
البارت 31 والأخيييييير الجزء الأول
في بيت ثريا، كان السكون بيخيم على أوضة سليم، اللي كان قاعد بينهج من التعب. فضل أكتر من ساعة رايح جاي بالبنت، يهزها براحة ويغني لها بصوت واطي لحد ما الطفلة أخيراً استسلمت للنوم ونامت ببراءة تخطف القلب، كأنها حاسة إن حضن سليم هو المكان الوحيد الآمن ليها دلوقتي.
فجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف، سليم قام مفزوع ووقف قصاد السرير كأنه بيحميها. دخلت ثريا وهي بتعدل طرحتها ببرود والتعب باين على ملامحها، سألها سليم بلهفة:
"ماما! كنتي فين كل ده؟ سيبتيني لوحدي مع البنت وكنت محتاس"
ثريا ردت وهي بتمسح وشها بمنديل: "كنت في مشوار مهم يا سليم."
وبعدين لفت عينها ناحية الطفلة اللي نايمة على السرير وسألت بجمود: "عملت اللي قولتلك عليه؟ رضعتها وعملت باقي الحاجات؟"
سليم رد بتوتر وهو بيمسح عرق جبينه:
"أيوه.. رضعتها وسكتت بالعافية ونامت، بس.. بس معرفتش ألبسها البامبرز، مش عارف بيتعمل إزاي ."
ثريا بصت له بنظرة سخرية وقالت: "هات.. أنا هلبسهولها، ابعد كدة."
سليم فضل واقف شايفهاوهي بتتعامل مع البنت بآلية، وبعدين سألها السؤال اللي كان بياكل قلبه :
"ليه يا ماما؟ ليه عملتي كدة ومقولتليش إنك هتخطفي بنت أدهم السويسي؟ "
ثريا وقفت وبصت له بعيون مليانة حقد وقالت:
"الموضوع ده أنا مخططة له من فترة يا سليم.. من ساعة ما عرفت إن مراته حامل وأنا مستنية اللحظة دي. أول ما عرفت إنها ولدت النهاردة، نفذت الخطة فوراً. لازم أحرق قلب أدهم السويسي زي ما حرق قلبي ويتمك، لازم يعرف إن ثريا مابتنساش حقها."
سليم حس بوجع في ضميره، وبص للبنت اللي نايمة مش فاهمة أي حاجة من اللي بتتحال حولها، وقال بصوت مهزوز:
"طب وإيه مصير البنت دي؟ هتعملي فيها إيه يا ماما؟ "
ثريا ردت وهي بتغطي البنت ببرود:
"البنت هتفضل عندنا فترة.. لحد ما أدهم يستوي على نار هادية ويفقد أعصابه تماماً. ساعتها هساومه عليها، هاخد منه كل اللي أنا عايزاه، وبعدها هبقى أرجعهاله.. ده لو فضل فيه نفس أرجعهاله."
سابت سليم وخرجت من الأوضة وقفلت الباب وراها. سليم اتنهد بتعب، وحس بحمل تقيل على كتافه. رجع قعد جنب الطفلة على السرير، وبدأ يلمس ملامحها الصغيرة برفق شديد، خايف صوابعه تجرح بشرتها الناعمة. قرب منها وباس إيدها الصغيرة اللي كانت في حجم صباعه الواحد، وهمس بوجع:
"سامحيني يا صغيرة على اللي إحنا بنعمله فيكي ... ذنبك الوحيد إنك بنت أدهم السويسي."
__________________________________
أوضة المستشفى كانت غرقانة في ضلمة خفيفة، مبيقطعهاش غير النور الخافت اللي طالع من شاشات الأجهزة الطبية، وهي بتعمل طنين رتيب ومستمر، كأنها بتعد أنفاس جميلة اللي كانت بتهرب منها بصعوبة. ياسمين كانت قاعدة على طرف الكرسي، ميلة بجسمها فوق جميلة، وإيدها بتمسح على خصلات شعرها اللي لزقت في جبينها من كتر العرق والبكا. كانت بتبص لها بمرارة، ومستغربة إزاي القدر يغدر بقلب نقي كدة في قمة لحظة سعادته.
فجأة، مقبض الباب اتحرك ببطء شديد، واتفتح عشان يظهر من وراه أدهم. مكنش أدهم السويسي الجبل الصامد اللي الكل يعرفه، مكنش الوحش اللي مبيتهزش.. لا، كان راجل مكسور، ملامحه ذبلانة، قميصه الأبيض مكرمش ومفتوح منه كذا زرار، وعيونه اللي كانت دايماً حادة زي الصقر، بقت محتقنة بالدم وفيا انكسار ميتوصفش. دخل بخطوات تقيلة، كأن كل خطوة بيخطيها شايلة طن من الهموم فوق كتافه.
ياسمين قامت فجأة من مكانها، جريت عليه ومسكت دراعه بقوة:
"أدهم طمني يا حبيبي.. قولي وصلتم لحاجة؟"
أدهم مكنش قادر يبص في عينيها مباشرة، فضل باصص لجميلة وهي نايمة كأنه خايف يواجه الواقع. هز راسه ببطء، وفي الحركة دي كان فيه كمية يأس توجع القلب:
"مفيش يا ياسمين.. السواق كان مجرد وسيلة. الست نزلت وسط الزحمةواختفت."
صوته كان طالع مخنوق، كأن الكلمات بتتدبح في حنجرته. ياسمين متمالكتش نفسها، ودموعها بدأت تنزل وهي بتطبطب على كتفه:
"استغفر ربنا يا أدهم، ربنا كبير ومبيسيبش حد مظلوم. إن شاء الله بنتك هترجع.. ربنا هيحفظها بعينه اللي مش بتنام، دي لسه حتة لحمة حمرا ملحقتش تعمل حاجة في الدنيا عشان تتأذي."
أدهم غمض عينه بقوة، وأمن على دعاها بـنبرة باهتة، وبعدين بص لها بملامح حازمة رغم التعب:
"يلا يا ياسمين عشان تروحي.. علي مستنيكي تحت . كفاية عليكي كدة، وجودك هنا مش هيغير حاجة دلوقتي."
ياسمين اعترضت: "مش هسيب جميلة في الحالة دي يا أدهم، لازم أكون جنبها"
أدهم ضغط على إيدها بجدية:
"وفتون يا ياسمين.. بنتك بقالها يوم كامل مشافتكيش ولا رضعت منك. روحي لبنتك، وجميلة أنا مش هتحرك من جنبها ثانية. روحي يا ياسمين."
هزت راسها بقلة حيلة: "حاضر يا أدهم."
أول ما ياسمين خرجت وقفل الباب، أدهم حس إن الهوا خلص من الأوضة. سند ضهره على الباب وخد نفس عميق صدره اترعش معاه. بدأ يفك باقي زرارير قميصه وظهرت عضلات جسمه المشدودة المتشنجة من الضغط والتوتر اللي شافه طول اليوم، قلعه ورماه بإهمال على الكنبة الي في ركن الغرفة .قرب من السرير، ووقف يتأمل جميلة. كانت باينة كأنها عصفورة مكسورة الجناح؛ وشها شاحب، وأثر الدموع راسم خطوط جافة على خدودها. اتمدد جنبها ببطء شديد، وسحبها لحضنه بحذر كأنها حتة كريستال خايف تتهشم في إيده.
جميلة بمجرد ما حست بدفا جسمه، اتنفضت من نومها. فتحت عينيها الحمرا بإرهاق، وأول ما شافت وشه قدامها، سألت بصوت مخنوق ومرعوب:
"أدهم؟ رجعت؟.. بنتي فين يا أدهم؟ .. قولي إنك لقيتها يا حبيبي."
أدهم ملامحه اتجمدت. هرب بعينيه عن عينيها اللي كانت بتدور على الأمان فيه. صمته كان رصاصة في صدرها. جميلة فهمت معنى صمته، وبدأ جسمها يترعش بعنف وهي بتصرخ بوجع قطع سكون الأوضة:
"لأ يا أدهم.. لأ ... متسكتش كدة ونبي .. قولي إنك لقيتها .. بنتي يا أدهم.. دي مكملتش ساعات في الدنيا، دي لسه ملحقتش تشم ريحة حضني. إزاي تسيبهم ياخدوها؟ إزاي تضيع مننا كدة؟"
بدأت تضرب صدره بضعف وهي بتصرخ: "هاتلي بنتي يا أدهم ... أنا بموت من غيرها.. قلبي واجعني أوي، حاسة إن روحي بتتسحب مني. أرجوك يا حبيبي رجعهالي"
أدهم مستحملش يشوف انهيارها ده، شدد من حضنه ليها ودفن راسها في رقبته بقوة، وهو بيهمس بصوت مليان وجع وقهر بس فيه نبرة تحدي مرعبة:
"وحياتك عندي يا جميلة.. وحياة كل صرخة وجع صرختيها وإحنا بنجيبها للدنيا.. ما هيرتاحلي بال ولا عيني هتدوق طعم النوم غير وهي بتبات وسطنا. بس أرجوكي يا جميلة إهدي عشان متروحيش مني ،أنا مقدرش أعيش من غيرك يحبيبتي.."
جميلة فضلت تشهق وتعيط بصوت يقطع القلب، وهو بيطبطب عليها ويمسح على ضهرها بإيده اللي بتترعش، ويبوس راسها مرة واتنين وتلاتة وعشرة، بيحاول يمتص ألمها في صدره. وبالتدريج، أنفاسها بدأت تهدى من كتر التعب والمهدئات، لحد ما راحت في نوم عميق وهي متبتة في وسطه بقوة، كأنها خايفة هو كمان يضيع.
أدهم غمض عينه بتعب مميت، وعقله مبيوقفش تفكير في الانتقام. وفي وسط الهدوء ده، غلبه النوم وهو ضامم جميلة، مستني فجر جديد مش هينتهي غير وبنته في حضنه
__________________________________
في بيت علي ...
علي كان فارد جسمه على السرير بإرهاق بعد تعب النهارده. ياسمين فتحت باب الغرفه بهدوء بعد ما رضعت فتون ونيمتها لانها كانت سايباها طول اليوم مع منى .
قربت من علي برقة، وعنيها فيها حنان الدنيا كله، وقالت بصوت واطي:
"حبيبي.. أجهزلك العشا؟ أنت مأكلتش حاجة من الصبح."
علي هز راسه بالنفي وهو لسه غرقان في تفكيره: "مش جعان يا ياسمين."
وفجأة مد إيده ليها، وهي استجابت فوراً ومسكت إيده وقعدت جنبه، سحبها براحة لحد ما حطت راسها في حضنه، وبدأ يملس على شعرها بهدوء. ياسمين اتنهدت بحزن وقالت:
"أنا زعلانة أوي على أدهم وجميلة يا علي.. قلبي واجعني عليهم أوي. يا حرام جميلة ملحقتش حتى تشبع من بنتها ولا تلمسها، وأنا أكتر واحدة حاسة بيها لأني أم زيها، وفاهمة يعني إيه حتة من قلبك تروح منك في لحظة.. دي نار ما يطفيهاش غير رجوعها."
علي باس راسها وقال بنبرة مليانة رجاء: "إن شاء الله هترجع يا حبيبتي.. أدهم مش هيسكت، وإحنا مش هنبطل تدوير لحد ما نلاقيها."
ياسمين رفعت راسها وبصت له بتساؤل: "أنتم وصلتم لإيه يا علي؟ يعني التاكسي ده موصلكمش لحاجة؟"
علي اتنهد بضيق: "للأسف يا ياسمين، في الأول دورنا ورا التاكسي اللي ثريا ركبته، بس لما وصلنا للسواق اكتشفنا إن التاكسي مش بتاعه أصلاً، ده كان شغال عليه وردية وميعرفش الست دي راحت فين بالظبط بعد ما نزلت، ودلوقتي مستنيين أي إشارة أو غلطة منهم عشان نمشي وراها."
علي مكنش بس عاوز يغير الكلام، هو كان محتاج يهرب من ضغط اليوم كله ومن وجع قلبه على صاحبه في أمان حضنها. بصلها بنظرة كلها حنية، وكأن عينيه هي اللي بتطلب الملجأ قبل لسانه، وهمس بصوت دافي ومبحوح من التعب:
ـ "بس خلينا دلوقتي فينا يا ياسمين.. أنا واحشني أغمض عيني وأنسى الدنيا دي كلها.. واحشني أنام في حضنك أوي."
ياسمين ابتسمت برقة، ابتسامة هادية طمنت قلبه، وفردت دراعها له كأنها بتقوله إن ده مكانك ومملكتك اللي مفيش فيها تعب. علي محسبهاش، ضمها بقوة كأنه بيحاول يستخبى من العالم جواها، وسند راسه على صدرها وغمض عينيه براحة وإطمئنان عميق، وكأن دقات قلبها هي المزيكا اللي كانت ناقصاه عشان يهدى.
ياسمين غرزت صوابعها في شعره بحب، بدأت تحرك إيدها بحركات رقيقة ومهدئة، وسندت راسها على راسه وهي بتغمض عينيها بتعب وإرهاق السنين. في اللحظة دي، مكنش فيه صوت في الأوضة غير نَفَسهم الهادي اللي بدأ يتنظم مع بعضه، وكأن روحهم أخيراً لقت المرسي اللي كانت بتدور عليه وسط العاصفة، وغابوا هما الاتنين في نوم عميق، نوم كان بمثابة هدنة قصيرة قبل ما يصحوا على فجر جديد محمل بالمفاجآت.
_________________________________
في بيت ثريا، كان الجو كئيب ومقبض، بس سليم كان في عالم تاني خالص. كان قاعد وشايل بنت أدهم بين إيديه، رافعها قصاد وشه مباشرة. البنت فتحت عينيها الواسعة اللي رغم إنها لسه مش باين ملامحها، إلا إن لونها الفيروزي النادر كان باين ومبهر، لون شبه البحر في صفاءه، لون يخطف القلب من أول نظرة.
سليم همس بشرود وهو بيتأمل ملامحها الدقيقة:
"يا ترى اسمك إيه؟.. أدهم سماكي إيه يا صغيرة؟"
سكت ثواني وهو شايفها بتبتسم ببراءة ميعرفهاش البشر، كأنها غزال شارد وقع في وسط ديابة. لمعة عينيها خلت قلبه يدق بنغمة غريبة عليه، نغمة حنية مكنش يتخيل إنها موجودة جواه، وقال بصوت واطي وناعم:
"ريحانة.. لايق عليكي أوي. أنتي بريئة وجميلة زي الريحان بالظبط.. أنتي ريحانة السويسي."
الطفلة بدأت تحرك إيدها الصغيرة في الفراغ كأنها بتدور على حاجة تمسك فيها، سليم مد صباعه ببطء، وفي لحظة، الطفلة قبضت على صباعه وطلعت أصوات طفولية لطيفة، خلت سليم يبتسم غصب عنه، ابتسامة حقيقية طلعت من وسط ركام الحقد والغل ونفضت التراب عن برائته اللي نسيها.
سليم نيمها بعد ما رضعها بالببرونة، والمرة دي نامت بسرعة ومن غير عياط، كأنها اتعودت على ملامحه وصوته، وبقت شايفه فيه الأمان اللي لسه ملحقتش تاخده من أمها ...أو كإنها فاكراه أمها واتعلقت بيه عاطفيا...
سليم فضل باصص لها شوية بوجع، قبل ما يسيبها ويخرج يقعد مع أمه ثريا.
ثريا كانت قاعدة، ملامحها باين عليها التعب والسن، وشها كان شاحب وعينيها مطفية بس فيها نظرة غل تخوف. سليم قرب منها بحذر:
"ماما.. حضرتك كويسة؟ شكلك تعبان أوي."
هزت راسها ببرود من غير ما تبص له، سليم سكت شوية وبعدين سألها وهو بيحاول يجس نبضها:
"ناوية على إيه يا أمي؟ البنت بقت في إيدنا خلاص.. هنعمل إيه دلوقتي؟"
ثريا سرحت لبعيد، وكأنها بتفتكر شريط حياتها المكسور، وقالت بصوت هادي ومرعب:
"قررت أبعت صورتها لأدهم.. هبعتها عشان يعرف إن روحه في إيدي، عشان أدوقه طعم الخوف اللي دوقته زمان."
سليم سألها بحزن، وكان من جواه متلخبط؛ خايف من أدهم، وفي نفس الوقت حاسس بنغزة في قلبه إنه هيفارق ريحانة اللي لمست روحه:
"وبعدين؟.. هترجعيها له بعد ما يوافق على طلباتك؟"
ثريا لفت وشها له، وابتسمت ابتسامة مريضة صدمت سليم:
"هرجعها له طبعاً.. بس هرجعها له جثة"
سليم اتنفض من مكانه، والصدمة لجمت لسانه لثواني قبل ما يصرخ:
"أنتي بتقولي إيه يا ماما؟ جثة إيه؟ دي طفلة ملهاش ذنب"
ثريا قامت وقفت بكل جبروت وقالت بفحيح الأفاعي:
"اللي سمعته يا سليم.. هبعت الصورة دلوقتي عشان أديله أمل، أخليه يلف حوالين نفسه وهو فاكر إن فيه أمل ترجعله، وفي قمة أمله ده.. هقتلها ... هكسر قلبه للأبد، هخليه يعيش عمره كله ميت من جوه وهو بيفتكر إنه مقدرش يحمي بنته ."
سليم بصلها برعب، حس إنه قدام ست تانية ميعرفهاش، ست الشيطان سايقها. ثريا سابته ودخلت أوضتها وهي بتقول ببرود:
"أنا هبعت الصورة دلوقتي.. وبكرة الصبح، اللعبة دي كلها هتنتهي.. للأبد."
ثريا خلصت كلامها ودخلت أوضتها وسليم رجع أوضته اللي الطفلة نايمة فيها .سليم فضل واقف مكانه، عرق بارد بينزل من جبينه، بص لـ ريحانةاللي كانت لاشية في ملكوت الله، عيونها الفيروزية كانت باصة للفراغ بصفاء غريب، وإيدها الصغيرة كانت لسه بتتحرك في الهوا كأنها ملاك بيلعب مع طيور مبيشوفهاش غيره.
سليم فجأة حس بنغزة في ضميره، شريط حياته كله مر قدام عينيه.. انتقام أمه، حقد السنين، وإبراهيم السويسي.. لكن البنت دي ذنبها إيه؟ ليه تكون هي القربان في معركة هي متعرفش عنها حاجة؟من غير تفكير، ضمها لصدره بقوة، دفن راسها الصغير في رقبته وكأنه بيحاول يخبيها من عيون العالم كله، ومن أمه قبل أي حد. سليم اتعلق بالطفلة تعلق غريب كإنه شايفها رمز طفولته وبرائته اللي اتلوثت واللي عايز يحميها من أي حاجة .
قعد في ركن بعيد في الغرفة، وضامم رجله لصدره وهو بيحميها بضلوعه، وبدأ يهمس لها وهو بيترعش:
"محدش هيلمسك يا ريحانة.. والله ما حد هيلمسك طول ما أنا فيا نفس. أنا مش هخليكي تدفعي تمن سواد قلوبهم.. نامي يا ريحانة، نامي وأنا هحميكي."
__________________________________
في المستشفى..
نور الفجر بدأ يشقشق ويدخل من شباك الأوضة. أدهم فتح عينه ببطء، جسمه كان مكسر من التعب، وأول حاجة عملها إنه بص لجميلة اللي كانت لسه نايمة في حضنه، ملامحها كانت شاحبة والوجع راسم نفسه على وشها حتى وهي نايمة.
أدهم كان بيحسس على شعرها بحنان، مسك موبايله بجمود، ولقى فيه رسالة جديدة،فتحها وهو متوقع إنها رسالة من علي.فتح الرسالة، وفي ثانية واحدة الدم هرب من عروقه، وعينه وسعت لدرجة إنها كانت هتخرج من مكانها وهمس بوجع ممزوج بغضب ناري :" بنتي ....."
_________________________________
في بيت علي
الدنيا كانت هادية .. ياسمين وعلي غرقانين في النوم. فجأة، سكون الأوضة انكسر بصوت رنة موبايل علي المزعجة. علي فتح عينه بصعوبة، وأول ما شاف اسم أدهم على الشاشة، اتنفض من السرير وكأن كهربا لمسته.
رد بسرعة وصوته كله قلق:
"أيوة يا أدهم.. فيه إيه؟"
ثواني وعلي وشه اتخطف، وعينه وسعت من الصدمة، وقال بلهفة:
"أنت بتقول إيه؟ بعتت صورتها؟! طيب.. طيب اهدا، أنا جايلك حالاً، مسافة الطريق وأكون عندك في المستشفى.. سلام"
ياسمين كانت صحيت على صوته، وقفت جنبه وهي بتترعش من الخوف وسألته بلهفة:
"فيه إيه يا علي؟ أدهم ماله؟ لقوا البنت؟"
علي كان بيلبس هدومه بسرعة البرق، وإيده بتسبق عقله وهو بيرد عليها:
"حد بعت صورة لبنت أدهم دلوقتي يا ياسمين.. البنت لسه عايشة، الست دي بتبتز أدهم بالصورة."
ياسمين حطت إيدها على قلبها وقالت بدموع:
"بجد يا علي؟ يعني البنت كويسة؟"
علي وهو بيلبس جزمته وبيتحرك ناحية الباب:
"دي بداية الخيط يا ياسمين.. لو قدرنا بس نوصل للمكان اللي اتبعتت منه الصورة، أو نحدد اللوكيشن بتاع الموبايل اللي بعتها، هنوصل للبنت قبل ما يلمسوا شعرة منها."
ياسمين رفعت إيدها للسما وهي بتدعي بقلب محروق:
"يا رب يا علي.. يا رب تقدروا ترجعوها لأمها اللي بتموت دي، يا رب احميها."
علي بص لها نظرة أخيرة وقال: "يا رب.. ادعي لنا يا ياسمين."
وخرج من الشقة وجري على السلم، ركب عربيته وطار بيها في شوارع القاهرة اللي كانت لسه غرقانة في ضباب الفجر....
في المستشفى..
أدهم كان واقف في طرقة المستشفى برا الأوضة، ساند براسه على الحيطة والموبايل في إيده، بيفتح الصورة ويقفلها مية مرة في الدقيقة. عينه كانت بتلمع بدموع ممزوجة بشر غريب، وفجأة سمع صوت خطوات علي السريعة في الطرقة.
علي وصل وهو بيلهث: "وريني يا أدهم.. وريني الصورة بسرعة"
أدهم وراه الصورة وإيده بترتعش: "بص يا علي.. بص ملامحها، بص براءتها..الست دي بتقول إن دي آخر صورة لبنتي وهي بتتنفس ...أنا هقتلها يا علي.. والله ما هرحمها"
علي خد الموبايل بتركيز وبدأ يبص في تفاصيل الصورة: "اهدا يا أدهم، الصورة دي هوديها لواحد صاحبي في المعلومات الجنائية، يقدر يحدد لنا الـ IP بتاع الموبايل ده والمنطقة اللي اتبعتت منها في ثواني"
علي ساب أدهم واقف بياكل في نفسه، وبعد كام متر بدأ يتكلم في الموبايل بنبرة واطية وسريعة، ملامحه كانت بتتحول من القلق للتركيز الشديد. قفل السكة ورجع لأدهم اللي كان مستنيه وعيونه كأنها جمر نار.
علي حط إيده على كتف أدهم وقال له بصوت حاسم:
"أدهم، أنا كلمت صاحبي، قالي إن الرقم اللي بعت الصورة ده رقم داتا ملوش اسم مسجل، بس اللوكيشن بتاعه ممكن يتجاب لو فضل الموبايل مفتوح.. قالي لازم نروحله دلوقت حالاً المكتب عشان نتبع الإشارة يدوي ونحدد المكان بالظبط."
أدهم سحب مفاتيح عربيته بلهفة وكأنه لقى طوق نجاة:
"طيب مستني إيه؟ يلا يا علي... أنا مش هستنى ثانية واحدة كمان وبنتي في إيد الست دي."
علي مسكه من دراعه قبل ما يتحرك:
"اهدى يا أدهم، لازم نتحرك بحساب. محمود بيه نبهنا إن ثريا مش سهلة، ولو حست بأي حركة غدر ممكن تعمل أي جنون."
أدهم بصله بنظرة مرعبة وهو بيضغط على سنانه:
"أهدى إيه يا علي! دي بتقولي آخر صورة وهي بتتنفس.. أنت متخيل يعني إيه؟ يعني الموت بيحوم حوالين بنتي أنا هروح، والبيت اللي هي فيه ده ههده على دماغ اللي فيه لو بنتي مخرجتش في حضني."
جميلة في اللحظة دي كانت فتحت الباب وخرجت وهي ساندة على الحيطة بضعف، وشها كان أصفر زي الليمونة وصوتها طالع بالعافية:
"أدهم.. أنت رايح تجيبها؟ خدني معاك يا أدهم.. مش هقدر أقعد هنا وأنا عارفة إن بنتي في خطر."
أدهم جري عليها وسندها بحنان بس بصرامة:
"تروحي فين يا جميلة أنتي تعبانة ومش قادرة تقفي.. وحياة أغلى حاجة عندي، ودموعك اللي منشفتش دي، ما هيجي الليل غير وهي في حضنك. ادخلي وارتاحي يا حبيبتي، انا وعلي هنتحرك وياسمين هتجيلك تقعد معاكي."
جميلة مسكت في قميصه وهي بتعيط بنحيب:
"أمانة عليك يا أدهم.. هاتهالي.. مترجعش غير وهي معاك يا أدهم."
أدهم باس راسها بقوة، وبص لعلي وقال له: "يلا يا علي.. مفيش وقت"
نزلوا هما الاتنين وجريوا على العربيات، وفي خلال دقايق كانت عربية أدهم بتشق شوارع القاهرة بسرعة جنونية في اتجاه مكتب المعلومات الجنائية، والسباق مع الزمن بدأ فعلاً.. الثانية الواحدة بقت بتمن حياة.
__________________________________
في بيت ثريا، الفجر كان لسه بيشقشق، وسليم كان صاحي ومطبق عينه ملمستش النوم. كان قاعد على طرف السرير، مجهز نفسه ولابس هدومه. ريحانة كانت صاحية، فاتحة عينيها الصغيرة اللي كانت واسعة بشكل يسحر، فعلاً زي ما سليم قال عيون غزلان نسخة طبق الأصل من عيون جميلة. أول ما شافت سليم، ضحكت له ببراءة وحركت إيديها، الطفلة دي اتعلقت بسليم تعلق غريب، يمكن لأنها ملحقتش تشوف أمها، وسليم كان هو الشخص اللي شالها ورضعها وطبطب عليها الساعات اللي فاتت دي كلها ..وللسبب ده فكرته أمها واتعلقت بيه .
سليم ابتسم لها بوجع، وطلع من جيبه حظاظة قماش لونها وردي رقيق، كان اشتراها بمصروفه البسيط . جاب سكينة صغيرة من الدرج وبدأ يحفر بتركيز شديد على قطعة خشب صغيرة في نص الحظاظة.. حفر ست حروف "ر ي ح ا ن ة". الاسم اللي أختاره خلصها ولبسها لها في إيدها الصغيرة، وربطها بحذر شديد عشان متقعش منها وفي نفس الوقت متوجعهاش، كأنه بيحط علامة ملكية لقلبه على الطفلة دي.
سليم قام وخرج من الأوضة بيتسحب، لقى الصالة ضلمة كحل وصوت نفس ثريا عالي من أوضتها، عرف إنها غرقانة في النوم من كتر التعب. رجع أوضته بسرعة، شال ريحانة وضمها لصدره وهمس في ودنها:
"ريحانة.. مش عايز أسمع صوت خالص لحد ما نخرج من هنا، ماشي يا ريحانتي؟"
البنت ضحكتله ببلاهه كأنها بتطمنه، سليم خد نفس عميق وخرج من الأوضة، عينه كانت متثبتة على باب أوضة ثريا المقفول بجمود، قلبه كان بيدق لدرجة إنه خاف صوته يصحيها. وصل لباب الشقة، فتحه ببطء شديد وبأقل صوت ممكن، وخرج وقفل الباب وراه تكة واحدة كانت هي الصوت الوحيد المسموع وسط سكون الشقة.
نزل على السلالم زي البرق وهو حاضن ريحانة بقوة، غطى وشها بقماشة عشان الهوا وعشان محدش يلمحها، وأول ما خرج من باب البيت، انطلق في الشوارع الفاضية وهو بيجري، كان مقرر إنه ينهي الكابوس ده بطريقته، ورايح لمكان واحد بس هو اللي في عقله.. مكان هيقلب الموازين كلها.
في الوقت ده..
أدهم وعلي كانوا وصلوا لمكتب المعلومات الجنائية، وصاحب علي كان قاعد قدام الشاشات، صوابعه بتتحرك بسرعة البرق على الكيبورد. أدهم كان واقف وراه بينهج، وعروق إيده بارزة من كتر الشد العصبي.
فجأة صرخ: "لقيته! اللوكيشن اتحدد يا علي.. الموبايل فتح إشارة لثواني وقفل تاني، بس اللحقة دي كفاية.. الإشارة طالعة من منطقة ..... في القاهرة ، بيت رقم 14"
أدهم مسمعش باقي الكلام، سحب سلاحه وخرج يجري، وعلي وراه وهو بيصرخ في الموبايل بيكلم رجالته: " اتحركوا كلكم على منطقة .... أدهم استناني "
أدهم ركب عربيته وطار بيها، وفي عقله صورة بنته، مكنش يعرف إنها دلوقتي في حضن سليم، وإن سليم ماشي في طريق تاني خالص، طريق ميخطرش على بال حد ......