتمشي، ونرجع للدوامة دي تاني، علشان خاطري لو عاوز تحل الدنيا دي تعالى مصر أحسن وأنا راضية أعيشها معاك بعيش وملح بس تكون جنبي، مش تسيبني أخبط في الدنيا من غيرك وتقولي أنا بشتغل، وجودك ليا أهم من الفلوس.

رمت الحديث الذي كانت تكتمه طوال الفترة الماضية في قلبها، أخبرته بالحقيقة التي يُصر أن يُصم أذنيه عنها، أشارت له على مربط الفرس وهو يجول في ميدان الضلال بحثًا عن نقطة مركزية تُريحه، وفي هذه اللحظة تردد الحديث في سمعه ووصل لنقطة ما بداخله أثارت خوفه، فتنهد بثقلٍ وقال بصوتٍ ثقيل:

_حاضر يا "ورد" ربك يفرجها وأحاول أجيب ورقي وفي أقرب فرصة هاجي وأكون معاكِ، بس بالله عليكِ كلمة حلوة كدا ودعوتين منك خلي الدنيا تمشي بدل ما هي واقفة في وش أمي كدا، الحياة بتعاملني كأني ابن ضرتها.

_ماهي أمك مش عاتقة برضه أنتَ كمان يعني.

ردت عليه بذلك حتى جلجلت ضحكاته وضحكت هي الأخرى معه ثم تنهدت بقوةٍ واستعادت هدوء روحها وقالت بنفس حديث كل مرةٍ وبذات الأمل الذي لا يخبو وميضه:

_ربنا يباركلك في رزقك وعملك ويكرمك بكل الخير ويردك ليا من تاني بالسلامة ويجمع بينا ويآلف بين قلوبنا، ويا سيدي بحبك ها حاجة تانية؟.

سألته بنفاذ صبرٍ فضحك وقال هو بتلذذٍ واستمتاعٍ:

_لأ كدا جبرت خلاص، روحي يا "ورد" يا بنت "ربـاب" ربنا يراضيكِ ويسعدك ويكرمك ويباركلي فيكِ ويكرمني منك بعيل صغير يملا حياتنا نور وهنا وفرح، ربنا يكرمك زي ما أنتِ كرماني قصاد نفسي كدا.

ابتسمت هي ثم تنهدت وهي تغلق الهاتف معه حتى يعود لعمله، ثم شعرت بالفراشات تحلق فوق جدار معدتها كأنها مراهقة وطأت حقل زهورٍ تختلس فيه الرؤية لوجه حبيبها، وهذا الحبيب أتى لها يحمل الورد ثم يصبه فوق قلبها صبًا، لذا لا مانع من معاندة الحياة بناسها لأجله هو، إن كان هو يصارع لأجلها..
____________________________________

   <"أردت الغرق ورضيت به لنفسي، لمَّ أصرخ للنجاةِ">

هذا الذي رمى نفسه بعمق البحر ورضى بالغرق لن يرتضيه الصراخ متوسلًا بالنجاةِ، سوف يقبل بالغرق حتى الرمح الأخير لكنه أبدًا لن يقبل يد أحدهم تمتد بشفقةٍ كي تنقذه، هو بذاته من يحرق جسده بالنيران، لكنه لن يطلب من أحدهم الدفء لقلبه..

خطوة واحدة احتاجت منه ما لم يظنه يسيرًا عليه، ترك ابنته في حضن خاله بالقاهرةِ وقطع الطريق ذهابًا لمدينة الغردقة، منذ باكورة الصباح وهو في الطريق يتحرك من سيارةٍ لأخرى، أخذ كل التدابير الاحترازية قبل الذهاب حتى لا يلتقطه أحدهم، كان يمشي على دربٍ من التهور والجنون، ذهب كمن حمل روحه على كفه لكنه خشى أن يحين الفراق بغير وداعٍ، لذا ذهب ولو كان المقابل روحهُ..

ذهب للمشفى ودهس سيجاره بقدمهِ كأنه يدهس قلبه، وقف يرتب أنفاسه الهائجة ثم أخرج الوريقة الصغيرة التي بها رقم الغرفة والطابق أيضًا، وفي هذه اللحظة قرر أن يصعد الدرج خوفًا من ملاقاة أحدهم، كان يشبه السائر فوق حقل ألغامٍ، يقدم خطوة ويؤخر الثانية، يعود ويتقدم، يمشي ويتوقف، وبين كل خطوة والثانية يقف، حتى صعد الطابق الثالث يبحث عن الغرفة رقم "18" الخاصة بوالده.

فتح الباب بخوفٍ بعد أن قدم بطاقته الشخصية في الخارج، وقد لمح الغرفة الفارغة فتنهد بأريحية شديدة ثم ولج وأغلق الباب خلفه بلهفةٍ وهرول نحو الفراش يجلس على عاقبيه، راقب ملامح والده الشاحبة، راقب الشيب الذي زحف وامتد كي يحتل وجهه ورأسه، السواد الذي سكن أسفل العينين، والحالة الصعبة التي أصبح عليها، ترقرق الدمع في عينيه ومال على كفه يُلثمه؛ فهبطت عبراته الساخنة بقهرٍ رغمًا عنه.

همهم "حُسني" أثناء غفوته وفتح عينيه وهبط بعينيه نحو كفه فلمح ابنه يمسح عبراته ويرفع عينيه له دون أن يقدر على الحديث، بينما هو ذكر اسمه بلهفةٍ ولوعةٍ وذهولٍ واستنكارٍ:

_"يحيى" !! أنتَ هنا بجد؟.

ظن نفسه في باديء الأمر داخل حُلمٍ لكن ابنه ابتسم له ثم اقترب يُلثم كفه وجبينه ثم ارتمى في عناقه يحتمي به من غدر الأيام، حاول "حُسني" أن يضمه بقدر المستطاع وبكى هو الآخر وقال براحةٍ بانت في أثر كلماته:

_والله لو هموت دلوقتي أنا راضي، كفاية إني شوفتك وخدتك في حضني، بس جيت إزاي يابني، مش خايف يشوفوك؟ هتعمل إيه لو حد فيهم شافك، وفين بنتك؟ راحت فين، سايبها لوحدها؟.

_متخافش عليها هي مع خالي في أمان، وبعدين حتى لو خايف منهم مش هييجي حاجة جنب خوفي عليك يا أبو "يحيى" علشان خاطري شد حيلك أنا ماليش غيرك، أنتَ آخر أمل ليا في الدنيا مخليني عايش ومكمل، أبوس إيدك سامحني لو زعلتك في يوم.

جاء الجواب بهذه المشاعر التى نسى أنه يملكها، لكن والده لثم جبينه تلك المرة وقال بأملٍ في السماح:

_سامحني أنتَ إني ماعرفتش أعمل أي حاجة علشانك، والله كل حاجة كانت غصب عننا، وأنا والله مش زعلان منك، المهم تخلي بالك من بنتك وتحافظ عليها، اتقي ربنا في نفسك علشانها، هي تستاهل إنك تكمل لآخر نفسك فيك، أنتَ أحق بيها من أي حد.

أومأ له "يحيى" فسعل والده وضاق صدره، لاحظه هو بقلقٍ واضطرابٍ فاستقام واقفًا يبحث عن المياه في نفس لحظة فتح الباب ودخول "يُـسري" الغرفة على عمه، وبغير حسابٍ أو ترتيبٍ أو حتى موعد معتاد أتت مواجهة غير محسوبة والنتيجة فيها بكل أسفٍ محتومة، خاصةً حين تلاقت الأعين كما نصل السيوف الحادة في حربٍ دامية لا رأفة فيها...




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة