
رواية جمعية حب الفصل الحادي عشر 11 بقلم شمس محمد بكري
|| اليوم يطرده شر طردةٍ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
يَعزُ عليَّ حين يسألنيّ أحدهم عن مَوطنيّ..
فأقول أنني رجلٌ أنتمي للذكرىٰ، أنني رجلٌ هويته الحقيقة تكمن فيما مضىٰ وليس له باعٌ فيما هو قادمٌ، أنني رجلٌ أقف كل يومٍ على أعتابِ الماضي كي أَطُل على نفسي التائهة مني في بحرٍ عميقٍ الذهاب له سيكون ضربٌ من الجنون الأكيد..
فأنا أبدو كمن باع حاضره ودَمَرَ مستقبله بخاطره في لحظةِ غيابٍ لعقلهِ ورُشدهِ، فهذا يقول لي كيف تمضي يومك، وذاك يسألني عن خطط المستقبل وأنا في ذهنيّ أتساءل كيف لمرءٍ مات ورحل عن الحياة أن يُفكر في حياةٍ تركها؟ ألم يكن موتي بائنًا على قسمات وجهي؟ ألم أكن ميتًا في عينيهم؟
يبدو أن الموت فقط احتل قسماتي أنا
وترك مُسمىٰ الحياةِ للناسِ ليسألونني عنها ويبحثون ويُفتشون عنها، فأقول أنني رجلٌ بلا هوية في الحاضر،
إذا أردت أن تعلم مسقط رأسي وموطني، ستجدني فيما مضىٰ..
<"أيأتي الموت مرتين لنفس الميت أصلًا؟">
ذهب لقضاه بنفسهِ..
لم يرتضِ الجُبن ولم يُحب قلة الحيلة،
فإذا المرء يحيا الحياة مرة واحدة، على الأقل عليه أن يموتها بشرفٍ، وهو اختار أن يموتها في لحظة شرفٍ مثل هذه.
_سامحني أنتَ إني ماعرفتش أعمل أي حاجة علشانك، والله كل حاجة كانت غصب عننا، وأنا والله مش زعلان منك، المهم تخلي بالك من بنتك وتحافظ عليها، اتقي ربنا في نفسك علشانها، هي تستاهل إنك تكمل لآخر نفسك فيك، أنتَ أحق بيها من أي حد.
قالها "حُسني" يرجوه بحديثه وقد أومأ له "يحيى" كأنه يطمئن قلبه، فيما سعل والده وضاق صدره، لاحظه هو بقلقٍ واضطرابٍ فاستقام واقفًا يبحث عن المياه في نفس لحظة فتح الباب ودخول "يُـسري" الغرفة على عمه، وبغير حسابٍ أو ترتيبٍ أو حتى موعد معتاد أتت مواجهة غير محسوبة والنتيجة فيها بكل أسفٍ محتومة، خاصةً حين تلاقت الأعين كما نصل السيوف الحادة في حربٍ دامية لا رأفة فيها..
كان "يحيى" التفت على حين غرةٍ من فتح الباب ليتواجه مع الزائر الذي اتقدت عيناه وكأنه لحظه على غفلةٍ فصرخ باسمه:
_"يـحيى" !!.
هوىٰ قلب "حُـسني" حين لمح ابن شقيقه ينطلق كما طلقةٍ جن جنون طالقها وأضحىٰ ابنه على شفا حُفرةٍ من الموت، بالضرسِ القاطع لن تنتهي الليلة نهاية عادلة لبطلٍ حارب لأجل شيءٍ إلا ومات في النهاية لأجلهِ، جُرأة "يحيى" أمست في غيابةِ الجُب وهو يرى "يُـسري" يقف أمامه مُباشرةً ويقول بصوتٍ حادٍ مرتفعٍ به ما يكفي من الازدراء والتهكم:
_دا طلع عمك الوحيد اللي حافظك بقى، يمكن أكتر من أبوك كمان، قالي هييجي وهاتشوف، مش هيقدر يسيب أبوه كل دا من غير ما يشوفه وأنا زي العبيط كدبته زي ما طول عمري بكدبه في أي حاجة تخصك، حتى لما اتجوزتها كلهم كانوا شايفين إن نهايتها هتبقى معاك، وأنا العبيط وسطهم اللي فضلت ادافع عنك، بس خلاص يا "يحيى" خلصت لحد كدا وخروجك من هنا على جثتي.
اتكأ على جملته الأخيرة بالتزامنِ مع قبضته التي ارتفعت وضيق بها الخِناق على عنق "يحيى" الذي باغته ابن عمه بهذا الفعل، وكان "حُسني" في الوقت ذاته يطالع الوضع بقلبٍ أوجس في نفسه خيفةً، الخوف على ابنه طَيرَ فؤاده من موضعهِ، بينما "يحيى" حاول فكاك نفسه من قبضة "يُسري" الذي أشبه بأسدٍ جريحٍ وجد فريسته تُقدم له كما الذبيحة على طبقٍ من ذهبٍ، وقد نَبس من بين شفتيه بصوتٍ مذعورٍ:
_حاسب يا "يُسري" وبطل جنان، اديني فرصة علشان خاط"رحيق" سيبني أروحلها علشان ماتبقاش خسرت أبوها وأمها.
دفعه "يُسري" في الجدار خلفه بقوةٍ وهدر في وجهه بعنفٍ جلجلَ في المكان إذ ارتفع صوته عاليًا يهز الساكن في محله:
_دلوقتي بتفكر فيها !! وكان فين تفكيرك فيها وأنتَ واخدها وبتهرب بيها زي المطاريد من الجبل؟ دلوقتي بس عاوز تروح علشان هي مالهاش أم؟ ولما مشيت بيها وحرقت قلبنا عليها كان إيه يا "يحيى" ؟ مـا تـرُد ساكت ليه؟.
زعقَ بصوته المليء بالغضب والثورة، بينما الآخر تحدث بنبرةٍ ممزوجة بالعنَّةِ وكأن الأحرف لم تجتمع على طرفهِ:
_سيبني، وغلاوة "مـودة" تسيبني.
كلماته خرجت بأعجوبة، رجاءه خرج مبحوحًا غير مفهومٍ مقصده ورغم ذلك كان كما العدو الخبيث حيث دفع ابن عمه خلفه ليضربه بالحائط ثم هرول للخارج بخطواتٍ قافزة أشبه بمشي فهدٍ داخل البرية، ركض بغير هُدى ولا حسابٍ ولا دراسةٍ لمقصد الركض، بينما "يُـسري" فلحق به راكضًا وأخرج هاتفه يطلب رقم شقيقه الذي جاوبه ليصرخ هو فيه أثناء ركضه:
_"مـراد" خلي بالك "يحيى" كان هنا، هتلاقيه خارج ناحية باب الطواريء.
بلغ عن مكانه وأغلق الهاتف وهو يستمر في الركض خلفه، يركض خلفه كمن يركض خلف الروح قبل رحيلها، يجري هنا وهُناك تاركًا عيناه تسبحا خلف أثر ركض الآخر الذي استمر في الخطوات السريعة حتى وصل للخارج وركض بإتجاه الحديقة المُساورة للمبنى، ركض فيها وهو على يقينٍ أن "يُسري" خلفه يلاحق ركضه، فاستمر كأنه يُبحر نحو شاطيء النجاةِ، يركض بلا هوادةٍ أو عقلٍ والغاية وحدها رؤية ابنته قبل الموت..
وصل لمنتصف الحديقة لكن أنفاسه لم تصل معه، شُحَ وجهه من الدمِ وكذلك أنفاسه من الصدرِ وبقى هكذا في المنتصف يثني جذعه للأسفل يلتقط بذلك أنفاسه الفارة منه لكنه لمح ظل أحدهم يقابله وما إن رفع عينيه يشخص بهما نحو نقطة سقوط الظل؛ كان "مراد" ابن عمه صاحب نقطة الالتقاء هذه..
توسعت عينا "يحيى" وهو يستقيم بتروٍ وقد استُطير فؤاده ذُعرًا برؤية وجه الغريم الثاني، كأنه هرٌ تمرد على قرارات أبيه وهرول باتجاه الغابة وهو يعلم أنها مسكن الأسود وجيشهم هم الضباع، وقبل أن يأخذ رد فعلٍ لكمه "مراد" في وجهه لكمة أتتهُ على غفلةٍ اسقطته أرضًا ونزفت أنفه على إثرها، عاش من الذُل والامتهان ما يكفيه ليموت ميتة غير هنيةٍ، بينما انقض على الآخر يمسك تلابيبه وهو يصرخ فيه:
_لـيه !! ليه يا "يحيى" دا أنا كنت بعتبرك أخويا وصاحب عمري، ليه تيجي الضربة ليا منك أنتَ !! عَملتلك هي إيه علشان تبهدلنا كلنا كدا بعد موتها وتبهدل بنتها معاك بالشكل دا؟.
يتحدث من بين أسنانه المطبوقة فوق بعضها بنبرةٍ أعربت عن غضبه وغلهِ الدفين تجاه من يقع بين يديه، وقد كان "يحيى" في عالمٍ آخرٍ لا يعهد فيه إلا صورة الفقيدة وبعض الذكريات التي أضحت كما السكين في قلبه، شعر بالموت يساور عُنقه وسرعان ما عادت صورة ابنته تظهر أمامه وصوتها يملأ سمعهِ كأنها تُناديه، لذا تمالك ما استطاع تمالكه من نفسه ثم رفع قدميه وضرب ابن عمه في أقرب مكانٍ طالته قدماه..
تملك منه حين اعتدل بعدما زحف على جانبه فأضحى كلاهما بمواجهةِ الآخر في الوقت ذاته وصل "يُسري" الذي تقطعت أنفاسه وظل يتنفس بصعوبةٍ، وقد لمح بعينيه وقوف الاثنين بمواجهة بعضهما ولحظتذاك لمح "مُراد" شقيقه يهجم على عنق "يحيى" يُضيق عليه الخناق وكأنه ينوي موته، والغلبة كانت من نصيبه بعد أن ذهبت قوة "يحيى" وأمست في غيابة الجُبِ..
هرول "يُـسري" مُسرعًا نحوهما وما إن فصل بينهما سقط جسد "يحيى" فوق الأرض وهو يسعل بقوةٍ، كان يجلس على عاقبيهِ يستند على جذر شجرةٍ خاوية من الحاضر تُشبهه تمامًا، وبيده الأخرى كان يُمسد عنقه حيث موضع ألمه، فيما صرخ "يسري" في شقيقه بقوله:
_عاوز تموته وتروح في داهية علشان دا؟ الموت راحة ليه ودا خسارة فيه يرتاح، اعقل يا "مراد" مش عاوزين هبل.
كان "مُراد" في أوج غضبهِ حيثُ بدا ذلك واضحًا من حركة صدره العنيفة وعلى النقيض كان "يُسري" يحاول أن يتماسك قدر استطاعته، وما إن التفت خلفه يرى وضع "يحيى" الذي داهمه السعال الشديد واحتقن وجهه ثم رفع رأسه للأعلى يُعيد تنظيم أنفاسه، لوهلةٍ شعر "يُسري" بالحزن لأجله، لكنها مشاعر لحظية سُرعان ما انقضت حين تذكر فعله فيهم، لذا جلس على عاقبيه في مواجهته وقال بلهجةٍ حادة صارمة:
_إحنا هنروح معاك علشان نجيب منك اللي يخصنا وبعدها نتحاسب على الكله، القديم قبل الجديد يا ابن عمي.
توسعت عيناه وضاع عقله بينما "مُراد" اقترب منه على غفلةٍ وقال بذات اللهجة الصارمة:
_اعمل حسابك من دلوقتي رجلينا على رجلك، لحد ما ناخد منك بنتنا وبعدها هولع فيك حي، ماهو أنا مش هسيب حق السنين اللي فاتت دي كلها منك، دا أنا أبقى عيل بريالة لو سيبتك.
أطبق "يحيى" جفونه فوق بعضها بثقلٍ ثم التزم الصمت كأنه سجينٌ لا يحق له أن سوى الرضوخِ وفقط، وقد سحبه "مُـراد" بعنفٍ كأنه لصٌ تم الإمساك به في الجُرم المشهد كمن يختلس الحِراك ليلًا كي يسرق من البيوت البسيطة ما يُعينه على قضاء يومه، تحرك معهما بثقلٍ وهو يُجَر وما في قلبه فقط كان القهر..
شيءٌ ما في داخله تحرك ينذره وهذا الشيء كأنه يخص ابنته، شعر كأنها تُناديه ورُبما تبكي من غيره وهي تنتظره، لذا تأهبت حواسه حين عاد لرُشدهِ، نظر هُنا وهُناك كأنه يقيس مسافةٍ ما، أو يُعين مقدارًا غير معلومٍ، فأحس بـ "مراد" يدفعه للأمام بالمزيد من الذُل، وعند هذا الحد كان اكتفى، حيث استيقظ الوحش الذي بداخله فالتفت في طرفة عينٍ وعلى غفلةٍ أتاه بصفعةٍ شتتت الوضع، ثم التفت يهاجم "يُـسري" بحركةٍ خطرة وكأنه وحشٌ كاسر فُكَت قيوده.
في لحظةٍ كان أطرح "يُسري" أرضًا وركض مُهرولًا قبل أن يلتقطه "مُراد" بعينيه، وقد كان هذا الحدث بالفعل حيث انشغل "مُراد" بشقيقه الساقط أرضًا وكأنه يهب لـ "يحيى" فرصة الهرب من بين أنيابهما، ركض بغير هدى وقصدٍ وقد ركض خلفه "مُـراد" لكنه لم يلحق به، حيث تخبأ "يحيى" في مكانٍ مغمورٍ كأنه أمسى في غيابةِ الجُب بعيدًا عن الأعين..
وبعد مرور تقريبًا نصف ساعة تيقن هو فيها من رحيل أولاد عمه خرج من خلف كومة الشجر التي ارتكز بداخلها وبدأ يلتقط أنفاسه التي ظنها هربت منه، وآنذاك لم يرَ بعينيه إلا النجاةِ وفقط كي يهرب من هُنا، عليه أن يقطع الطريق ولو بدمهِ وماء وجهه كي يذهب لابنته، وخاطره مكسورٌ ما يُعبر عنه في دقة الوصفِ:
يعزُ على قلبي أنني لا انتمي إلا للذكرىٰ
وكأنني الابن البار للماضي.
وهذا هو حاله لا ينتمي إلا للذكرىٰ..
هو دومًا ابن الماضي لا يجد نفسه في الواقع ولا في العيش،
اسمه فقط يرتبط بالذكرىٰ؛ أمَّا الحياة فهو مجرد ميتٍ فوقها، وكأن الحياة أمست حرامًا عليه وحُرِمَ هو عليها.
____________________________________
<"كيف يهرب المرء من موطنٍ بداخله وإن لم يسكنه هو">
هذا الموطن الذي تتركه وترحل عنه لن تغيب شمسه عنك..
فكيف تهرب من موطنٍ لازال يسكنك وإن لم تسكنه أنتَ؟ كيف تغيب عنك شمسه وأنتَ لازلت حيًا بفضل طاقتها؟ كيف يهرب المرء من الوطن والوطن هذا يسكن فيك وإن كنت قصدت الرحيل عنه؟.
في بيت "الشيمي" بالقاهرة تحديدًا بشقة "عـرفه"..
كان "أنـيس" رفيق عمره يجلس معه بعد أن أتى بالصغيرةِ إليه، جلسا سويًا في الشُرفة المزودة بإضاءة ذهبية وتركا الصغيرة برفقة "ربـاب" و "عُـلا" التي توطدت علاقتها بها كثيرًا، وقد أخبره "أنـيس" عن إرساله لِـ "يـحيى" لمدينة الغردقة كي يزور والده، وحينها صاح فيه "عـرفه" فيه يلومه:
_أنتَ اتجننت يا "أنـيس" ولا عقلك راح منك؟ تبعته ليهم زي الضحية وقاعد تحكيلي ومبسوط؟ أومال لو أنتَ بنفسك اللي قايلي على اللي كانوا عاوزين يعملوه فيه؟ تضمن منين إنهم مايشوفوهوش هناك؟ مش فاهم إزاي فكرت كدا.
_يا زلمة هدي حالك، الموضوع بسيط.
حدثه بِلُغتهِ الأُمِ حيث الأصول الفلسطينية، وقد أثار ذلك تعجب الآخر حين رفع حاجبيهِ، فقّال "أنـيس" بذات اللُغةِ:
_الموضوع بسيط وما فيُه أي خطر مِتل ما إنك مفكّر، كل الإشي بَس إنه راح يُطل على "حُسني" مسألة وقت مش أكتر يا "عـرفه" وأنا بعرفه لـ "يحيى" مستحيل يقبل السكوت أكتر من هيك، العِرق الفلسطيني متأصِل بدمه.
تنهد "عـرفه" بيأسٍ ثم قال باضطرابٍ وقلقٍ سكناه على الفور:
_ربنا يسترها بقى ويرجع بالسلامة، مع إني خايف عليه وخايف يقع في إيد حد منهم هناك وتبقى مصيبة لو عرفوا مكانه ومكان بنته، مش هيسيبوه من إيدهم ووقتها هتبقى أنتَ السبب يا "أنـيس" في اللي وصله لحد عندهم هناك.
وقتها انتاب القلق قلب "أنـيس" وبدا طريق ابن شقيقته أمامه محفوفًا بالمخاطرِ كأنه حقًا دفعه ثمنًا للتضحية بروحه، ولحظتذاك صدح الهاتف الخاص به برقم "حُسني" فتنهد مبتسمًا يحسن الظن أن الفتى انتصر في ذهابه وإيابه وأيد ذلك بقوله:
_طمني عليك يا أبو "يحيى" أحوالك اتحسنت لما شُفته؟.
_اسمعني يا "أنـيس" بس الأول، "يُسري" شاف "يحيى" هنا في الأوضة عندي و"يحيى" زقه وطلع يجري ومش عارف حصل إيه بعد كدا، طمني عليه لو عرفت توصله، بقاله تقريبًا ساعة وخايف يقع في إيد "حسين" وعياله، مش هيرحموه.
انتفض من موضعه يهدر بملء صوته في الهاتف:
_إزاي يا "حُسني" بس مش أنتَ مأكدلي إن دا الوقت اللي محدش فيهم بييجي علشان بيكونوا في القرية ولما حد بييجي بيكونوا بليل؟ مسكوه إزاي بس؟ ابنك لو بقى في إيدهم مش بعيد يقتلوه يا "حُسني" وكالعادة الدنيا هتخرب فوق دماغه وهو يدفع تمن حاجة معملهاش، وأخوك بياخد حقه من "يحيى" وكفر بالقضاء والقدر؟.
انتفض "عـرفه" هو الآخر بعينين غارقتين في بحور الخوف والقلق، فيما أغلق "أنـيس" الهاتف وقال بصوتٍ خالٍ من الروح كأنه مُبرمجٌ آلٍ يوجه حديثه لرفيقه يخبره عن الخيبة التي لحقت به وسقطت فوق رأسه كما رُكام بيته:
_"يُـسري" ابن عمه شافه هناك وشدوا مع بعض والله أعلم حصله إيه في إيدهم هناك، دي مصيبة سودا لو مسكوه فعلًا، مش بعيد حد منهم يتهور ويقتله ولا ياخدوه لـ "حسين" عمه، دا عضو في مجلس النواب هناك، يعني لو اتهمه بأي تهمة هيتصدق على كلامه من غير تكذيب يا "عـرفه".
ضرب "عـرفه" كفيه ببعضهما وجلس فوق المقعد بانفعالٍ مكبوتٍ حاول يُخفيه لكنه فشل حين أظهرت ملامحه ذلك الغضب، وقد ظل "أنـيس" يبحث في هاتفه عن طريقةٍ تجمعه بابن شقيقته لكنه فشل، كل المحاولات أتت محملة بخيبة الفشل، حتى محاولة الوصول لـ "يحيى" مباشرةً أتت خيبة بكل الخيبات.
في الداخل تحديدًا بالمطبخ الواسع، كانت تجلس "ربـاب" تصنع سلطة فواكه وهي تتحدث مع "عُـلا" التي تركها "آدم" في حفظها وأمنها، ومعهما جلست "رحـيق" التي اكتفت برؤية شاشة الجهاز اللوحي تتابع به فيلمًا كرتونيًا، وقد تنوعت الأحاديث فيما يخص حياة "ورد" الزوجية والعائلية، وما بين حديثٍ وحديثٍ سألتها "عُـلا" بحيرةٍ مع تحفظها على عدم إظهار فضولها:
_طب معلش هسألك سؤال ومش فضول والله، ليه من الأول رضيتي تتجوزه لما أنتِ رافضة بنتك تتجوز واحد متغرب وبيسافر ويسيبها؟ ما كنتِ رفضتي الجوازة دي من الأول، طالما حماتها حرباية وصعبة كدا وأخوه حِشري ومش قد المسؤولية، بعدين الواحدة مش بتتجوز الراجل بس، الواحدة بتتجوز عيلته كلها، وعلى الوضع دا بنتك عمرها بيروح.
تنهدت "ربـاب" بثقلٍ وقالت ببسمةٍ بشوشة:
_ماهي الخيبة مش بتيجي مرة واحدة، الخيبة بتيجي على مرات، مكانش مغترب أول ما جه يتقدم، كان مهندس جودة في مصنع أجهزة كهربية وكان مستواه حلو ماديًا، وشرح كل ظروفه وساعتها لاحظت إن بنتي حباه، حاولت أقنعها إنها هتعاني معاه ماسمعتش كلامي، وقتها خدت بالي إن أمه هتبقى متحكمة وقولتلها قالتلي أنا ماليش دعوة بيها، أنا حباه هو، كان أول راجل في حياتها وأول حد يظهر وتحس معاه بالمشاعر دي، والشهادة لله بصراحة وقتها هو كان فعلًا واخد صفها، باين عليه إنه مشتري بنتي وعاوزها، وأي أم هتكون عاوزة إيه تاني؟.
جاوبتها بهذه النبرة الودودة التي لم تُبدِ أي سُخطٍ في الحديث، فأتى لها سؤالٌ من الأخرى تستفسر بقولها:
_أومال سافر ليه؟ وإيه اللي وصلهم للمرحلة دي؟.
_أكل العيش، المصنع قفل وسرح الناس وهو قضى فيه عمره كله من وهو في ثانوي، وخد منه هندسة جنب شغله وقتها جري وسعى يدور على شغل هنا وهناك مالاقاش أي حاجة تكفيه وتكفي أهله، أبوه بيتعالج بمبلغ، وأمه وأخوه في رقبته، ومراته وبيته، الحياة ضاقت على "منتصر" خصوصًا لما أنا بدأت أساعد "ورد" من بعيد لبعيد، وكل ما نعرض عليه فلوس أو شغل كان بيرفض، راجل بصراحة مايقبلش قرش مش من تعبه، لحدما جارهم جابله فرصة شغل برة، وساعتها باع عربيته واستلف فلوس من جاره دا على حس السفر من سنة ونص، سدد اللي عليه الحمدلله للناس، بس لسه حق "ورد" في حياته ماجاش، يمكن ربنا يكرمه ويهديه.
قالتها بأملٍ في تغيير الأوضاع لكن الحسرة بانت في كلماتها وهي تقصد ابنتها، وما إن شعرت بالثقل تجاه الحديث في هذه النقطة قالت مُغايرةً لمجرى الحديث:
_قوليلي عرفت من "آدم" صحيح إنك مخطوبة، الكلام دا بجد؟.
ارتبكت "عُـلا" في الحال حين تذكرت وقالت بتيهٍ حقيقي:
_مش عارفة والله، صدقيني مش عارفة، المفروض إني مخطوبة من وأنا في ثانوي لابن عمي الكبير، وحاطيني رهن إشارة منه، والمكس كله عارف إننا مخطوبين، وجالي عرسان ياما، بس كل مرة يتقال إني مخطوبة لابن عمي يطفش ويمشي، آخر مرة شوفته من ٣ سنين نزل اجازة وقعد معايا كام مرة وخرجنا مع بعض وخلاص، أنا حتى مش بحس أي حاجة ناحيته، ومش عارفة هو عنده علم باللي حصل دا ولا لأ.
أشفقت "ربـاب" عليها ثم ربتت فوق كفها وهي تقول بتضامنٍ معها ولأجلها:
_عنده أو معندوش مش مهم، المهم إنك مع أخوكِ هنا خلاص ومستحيل حاجة تضرك، أنتِ ماتعرفيش "آدم" كويس، دا ممكن يخرب الدنيا علشان اللي بيحبهم، ومش هيقبل حاجة تضرك أو تزعلك، عمومًا أنتِ هنا منورانا والبيت كله نور بوجودك فيه.
ابتسمت لها بخجلٍ وانتبهت لتلك الصغيرة التي تجلس بجوارها، فمسدت فوق خصلاتها وهي تبتسم لها، عيناها تنطقان لأجل الفتاةِ بكل شيءٍ كتمه الفمُ عن البوحِ به، ظلت تراقب عينيها الخضراوتين الشاردتين وتنهدت بوجعٍ لأجلها، فهي تعلم حال اليتيم كيف يكون صعبًا وشاقًا عليها، خاصةً إن كانت وسط الغرباء عنها مثل هذه، لذا حين تلاقت الأعين ببعضها كان هناك شيءٌ من التواصل وإن كان غير مقصودٍ لكن الفتاة ارتاحت في عينيها من عبءٍ لم تعلم عنه شيئًا.
____________________________________
<"الحُب سيظل آفة القلوب الخائفة من الوقوع في فخه">
الحُب خطوة لا يجرؤ عليها الخائف..
خطوة تظل بعيدة عنه حتى وإن كان يقف على أعتابها، الحُب هو الحقيقة المُرة الوحيدة التي حين تتذوقها القلوب تقبل بمُرها وترضخ للطَّعمِ وتفتح فمها للطُعمِّ، لذا الحُب هو الآفة الأكثر صعوبةً للخائفِ، والحُب لا يحتاج للخائفين..
مُحبة شغوفة برؤية الحبيب، تراه ضحى النهار وإن كان هو غارقًا في عُمق الليل، تراه شمس الصباح وإن كان غائبًا خلف الغمام، تراه الحقيقة التي يعرف القلب وإن كان لا ينطق هو بغير الأكاذيب، تراه الشيء وهو يُناقض فيها كل شيءٍ، لذا رضيت بوحدتها دونه لأنه لم يكن شيئًا في عالمها، قبلت بالفراغ لأنه لم يكن ما يشغل الحياة حولها، رفضت الكُل وتراه فقط القبول الوحيد في عالمها، فما كان عليها إلا أن تحتفظ بحبه لنفسها لحين إشعارٍ آخر..
انتابتها حالة فضولٍ عارمة تجاه غياب والدها منذ الصباح وها هو الظهر رُفِعَ ووالدها لم يأتِ مثل المعتاد في هذا التوقيت من العمل، فخرجت "تـقوى" من الغرفة تبحث عن أمها التي كانت تقوم برص أطباق الفطور فوق الطاولة وما إن لمحتها قالت تتشدق بسخريةٍ:
_أخيرًا ظهرتي على الشاشة؟ يلا علشان نفطر.
بحثت "تقوى" بعينيها عن أبيها ثم سألت أمها بعجبٍ في الأمر:
_هو بابا ماجاش ليه لحد دلوقتي؟ الضهر أذن من بدري وصلوه كمان، هيكمل اليوم هناك في المعرض ولا إيه؟.
سحبت أمها المقعد تجلس عليه وهي تجاوبها بعدم اكتراثٍ:
_"يـحيى" مسافر ومش هييجي دلوقتي، أبوكِ قاعد علشان فيه سيراميك جاي من المصنع وهينزله المخزن، هييجي وقت الغدا.
لم تهتم هي إلا بما يخص ذِكر اسمه فقالت بلهفةٍ:
_هو "يحيى" سافر !! راح عند أهله وأهل مراته؟.
لاحظت أمها نظرتها القلقة والاضطراب الذي بدا واضحًا في صوتها فرفعت حاجبها بملامح أظهرت التهكم ثم قالت بتأكيدٍ على ما تتفوه به وهي تمط كلماتها كي تتضح لمرأى العين وسمع الأصم:
_آه سافر، ومالناش دعوة بيه بقى، خلينا في حالنا وشغلنا ومصالحنا، ياريت نفوق لنفسنا شوية يا "تقوى" دي مش عيشة يا بنتي، أبوكِ وعارف اللي فيها وساكت علشان مش حابب يزعلك، بس أنا زعلانة عليكِ يا "تـقوى" وقلبي وجعني وأنتِ مستخسرة فيا وفي نفسك الفرح كدا، أخرتها إيه؟.
كانت تعلم أن والدتها سوف تتجه لهذا الحديث عنه وعنها، فقالت بيأسٍ وهي تمسح فوق وجهها بعنفٍ كأنها تُعبر عن ضُجرها:
_بحبه يا ماما، غصب عني بحبه ونفسي يحس بيا وبحبي، محدش فينا بيختار يحب مين وأنتِ عارفة، لو أعرف إزاي أخليني أنساه هعمل كدا بدل ما أنا بتعذب كل مرة أشوفه فيها وهو حتى مش بيرد عليا، أنا ساعات بكره نفسي علشان بحبه، بكره إني واحدة عايشة على أمل كلمة واحدة منه، وساعات بحس إنه علشان مختلف عن اللي حواليه دا سبب إني بحبه ومشدودة ليه.
تنهدت أمها هي تتطلع على الحزن الغابر في صوت ابنتها وقالت تنصحها بودٍ ولينٍ لعل الحديث يصل لمركز قلبها ويتمركز فيه:
_هقولك كلام محدش غيري هيقوله ليكِ علشان قبل ما أكون أم ليكِ فأنا ست وفاهمة مشاعرك وكلامك، كونك حبتيه علشان هو مختلف فدي حاجة طبيعية، إنك تتشدي للراجل اللي مختلف عن كل الرجالة دا تقريبًا طبع الستات، بس الغبية اللي توقف حياتها علشان راجل موقف حياته، أنتِ مالكيش مكان في حياته ودي الحقيقة بعينها، هو حياته قفلت على كدا، راجل مراته ماتت وسابتله بنت يعيش علشانها، يعني لو دخلتي حياته هيبقى علشان البنت دي مش أكتر من كدا، وأنتِ جميلة أوي، تستاهلي راجل يقطع الطريق كله علشانك، يسافرلك مخصوص زي ما أبوكِ كان بيعمل، تستاهلي الراجل اللي يحارب علشانك الدنيا كلها، مش بقولك أمير في قصر ولا بيه ابن ذوات، بس هاقولك واحد يرضالك الرضا ترضي…
لاحظت عيني ابنتها اللاتي تلألأ الدمعُ فيهما فمسحت بطرف ابهامها عليهما وهي تُضيف بقلبٍ مفطورٍ على صغيرتها:
_أنا والله مش عاوزة أوجعك بس لو سيبتك في الحالة دي كتير هيبقى الوجع بعينه لما تلاقي نفسك خارج حساباته وأنتِ عمالة تعشمي قلبك فيه، هو خلاص رضي بحاله وحياته وعايش علشان بنته وظروفها، وزي ما هو أب يهمه بنته، أنا أم ومش هرضاها لبنتي إنها تعيش حياة زي دي، علشان خاطري أنسيه، شوفي حياتك وشغلك وارجعي لنفسك من تاني، ارجعي للمكتب اللي قفلتيه وحياتك اللي وقفتيها علشانه دي، أنتِ مش ليه وهت مش هيكون ليكِ والله، علشان خاطر نفسك حتى.
هرعت العبرات تتسابق من عينيها فور وصول الحديث لقلبها، لم تفكر أن الحال وصل لهذه الدرجة العالية من الصعوبة، كانت تحسب نفسها مجرد فتاةٍ أحبت رجلًا وتنتظر فتح باب قلبه لأجلها، لكنها لم تظن يومًا أن الحال سوف ينتهي بها وهي تشفق على حالها في حُبه، لذا ارتمت على أمها تعانقها وتُبكيها الحلم الضائع، كأنها كانت تحتاج للألمِ كي تستشعر الجرح الغائر الذي سوف تسببه تلك السكين التي تُرهنها هي فوق نحرها..
بينما الأم فظلت تمسح عينيها وتُربت عند موضع نبضها، تدعو الله أن يرأف بابنتها ويُصرفه عن قلبها، تتمنى أن تنساه ابنتها وأن تسلك طريق الخلاص منه كأنه ابتلاءٌ أصاب قلبها، داءٌ توغل في القلب والشفاء منه قد يكون مستحيلًا، النجاة من بحره تشبه الأمنية التي يستحيل تحقيقها، "يـحيى" السبَّاح العظيم الذي يُجبر البحر أن يحترمه ويقدم له فروض الولاء والطاعة، هل يُعقل أن تتخلص هي الغرق فيه وتجد الشاطيء الآمن في بحرهِ؟..
وفي مكانٍ آخرٍ بداخل قصة أخرى تساورها غياهب الغموض، وتحاوطها هالة من الشيء غير المعلوم وكأن هناك حلقة مفقودة لحبكة تلك القصة التي لم يعلمها إلا البطل وحده؛ كان "حلمي" استيقظ من نومه قُبيل لحظاتٍ وظل فوق الفراش يطالع السقف الفارغ وعيناه تتذكر ملامح الأم الغائبة، القلب يصرخ طالبًا بالوصالِ، الروح تهفو لروحها الغائبة عنه، كل ما فيه يتمنى لو مجرد لقاءٍ عابرٍ فحسب، عساها تكون بخير ولازالت على قيد الحياة، عساه اللقاء يحين رغم طول الغياب عليه..
ترقرق الدمع في مُقلتيه فأطبق جفونه فوق بعضها ثم التفت لزوجته بجواره، راقب ملامحها إبان نومها وتنهد بقوةٍ، كانت عيناه تحفظان ملامحها عن ظهر قلبٍ، يتذكر كي انقلبت الأوضاع في ساعةٍ لم يُخيل له أنه قد يحيا فيها، أمسك كفها بيده يتمسك بها كما طفلٍ صغيرٍ يخشى الفقد، يخشى أن يضيع من جديد وسط قسوة القبيلة، يكفيه أن يكون ظالمًا في عيني العالم، لكنه في عيني نفسه يعلم أنه المظلوم..
هو كاتب الحكاية وهو الطرفين فيها..
كُتِبَ له أن يحيا القصة بكلا الطرفين ظالمٌ ومظلومٌ، والعالم لم يعلم خبايا القصة، العالم الخفي الذي يتوارىٰ خلف قضبان السرد لم يظهر إلا لقاريء فصيحٍ يفهم كيف يقع الاسقاط وكيف تُكتب الحبكة دون أن يطلع عليها القاريء بوضوحٍ، مسد فوق جبينها المعقود وهي نائمة وقد داهمته ذكرى أول لقاءٍ مباشر بينهما وتردد صوتها وهي تصرخ باسمه حين لمحته في تلك الليلة الغابرة، كانت ترتجف من الخوفِ وهي تنتظر خلاصها، وهو أتاها كما النجاة..
ظهر من خلف الجميع في تلك الصالة الواسعة التي تقف هي بها كما جارية تُباع وتُشترىٰ وما إن لمحها بهذا القدر من الذل والهوان والعبرات حبيسة في عينيها، وبمجرد أن تأكد من هويتها هرول نحوها يسألها بلهفةٍ قلقة واضطرابٍ ظهر في صوته:
_أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة؟.
حركت رأسها توميء له فخلع سترته يضعها على ثيابها ويغطي جسدها المكشوف أسفل تلك الثياب العارية التي لبستها بالإجبارِ، التقط يدها يضمها بقوةٍ ووقتها وقفت هي تراقب كفه الذي يقبض فوق كفها ولم تعلم كيف وصل لهنا وأتى لها بالخلاص، كيف دخل هذا المكان وأنقذها منه وكيف أصبحت آمنة في يديه، لمَّ الأمان ظهر لها في ظهوره؟ كان حائرة وشاردة فيه حتى وجدته يُجلسها في سيارته ثم جلس على عاقبيه أمامها وقال بصوتٍ مبحوحٍ:
_أنتِ بجد كويسة؟ حد من الأنجاس اللي جوة دول جه جنبك؟.
حركت رأسها نفيًا وهمست بخوفٍ:
_لأ، بس أنتَ إيه اللي جابك؟ جيت ليه؟.
سألته عن الحقيقة التي حاول انكارها وتكذيبها، حاول أن يخفي هذا الجواب حتى لا يقع في فخٍ يصعب عليه الخروج منه لكنه نظر في عينيها مباشرةً وحين تلاقت الأعين ببعضها تنهد ثم قال بخيبةٍ لا يظن أنه يعيشها:
_علشانك.
كان جوابه تأكيدًا لما ظنته هي، ظهوره في هذا الملهىٰ لم يكن صدفة، قد يكون علم أنها هُنا وأتى كي يُنقذها، وهذا ما حدث بالفعل حينذاك، حيث وصله خبر اختطافها والمساومة والمُقامرة على شرفها لذا قصد الطريق إليها، لم يهمه أي شيءٍ سواها، حبيبة الطفولة التي كتم هواها في قلبه، الفتاة الوحيدة التي جعلته يتمنى وصالها وقُربها، لذا حين أُتيحت له الفرصة قبل بها، فربما لو لم تأتِ بهذه الطريقة ما كانت أتت قط.
استفاقت هي من غفوتها على يده التي استقرت فوق وجنتها وقد ابتسمت له ثم سألته عَلُقَ به أثر النوم الذي لم يذهب عن صوتها:
_صباح الخير، مانزلتش لسه؟ الوقت اتأخر أوي.
حرك كتفيه بحيرةٍ والتزم الصمت بينما هي سألته بلهفةٍ:
_أنتَ بقيت أحسن من إمبارح؟ أتمنى تكون أفضل.
وهذه هي الحقيقة التي لن تخفيها هي عنه، هي حقًا تحب أن تراه سعيدًا، تحب أن يبقى مُرتاحًا، بعد أن أنقذ حياتها وشرفها وغامر بحياته لأجل إبقاء حياتها هي كان لابُد من تفضيله هو على العالم جمعًا، تعلم أن القصة بها جزءٌ لازال مخفيًا عن العالم كله وعن من كان يُفترض له أن يعيش دور البطولة قبل أن يُزال دوره من القصة، لكن هذا الذي تراه يستحق الحياة..
ضمها لعناقه ثم تنهد وسألها باهتمامٍ:
_يهمك أكون كويس؟.
يسأل وينتظر الجواب وكأنه لم يُصدق أن هناك من يُريد النجاة له، فتجاوب هي بما تعلم أنه يحتاج لسماعهِ منها:
_يهمني تكون بخير يا "حلمي" وأشوفك مبسوط ومرتاح في حياتك، يمكن أنا مش كفاية ليك بس والله بحاول علشانك، أنتَ جميل أوي وطيب وتستاهل تتشاف بعيون تحبك.
ابتسم بمراوغةٍ ثم ضمها له أكثر وهمس بشقاوةٍ عادت ترتسم فوق محياه بمجرد أن تلاقت النظرات مع بعضها:
_سيبك من كل العيون المهم عيونك أنتِ.
ضحكت وهي تعانقه بينما هو تشبث فيها، تمسك بها كما فعل أمسًا وارتكن عليها، قبل بوجودها هُدنةً من العالم وسط الحروب الضارية التي يخوضها كل يومٍ، لذا قد يكون وجود بعض الأفراد احتياجًا وليست رفاهية كما يظنُ البعض، وهي الاحتياج الأكثر مُرادًا ورغبةً من قلبه وجسده كي يرتكن عليها هي وحدها، وإن كان طريقها بذاته حربًا يخوضها في كل دقيقةٍ..
____________________________________
<"رُبما كانت البداية خاطئة، لكن الباديء في النهاية يصل">
بعض الطرق قد نبدأها بخطوة واحدة خاطئة..
خطوة نُدفع لأجلها، نُدفع كي نفعلها وإن لم نكن نقصدها، وعلى كُلٍ هي خطوة في بداية طريقٍ مجهولٍ قد نصل له بشيءٍ من التيه لكن ما إن يتوج مسعانا بالنجاح؛ سوف نحترم هذا الخطأ..
في بيت "طـاهر أبو سويلم"..
كان يجلس مع زوجته يتحدث معها في عدة مواضيعٍ بحديقة البيت وهي أيضًا حتى أتى ذكر ابنه فسألها عنه وقد أتى ابنه يجاوبه بنفسه وهو يقول بمرحٍ:
_جالك أهو يجاوبك يا "طـاهر" جيت إمبارح لاقيتك نايم.
انتبه له والده فركز بعينيه على وجهه وهو يسأله:
_المهم طمني عملت إيه إمبارح، الواد "معتز" دا ضايق "نـوف" ولا أتعرض ليها؟ أنا عارفه عيل قليل الأدب وعمره ما احترم حد، كان "نـاجي" كل يوم يخلصله مشكلة وأبوه سايبه وقاعد برة ومريح دماغه منه، وهو قاعد هنا علشان عاجبه قعدة الصيع والشمامين اللي زيه، شافك هناك؟.
مطَ "غسان" شفتيه وقال بترددٍ كأن الكلام يعترض على الظهور:
_هو من ناحية شافني فهو شافني، وياريته عداها على قد كدا، دا اتهمني إني رايح أقضي ليلة معاها، بس هي ما شاء الله عليها، بصتله بصة خليته سكت خالص، شكلها مش سهلة خالص، بس على فكرة الواد دا هلاس وبطنه فاضية، دا شكله بيخاف منها، أو يمكن خاف علشان أنا زعقتله وقولتله إني هعرفه مقامه، بصراحة يا بابا الموقف نفسه مكانش ينفع خالص، شكلنا كلنا بقى زفت إمبارح و"نـوف" دي شكلها في وكر تعابين مش وسط ناس عادية، دول هياكلوها.
زاد الهم فوق قلب "طـاهر" وقال بحزنٍ لأجل غياب الرفيق:
_علشان كدا "نـاجي" عاش طول عمره شايل هم بناته، علشان عارف إن عيلته زبالة كلهم ياكلوا مال النبي مش بس مال اليتيم، ربنا يسترها ويقوي "نـوف" عليهم بقى، ويعينها وتقف قصادهم، معلش هتعبك معايا بس أنتَ عارف ماليش غيرك، هخليك تشوف الشغل علشان تمسكه وتظبطه لحد ما تسافر، والجمعية كمان هديك مبلغ تظبطه بيها، تشوف التبرعات اللي كانت بتخرج والدار كمان توفر ليها كل حاجة، هي دي الحاجة اللي "ناجي" عاش يحارب علشانها.
رغم أنه استثقل المهمة على نفسه لكنه قال في النهاية بقبولٍ:
_ماشي يا بابا، بس هما في الآخر فعلًا عيلة واحدة ووجودنا وسطهم ممكن يبان غلط قدام الناس، خصوصًا إن "نـوف" دي بنت ومالهاش راجل فكدا سمعتها هتكون في خطر، خلينا من بعيد لبعيد أحسن، وخليك أنتَ بس اللي في الصورة وبلاش أنا، مش ناقصين صداع الله يكرمك، أنا مش جاي اجازة أجيب لنفسي وجع الراس.
طالعه "طـاهر" بنصف عينٍ ثم تنهد موافقًا، وقد تحرك "غسان" نحو الداخل ووالده ظل شاردًا في أثر رحيله حتى أتى صوت "رئيفة" يُزاحم لحظة صمته وشروده بقولها الذي بدا مرحًا بعض الشيء:
_اللي بتفكر فيه بان في عينيك، لو عليا موافقة.
انتبه لصوتها فوجدها تغمز له بطرف عينها كأنها تخبره عن الذي يفكر هو فيه وأسره في نفسه، وحينها ضحك لكنه لم يتعجب منها، هي دومًا تعرف ما يُفكر فيه، تقرأ غموض عينيه بكل يسرٍ وتيسيرٍ وإن كان هذا الأمر صعبًا على الآخرين، هي وحدها من تفعلها وتشاركه المشاعر الداخلية قبل أن تكون مجرد شريكة بيتٍ وفراشٍ وغرفة تحت السقف ذاته..
في بيت "نـوف"..
كانت أمها عادت في باكورة الصباح حين عرفت بمجيء ابن عمها لعندها، دفعها القلق للهرولةِ لدى ابنتها وما إن أطمئنت عليها دارت بينهما الأحاديث حتى أخبرتها "نـوف" بما حدث أمسًا وذكرت لها مجيء "غسان" عارضًا مساعدته عليها، أخبرتها عن كل شيءٍ ووقتها شعرت أمها بشيءٍ من الراحةِ..
وعند حلول هذه اللحظة أثناء الصمت المُطبق على البيت كعادة البيوت المصرية في هذا التوقيت بمشارف العصر حيث السكون والهدوء قبل عودة الزحام والزخم وعلو الأصوات من جديد؛ صدح صوت هاتف "فـريدة" الأم، فجاوبت على المكالمة لتجد شقيقة زوجها تنطق بتهكمٍ:
_جرى إيه يا "فـريدة" لما الدنيا ياختي خربانة عندكم كدا وبنتك خرباها يمين وشمال بتمثلوا الشرف علينا ليه؟ مش عيب بنتك برضه تجيب راجل غريب في البيت بعد موت أبوها؟ لأ وكمان بتبجح في ابن عمها علشان بيزعقلها صحيح اللي اختشوا ماتوا.
توسعت عينا "فريدة" حين داهمها الحديث وصرخت في الهاتف تنهرها بقولها:
_قطع لسانك قبل ما يجيب سيرة بنتي، يا ست يا محترمة بدل ما تصدقي الكلام دا على بنت أخوكِ وتقفي تدافعي عنها بتصدقي الكلام وكمان بتعومي على عومهم، ابن أخوكِ المحترم اللي كان جاي يمد أيده على بنت عمه في نصاص الليالي ولولا الغريب كان باعت ابنه ليها كان زمان ابن أخوكِ مد أيده عليها.
أتى الرد عليها بضحكة مستهزأة وردت بحديثٍ يصعب الرد عليه في موقفٍ هكذا:
_يا حبيبتي ماهي لازم تقولك كدا، هاتقولك يا ماما أنا جيبت واحد في البيت وابن عمي جه ياخد حقه وحق شرف العيلة مني؟ لازم تتبلى عليه وتقول كلام محصلش، عمومًا أنا كلمت عمها وكلمت ولاد عمامي ويشوفوا حل للفاجرة دي، سلام يا مرات يا أخويا.
كانت "نـوف" جاورت أمها بجوار شقيقتها التي سألت بقلقٍ:
_هو حصل إيه يا ماما؟ ومالها عمتو عاوزة إيه؟.
_عاوزة إيه؟ عاوزة تموتني بحسرتي، عمالة تجيب في سيرة أختك وترمي سمعتها بالباطل، الحيوان ابن عمك راح جاب في سيرتها ورماها في الباطل إنها كانت جايبة واحد وإحنا مش هنا، لأ وكمان بتقولي عاملين قعدة ليها مع ولاد عم أبوكِ وعمك هييجي من برة علشان يشوفوا حل معاها، عاوزين يوسخوا سمعة أبوكِ بعد موته.
توسعت عينا "نـوف" وسقط قلبها من موضعه، ترقرق الدمع في مُقلتيها وحركت رأسها بعنفٍ تنفي هذه الأحاديث الكاذبة في حقها وحق سُمعتها، ثم تحدثت أخيرًا بهيستيرية باكية:
_ماحصلش والله، والله ما حصل، هو اللي كان جاي علشان يمد أيده عليا ويغلط فيا وفي حقي، هي بتكدب أصلًا، هي طول عمرها بتكره بابا وبتكرهنا، والله ماحصلش، كلمي عمو "طـاهر" وهو هيقولك اللي حصل بالظبط، والله ما عملت حاجة.
ضمتها أمها لعناقها تأويها بداخله، تحفظها في كنفها بعيدًا عن قسوة العالم البشع بالخارج، تخبرها أنها تعلم الحقيقة وتعرف ابنتها حق المعرفة، حتى لو كل العالم اتهمها بما لم تفعله هي سوف تدافع هي عنها، سوف تكون الجيش العتيق الذي يحمي ويُدافع مهما كلفها الأمر ومهما لقت من عواقبٍ، فالأم تبقى أمًا مهما حدث ومهما استصعب عليها الأمر لكنها تفدي صغارها بروحها إن تطلب الأمر.
____________________________________
<"رفيق طريقي وإن خانني الطريق نفسه لا يخون هو">
كان لي رفيقٍ حتى في الخصام لا يغدر بيِّ..
لا يفجر حين تتلاشى المحبة في بعض المواقف، كان رفيقي وظلي وكُلي، كان الطريق حين اعترض على سيري الطريق، لازلت ألمح في عينيه بريقًا يخصني، لا هو انعكاس حُبي ولا هي محبة زائفة، هي شيءٌ بداخل القلوب لا أعلم حجمه لكني أرى وميضه..
تخيل أن الحياة هي لعبة شطرنج،
وعليك في لحظةٍ ما أن تنحرف بأفكارك نحو أفكار أخرى أكثر جُرأةً، فتلك الأفكار تشبه قطع الشطرنج التي تتحرك للأمام لكن من بعدها تبدأ لعبة الفائز..
إذا قررت أن تفوز عليك أن تُنحي مشاعرك جانبًا، وتذكر أن العاطفة خاسرة أمام عقلٍ واعٍ كان مسعاه في الفوز، وهو يُجيد قتل روحه ودفن مشاعره ويولي عقله السُلطة الأكبر في تلك الحياة كي تقوده، اسمه اُقتبس من الخيول فكان اسمًا ووصفًا هكذا، اليوم يقف بكتفيه العريضين في أرضٍ فاز بها وكتبت باسمه واضعًا عليه صك ملكيته قُبيل لحظات من الآن، ثم بدأ يوثق العقد فعليًا وعمليًا..
كان "أدهـم" يُراقب بعينيه العُمال وهم يرفعون اسمه باللون الذهبي ثم تم وضعه فوق الواجهة السوداء لتظهر الهيبة باسمه اللامع الذي أضاء بعد قليلٍ حاملًا اسمه "الأدهـم"..
ابتسم بفخرٍ وهو يطالع اسمه بكل عنجهيةٍ ثم تحرك نحو مكتبه الجديد يجلس فوق المقعد ثم ارتخى في جلسته تاركًا أعصابه المشدودة ترتاح لو قليلًا، وما إن جلس وشرد فيما فعل وكيف خطط ودبر ثم نال وحصل، ابتسم بتقديرٍ للذات ولم يقطع صفو لحظته باندفاعٍ وغضبٍ أعمى نبع من حقدٍ سكن القلب:
_بقى أنا أتكرت على قفايا منك أنتَ؟ تلبسني سيراميك وبضاعة فوق النص مليون جنيه على أساس أشتري المحل دا وفي الآخر تيجي تلهفه أنتَ وبسعر أقل كمان؟ مش هتبطل بقى قلة أصل يا "أدهـم" وتنضف قلبك شوية؟.
انتبه له "أدهـم" وترك عينيه تتجولان فوق وجه من يُقابله مثل الثور الهارب من حلبة قتالٍ ثم ترك موضعه ووقف مقابلًا له يضع كفيه في جيبي بنطاله ثم قال بتأثرٍ زائفٍ:
_كدا يا "حلمي" يا صاحب عمري؟ بدل ما تفرحلي وتباركلي إني بوسع شغلي والمعرض بقى من نصيبي؟ مكانش العشم والله.
والآخر حقًا ضاق به الحال ذرعًا لذا رمقه ساخطًا ثم رسم بسمة كبرٍ وتشفٍ وهو يعاتبه بقوله الدرامي بشكلٍ مبالغٍ به:
_يا أخي لو مش علشاني يبقى علشان بنت عمك اللي هي مراتي، تقدر تقولي بقى هعمل إيه قصادها لما تعرف إن ابن عمها واقف لجوزها بالمرصاد في الشغل ومستكتر عليه الرزق؟.
والتلميح المُبطن هذا لن يُجدي نفعًا، لذا كانت نظرات "أدهـم" حادة بعض الشيء عند النظرة الأولى ثم عاد يتسلح باللامبالاةِ وهو يقول:
_في داهية، أنتَ عارف أني مبيفرقش معايا.
أولاه ظهره بعد نهاية الجملة فأتاه الصوت المنفعل من الآخر بقوله:
_بس بتفرق معايا، تقدر تقولي هعمل إيه في بضاعة بنص مليون جنيه مش لاقي ليها مكان ولا مخزن حتى؟ أنتَ كنت عارف من الأول أني حاطط عيني على المكان، وكنت مربط مع الحج "عبدالحق" علشان آخد المكان، بس خليك بشوقك.
التفت كي يرحل من المكان فأوقفه "أدهـم" بصوتٍ جامدٍ جعله يقف مكانه، فتابع "أدهـم" الحديث بقوله:
_أنا لقيتلك حل، وعرفت هتعمل إيه.
حرك "حلمي" رأسه له بنظرات متقدة بشرٍ فاقترب منه "أدهـم" على حين غرة وقال بثقةٍ وببسمةٍ لم تلق بما يتفوه به:
_أولع، أنتَ وبنت عمي واللي يتشددلكم.
توسعت عينا "حلمي" وقرر أن يرحل لكن "أدهـم" عاد يُضيف:
_وبجاز وسخ كمان، شبه نيتكم.
وهنا بدأ الحديث يأخذ مسلكًا جديدًا جعل الانتقام يغزو ويستقر بعدما استوطن في النفس، لذا ربت "حلمي" فوق كتف "أدهـم" وقال بخبثٍ ونية باتت ساكنة في نفسهِ:
_محدش عارف الجاز الوسخ دا هيحرق مين الأول، مبروك عليك المعرض، بس يا رب تلحق تتهنى بيه قبل ما يتنكد عليك يا صاحبي.
ولأن الصديق الذي ينقلب عدوًا، كان عدوًا وكارهًا منذ البداية،
ابتسم له "أدهـم" بفتورٍ وتيقن أن نفسه تضمر له شرًا، فرفع كلا إصبعيه بجوار بعضهما يُحييه بصمتٍ كأنه يطرده من مكانه الذي سبق وأعلن عليه سُلطانه، وفي تلك اللحظة أصبح هو الملك الذي ربح لعبة الشطرنج بعدما تخطى كل الحدود وقفز للأمام تاركًا كل شيءٍ لحين إشعارٍ آخرٍ منه،
فأهلًا بِكَ هُنا مع مدير اللعبة
ومُدبر قواعدها، أهلًا بكَ مع الرابح الوحيد..
عاد "أدهـم" وجلس فوق المقعد يزفر بقوةٍ ثم شبك كفيه ببعضهما وهو يشعر أن انتصاره هذا لازال قليلًا أم جرح الرفيق له، هو لم يشعر يومًا أن انتقامه من "حلمي" يكتمل حتى النهاية، دومًا قبل الخطوة الأخيرة يتراجع مئات الخطوات، كأن قلبه لازال ضعيفًا أمام صاحبه القديم، لازال يجهل لمَّ طعنه في الخفاء؟ وحتى يجد الجواب سوف يمضي دربه كما لاعب الشطرنج المتمرس فوق رُقعتها..
وبمكانٍ آخرٍ كان "آدم" يقف بمطبخ مطعمه..
اليوم يقوم هو بالعمل بنفسه، حيث العمل الأحب الذي يمارسه بكل شغفٍ، الحياة التي تليق به، العمل الذي لاق به وناسبه وناسب مهاراته وكل ما يستطع فعله، ولأنه مميزٌ في كل شيءٍ كان يضع السماعات بأذنه يستمع للموشحات الأندلسية كما يُحب أثناء عمله، يعشق الشعر والأدب العربي، يحب القراءة ويهوى الكتب، يصنع لنفسه العالم الخاص ولا يقبل بدخول المتطفلين..
ولا شك أن عودة "عُـلا" لحياته كانت سببًا في عودته هو لنفسه، فها هو يعامل الجميع بلطفٍ، صرف للعاملين مكافآت، أنزل خصمًا على الأسعار، وصنع يومًا عائليًا بنصف الثمن، وجميع من بالمكانِ ظنوه مجنونًا، هذا الذي لم يُكمل السابع والعشرين من عمره لا شك أن الجنون أصابه مُبكرًا، وقد صدح صوت هاتفه برقم "ورد" فجاوب مسرعًا وسأل بنبرةٍ لعوب:
_طمني قلبي وقولي إنك عملتي زي ما قولتلك.
ضحكت "ورد" وتنهدت بعمقٍ ثم قالت بأريحية شديدة:
_عيب عليك قولتلك هشرفك، زي ما قولت بالمللي نفذت وهي ساكتة وبالعة لسانها، حتى دلوقتي قولتلها إني هطلع أنام بعدما خلصت الأكل والمواعين وماليش دعوة بالمحروس ابنها وهي سكتت خالص، وكمان زي ما قولتلي في حوار الفلوس عملت، قولتلها مفيش جنيه هخرجه غير لما "منتصر" يقولي ويكون عارف، ومن ساعتها وهي مش بتفتح بوقها.
ارتسمت البسمة الشقية فوق ملامحه وقال بإعجابٍ:
_أيوة كدا تربيتي، ولسه والله زفت الطين دي هتعرف إن الله حق لما تلاقيكِ مش مضمونة في إيدها وتعرف إن حبك لابنها حاجة وتقديرك ليها هي حاجة تانية، المهم أوعي قلبك يرق علشانها، اللي زي دي سيبيها لحد ما تتربى، ولآخر مرة هسألك "خلف" ضايقك؟.
ارتبكت وكادت أن تجاوبه لكنها تعلم تهوره وأنه قد يقتله، ولطالما هي أصبحت تُجيد التصرف فلا عليها الآن بهذا الشيء لذا كذبت هذا الخبر وقالت بثقةٍ وثباتٍ:
_لأ والله، أنا هقولك أكيد لو فيه حاجة، عاوزاك بس تفضل تخلي بالك مني علشان أنا بخاف اتغرب عن نفسي وسطهم، وزي ما قولتلك "منتصر" والله ابن حلال وبيحبني وأنتَ بنفسك سلمتني ليه علشان عارف إنه بيحبني، مش عاوزة أخسر حبه دا، عاوزاه يكون مرتاح، هتساعدني صح؟.
_يا شيخة يقطع الحب على سنينه السودا، حب إيه دا اللي يخلي الورد يدبل والقلوب تتبهدل في شوق وغربة؟ اسمعي أنا اللي أقدر أساعدك بيه هو إني هخلص ورق سفرك وأبعتك لجوزك تعيشي معاه هناك، مالكيش حل تاني عندي، يا كدا يا ما أسمعش ليكِ صوت.
ضحكت وقررت أن تشاكسه ثم أغلقت الهاتف معه حين اتصل بها زوجها، بينما هو عاد لعالمه ووحدته، عاد للعالم الجميل الذي يجد نفسه به لكنه تذكر "عُـلا" وتذكر أيضًا "أدهـم" جمعهما معًا في ذاكرته كونه أمسى هائنًا معهما، حتى لو كانت الحرب بينهما قائمة، لكنه سيظل الأخ الوفي للرجل والأخ الحامي للأخت، لحتى يحين موعد مجيء من تشاركه عالمه..
____________________________________
<"ما بين ركضٍ وركضٍ قد تتوقف الأنفاس في لحظة الفوز">
الحياة لا تتوقف بوقوفك..
تستمر كل ثانيةٍ في سيرها، فعقارب الساعة لن تقف حدادًا على موت شغفك، وشروق الشمس لن يتأخر لأجل خاطرك، والناس لن يُقدرون ألمك، الحياة سوف تسير وتكتمل ووحدك أنتَ الواقف في نقطةٍ معينة لن توصلك لشيءٍ غير أنها تربطك فقط بأحلامٍ لن تتحقق..
الليل حل وكان في أشد دجنته وظُلمته، ليل الشتاء القاسي والهواء البارد بأثر المطر العالق فوق كل شيءٍ، رائحة الغبار الممتزج بقطرات الغيث ومعهم تداخل الدخان الرمادي من موقده المشتعل للدفء، كان "يحيى" في طريقه للعودة للبيت، وجهه به الكثير من الكدمات، بالإضافة إلى جرحٍ غائر في كف يده الأيسر نتيجة ركضه المُتسرع، وكدمات في بعض الأماكن المُتفرقة بعظام جسدهِ، كان يجرُ قدمه للوصول حتى وصل أخيرًا..
خرج من المصعد تجاه الشقة وفتحها فلم يجد ابنته ولا خاله، ظل يتجول بحثًا عنها لكنه لم يجدها، خرج من الشقة مُجددًا وطرق باب الجيران ولم يأتيه الرد، ظل يطرق الباب بمحاولاتٍ واهية لكنه لم يحصل إلا على الفشلِ، تذكر أمر الحديقة الخلفية فتنهد بثقلٍ وولج المصعد من جديد، وخرج من البناية للحديقة المستديرة يبحث عنهم، فلمح ابنته بعناق إحداهنَّ!!.
ظنها "ورد" في باديء الأمر لكنها تختلف عنها، وكلما اقترب حاول أن يستبين ملامحها في الظلام لكنه فشل، اقترب بخطواتٍ عرجة ولمحها تدور بابنته التي فردت جناحيها كما فراشةٍ تحررت في الربيع تعانق رحيق الزهور فانتاب القلق قلبه، حيثُ كانت "عُـلا" تحمل الصغيرة وتدور بها وهي تضحك بملء صوتها والأخرى تبتسم وهي تتعرض لضربات الهواء في وجهها، وما إن اقترب منهما "يحيى" على غفلةٍ اصطدمت فيه "عُـلا" وكادت أن تسقط أرضًا بسبب فزعها منه، لكنه التقطها بقدر ما استطاع من مرفقها..
ارتبكت هي وتعالت نبضاتها وهي تراه يمسك بمرفقها بيدٍ والأخرى انتزع بها ابنته وهو يسألها بجمودٍ:
_أنتِ مين؟ وبنتي بتعمل معاكِ إيه؟.
اعتدلت سريعًا في وقفتها ولم تجاوبه، بينما هو رفع حاجبه ينتظر الجواب الذي لم تجاوبه هي؛ فرفع صوته من جديد يسألها:
_أنتِ مين وبتعملي هنا إيه أصلًا؟.
ساورته الشكوك تجاهها وهي تحاول أن تجاوبه، تحاول إيجاد الصفة الأساسية وكأنها تخجل من الجواب لكن الجواب أتى من خلفها حين أناب عنها المتحدث وقال بجمودٍ:
_دي "عُـلا" أختنا يا أستاذ "يحيى".
توسعت عيناها حين وصلها صوته وقد اقترب "أدهـم" منهما ووقف أمامه وقال مدافعًا عنها حين وجدها تنكس رأسها بهذه الطريقة:
_أنتَ ماتعرفهاش علشان هي لسه راجعة من السفر بعدين أنتَ عارف إن المكان هنا أمان ومش أي حد يقدر يدخله ويحط رجله فيه، اتطمن، بيتنا هنا طول عمره أمان ومابيدخلهوش غير الناس المحترمة.
تنهدت هي بقوةٍ بينما "يحيى" حمل ابنته يضمها لعناقه ثم قدم اعتذاره والتفت راحلًا بالصغيرة، بينما "عُـلا" فهي لم تتخط موقفها معه، لم تتخطَ حتى نظرة عينيه، انتابها شيءٌ من الخوف والفضول تجاه هذا الرجل ولم تخرج من هذا الموقف إلا على صوت "أدهـم" وهو يقول بجمودٍ:
_لما حد يسألك بعد كدا تجاوبي ماتقفيش ساكتة كدا، أنتِ مش عيلة صغيرة محتاجة حد يقولك الكلام، وماتخليش حد بعد كدا يعلي صوته عليكِ، أنتِ صاحبة حق ووجودك هنا فرض علينا كلنا، يبقى تتكلمي وتقولي أنتِ مين.
لاحظت أنه ينفعل عليها، يُحدثها بجمودٍ وكأنها أجرمت ولاحظت أيضًا أنه يتخطاها للعبورِ فأمسكت مرفقه ووقفت في مواجهته تشهر بإصبعها في وجهه وهي تقول بلهجةٍ تحذيرية:
_اسمع يا جدع أنتَ آخر مرة تعلي صوتك عليا وتفكر تكلمني بالطريقة دي، أنتَ مش واصي عليا ولا حتى أخويا زي ما قولت، أنتَ يادوب أخو أخويا، ودي ماعرفش توصفها إزاي، ثانيًا لآخر مرة تدي نفسك الحق إنك تتدخل وتتكلم بالنيابة عني وتحكم عليا بحاجة، أنتَ قطر مابتعرفش توقف شوية؟ وآخر حاجة بقى أنا مش هفضل هنا ومش عاوزة أكون مفروضة عليكم، هامشي علشان مش هرضى واحد زيك يحس في يوم إنه بيتفضل عليا.
أنهت الحديث ولازالت مغتاظة منه، لم يُشفِ كلامها ألمها منه ومن حديثه وطريقته منذ أن عادت، لذا بكل تجبرٍ رفعت قدمها تدهس قدمه قبل أن تتحرك ثم التفت ورحلت من أمامه وعبراتها تسبقها على وجنتيها وهي تشعر كأنها مجرد متطفلة في المكانِ ويتوجب عليها الرحيل، بينما هو نظر في أثرها عاقدًا حاجبيه ومتعجبًا من غرابة هذه الفتاة التي اقتحمت حياته الهادئة..
أطمئن "سُليمان" على شقيقه الذي تناول اليوم الطعام ونظر لأمه مبتسمًا، تحسن عن السابق وتحسنه ملحوظ، ظل "سُليمان" جالسًا معه يحدثه ويرعاه حتى صدح صوت هاتفه برسالةٍ أتته من رقم "صابرين" القديم جعلته ينتفض من فوق الأريكة وهو يفتح الرسالة ليجدها أرسلت له عنوانًا وكتبت فيه:
_مش عاوز تيجي تطمن على عيال أخوك؟.
قرأ العنوان وخرج من الغرفة حاملًا سترته وهو يخرج قاصدًا باب الخروج، كان يسير بخطواتٍ واسعة ثم ولج السيارة وقادها بسرعةٍ جنونية، قيادته لم تكن عادية، لكنها كانت سرعة جنونية متهورة كأنه في سباقٍ من السباقات التي كان يخوضها، قاد الطريق وشقه شقًا لأجل أبناء شقيقه، لا يعلم إن كان هناك مكروهٌ أصابهما أو تلك الحية فعلت فيهما أي شيءٍ كما فعلت بزوجها.
أما هي فكانت في البيت تتحدث في الهاتف مع "رحمة" تسألها بخوفٍ وقلقٍ:
_يعني متأكدة إنه لو عرف طريقي وفكر يقرب مني أقدر أسجنه؟ أصلك ماتعرفيش "سليمان" دا بشع إزاي، هو اللي خرب حياتي ودمرني أنا وعيالي ومش بعيد يكون هو اللي خلى "سالم" يعمل كدا فينا، يا رب مايقربش مننا.
تحدثت "رحمة" تُطمئنها بقولها:
_يا حبيبتي أنتِ معاكِ حكم محكمة، وعيالك بخير معاكِ وكل الأدلة مثبتة بدليل هروب جوزك من العناوين اللي المحضر راحها، لو فكر يقرب منك تقدري طبعًا تاخدي خطوة قانونية وأنا عارفة إن دا مستحيل يحصل علشان هو هيخاف طبعًا، اطمني وثقي فيا، وأنا معاكِ والله مش هسيبك.
تنهدت "صابرين" بقوةٍ ثم شكرتها على معاونتها ومساندتها لها ثم أغلقت الهاتف، جلست تنتظر قدومه وهي تعلم أنه سوف يصارع الزمن كي يصل، سوف يفعل المستحيل كي يأتي للصغيرين، وبالفعل لمحت سيارته من الشرفة فهرولت داخل الشقة تجذب أنظار الصغار، وقد خرج "سليم" فوجدها تقترب منه وهي تقول بخوفٍ:
_عمك "سليمان" عرف مكانكم وجاي يقتلني، علشان خاطري قوله إنك عاوز تفضل معايا، ولا أقولك أدخل جوة دلوقتي وأنا هقوله إنك عند جدتك، أدخل جوة وأنتَ هتشوف بنفسك إنه عاوز يخطفكم مني ومن بابا، أدخل وخليك مع أختك.
دفعت الصغير نحو الداخل وهرولت تجاه باب الشقة تفتحه بثيابها البيتية التي تكشف الكثير من أنوثةٍ طاغية، وما إن طُرق الباب فتحته وهي ترسم ملامح الهدوء واللين فوق ملامحها، فاندفع هو يمسك عنقها وأغلق الباب بقدمه وهو يقول بصوتٍ هادرٍ:
_العيال فين يا بنت ال***** وربنا ما هسيبك ولا هسيبهملك تتهني بيهم، هطلع روحك في أيدي قبل ما تفكري إنك كسبتي حاجة، حقي وحق أخويا هاخده منك تالت ومتلت، انطقي العيال فين؟.
وصل الحديث للداخل حيث "سليم" المستيقظ بجوار أخته النائمة، وقد تسحب على رؤوس أصابعه حتى وصل فتح الباب وأخرج رأسه ليلمح عمه يهيمن على أمه بجسده وهي تتلوى بين يديه بوضعٍ أثار ريبته، بينما هي ضحكت بشرٍ ثم همست لمن يقف أمامها بصوتٍ لا يليق إلا بفتاةِ ليلٍ متمرسة:
_إحنا فيها، هديك عيال أخوك بس تكون ليا.
توسعت عيناه وكأنها نطقت بكل عهرٍ، صدمته حين عرضت نفسها بهذا الرخص عليه وكأنها تعلم عواقب ما تفوهت به حيث نزلت صفعة فوق وجهها منه على غفلةٍ، الدم غلى برأسهِ وارتفع مقدار الغضب فنزل لسانه عليها بسوط الكلمات والوصف يهينها وهو يمسك خصلاتها، وابن شقيقه لم يلمح إلا عنفه ولم يسمع إلا صوت الشتائم والسب لأمه، فركض يدفعه بعيدًا عنها..
لمحه "سُليمان" فتهللت ملامحه وانفرجت أساريره في الحال وجلس على رُكبتيه أمام الصغير يمسك كتفيه وهو يقول بلهفةٍ:
_"سـليم" أنتَ كويس؟ طمني عليك أختك فين؟.
دفع الصغير يديه عنه وصرخ في وجهه ببكاءٍ:
_أنا بكرهك يا "سليمان" بكرهك علشان ضحكت عليا وطلعت كداب، أطلع برة ومالكش دعوة بيا تاني، أنا بقيت مش عاوزك خلاص.
ابتسمت هي بسمة مكتومة ثم اقتربت من صغيرها تضمه أسفل نظرات "سُليمان" المصدوم من الوضع برمتهِ وهو يرى الشبل الذي رباه وفنى عمره لأجله يتمرد عليه ويُطبق قانون الغاب فوق عنقه، هذا الذي قطع المدينة لأجله ركضًا اليوم يطرده منها شر طردةً، ولازال الصغير يحمل في قلبه الكثير....