رواية في ظلال الوادي الفصل الثاني عشر 12بقلم زيزي محمد


رواية في ظلال الوادي الفصل الثاني عشر 12 بقلم زيزي محمد



             "طريق رشيد هو الوحيد المتاح لها الآن"

ابتلعت غالية لعابها بصعوبة بالغة، وهي تحدق في موسى الذي كان يقف أمامها، يمعن النظر إليها بدهشة مشوبة بالحيرة، بينما كانت تقف بجوار جسد الرجل الذي فقد وعيه إثر الضربة التي وجهتها إليه بمزهرية ثقيلة، وبعد لحظات من الصمت الثقيل الذي خيم على المكان، تحركت شفتاها أخيرًا، وقالت بصوت مرتجف يكاد يسمع:

-آآ...أنا مكنتش أقصد أضربه والله؟

هز موسى رأسه في استنكار واضح، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، تبعتها ضحكات قصيرة تحمل في طياتها شيئًا من التهكم، ثم قال بنبرة لا تخلو من سخرية:
 
-اه ما أنا واخد بالي.

ثم التفت إلى صالح وأردف بصوت آمر لا يقبل النقاش:

-شوفه كده يا صالح، مات ولا لسه فيه الروح؟

تقدم صالح بخطوات حذرة نحو الرجل الممدد على الأرض، بينما بقيت غالية في مكانها، ترتجف أطرافها وقد استبد بها خوف عارم من أن تكون قد تسببت في موته، فكانت أنفاسها تتلاحق وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها، وعيناها معلقتان بذلك الجسد الساكن وكأنهما تنتظران حكمًا نهائيًا يحدد مصيرها.

انحنى صالح قليلًا وتحسس نبض الرجل، ثم رفع رأسه قائلًا بهدوء:

-لسه عايش.

وما إن وصلت الكلمات إلى أذنيها حتى اندفعت غالية فجأة نحو الخارج، كأن قوة خفية دفعتها إلى الهرب دون تفكير، فقد تلاشت قدرتها على التروي، وغلبها الخوف حتى صار الفرار هو الخيار الوحيد الذي تراه أمامها، فكانت أفكارها متشابكة وقلبها مثقلًا بالذعر، ولم يكن يشغلها سوى النجاة بنفسها، ثم اللحاق بأختها التي تصارع وحدها خطرًا آخر.

لكنها لم تدرك أن موسى لم يكن من النوع الذي يسمح لأحد بالهرب بهذه السهولة، فدوى صوت رصاصة واحدة شق سكون المكان، لتستقر بجوار قدمها مباشرة، فتجمدت في موضعها كأنها أصابها شلل مفاجئ، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها، وارتسمت الصدمة على وجهها بوضوح مؤلم.

التفتت ببطء شديد، وقلبها يكاد يقف من شدة الرعب، لتجده واقفًا عند عتبة باب قصره، يضع إحدى يديه في جيب سرواله، بينما يُمسك بالأخرى سلاحه موجهًا نحوها بثبات مخيف.

اتسعت عيناها رعبًا وهي تسمعه يقول بنبرة هادئة تحمل في طياتها تهديدًا صريحًا:

-خطوة كمان وهتلاقيها في نص راسك.

جف حلقها تمامًا فلم تستطع ابتلاع ريقها، وتعثرت أفكارها حتى عجز عقلها عن إيجاد مخرج من هذا المأزق، وقفت في مكانها شاردةً، تحدق فيه بخوف عميق، وقد بدأت تدرك حجم الخطر الذي وقعت فيه، خاصةً حين رأت ذلك الوميض القاسي في عينيه.

ولما رآها واقفة كطائر صغير مذعور، أعاد سلاحه إلى موضعه، ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة محسوبة، وفي تلك اللحظة ارتفع رنين هاتفها فكسر الصمت المشحون، فسارعت بالإجابة وكأنها تتشبث بأي خيط يبعدها عن هذا الموقف، فسمعت صوت أختها يقول بنبرة أكثر هدوءًا:

-خلاص يا غالية، طنط فوقية جت وخلصت الحوار لما تيجي هحكيلك.

تنفست الصعداء وشعرت ببعض الارتياح يتسلل إلى صدرها، لكنها أغلقت الهاتف بسرعة حين لاحظت اقترابه منها، فعاد الخوف يسيطر عليها من جديد، ووجدت دموعها تنهمر بلا قدرة على التماسك، فانفجرت باكية تُخفي وجهها في انكسارٍ وألم، وقد أثقلها ما تمر به من أحداث.

حاولت كتم شهقاتها لكنها فشلت، فاهتز جسدها بالبكاء، إلى أن انتفضت فجأة عندما علىَ صوته وكان قويًا حادًا:

-ارفعي راسك يا بت واتكلمي.

ترددت لحظة وكأن صوتها قد أُسر داخلها، ثم أطاعت أمره أخيرًا ورفعت رأسها ببطء كاشفة عن عينيها المبللتين، وقد بدا عليها العجز الكامل عن النطق، لكن ما أربكها حقًا هو تغيره المفاجئ، إذ تحولت ملامحه القاسية إلى سخرية غريبة وقال بنبرة مستهزئة:

-ينفع واحدة حلوة زيك تعيط كده؟!

شعرت بالاضطراب وكأنها تقف أمام شخص مختل لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، فازداد توترها حين اقترب منها أكثر، ومد يده ليضعها فوق رأسها، ثم فجأة قبض على حجابها بقسوة، وقال بنبرة أشد عنفًا:

-ينفع واحدة حلوة زيك تضرب واحد من رجالتي، منظري إيه قدام نفسي؟ طيب منظري إيه قدام رجالتي؟ يقولوا معرفتش احميهم من الحلوين المتوحشين اللي زيك؟ 

حينها فقط انكسر حاجز الصمت بداخلها، وخرج صوتها مرتجفًا ومحملًا بالخوف والتوسل:

-سامحني يا بيه، أنا كنت خايفة منكوا، لتقتلوني ولا تعملوا فيا حاجة وحشة، وأنا بت منكسرة وغلبانة وبجري على أكل عيشي.

ضحك موسى ضحكة ساخرة لا تخلو من استهزاء لاذع، ثم تركها فجأة ونفض يده كأنما يزيح عنها شيئًا عالقًا بها، وقد بدا الاشمئزاز واضحًا على ملامحه، وقال بنبرة حادة ممزوجة بالسخرية:

-ما بلاش منكسرة دي، عشان مش لايق عليكي، وبعدين في واحد غلبانة تعمل الأكشن اللي عملتيه جوه يا قادرة.

رمشت غالية بأهدابها سريعًا، محاولة أن تستجمع ما تبقى لها من هدوء، وأن ترسم على وجهها ملامح البراءة، رغم ارتجافها الذي لم تستطع إخفاءه، ثم قالت بصوت متردد:

-الخوف يعمل أكتر من كده يا بيه، أنا لما فكرت أهرب كان عشان ستي اتصلت بيا بتزعقلي وبتقولي ارجع، وكل خوفي أرجع من غير مصروف البيت، هتطردني أو تسجني وتتهمني إني سرقته، وأنا يعلم الله لا ايدي طويلة ولا ليا في حاجة وحشة، أنا عايزة أكلها بالحلال.

مال موسى نحوها ببطء حتى صار وجهه قريبًا من وجهها، وحدق في عينيها المرتجفتين نظرة طويلة متفحصة، وكأنه يحاول أن يستخرج الحقيقة من أعماقها، وفي تلك اللحظة لمحت في عينيه بريق إعجاب بجمالها، فازداد خوفها وانقبضت يدها على نفسها أكثر، كأنها تحاول أن تحتمي من نظراته.

ثم قال بصوت منخفض أجش، يحمل نبرة غامضة بين التهديد والاعتراف:

-قلبي مصدقك، بس دي مشكلته دايمًا بيصدق الحلوين، وعقلي بيقولي إن مفيش أصيع منك على الكوكب، بس مضطر أصدق قلبي، عشان لو صدقت عقلي هدفنك مكانك، وأنا بحب أدي الحلوين اللي زيك فرصة، حرام يموتوا بسرعة في أول الحكاية.

ارتجف جسدها لكلماته وخفضت رأسها محاولة أن تخفي اضطراب عينيها، ثم قالت بنبرة مكسورة أقرب إلى البكاء، وكأنها تستنجد بما قد تبقى فيه من رحمة:

-لو مش مصدقني يا بيه، تعالى معايا للحاجة فوقية اللي بشتغل عندها....

ثم رفعت رأسها فجأة وكأن قوة خفية دفعتها إلى التماسك، وقالت بنبرة أكثر ثباتًا رغم ارتعاشها الداخلي:

-واهو بالمرة تقولولها إن اتظلمت في السوق، وإن الراجل هو اللي أكل حقي وأخد الفلوس مني.

توقفت لحظة قصيرة وكأنها تراجع نفسها، قبل أن تضيف بصوت أقل ثباتًا، إذ بدأ التوتر ينهش أعصابها من جديد:

-حتى يا بيه لو مصدقتنيش انت ملزم تشوف لي شغلانة مش انت كبير البلد دي، ما هو أنا مش هتمرمط واسيب حالي ومحتالي عشان أدور على لقمة بالحلال وأرجع في الآخر كده معملتش حاجة وارجع لنقطة الصفر.

مال موسى برأسه قليلًا وانحنى جانب فمه بابتسامة جانبية، ثم قال ضاحكًا بنبرة تحمل قدرًا من التحدي:

-انتي بتأمريني؟!

اتسعت عيناها سريعًا وقد بدت عليها ملامح الفزع من سوء فهمه لكلامها، فأجابت على الفور بنبرة نافِية:

-لا أبدًا يا بيه، هو أنا أقدر؟! أنا بس متعشمة فيك والله مش أكتر!

وقبل أن يرد عليها صعد صوت رجولي قوي من خلفها، يحمل نبرة حادة لم تألفها من قبل:

-مـــــوســـى.

انتفضت غالية بفزع واندفعت غريزيًا نحو موسى كأنها تبحث عن ملجأ يحميها، دون أن تدرك ما تفعل لكن يد موسى سبقتها، إذ التقطها بسرعة وثبات، وارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، توحي بأنه وجد أخيرًا تسلية تليق بوقته، ثم قال بصوت عابث، لا يخلو من مرح مستفز:

-معلش أبويا بيحب يخض الحلوين اللي زيك.

ابتعدت عنه غالية بسرعة، وقد ارتسم الخجل على ملامحها رغم ارتجافها الواضح، تحاول الإفلات من قبضته التي سعت للتمسك بها، إلا أنها دفعته بقوة مفاجئة، ثم خفضت رأسها في توتر شديد، هربًا من نظرات الرجل الذي كان قد اقترب منهما، حتى بات داخل دائرتهما يتقدم بخطوات غاضبة، وعيناه تقدحان شررًا.

وقف قبالتهما وقال بنبرة مشحونة بالغيظ والحنق، كأن كلماته تخرج من بين أسنانه:

-انت واقف بتسلي وقتك وكإنك معملتش أي حاجة؟ انت اتجننت يا موسى؟ جرالك إيه؟

رفع موسى حاجبيه ببطء وقد انعكست في نظرته دهشة ممزوجة بتهديد صامت، لا يليق بابن تجاه أبيه، لكنها كانت حاضرة بقوة في عينيه، ثم التفت فجأة نحو غالية وقال بنبرة لم تكن تتوقعها على الإطلاق، وقد خفت حدتها قليلًا:

-روحي انتي دلوقتي، ولو الست اللي بتشتغلي عندها قالتلك حاجة تعالي تاني.

تجمدت غالية في مكانها لوهلة، وقد اتسعت عيناها دهشة من هذا التحول المفاجئ، إذ لم يخطر ببالها أن ينتهي ذلك الموقف المشحون بهذه الصورة الغريبة، فكانت تتطلع إليه وكأنها تحاول التأكد من أنه يعني ما يقول، لكنه رفع أحد حاجبيه وأردف بنبرة أقرب إلى السخرية:

-يلا، عيب ميصحش تشوفيني أنا وأبويا بنهزق بعض، يلا يا بنتي من هنا.

ثم أضاف جملته الأخيرة بصوت أكثر صرامة، يحمل أمرًا لا يحتمل التردد:

-يلا، الله يسهلك.

لم تحتج غالية إلى تكرار الأمر إذ استدارت على الفور، وانطلقت تركض بأقصى ما تملك من سرعة نحو البوابة الخارجية، وقلبها يخفق بعنف وأنفاسها تتلاحق، كأنها تفر من مصير مظلم كاد أن يبتلعها، وما إن تجاوزت البوابة حتى أخذت تتخبط في طرقات المنطقة يمينًا ويسارًا، لا تهتدي إلى طريق واضح، مدفوعة بالخوف والارتباك، حتى عادت في نهاية الأمر نحو منزل الحاجة فايقة، وهي بالكاد تلتقط أنفاسها.

في تلك الأثناء كان موسى قد استدار نحو أبيه، ونظرات الاستنكار تملأ وجهه، وقال بنبرة منخفضة لكنها مشحونة بتهديد صريح، لا يعبأ فيها بمكانة الأب ولا بحرمة القرابة:

-هو في إيه يا حاج؟! خد بالك من طريقة كلامك معايا بعد كده، عشان وقتها لا هيفرق معايا إنك أبويا ولا هعمل احترام لفرق السن.

لم تمر كلماته مرور الكرام إذ اندفع عثمان نحوه فجأة، ودفعه بقوة في صدره، وقد اشتعلت نبرته بالغضب والحقد:

-انت هتشوف نفسك عليا يا موسى فوق لنفسك، أنا اللي عملتك، وخليتك كبير رشيد متجيش بقى وتشوف نفسك على اللي رباك وكبرك.

ارتسمت على وجه موسى ملامح دهشة ساخرة، فرفع حاجبيه وقال بنبرة ممتلئة بالاستياء والرفض:

-هو في إيه؟! هو كل ما حد يفتح بوقه معايا يقولي أنا اللي عملتك؟ عملتولي إيه؟! ده انتوا عايشين في خيري؟ وفي حمايتي؟ أنا لولايا كان زمانك عبد عند عاصم ابن أخوك؟ وبتاخد أوامر منه؟ 

ثم تقدم موسى خطوة إلى الأمام، وقد أخذ صوته يعلو تدريجيًا، بينما راحت ملامح وجهه تتبدل شيئًا فشيئًا، من صلابة باردة إلى غضب متأجج، حتى بدا كبركان على وشك الانفجار، فكانت عيناه تلمعان بشرر حاد، وكأن في داخله نارًا مكبوتة وجدت أخيرًا سبيلها للخروج، فقال بصوت جهوري هز سكون المكان:

-أنا مفيش حد خيره عليا؟ أنا خيري على الكل؟ ومتخلهاش تهب مني؟ عشان ورب الكون أنا لا يهمني عهد ولا انتقام ولا أرض ولا زفت، ههد المعبد على اللي فيه!

ترددت كلماته في الأرجاء كصدى عاصفة، تحمل تهديدًا صريحًا لا لبس فيه، حتى أن الهواء من حولهما بدا مشحونًا  بالتوتر، عندها نظر إليه والده، وقد امتزجت في عينيه الدهشة بالألم، وقال بصوت مرتجف يخفي وراءه حزنًا عميقًا:

-انت بتهدد أبوك يا موسى؟ بعد العمر ده كله بتهددني؟! وكأني واحد في الشارع؟! أنا حزين عليك وعلى تربيتي فيك؟

لكن كلمات عثمان بدلًا من أن تُهدئ موسى، زادت من اشتعال غضبه، فمال نحوه فجأة حتى كادت المسافة بينهما تتلاشى، وقال بنبرة شرسة حادة، لا تخلو من قسوة جارحة:

-تربية و***! انت ربتني تربية و*** لا مؤاخذة، إيه يا حاج ما تفوق وتبص أنت عملت إيه قدامك؟ لو مستنيني اتعاطف معاك وامشي على عومك يبقى بتحلم!  

تراجع عثمان خطوة إلى الخلف، وكأن الكلمات أصابته في صميم قلبه، فانطفأ الغضب في عينيه، ليحل محله حزن عميق وألم واضح يكاد يُثقل أنفاسه، فنظر إلى ابنه نظرة طويلة مليئة بالحسرة، ثم قال بصوت خافت متكسر:

-صدقت عمتك، أنا ربيت ديب وأول ما هيعض هيعضنا احنا، يا فرحة عاصم فيا.

كانت كلماته الأخيرة تحمل استسلامًا موجعًا، وكأنها إعلان هزيمة داخلية أكثر منها عتابًا، ثم استدار ببطء وقد بدا عليه الانكسار، وبدأ يسير نحو القصر بخطوات متمهلة، كأن كل خطوة تقتطع جزءًا من روحه.

وقف موسى في مكانه يتابعه بنظرات متحيرة، وقد خفت حدة غضبه قليلًا، ليحل محلها شيء من الارتباك، فلم يكن يتوقع أن تترك كلماته هذا الأثر العميق في نفس أبيه، ولم يفهم سبب ذلك الحزن الذي بدا عليه.

مرر يده في شعره بعصبية ثم تمتم بصوت منخفض، وكأنه يخاطب نفسه:

-هو زعل ليه؟ هو اللي بيقول الحق اليومين دول غلطان؟

وبقي واقفًا مكانه عالقًا بين عناده الذي يدفعه إلى التمسك بموقفه، وبين شعور غامض بدأ يتسلل إلى داخله، يُخبره بأن الأمور لم تعد كما كانت!
                                          ***
دخلت غالية منزل الحاجة فايقة بخطوات مسرعة، وقلبها يخفق بعنف في صدرها، كأنما ينذر بخطر لم يتضح بعد، وهي تنادي على أختها بصوت مرتجف يشي بالفزع، رغم أنها كانت قد حاولت طمأنتها قبل قليل:

-فريدة، فريدة.

وما إن ارتفع صوتها في أرجاء المكان حتى انفتح الباب، وظهرت الحاجة فايقة بملامح متجهمة، وقد ارتسم على وجهها امتعاض واضح، وقالت بلهجة مقتضبة تخلو من الود:

-إيه يا اختي وطي صوتك، فريدة جوه اهي وزي الفل.

لم تعبأ غالية بنبرة الاستياء، بل اندفعت إلى الداخل مسرعة، وكأن قوة خفية تدفعها دفعًا، وما إن وقعت عيناها على أختها الجالسة فوق الأريكة، حتى تجمدت في مكانها لبرهة إذ لم تكن فريدة وحدها، بل كان أمامها شاب في مقتبل العمر، يجلس في شيء من الارتباك، فتقدمت خطوة وصوتها لا يزال مشحونًا بالقلق:

-انتي كويسة؟!

وقبل أن تجيب فريدة جلست الحاجة فايقة إلى جوار الشاب، وقالت بنبرة حانقة، وقد بدت وكأنها تبرر موقفًا لا تريد الخوض في تفاصيله:

-اه كويسة، اختك فهمت غلط، ده عبده أخويا كان جاي ياخد ورق المحل بتاعي وكان بيدور عليه.

وقفت غالية صامتة لثوان، تنظر إلى الشاب نظرة فاحصة، محاولة أن تستشف من ملامحه صدق ما قيل، أما هو فقد خفض بصره في حرج وقال بصوت خافت متردد:

-أنا مكنتش أعرف إن في حد هنا، لا مؤاخذة.

ثم رفع عينيه على استحياء وألقى نظرة خاطفة على فريدة، التي انكمشت في جلستها كأنما تحتمي بنفسها من نظرة.لا تدري مغزاها، فهزت غالية رأسها ببطء وقد بدا عليها شيء من التفهم، لكنها لم تخل من الحذر، ثم أشارت إلى الحاجة فايقة بأن تتبعها إلى الداخل ومعها فريدة، فاستجابت فايقة على مضض ودخلت خلفها، وما إن أُغلق الباب حتى انفجرت في غالية غضبًا:

-كده اختك تصرخ وتعمل نوش مالوش لازمة.

تقدمت فريدة بخطوات مترددة، وصوتها يكاد لا يُسمع من شدة اضطرابها:

-آآ..أنا مكنتش قصدي أصرخ بس لما لقيته بيفتح باب الاوضة عليا خوفت وفتحت الشباك وصرخت، والله خوفت.

زمت غالية شفتيها في ضيق، ثم ربتت على رأس أختها محاولة تهدئتها، لكنها سرعان ما التفتت إلى الحاجة فايقة وقالت بنبرة حازمة لا تخلو من حدة:

-العيب منك انتي، ازاي متقوليش لأخوكي إن في حد هنا!

رفعت فايقة حاجبها في استنكار، وقد اشتد احتقانها وقالت بحدة:

-انتي هتعلميني الادب ولا إيه يا ست غالية، لا أنا ليا كلام مع أم ناصر!

ثم اندفعت إلى الخارج مسرعة، وقد عقدت العزم على إنهاء الاتفاق القائم بينها وبين أم ناصر، وكأن الحادثة قد فجرت في داخلها ما كانت تكتمه، أما غالية فقد جلست على الفراش بإرهاق ظاهر، وأسندت رأسها إلى الحائط وغرقت في دوامة من التفكير، فكانت تحاول أن تُرتب أفكارها، وأن تتبين الطريق الذي ينبغي أن تسلكه بعد هذا الموقف المربك، وقد أخذ عقلها يميل شيئًا فشيئًا إلى التراجع عما كانت تنوي الإقدام عليه، خاصةً حين وقعت عيناها على فريدة التي بدت شاحبة ومضطربة، وكأن الخوف لم يغادرها بعد،
في تلك اللحظة شعرت بأن مسؤوليتها تجاه أختها تفوق أي اعتبار آخر، وأن البقاء في هذا المكان لم يعد آمنًا كما كانت تظن.

فنهضت فجأة وقد انعقد العزم في عينيها، وقالت بنبرة قاطعة لا تحتمل التردد:

-قومي يلا، خلينا نمشي من هنا.

رمشت فريدة بعينين متسعتين، وقد ارتسمت على ملامحها دهشة ممزوجة بشيء من عدم التصديق، وقالت بصوت متردد كأنها تخشى أن يكون ما سمعته وهمًا:

-بجد هنمشي؟!

هزت غالية رأسها بقوة، وقد انعقد العزم في عينيها، وقالت بنبرة يغمرها الإصرار، لا تحتمل نقاشًا ولا تراجعًا:

-اه، احنا مش هنقعد هنا ثانية واحدة، يلا بينا نرجع بيتنا.

لم تُجادل بل تحركت على الفور، وكأن هذه الكلمات قد أيقظت فيها شعورًا دفينًا بالحاجة إلى الرحيل، فأخذت تُلملم أشيائهما على عجل، تجمع الملابس والأغراض الصغيرة بيدين مرتجفتين قليلًا، وقد تداخلت في صدرها مشاعر متضاربة؛ فهي من جهة تشعر بالراحة لقرب مغادرة هذا المكان الذي بث في نفسها الخوف، ومن جهة أخرى يثقلها إحساس بالذنب، إذ رأت أن ما حدث كان سببًا في زيادة العبء على أختها، التي بدت مرهقة أكثر من المعتاد وكأنها تحمل فوق كتفيها ما يفوق طاقتها.

أما فريدة فكانت تقف في جانب الغرفة تراقب أختها في صمت، وقد بدا على وجهها شحوب خفيف، ولكنها كانت تحاول أن تُخفيه خلف صرامة قرارها، فلم تكن هذه المغادرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر بل كانت في داخلها خطوة فاصلة، فهي تقطع بها خيطًا كان يربطها بشيء لم تعد تثق به.

بينما في الخارج.

فقد كانت الحاجة فايقة غارقة في حالة من الضيق المتصاعد، حيث كانت تمسك هاتفها وتُجري اتصالًا تلو الآخر بأم ناصر، ولكن في النهاية لم تجب عليها، ومع كل محاولة فاشلة كانت ملامحها تزداد توترًا، حتى أطبقت على الهاتف بقبضتها وألقته جانبًا في نفاد صبر واضح.

وفي تلك اللحظة اخترق صمتها صوت عبده، الذي لم يستطع كبح فضوله، فقال بنبرة تجمع بين التردد والجرأة:

-مش هتقولولي مين دول بردو؟

لم تمهله فايقة فرصة لإكمال حديثه، بل اندفعت نحوه بخطوات سريعة وأمسكت بذراعه بقوة، تجره نحو الخارج وعيناها تلمعان بغضب مكبوت، ثم قالت بصوت منخفض، لكنه مشحون بالغل:

-قوم يا معفن اطلع برة، انت قاعد بعد ما كنت جاي تسرقني، والله لولا إنك أخويا كان زماني دفنتك.

نزع ذراعه من قبضتها بعنف وقد اشتعل الغيظ في صوته وهو يتمتم:

-ما انتي اللي قفلتي عليا الحنفية فجأة، وبعدين ده مال أبويا بردو مش كفاية سايبك بتتحكمي فيا!

شهقت شهقة خافتة وقد بدا التهديد واضحًا في نبرتها وهي تقول:

-وانت عايز يا كلب اديك فلوس عشان تروح تصرفها على الهباب اللي بتشربه انت والزفت مصعب صاحبك.

تراجع عبده خطوة وقد خفت حدة صوته فجأة، محاولًا أن يُلين موقفها وقال بنبرة واهنة:

-أنا بطلت على فكرة، وبعدين أنا كنت جاي عشان محتاج فلوس ممعيش فلوس أصرف، مكنتش أقصد أسرق، البت دي فهمتني غلط.

دفعته فايقة نحو الخارج دفعة غاضبة، وقد اشتدت ملامحها قسوة، كأنما نفد صبرها تمامًا، ثم ألقت في وجهه بعض الأموال التي كانت قد أعدتها سلفًا، فتطايرت الأوراق النقدية بين يديه وعلى الأرض، وقالت بنبرة صارمة تحمل في طياتها تهديدًا واضحًا:

-خد يالا ومتجيش هنا تاني من غير أذني، وعالله أسمع بس إنك رجعت للهباب ده، حنفية الفلوس مش هقطعها وحياتك هكسرها خالص.

لم تنتظر رده بل أغلقت الباب في وجهه بعنف شديد، حتى ارتج في مكانه، وكأنها أرادت بذلك أن تُسدل ستارًا نهائيًا على هذا مصائبه المتكررة.

وقفت لحظة تستعيد أنفاسها صدرها يعلو ويهبط، ثم أطلقت زفرة طويلة كأنها تحاول أن تُفرغ ما تبقى في داخلها من غضب، لكن ما إن استدارت نحو الداخل حتى ارتفعت حاجباها دهشة، وقد لمحت غالية وفريدة وهما في هيئة استعداد للمغادرة، فقالت بنبرة امتزج فيها الاستغراب بشيء من الاعتراض:

-الله الله رايحة فين ياختي انتي وهي؟!

توقفت غالية في مكانها واستدارت ببطء، وقد انعكست الصرامة في ملامحها، ثم ألقت كلماتها بوضوح لا لبس فيه، كأنها تُعلن قرارًا لا رجعة فيه:

-ماشيين راجعين المنصورة، أنا مش هقعد هنا تاني.

 حاولت فايقة أن تُلين الموقف فتغيرت نبرتها قليلًا، وقالت باعتراض خافت:

-طيب واتفاقك مع أم ناصر؟

أجابت غالية دون أن تتردد، وبنبرة خالية من الاكتراث:

-مالكيش فيه.

ثم أمسكت بيد أختها وجذبتها خلفها، ومضت نحو الباب دون أن تلتفت، كانت خطواتها حاسمة تحمل في طياتها إصرارًا لا يتزعزع، وكأنها تخشى إن تباطأت لحظة أن يتسرب التردد إلى نفسها.

وقفت فايقة في مكانها تراقب خروجهما بعينين تضيقان شيئًا فشيئًا، وقد امتزج في نظرتها الحنق بشيء من البرود، كأنها لا تريد أن تُظهر ما يدور في داخلها حقًا، وحين أُغلق الباب خلفهما تنفست بعمق، ثم تمتمت بصوت يحمل راحة ظاهرة، كأنها قد أزاحت عن كاهلها عبئًا ثقيلًا:

-يلا المركب اللي تودي، مع ألف سلامة 
                                          ***

في قصر الوادي…

تنهدت عائشة تنهدًا عميقًا وقد بدت على ملامحها علامات الإرهاق، وهي تُمعن النظر في طفليها اللذين وقفا أمامها وقد اشتعلت في صدريهما نار الغضب تجاه والدهما، فكانا يعبران عن حنقهما ببراءة ممزوجة بالعناد، بينما وقف عاصم بمكان بعيد عنهما، متسمرًا في مكانه كأنما ينتظر إشارة منها تسمح له بالاقتراب، لم يكن يدري ما الذي اقترفه ليستحق هذا الجفاء، ولم يفهم سبب هذا النفور المفاجئ ومع ذلك آثر الصمت، ملتزمًا بسكينة لم يعهدها في نفسه من قبل، وكأنه يخوض تجربة جديدة عليه تمامًا عنوانها الصبر.

رأت عائشة أن الموقف قد طال أكثر مما ينبغي، وأن استمرار الحوار بين الطفلين لن يُفضي إلى شيء، فقطعت حديثهما بلطف وطلبت منهما الانتظار قليلًا، ثم توجهت بخطوات هادئة نحو عاصم، وما إن اقتربت منه حتى بادرها بصوت خفيض، امتزج فيه الهدوء بشيء من البرود الذي أثار دهشتها:

-أروح أصالحهم؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة يغلب عليها الهدوء، ثم قالت بنبرة يغشاها عتاب رقيق: 

-هما شكلهم مضايقين منك جامد، متوقعتش إن اللقاء الاول ما بينكم يكون بالشكل ده!

اتسعت عيناه بدهشة واضحة، ثم قال بنبرة لا تخلو من الامتعاض، وهو يلقي بنظره نحوهما من بعيد: 

-أنا مالحقتش أعمل حاجة أصلاً! واحد زعل مني وأنا نايم، والتانية زعلت مني لما أحاولت أصالح الأول.

تأملت عائشة طريقته في الحديث عنهما، وذلك الجفاء الذي يلازم نبرته على الرغم من أن عينيه كانتا تتبعان حركاتهما بشغف خفي، يفضح ما في داخله من حنين لم يُحسن التعبير عنه، تنهدت بهدوء وقد أدركت أن الأمر يتطلب تدخلًا حكيمًا منها، فالواضح أن عاصم اعتاد الوحدة، ولم يجد من قبل مَن يرشده إلى السبيل الأمثل للتقرب من أطفاله.

جمعت شجاعتها وقالت بصوت هادئ تكسوه مسحة من الخجل: 

-لو ينفع يعني، أدخل .....

لكنها توقفت فجأة وقد ازداد خجلها، وراحت تبحث عن كلمات أدق تُعبر بها عما تريده دون أن يُساء فهمها، فاقترب منها عاصم خطوة وقد بدا عليه اهتمام صادق وقال برفق: 

-قولي عايزة إيه؟ متتكسفيش.

ارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة، ورفعت يدها لتُبعد خصلات شعرها إلى الخلف في حركة عفوية ثم قالت بنبرة يغلب عليها التلهف:

-لو ينفع ادخل جوه واعمل فطار ونفطر مع بعض كلنا  وتبقى فرصة أصالحكم على بعض وتتكلموا شوية قبل ما نروح.

لأول مرة منذ أن التقت به، لمحت ابتسامة ترتسم على شفتيه، ولكنها كانت ابتسامة مقتضبة إلى حد كبير بالكاد تُرى، فلم تكن تعلم أن تلك هي حدود ما يستطيع إظهاره من تعبير، وأن وجهه رغم ما يعتمل في داخله يأبى أن يبوح، حتى أن عينيه الحادتين ظلتا جامدتين، لا تعكسان شيئًا من ذلك اللين العابر الذي مر على شفتيه.

فقال بنبرة يغلب عليها الاهتمام، وهو يُشير بيده نحو الداخل:

-طبعًا اتفضلي، هبلغهم حالاً يجهزوا الفطار.

هزت عائشة رأسها برفض لطيف وقد اكتسى صوتها بشيء من الحرج والرقة التي لفتت انتباهه:

-لا، أنا هعمله بنفسي، هما مايعرفوش بيحبوا إيه، طبعًا ده لو ينفع يعني؟!

أومأ برأسه متفهمًا وقد بدا أن اقتراحها قد راق له على نحو خفي، ثم رفع صوته مناديًا:

-نادرة.

لم تمضِ لحظات حتى حضرت الخادمة مسرعة، وقد ارتسم على وجهها مزيج من الترقب واللهفة: 

-أوامرك يا عاصم باشا.

أشار نحو عائشة وقال بنبرة جامدة تخلو من أي مظهر للين:

-الدكتورة عائشة هتدخل المطبخ تعمل فطار للولاد، اقفي معاها وشوفي لو محتاجة حاجة.

رغم أن الفضول لمع في عيني نادرة للحظة نادرة، ولكنها سارعت إلى كتمه خوفًا من أن يُغضب ذلك سيدها، فأجابت بجدية:

-أهلا يا هانم.

مدت عائشة يدها نحوها بمودة صادقة، وهي تقول بنبرة هادئة ودافئة:

-ازيك، أنا عائشة اسمك إيه؟

ترددت نادرة لحظة ومدت يدها ببطء، ولكن عينيها تعلقتا بعاصم، الذي كان ينظر إليها بنظرة حادة لم تعهدها من قبل، فبقيت يدها معلقة في الهواء، وقد ارتسم الخوف على ملامحها بوضوح، فانتبهت عائشة لذلك الوضع، فخفتت ابتسامتها وراحت تنقل بصرها بينهما في دهشة صامتة، حتى لمحت إشارة خفية من عاصم بعينيه تأمر نادرة بأن تُصافحها.

عندها فقط استجمعت نادرة شجاعتها، وصافحت عائشة وهي تقول بصوت مضطرب:

-اسمي نادرة يا هانم..

تغيرت ملامح عائشة قليلًا وقالت بنبرة حازمة لا تقبل الجدل:

-قوليلي عائشة وبس لو سمحتي، بلاش هانم والجو القديم ده.

رفع عاصم حاجبيه في استغراب خفيف، وكأنه يعترض في داخله على ما قالت لكنه آثر الصمت، إذ لم يفهم تمامًا الدافع وراء طلبها، ولكنه لم يشأ أن يعارضها في تلك اللحظة،
وسرعان ما استعادت عائشة حماسها وقالت بنبرة أخف: 

-فين المطبخ؟

أشارت نادرة بصمت إلى الجهة المقصودة، لكن دهشتها تضاعفت حين التفتت عائشة إلى عاصم، الذي كان يُصغي إليها باهتمام واضح، وقالت له بثقة هادئة: 

-روح خد الولاد واقعدوا في الجنينة وأنا شوية وهجيلكم.

اتسعت عينا نادرة بدهشة، فهي لم تعهد أن يتلقى عاصم أوامر من أحد أيًا كان، فهو في هذا الوادي صاحب الكلمة العليا، الآمر الناهي الذي لا يُعارض، ومع ذلك بدا وكأنه تقبل حديثها برحابة صدر غريبة، دون أن يُبدي اعتراضًا أو حتى ترددًا.

كادت نادرة تتحرك خلف عائشة لكنها توقفت فجأة، حين لمحت إشارة صارمة من عاصم تأمرها بالصمت، وتحذرها من التحدث معها دون داعٍ، لذا أومأت بسرعة وقد عادت ملامح التوتر إلى وجهها ثم أسرعت تلحق بعائشة، بينما ظل عقلها مشوشًا بما يحدث حولها من تغيرات لم تألفها من قبل، وكأن نسيمًا جديدًا بدأ يهب على ذلك القصر، يحمل معه ما لم يكن في الحسبان.

أما عائشة فقد وقفت أمام الثلاجة الكبيرة، التي بدت لها أقرب إلى عالم مكتظ بالخيرات، لا مجرد مكان لحفظ الطعام، فتحت بابها ببطء وما إن ألقت نظرة إلى داخلها حتى انعكست الدهشة على ملامحها بوضوح؛ إذ وجدت أصنافًا لا حصر لها من الأطعمة، ما بين فواكه طازجة وخضروات منتقاة بعناية، وأجبان متعددة الأنواع ومخبوزات وحلويات ومشروبات شتى، وكأن تلك الثلاجة قد أُعدت لتكفي بيتًا كاملًا يعج بأفراده، لا رجلًا يعيش بمفرده.

رمشت بعينيها في صدمة واضحة، ثم أغلقت باب الثلاجة ببطء، والتفتت نحو نادرة وقد ارتسم على وجهها مزيج من الانبهار والتساؤل، وقالت بفضول صريح:

-ما شاء الله، الأكل ده كله وعاصم عايش لوحده؟!

ترددت نادرة قليلًا وكأنها تبحث عن إجابة لا تُثير المزيد من الأسئلة، ثم قالت بنبرة بدت متماسكة وإن لم تخلُ من برود:

-عاصم باشا بيحب يملى البيت من كل حاجة، والخدم هنا كتير، المهم يا دكتورة تحبي اجيبلك إيه؟ 

أومأت عائشة برأسها في تفهم، وكأنها تقبلت الإجابة دون أن تقتنع بها تمامًا، ثم بدأت في تشمير ساعديها بحماس واضح، وقالت وهي تتهيأ للعمل:

-خليكي انتي واقفة، واعرفي الولاد بيحبوا إيه، عشان لما يجيوا يباتوا مع عاصم تبقي عارفة بيتعشوا إيه وبيفطروا إيه؟

أنصتت نادرة إليها باهتمام بالغ، وقد بدا أنها تركز في كل كلمة تخبرها بها، وكأنها تتلقى تعليمات بالغة الأهمية، راحت تراقب حركات عائشة وتسجل في ذهنها الأصناف التي اختارتها وطريقة إعدادها، بل وحتى ترتيبها للأطباق، فكان واضحًا أن عائشة لا تقوم بمهمة عابرة، بل تحاول أن تضع أساسًا لنمط حياة جديد داخل هذا القصر.

مر بعض الوقت لم يكن طويلًا، حتى انتهت عائشة من إعداد صينية فطور بسيطة، لكنها بدت دافئة ومليئة بالعناية، وضعت عليها بعض الأطعمة الخفيفة التي تناسب الأطفال، وحرصت على أن يكون العنصر الأبرز فيها هو أكواب من الشاي بالحليب، كما لو كانت تريد أن تضفي على الجلسة طابعًا منزليًا حميمًا يفتقده المكان.

حملت الصينية بين يديها، واستدارت متجهة نحو الحديقة، إلا أن نادرة أسرعت بخطوات مترددة، وأوقفتها قائلة برجاء واضح: 

-عشان خاطري يا دكتورة، سيبني أنا أشيلها واوديها، عشان عاصم باشا بس ميتعصبش.

توقفت عائشة ونظرت إليها بدهشة، ثم سلمتها الصينية على مضض، وقالت بنبرة امتزج فيها الاستغراب بشيء من السخرية الخفيفة:

-عاصم هيضايق لو أنا شيلتها إيه الأفورة دي يا نادرة؟! وبعدين ليه حاسة خايفة منه كده، ده إنسان محترم جدًا على فكرة وذوق.

كادت نادرة أن تتعثر في خطواتها من وقع تلك الكلمات، وشعرت وكأنها تستمع إلى وصف لشخص آخر لا يمت لسيدها بصلة، فترددت الفكرة في ذهنها بدهشة، أي ذوق هذا الذي تتحدث عنه؟ وأي احترام؟! فهي التي عاشت تحت إمرته، لم ترَ منه إلا الصرامة، ولم تختبر منه لينًا يُذكر.

تابعت سيرها بصمت حتى وصلت إلى طاولة تتوسط الحديقة تحيط بها الأزهار والأشجار من كل جانب، وضعت الصينية برفق ثم انسحبت بهدوء شديد، كأنها تحرص على ألا تترك أثرًا لوجودها، مفسحة المجال لهم ليكونوا على سجيتهم.

بعد لحظات وصلت عائشة لكنها توقفت فجأة، وقد انعقدت الدهشة على وجهها، عندما رأت عاصم جالسًا في مكانه، منكبًا على هاتفه يتابع شيئًا ما بتركيز، دون أن يُبدي أدنى اهتمام بطفليه، اللذين كانا يركضان حوله في مرح، يعبثان بالأزهار ويضحكان بين الأشجار، وكأنهما في عالم منفصل عنه تمامًا.

فشعرت بشيء من الاستياء، تقدمت وجلست بالقرب منه، ثم قالت بنبرة عتاب واضحة:

-ليه سيبت البنت تمشي ومعزمتش عليها تفطر معانا؟

رفع عينيه إليها، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، وسألها بنبرة تخلو من الفهم:

-دي مين دي اللي تفطر معانا؟!

أجابته عائشة على الفور وكأن الأمر بديهي لا يحتمل التساؤل:

-نادرة، حرام البنت شكلها غلبانة ومش عشان بتخدمك تبصلها من فوق، دي اسمها بتقدم مساعدة يبقى تعاملها برقة ولين..

ظل عاصم ينظر إليها للحظات وكأنه يحاول استيعاب منطقها الذي لم يألفه من قبل، ثم هز رأسه موافقًا، رغم أن ملامحه كانت تُخفي عدم اقتناع واضح، وقال بابتسامة مقتضبة: 

-المرة الجاية ان شاء الله.

ارتسم الرضا على وجه عائشة، وكأنها حققت انتصارًا صغيرًا، ثم التفتت نحو طفليها ونادتهما بصوت دافئ، فلم يتأخرا بل ركضا نحوها بلهفة، ووقفا أمامها ينتظران ما ستقوله، فقالت وهي تشير إلى عاصم:

-بابا أصر يفطر معاكم قبل ما نروح، يلا ناكل مع بعض.

أومأ الطفلان بطاعة ثم اتجها للجلوس بجانب عاصم، الذي تحرك قليلًا ليفسح لهما المكان، في محاولة بدت غير مألوفة عليه، جلست عائشة إلى جواره ثم مالت نحوه بعفوية وهمست:

-حط قدامهم الأكل يلا وساعدهم يفطروا.

توقف عاصم لحظة وكأن الزمن تجمد حوله، يحاول استيعاب ما طُلب منه، لم يكن معتادًا على مثل هذه التفاصيل الصغيرة، ولا على هذا الدور تحديدًا، لكنه وعلى غير عادته انصاع لها دون اعتراض، فبدأ يُقدم الطعام للطفلين، ولكن حركاته كشفت عن توتر واضح وعدم خبرة جلية.

ابتسمت عائشة وقد لاحظت ذلك، فاقتربت أكثر وساعدته برفق، ثم أخذت تُقطع الخبز وتضعه أمامهما، قبل أن تلتفت إليه قائلة بنبرة لطيف:

-افطر يلا معانا، زمانك اتأخرت في فطارك بسببي، معلش أنا أسفة.

شرد للحظة في ملامحها، وفي نبرة صوتها التي حملت اعتذارًا لم يعتده من أحد، لم تكن وجبة الإفطار يومًا ذات أهمية لديه، ولم يشعر يومًا أن أحدًا قد اهتم بأن يجلس معه ليشاركه إياها، أما الآن فكانت تلك التفاصيل الصغيرة، كأن تُعد له الطعام أو تُقدمه له بهذه العفوية، تُحرك  شيئًا داخله، شيئًا كان يظنه قد اندثر منذ زمن بعيد، لكن شروده انقطع حين قالت له بإصرار خافت:

-اشرب يلا الشاي بلبن بتاعك معاهم.

هز رأسه رافضًا وقد ارتسمت على وجهه علامات نفور: 

-لا مبحبش الشاي، نادرة هتجيبلي القهوة دلوقتي.

تغيرت ملامحها قليلًا وانطبقت شفتاها بضيق، قبل أن تقول بنبرة جادة:

-اشرب معاهم الشاي بلبن وشاركهم الحاجة البسيطة اللي بيحبوها يا عاصم، ولادك بساط جدًا وتقدر تكسبهم في صفك بأقل حاجة.

ثم ودون أن تنتظر موافقته، أمسكت بكفه ووضعت فيه الكوب، تجمدت ملامحه للحظة وقد تسلل إليه شعور بالاستياء من جرأتها، ومن إصرارها على أمر لم يعتده، لكنه في أعماقه كان أكثر دهشة من نفسه ومن صمته، ومن تقبله لهذا القرب الذي لم يكن ليسمح به لأحد.

فلم يكن يجرؤ أحد على لمسه دون إذنه، حتى چيني في لم تستمر علاقته بها طويلًا، إذ بقيت علاقته بها سطحية خالية من الدفء، منذ اللحظة الأولى التي شعر فيها بعدم الارتياح نحوها، كانت ذكرى لا يرغب في استحضارها، لا سيما في حضور عائشة التي طغى حضورها على كل ما سواها، حتى جعله ينقاد إليها دون مقاومة.

فوجد نفسه على غير إرادته، يرفع الكوب ويرتشف أول رشفة، في تلك اللحظة شد انتباهه صوت عمر الذي اقترب منه وهو يمد له السكر: 

-بابا، انت محطتش سكر في الشاي بلبن.

ابتسم عاصم ابتسامة خفيفة ومد يده ليربت على شعره بحنان بسيط:

-بشربه من غير سكر، متشغلش بالك.

عقد عمر حاجبيه وقد بدا عليه عدم الاقتناع، وقال ببراءة ممزوجة بالاستغراب: 

-إيه ده؟! ده يبقى طعمه وحش أوي، السكر بيحلي أي حاجة.

ضحكت ليلة ضحكة صغيرة، وهي تمسك بقطعة خبز مدهونة بالمربى وقالت بمرح:

-ما هو عشان مسكر مبيحبطش سكر.

نظر إليها عاصم بدهشة وقد أعجبته إجابتها وبساطتها، فانحنى قليلًا نحوها وقال بنبرة يغلفها التوتر:

-انتي كده صالحتيني؟!

تجاهلته وأخذت قضمة من خبزها المفضل، ثم قالت بثقة طفولية لا تخلو من العناد:

-على فكرة أنا اللي زعلانة، وبعدين أنا قولت كده، عشان انت طالعلي، انت مسكر زيي.

هز رأسه موافقًا وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة حملت شيئًا من الدعابة:

-أنا كنت حاسس بكده.

ابتسمت عائشة حين لاحظت ذلك التغير الطفيف في طريقة عاصم، وكيف بدأ على استحياء، يكتسب أساليب بسيطة للتقرب من طفليه والتواصل معهم، لكن رنين هاتفها قطع عليها لحظة التأمل تلك، فأخرجها من شرودها ونظرت إلى الشاشة لتجد اسم خالتها شريهان، انحنت قليلًا نحو عاصم، وقالت بصوت خفيض: 

-هرد على خالتو ثواني.

ثم ابتعدت قليلًا تمشي بخطوات هادئة نحو طرف الحديقة، وبدأت تتحدث معها، تُخبرها بما جرى منذ وصولها، وتصف لها الموقف بقدر من الحماس والانفعال الذي ظهر جليًا في نبرة صوتها وحركات يديها.

أما عاصم فقد وجد نفسه يتابعها بعينيه دون أن يشعر، يراقب تعبيراتها وطريقة حديثها، وذلك الغضب الذي يملأ ملامحها كلما ذكرت عائلتها، زفر بضيق خفي إذ مر بخاطره، لولا وجودها لكان قد مضى في طريق مظلم لا يعرف فيه رحمة معهم، وربما لم يتردد في إيذاءهم جميعًا.

صرف نظره عنها وكأنه يحاول التخلص من تلك الأفكار، وعاد ببصره نحو طفليه، فالتقط شيئًا جعل حاجبيه ينعقدان بدهشة؛ إذ كانت ليلة تمسك بعلبة السكر الزجاجية، وتملأ ملعقة صغيرة بعناية، ثم تدفعها بسرعة إلى فمها في خلسة، ظنًا منها أنه لا يراها.

لكن عاصم كان يراقبها وما إن التقت عيناه بعينيها حتى تجمدت للحظة، ثم غمزت له بمكر طفولي وقالت بصوت خافت:

-هصالحك بس اوعى تقول لماما إني أكلت سكر.

توقف عاصم عن الرد وقد باغتته تلك اللحظة على نحو لم يتوقعه، لم تكن كلماتها وحدها ما أثر فيه، بل ذلك المشهد البسيط الذي أيقظ في داخله ذكرى قديمة، اندفعت إلى وعيه دون استئذان.

رأى نفسه طفلًا صغيرًا يركض في أرجاء القصر ذاته، وتحديدًا في الحديقة الخلفية، حيث كانت الأشجار أكثر كثافة والزوايا أكثر خفاء، فكان يلاحق موسى ابن عمه، الذي تسلل بخفة كأنه لص صغير، يحمل في يده كيسًا من السكر أخذه خلسة من المطبخ، وجلس في ركن بعيد وبدأ يلتهم السكر بشغف ويضحك في صمت، وكأنه اكتشف كنزًا لا يُقدر بثمن.
                                          **

وقف عاصم يستند على سور كبير، وقال بنبرة يغلب عليها التهديد الطفولي، وهو يرمق موسى بنظرة ماكرة: 

-انت بتاكل سكر بردو؟ طيب هروح أقول لـمرات عمي.

لم يمهله موسى فرصة لإتمام تهديده إذ اندفع نحوه سريعًا، وأمسكه من عنقه بقبضة حازمة، ثم جذبه إلى الخلف حيث الأضواء الخافتة التي لا تصلها أعين الكبار، وانحنى نحوه هامسًا برجاء امتزج بالخوف:

-وحياة أمك الغالية ما انت قايل لحد، وبعدين هو أنا باكل من سكر بيتكوا ما تسيبني آكل براحتي.

ابتسم عاصم ابتسامة مستفزة، وقد مال برأسه نحوه متحديًا:

-ما انت بتاكل فعلاً من بيتي، هو ده مش خزين القصر بردو، وبعدين تصدق أنا غلطان، ده أنا كنت جايبلك معايا...

وأخرج من جيب سرواله قطعة بسبوسة صغيرة مغلفة بعناية، وبدأ يلوح بها يمينًا ويسارًا، كأنه يساومه على كنز ثمين، وما إن وقعت عينا موسى عليها حتى لمعتا بشغف واضح لكنه حاول أن يتماسك وقال بغيظ مصطنع:

-وإيه المقابل يا معفن؟

اقترب عاصم أكثر وقد ارتسمت على وجهه ملامح المكر الطفولي:

-الكورة بتاعتي اللي انت اخدتها مني وخبيتها تطلع بيها أحسنلك.

زفر موسى بضيق ثم قال على مضض:

-حطتها في دولاب جدك، هات بقى البسبوسة.

امتدت يد عاصم إليه بالقطعة، بينما امتدت يد موسى الأخرى لتأخذها بسرعة، وكأن الصفقة قد أُبرمت بنجاح تام، لا ينقصها سوى ضحكة صغيرة تقاسمها الاثنان في تلك الزاوية البعيدة.
                                          **

عاد عاصم إلى واقعه فجأة وقد انعقد حاجباه في تعبير عميق عن اضطرابٍ داخلي لم يعتده أن يظهر على ملامحه، فغاصت عيناه في فراغ بعيد، كأنما تحاولان سبر أغوار تلك الذكرى التي انتزعت من عمق الزمن دون استئذان، ذكرى لم تطأها روحه منذ سنوات طويلة، وكأنها كانت مدفونة تحت طبقات كثيفة من القسوة والنسيان.

لم يكن يتوقع ولو للحظة، أن تستيقظ تلك المشاهد القديمة على هذا النحو المفاجئ، ولا أن تكون يد طفلة صغيرة، وملعقة سكر بسيطة هي المفتاح الذي أعاد فتح أبوابٍ أوصدها بإحكام، لكن ما باغته حقًا لم يكن الذكرى ذاتها بل ذلك الشعور الذي تسلل إلى داخله دون مقاومة شعور متناقض يحمل في طياته ألمًا دفينًا وحنينًا خافتًا.
                                        ***
في اليوم التالي…

استيقظت غالية على طرق متواصلٍ وعنيف على باب شقتها، طرقات اخترقت سكون الصباح، وتسللت إلى أذنها المثقلة بالنوم، فانتزعتها من سباتها انتزاعًا، فتحت عينيها بصعوبة وقد بدا الإرهاق جليًا على ملامحها، فهي لم تنعم بنوم هادئ منذ الليلة الماضية، فمنذ أن عادت إلى شقتها بصحبة أختها وهي غارقة في نوم أشبه بالهروب، نوم بلا راحة كأنه محاولة يائسة للفرار من وطأة ما شهدته وما عاشته في الأيام القليلة الماضية.

تكررت الطرقات بإلحاح أشد، فزفرت بضيق ونهضت على مضض، تجر قدميها نحو الباب وعيناها نصف مغلقتين، مدت يدها لتفتح الباب المتهالك، وما إن فعلت حتى تجمدت في مكانها فجأة وقد تلاشى أثر النعاس من عينيها دفعة واحدة.

فكانت أم ناصر تقف أمامها وقد ارتسم العبوس على وجهها بوضوح، ونظرتها تحمل مزيجًا من العتاب والحدة، وما إن وقعت عيناها على غالية حتى قالت بنبرة لا تخلو من سخرية:

-كل ده يا بشمهندسة، إيه منمتيش بقالك شهر؟!

زمت غالية شفتيها وقد بدا الضيق واضحًا في ملامحها، لكنها تماسكت وقالت بنبرة جافة:

-اهلاً اتفضلي يا أم ناصر.

دخلت أم ناصر بخطوات متأنية، كأنها تتفحص المكان بعينيها ثم جلست على أقرب مقعد، قبل أن تُلقي بكلماتها دفعة واحدة دون تمهيد:

-شكرًا يا اختي، ولو أني زعلانة منك لا مؤاخذة، بقى كده تسيبي رشيد وترجعي من غير ما تعرفيني.

جلست غالية في مواجهتها وقد انعقد وجهها بجمود واضح، وقالت بنبرة حادة تحمل في طياتها تحديًا:

-هو المفروض اتصل استأذن منك الاول؟!

اشتعلت ملامح أم ناصر وردت بلهجة حانقة:

-هو مش المفروض بيني وبينك اتفاق؟!

تنفست غالية بعمق ثم قالت بوضوح قاطع: 

-ونهيته، خلاص مبقتش عايزة أكمل.

 أطلقت أم ناصر ضحكة ساخرة، ونظرت إليها بنظرة مشبعة بالاتهام، وقالت:

-وتار أخوكي هتسبيه؟! 

ابتسمت غالية بسخرية لاذعة وقد لمعت عيناها بغضب مكبوت:

-هو كان أخويا ولا أخوكي؟! وبعدين انتي عارفة أنا كنت برمي نفسي في إيه؟! مع واحد مجنون ومختل، ده أنا في يومين بس شوفت اللي عمري ما شفته!

هزت أم ناصر كتفيها بلا مبالاة، وكأن ما تقوله لا يُفاجئها ثم أجابت بنبرة أكثر هدوءً:

-أنا مقولتش إن الحياة هادية هناك.

اشتد انفعال غالية وقالت بصوت ارتفع قليلًا:

-ومقولتيش إن السلاح في ايده عادي، انا لو موت فريدة اختي هسيبها لمين؟! وبعدين استحالة اخدها معايا عند اللي اسمه موسى ده، ده ممكن يعمل في أختي حاجة.

تنهدت أم ناصر وقد بدت على ملامحها علامات الضيق، ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها أكثر هدوءًا:

-ما تسيبيها عند فايقة، هي الولية كانت اتكلمت؟!

رفعت غالية رأسها سريعًا وقد اشتد التوتر في صوتها وهي ترد: 

-بس أخوها بيدخل البيت عادي وأنا من حقي أحافظ على اختي.

أومأت أم ناصر برأسها وكأنها تُقر بما تقول، ثم أضافت:

-حقك، بس عند فايقة أهون من موسى وقصره، وهناك قاعد في القصر  مصعب أخوه المدمن اللي قتل أخوكي.

تغيرت ملامح غالية عند ذكر أخيها وارتسم الألم في عينيها، لكن أم ناصر لم تتوقف بل تابعت بنبرة أشد خبثًا:

-أخوكي اللي لو كان موجود كان زمانه وقف معاكي وعرف يتصرف في المصيبة اللي هتبقي فيها.

قطبت غالية حاجبيها وقد بدا عليها الاستغراب:

-مصيبة إيه؟

تنهدت أم ناصر مرة أخرى وكأنها تتردد قبل أن تُفصح عما لديها، ثم قالت بنبرة جادة:

-أنا مكنتش عايزة اقولك عشان مضايقكيش، بس لازم تعرفي عشان تعرفي انتي داخلة على إيه وتحسبي حساباتك صح، صاحب العمارة باعها لتاجر خشب والمالك الجديد قرر يهدها ويبنيها برج، يعني لا مؤاخذة انتي هتبقي في الشارع بعد يومين بالظبط.

شهقت غالية وقد اتسعت عيناها في صدمة:

-إيه؟

أخفضت أم ناصر بصرها قليلًا ثم قالت بنبرة أقرب إلى التعاطف:

-مكنتش عايزة أزعلك، بس يا اختي لو كان أخوكي موجود كان زمانه وقف معاكوا واستلف من أي حد صاحبه واتأجر 
شقة ولا اوضة وكان نزل اشتغل واتصرف، لكن انتي مين هيسلفك ولا هتلحقي تجيبي حق إيجار أي حاجة منين ولا هتلاقي شغل فين وامتى!

ارتسمت على وجه غالية ملامح شك وغضب وقالت بحدة:

-وانتي جاية تعرضي خدماتك الجديدة وتتأجري ليا شقة؟!

هزت أم ناصر رأسها بالنفي وقالت بنبرة تحمل شيئًا من الغموض:

-لا مش إيجار، شقة تبقى ملكك.

تجمدت ملامح غالية وقد ازداد استغرابها: 

-قصدك إيه؟! هتشتري ليا شقة؟!

اقتربت أم ناصر قليلًا وقالت بنبرةٍ أكثر عمقًا:

 -ومش أي شقة، شقة أبوكي اللي عمك أكلها في بطنه وطلعكوا من المولد بلا حمص.

اتسعت عينا غالية، وقالت بلهفة ممزوجة بالشك:

-عمي عمره ما يبعها..

ابتسمت أم ناصر ابتسامة خفيفة وقالت بثقة تعجبت منها غالية وشعرت بالقلق والتوجس منها:

-الحوجة تخليه يبعها، عمك مديون في مبلغ كبير، عشان بيجوز بنته، واضطر يعرضها للبيع، بعد ما مرات ابنه عملت مشاكل معاهم، فعايز يضايقها وقرر يبعها، والعبدة لله اشترتها، ومن بكرة تبقى باسمك، بس اتفاقنا يرجع زي الاول.

رفعت غالية نظرها إليها بحدة:

-ليه أنا؟ اشمعنا مش أي حد تاني؟

اقتربت أم ناصر أكثر وقد لمعت عيناها بنظرة تحمل مزيجًا من الحقد والإصرار:

-كرهك لموسى عزام هيوصلني للي أنا عايزاه، انتي الوحيدة اللي تقدري تاخدي بحقي وحق أخوكي وحق كل واحد اتظلم من عيلة عزام.

ارتبكت غالية وهمست وكأنها لا تصدق:

-أنا؟!

أومأت أم ناصر بثقة وقالت بنبرة تفوح منها الكره والحقد:

-نار الانتقام اللي جواكي، وكمان انتي تستحقي تاخدي شقة أهلك من عمك وتقهريه، وتعيشي انتي واختك في أمان.

تراجعت غالية قليلًا وقد بدأت الكلمات تتردد في ذهنها، تتصادم مع خوفها ومع شكوكها، ومع ذلك الألم الذي لم يندمل بعد، أما أم ناصر فنهضت ببطء وقالت وهي تتجه نحو الباب:

-فكري يا بشمهندسة كويسة، واللحظة اللي هتقولي اه فيها، الشقة هتبقى باسمك وبتاعتك، بس قصاد كده أشفي غليلي في عثمان وموسى ابنه.

جلست غالية وحدها وقد خيم الصمت على المكان من حولها، إلا من ضجيج أفكارها التي لم تهدأ، فكانت نظراتها شاردة لا تستقر على شيء، كأنها تحاول أن ترى ما وراء الواقع، أن تستشف الطريق في متاهة لم تختر دخولها، لكنها وجدت نفسها في قلبها.

لم يكن العرض هذه المرة كسابقيه؛ لم يكن مجرد اقتراح عابر يمكن رفضه بسهولة، بل كان مغريًا على نحو خطير، يلامس أوتارًا حساسة داخلها، حق مسلوب وبيت ضائع، ودم لم يُقتص له، كل ذلك اجتمع ليجعل من التردد ضعفًا، ومن الرفض خسارة قد لا تعوض.

وفي خضم هذا الصراع تجسد صوت مألوف وحاسم، خرج من خلف الأبواب وما كان سوى صوت فريدة، التي لم تكن نائمة كما ظنت، بل كانت تتابع كل كلمة وكل تفصيلة بصمت مترقب.

فخرجت فريدة بخطوات ثابتة، وقد ارتسمت على ملامحها شجاعة غير معتادة وقالت بنبرة قوية:

-وافقي يا غالية، مقدمناش حل غير كده.

التفتت إليها غالية وقد انعكس التردد في عينيها، لكن فريدة تابعت وقد ازداد صوتها صلابة:

 -من ناحية ناخد بحق أخوكي اللي مات غدر ونثبت براءته حتى لو قدامنا احنا ومن ناحية تانية نضمن بيت ملكنا وحقنا يرجعلنا.

عادت غالية تغوص في أفكارها، لكن هذه المرة لم يكن التردد كما كان من قبل، فكانت كفة القرار تميل بوضوح، وكأن شيئًا في داخلها بدأ يحسم الأمر يدفعها نحو الموافقة، رغم إدراكها الكامل لحجم المجازفة.

رفعت رأسها ببطء وقد انعكست في عينيها ملامح قرار يتشكل، قرار يحمل في طياته قسوة الطريق، لكنه أيضًا يحمل بصيص أمل باستعادة ما ضاع.

كانت تعلم أن العودة لم تعد خيارًا، وأن الأبواب التي أُغلقت خلفها ستُغلق للأبد إن حاولت الرجوع، أما إن مضت قدمًا فستدخل طريقًا جديدًا، لا يشبه شيئًا مما عرفته، طريقًا محفوفًا بالخطر لكنه ربما الطريق الوحيد المتاح لها الآن.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة