
"عائشة تخصه"
وقفت غالية أمام سيارة ضخمة، يكسوها لمعان بارد يعكس اضطراب ما في داخلها، بينما كانت تنتظر خروج أم ناصر من محلها، وعلى مقربة منها جلست فريدة داخل السيارة في هدوء ظاهري، تراقب الوضع بصمت مخيف، فهي تدرك أن ما يجري ليس مجرد انتظار عابر بل لحظة فاصلة ترسم فيها ملامح مستقبل مجهول.
تبادلت غالية النظرات بين السيارة وباب المحل، وعيناها تحملان قلقًا متصاعدًا، فهي أقدمت على خطوة لا رجعة فيها؛ وافقت بلا تردد ظاهري على عرض أم ناصر، وتم بالفعل تحرير عقد الشقة باسمها وتسجيله في الشهر العقاري بعد يومين كاملين من الإجراءات المتلاحقة، وها هو اليوم قد جاء اليوم الذي ستعود فيه إلى رشيد، لتُكمل خطتها حتى النهاية مهما كانت العواقب.
لم تلبث أم ناصر أن ظهرت أخيرًا، تتقدم نحوها بخطوات بطيئة، تلهث قليلاً كأنها أنهت أمرًا مستعجلاً، وقفت أمامها ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا مُحكم الإغلاق ومدت به إليها، قائلة بنبرة حاولت أن تبدو هادئة:
-خدي يا بشمهندسة، ده ظرف فيه فلوس تكفيكي مدة هناك، متقلقيش أنا مش هسيبك بردو، وهتصرف بطريقتي وابعتلك كل شهر.
مدت غالية يدها بتردد واضح، وأخذت الظرف ثم وضعته داخل حقيبتها قبل أن تقول بصوت خافت تغلفه الحرج:
-متشكرة....بس فين عقد الشقة؟!
ارتسمت على شفتي أم ناصر ابتسامة مائلة تحمل شيئًا من السخرية، وقالت بنبرة يغلب عليها التهكم الخفيف:
-وفين اللي يضمن حقي لامؤاخذة؟! أنا عمالة أقدملك فرص وانتي لسه في المقابل معملتيش أي حاجة، عقد الشقة هيفضل معايا، ترجعي بالسلامة من رشيد واشفي غليلي من عيلة عزام، خدي شقتك وعليها الف بوسة.
أطرقت غالية برأسها قليلًا ثم هزتها بسخرية مريرة وقالت:
-كنت عارفة، على العموم أنا وثقت فيكي ولسه بثق فيكي إن مفيش حاجة تضرني، أنا أختي ملهاش حد غيري، ويا ريت عمي ميعرفش الشقة اتباعت لمين.
رفعت أم ناصر يدها وأشارت إلى عينيها بإيماءة تحمل وعدًا وقالت بثقة:
-من عنيا الاتنين، هي أصلاً اتباعت لي أنا وبعدها بعتهالك هيعرف منين، خليهم نايمين في العسل، ولو عايزاني ابعت حد يسكن هناك فيها ويرازيهم ويكرههم في عيشتهم، معنديش مانع، حبايبي كتير.
ورغم ما كان يعتمل في صدرها من رغبة عارمة في الانتقام من عمها، بل ومن عائلته بأسرها فإنها تماسكت على نحو لافت، وكأنها تقاوم عاصفة داخلية لا تهدأ، فهزت رأسها برفض واضح، وقد ارتسم على ملامحها هدوء مصطنع تغلفه رتابة باردة، ثم قالت بصوت خفيض يخفي ما وراءه من اضطراب:
-لا مالوش لزوم، عن إذنك.
لم تنتظر ردًا بل استدارت بخطوات ثابتة نحو السيارة، واستقلتها في صمت ثم أشارت للسائق أن ينطلق، وبينما كانت السيارة تشق طريقها، أخذت أفكارها تتلاطم داخلها بعنف؛ لم يكن خوفها على نفسها بقدر ما كان على صغيرتها فريدة، تلك البريئة التي كانت تمثل لها كل ما تبقى من طمأنينة في هذا العالم المضطرب.
أسندت فريدة رأسها برقة فوق كتف أختها، وأطلقت زفرة هادئة كأنها تحاول بث السكينة في الأجواء المشحونة، ثم قالت بصوت عذبٍ يفيض بالحنان، وهي تربت على يد غالية بحنو:
-متخافيش كل حاجة هتكون تمام وهنثبت براءة مهاب وحقه يرجعله ونرجع لحياتنا.
أغمضت غالية عينيها بإحكام، وكأنها تتشبث بكلمات أختها لتجعل منها حقيقة، إلا أن صورة "موسى" وجنونه كانت تقتحم أفكارها بين الحين والآخر دون استئذان، فتُربك سكونها وتُعيد إليها شعور القلق الذي حاولت جاهدة أن تتجاهله، فارتجف صوتها وهي تهمس وكأنها تخاطب نفسها قبل غيرها:
-اتمنى كده.
****
في الوادي.
كانت "عائشة" قد أنهكها العمل منذ ساعات الصباح الأولى؛ فقد انشغلت مع خالتها "شريهان" في تنظيف الطابق السفلي بالكامل، استعدادًا لاستقبال أثاث العيادة القادم من القاهرة، كانت تخطط لأن تعلن لأهل الوادي عن افتتاح عيادة جديدة لطب الأطفال، على أمل أن تبدأ ممارسة عملها تدريجيًا، فتستعيد شيئًا من حياتها المهنية التي طالما كانت جزءًا أصيلًا من هويتها.
وبرغم انغماسها في العمل ومحاولتها التركيز في أدق التفاصيل، فإن عقلها لم يفارق طفليها ولو للحظة؛ فقد كانا منذ الصباح برفقة عاصم، وحينها شعرت بفراغ يملأ قلبها كلما تذكرت غيابهما.
توقفت لحظة مستندة إلى الجدار، وقد تسللت إلى ذاكرتها أحداث الليلة الماضية، حين جاء "عاصم" إلى منزلها في وقت متأخر، وطلب منها أن تنزل لمقابلته أولًا، فكان في صوته شيء غريب، مزيج من الجدية والتردد جعل قلبها ينقبض دون أن تدري السبب.
تنهدت ببطء وهي تستعيد تلك اللحظة...
**
هبطت سريعًا بخطوات متعجلة، وقد ارتسمت علامات الدهشة على ملامحها من مجيئه في هذا الوقت المتأخر من الليل، وما إن فتحت البوابة الحديدية حتى صدر عنها صرير مزعج شق سكون المكان، فخرجت إليه تتلفت حولها، لتجده مستندًا بظهره إلى سيارته في هدوء ظاهر، وكأنه كان ينتظر خروجها منذ برهة.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى اعتدل في وقفته، ثم اندفع نحوها بخطوات متمهلة، تحمل في طياتها شيئًا من التردد المكبوت، فأشار بيده إلى "فايد" الذي كان يقف بالقرب منه حاملًا عددًا من الهدايا، وقال بصوت جامد يخلو من أي دفء:
-يطلعهم فوق ولا يسيبهم تحت؟!
توقفت عيناها على ما يحمله "فايد"، وقد بدت الدهشة جلية في نظراتها، ثم رفعت بصرها إلى "عاصم" وقالت بنبرة يغلب عليها الاستغراب:
-إيه كل الهدايا دي يا عاصم؟!
لم يجبها مباشرة بل اكتفى بإشارة مقتضبة إلى "فايد" أن يضع الهدايا في الطابق السفلي، وبالفعل تحرك الأخير على الفور لتنفيذ الأمر دون نقاش، ثم ما لبث أن عاد أدراجه وغادر المكان، متجهًا نحو إحدى السيارات المتوقفة على بُعد، قبل أن يختفي داخلها في صمت.
وحين تأكد "عاصم" من خلو المكان وهدوء الأجواء، التفت إليها وقال بنبرة صارمة لا تنسجم مع ما فعله:
-هدايا للولاد، عشان كنت مشغول طول اليوم النهاردة ومعرفتش اشوفهم.
رمشت بعينيها في تعجب لا يخلو من سخرية خفيفة، ثم قالت بنبرة تحمل قدرًا من عدم الرضا:
-وانت كل ما تتأخر على الولاد هتجبلهم هدايا! لا طبعًا ده غلط، هما عارفين ومقدرين إن ليك شغلك، فطبيعي أوقات....
لكنها لم تكمل حديثها؛ إذ قاطعها بنبرة شبه حادة، وقد تجمدت ملامحه خلف قناع من الصلابة:
-أنا مربتش أولادي عشان يلحقوا يقدروا إن ليا شغل، ولا هما شبعوا مني ولا أنا لحقت شبعت منهم، ولا احنا فاهمين بعض....
تعثرت كلماته الأخيرة في الهواء، محملة بثقل لم تستطع تجاهله، وعندما لاحظ توترها الواضح، وارتباكها الذي تجلى في حركاتها المتكررة وهي تفرك يديها، خفف من حدته تدريجيًا، ثم أطلق تنهيدة عميقة بدت وكأنها تحمل ما يكفي من الهموم لتغرق صدره.
فقال بصوت أخفض مما كان عليه، وقد تسللت إليه مسحة من الصدق المؤلم:
-أنا نفسي أعوضهم بس.
رفعت عينيها نحوه ببطء، كأنها تبحث في ملامحه عن ذلك الضعف الذي تسلل إلى صوته، لتتأكد إن كان حقيقيًا أم مجرد وهم، لكنها لم تجد سوى ذلك الجمود المعتاد، الذي يناقض تمامًا ما سمعته، مما جعله يبدو لها أكثر غموضًا واضطرابًا.
خفضت بصرها بخجل وقالت بصوت هادئ حاولت أن تجعله متزنًا:
-أنا مقصدتش أي حاجة، أنا بس كل اللي اقصده إن مش كل مشاكلك معاهم هتتحل بالهدايا، قربك منهم هو الحل الوحيد.
هز رأسه في تفهم صامت، ثم قال بنبرة خشنة يغلب عليها الطابع العملي:
-ان شاء الله، أنا همشي وهبعت فايد الصبح ياخدهم يقضوا اليوم معايا بكرة وهجيبهملك بليل.
أومأت برأسها موافقة وقالت برقة انسابت في نبرتها، مما جعل انتباهه ينعطف رغمًا عنه إلى أدق تفاصيلها؛ إلى ارتعاشة صوتها الخفيفة وإلى تلك الإيماءة البسيطة التي بدت وكأنها تحمل من الود ما لا يُقال صراحة:
-تمام، أنا كده كده بكرة هكون مشغولة عشان أظبط العيادة بتاعتي...
ثم رفعت يدها وأشارت نحو الطابق السفلي، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وحذرة، كأنها تختبر رد فعله قبل أن تسمعه وقالت بنبرة مترددة يغلب عليها الرجاء:
-هو في مشكلة لو فتحت عيادة أطفال هنا؟
لم يجبها في بادئ الأمر بل اتجهت عيناه نحو الطابق السفلي الذي أشارت إليه، وسكن في ملامحه شرود قصير، وكأنه يعيد ترتيب أفكار متشابكة في ذهنه، أو ربما يستدعي حسابات لا ترغب هي في معرفتها، فطال صمته لثوانٍ بدت لها أطول مما ينبغي، حتى شعرت بشيء من القلق يتسلل إلى داخلها.
ثم وباقتضاب واضح قال دون أن ينظر إليها مباشرة:
-مفيش مشكلة، سلام.
كانت كلماته قصيرة وجافة، كأنها أخرجت على عجل دون أن تمر عبر ساحة الشعور، لم يمنحها فرصة للتعقيب أو حتى لإضافة كلمة أخرى؛ إذ استدار فورًا بخطوات قوية، واتجه نحو سيارته ثم استقلها وأدار المحرك، لينطلق بعدها تاركًا خلفه أثرًا من الحيرة التي انعكست بوضوح في نظراتها.
ظلت واقفة في مكانها تتابع بعينيها اختفاء سيارته في عتمة الطريق، وقد تداخلت في صدرها مشاعر متباينة؛ دهشة من جفائه المفاجئ، وتساؤل عن ذلك التناقض الغريب بين أفعاله وكلماته، وبين ما بدا عليه منذ قليل من لين خافت.
هزت رأسها بخفة وكأنها تحاول طرد تلك الأفكار المتشابكة، ثم تمتمت بصوت خفيض يشوبه شيء من الضياع:
-اسمها تصبحي على خير، غريب!!
**
انتبهت "عائشة" فجأة على وسادة قديمة اندفعت نحوها بقوة، فقطعت عليها شرودها وتبعها صوت خالتها "شريهان" يعلو بنبرة يغلب عليها الضيق والعصبية:
-انتي يا هانم واقفة سرحانة وسيباني اتنيل على عيني، بقالي ساعة بناديكي عشان عايزة المقشة!
ارتبكت "عائشة" للحظة وكأنها عادت من عالم بعيد، ثم سارعت تلتقط ما طلبته منها خالتها وقدمته لها، قبل أن تدير نظرة شاملة حول المكان، فكان الطابق السفلي قد تغير تمامًا؛ أصبح نظيفًا ومرتبًا على نحو يبعث في النفس شعورًا بالإنجاز، لذا ارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا حقيقية، وقالت بنبرة مفعمة بالحماس:
-كده، أنا ابقى جاهزة افتح العيادة، هطلع اغير هدومي، واروح أدور على حد يعملي يافطة احطها برة، وأروح أجيب الولاد.
هزت "شريهان" رأسها بتفهم، وقد بدت عليها علامات الإرهاق الشديد ثم أطلقت تنهيدة طويلة وقالت:
-ماشي، وأنا هطلع اعملكم الغدا، بعد ما اخلص على طول.
لم تنتظر "عائشة" أكثر من ذلك، بل اندفعت نحو الطابق العلوي بخطوات سريعة يغلب عليها الحماس، وكأنها تستعيد شيئًا فقدته منذ زمن، فكان في داخلها شعور متجدد بالأمل، ورغبة حقيقية في أن تبدأ من جديد، أن تصنع لنفسها مساحة مختلفة وحياة أكثر استقرارًا، أو على الأقل أقل اضطرابًا.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم توقفت لحظة تستجمع أنفاسها، قررت أن تبدأ بالاستحمام لتزيل عنها إرهاق الساعات الماضية، وكأنها تحاول أن تغسل معها بقايا القلق العالق في روحها، وما إن همت بالتوجه إلى دورة المياه، حتى صعد رنين هاتفها في أرجاء الغرفة قاطعًا سكونها.
التفتت نحوه وتناولت الهاتف ببطء، وما إن وقعت عيناها على اسم المتصل حتى انقبض قلبها دون إرادة، فكان المتصل عمها، تجمدت للحظة وراحت تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يتوقف الرنين من تلقاء نفسه، فتسلل القلق إلى ملامحها وانطلقت أفكار كثيرة تتزاحم في ذهنها؛ تساؤلات بلا إجابة، وتوقعات لا تبشر بالخير.
لكنها وبعد تردد قصير زفرت ببطء، ثم تجاهلت الاتصال تمامًا وألقت الهاتف جانبًا، ثم اتجهت بعدها إلى دورة المياه وقد قررت أن تمنح نفسها بعض الهدوء أولًا قبل أي شيء.
***
انطلقت "عائشة" تجوب أرجاء الوادي جيئة وذهابًا، تتنقل بين الأزقة الضيقة والطرقات الترابية، تبحث بعينين متطلعتين عن رجل يصنع لها يافطة تضعها أمام عيادتها، كانت تسأل هذا وذاك وتستوقف المارة بنبرة يغلب عليها الأمل، إلا أن محاولاتها الأولى لم تُثمر عن شيء، مما بدأ يُشعرها بشيء من الإرهاق والتشتت.
ومع ذلك لم تستسلم، فواصلت السؤال بإصرار، حتى دلها أحد الرجال على شخص يعمل في هذا المجال، وبدأ يصف لها موقع محله بدقة، فاستمعت إليه باهتمام ثم شكرته وانطلقت مسرعة وفق الإرشادات التي أعطاها لها، وكأنها تخشى أن تضيع الفرصة مرةً أخرى.
وبعد دقائق من السير لمحت المحل أخيرًا، كان بابه مفتوحًا وبعض الأعمال معلقة على الجدران من الخارج، مما بعث في نفسها شعورًا بالارتياح، تنهدت بعمق وكأنها تخلصت من عبء ثقيل، ثم دخلت بخطوات واثقة وابتسامة صافية تزين وجهها:
-السلام عليكم، لو سمحت...
رفع الرجل رأسه نحوها وما إن رآها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب، وأشار بيده أن تتقدم إلى الداخل، امتثلت لإشارته واقتربت أكثر، ثم قالت بصوت هادئ يحمل طابع الجدية:
-كنت محتاجاك تعملي يافطة احطها على باب بيتي، و....
لكن كلماتها توقفت فجأة إذ انتبهت إلى صبي صغير يقترب من الرجل على استحياء، ثم مال نحوه وهمس له ببضع كلمات خافتة لم تتمكن من تمييزها، إلا أن أثر تلك الكلمات كان واضحًا على الفور؛ إذ تغيرت ملامح الرجل بالكامل، وانطفأت ابتسامته لتحل محلها نظرة ضيق وامتعاض،
فاعتدل في وقفته، ثم قال بحدة ممزوجة بالغيظ:
-امشي الله يسهلك يا ست، أنا بطلت الشغلانة دي.
رمشت "عائشة" بأهدابها في دهشة واضحة، وقد بدت على وجهها علامات عدم الفهم، نظرت إليه لثوان وكأنها تحاول استيعاب ما قاله، ثم ألقت نظرة سريعة حولها، لتجد المحل مليئًا بأعمال مختلفة، ولا تزال آثار العمل بادية في كل زاوية، عادت تنظر إليه وقالت بنبرة لا تخلو من سخرية خفيفة:
-ما انت شغال اهو، وبعدين انت حتى مسألتنيش أنا عايزة إيه ولا فهمت حاجة؟!
ارتفعت نبرة الرجل واشتدت قسوته، وقد غلف صوته غلظة فجة وهو يقول بحدّة مستفزة:
-أنا حر يا ستي، اعملك معملش أنا حر، اطلعي برة أحسنلك.
اشتعلت عينا "عائشة" بغضب مكتوم، وتسارعت أنفاسها وهي تحدق فيه بعدم تصديق، ثم ردت بنبرة حادة لا تخلو من انفعال:
-هو إيه أحسنلك؟ أما انت راجل قليل الأدب بصحيح، انت بتكلمني ليه كده؟
لم يحتمل الرجل اعتراضها، فامتدت يده إلى عصا كانت قريبة منه، وأمسك بها بعنف ثم أخذ يدفعها بها نحو الخارج في حركة مهينة، وهو يقول بتهديد شرس:
-أنا قليل الأدب، هستنى إيه من واحدة من عيلة السوالمي، عيلة *****، عيلة مفيهاش راجل يعرف يربي بناتهم، والله لو ما بعدتي عني هكسر العصاية دي عليكي.
اشتعل الغضب داخل "عائشة" كالنار، فلم تتراجع بل أمسكت بالعصا محاولة إيقافه، وقالت باندفاع وغيظ ظاهر:
-انت متقدرش تعملي أي حاجة، وأنا هعرف أخد حقي منك كويس اوي.
لكن الرجل جذب العصا منها بعنف أكبر، ثم دفعها بقوة أخرى أصابت يدها، فتفاجأت بألم حاد اجتاحها فجأة، كتمت صرختها بصعوبة بينما واصل تهديده أمام أعين الجميع:
-حق؟ ألا هو انتي ماتعرفيش إن أي حد من عيلة السوالمي مبقاش له حق في الوادي، مين هيقف معاكي ووادي العرين كله من كبيره لصغيره بيكرهكوا ويتمنوا موتكم؟! اوعي تكوني فاكرة إن ممكن حد يدافع عنك أو يقف قصادي تبقي غلطانة.
تجمدت للحظة وكأن كلماته سقطت فوقها كالصاعقة، نظرت حولها بعينين دامعتين، تبحث عن وجه متعاطف، أو حتى نظرة استنكار لما يحدث، لكنها لم تجد سوى وجوه جامدة، تحمل في طياتها كرهًا دفينًا، وصمتًا أقسى من الإهانة نفسها.
لم يتقدم أحد ولم يعترض أحد، فشعرت بوحدة خانقة تلتف حولها، فجمعت شتات نفسها بصعوبة، ووضعت يدها فوق الأخرى لتكتم ألمها، بينما انسابت دموعها دون مقاومة، لم تعد تقوى على البقاء أكثر، فاستدارت بخطوات متعثرة، وقد اتخذت قرارها بالتوجه إلى "عاصم".
كان هو الملاذ الأخير الذي خطر ببالها، اندفعت في الطرقات مسرعة تتخبط أحيانًا، وتضيع في بعض الأزقة التي لم تألفها جيدًا، فكان الخوف يتسلل إلى قلبها كلما فكرت في أن تسأل أحدًا آخر، خشية أن تلقى نفس المعاملة أو ما هو أسوأ، تذكرت ما حدث قبل لحظات فانقبض قلبها بشدة، وتدفقت دموعها مجددًا، هذه المرة ممزوجة بالخوف والحزن معًا.
توقفت للحظة تلتقط أنفاسها، وقد تسلل إليها شك موجع، ماذا لو كان "عاصم" مثلهم؟ ماذا لو خذلها هو الآخر؟
لكنها سرعان ما هزت رأسها بقوة، كأنها ترفض هذا الاحتمال رفضًا قاطعًا، لا عاصم ليس مثلهم.
فرغم صلابته الظاهرة، إلا أنها رأت فيه شيئًا مختلفًا، رحمة خفية حتى وإن حاول إخفاءها. أقنعت نفسها أن وقوفه إلى جانبها وحده يكفي، وأنه لن يسمح بما حدث أن يمر دون رد،
واصلت سيرها حتى وصلت أخيرًا إلى قصره العتيق، توقفت أمامه لحظة تتأمل ضخامته، وشعور بالرهبة يتسلل إلى داخلها، ترددت في الاقتراب من الحراس، لكنها فوجئت بهم يفسحون لها الطريق باحترام واضح، دون أن يوقفها أحد أو يسألها.
دخلت إلى الداخل وهي تحاول مسح دموعها بسرعة، خشية أن يراها طفلاها بهذا الشكل فيفزعا، وقفت في البهو الواسع والمهيب، فبدأت تبحث بعينيها عنهما حتى وصل إلى سمعها صوت ضحكاتهما وصراخهما المرح من الحديقة.
توقفت في مكانها مترددة لم تشأ أن تظهر أمامهما بهذه الهيئة المنكسرة، وفي تلك اللحظة، لمحت "نادرة" تعبر أحد الممرات الجانبية، فسارعت بندائها وقد امتزج في صوتها الرجاء بالتعب:
-نادرة لو سمحتي؟
عادت "نادرة" بخطوات متراجعة وهي تستجيب للصوت الذي ناداها، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة لبقة استعدادًا لاستقبال "عائشة"، إلا أن تلك الابتسامة ما لبثت أن تلاشت تمامًا حين وقعت عيناها على هيئتها المنكمشة ودموعها التي لم تستطع إخفاءها، فانعقد القلق في ملامحها سريعًا، وقالت بنبرة مشوبة بالاهتمام:
-اهلاً يا دكتورة، انتي كويسة؟
خفضت "عائشة" رأسها تحاول عبثًا السيطرة على ارتجاف صوتها، وقالت بصوت مهزوز يكاد ينكسر:
-اه، هو....عاصم فين؟ والولاد؟
أجابت "نادرة" بهدوء لم يخفِ قلقها المتزايد، بينما كان الفضول يلح عليها بقوة:
-عاصم باشا في مكتبه جاله شغل ضروري ومعاه ناس جوه، والولاد بيلعبوا بالألعاب الجديدة اللي جابها عاصم باشا، بس انتي مش كويسة يا دكتورة؟
لم تستطع "عائشة" التماسك أكثر من ذلك؛ إذ اندفعت دموعها بغزارة وشعرت بقهر مرير يعتصر قلبها، فخرجت كلماتها متقطعة مثقلة بالألم:
-هو أنا لو عايزة اشتكي على حد آذاني أروح لمين؟ او فين قسم الشرطة؟
اتسعت عينا "نادرة" في استنكار ودهشة، وانتقلت نظراتها سريعًا إلى يد "عائشة"، حيث لاحظت التورم الخفيف والاحمرار الذي لم يخفَ رغم محاولتها إخفاءه، اشتد قلقها وقالت باندفاع واضح:
-قولي لعاصم باشا طبعًا، ثواني أعرفه بوجودك.
لم تنتظر ردًا بل اندفعت بخطوات سريعة نحو مكتب "عاصم" طرقت الباب طرقًا خفيفًا، ثم دخلت دون انتظار الإذن، في تصرف نادر منها.
*في الداخل*
كان "عاصم" يجلس خلف مكتبه، تحيط به أجواء من الجدية والصرامة، وأمامه رجلان من كبار أعيان الوادي، يتبادلون حديثًا بدا مهمًا، ما إن دخلت "نادرة" حتى رفع "عاصم" عينيه نحوها بنظرة حادة تحمل استنكارًا واضحًا لجرأتها، بينما التفت إليها "فايد" بنظرة غاضبة مشوبة بالتحذير.
ساد الصمت للحظة وقد انقطع الحديث فجأة، والتفتت الأنظار كلها نحوها، لكن "نادرة" تجاهلت كل ذلك بثبات نادر، وكأنها تدرك تمامًا أن ما جاءت من أجله لا يحتمل الانتظار، فتقدمت بخطوات سريعة نحو "عاصم"، الذي كان لا يزال يرمقها بنظرة مشتعلة، ثم مالت نحوه قليلًا وهمست بصوت عاجل:
-الدكتورة هنا وشكلها معيطة وفي حد اتعرضلها وآذاها.
قبض "عاصم" يده بقوة حتى برزت عروقها، وعيناه مثبتتان على "نادرة" في صمت مخيف، ثم حوّل بصره فجأة نحو الرجلين الجالسين أمامه، وقال بنبرة حادة تحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
-هنكمل كلامنا بعدين.
ثم أشار بإصبعه في كبرياء واضح نحو الباب، في إشارة صريحة لإنهاء الاجتماع، تبادل الرجلان نظرات متعجبة؛ فذلك لم يكن من طبع "عاصم" أن يترك عملًا قبل أن يُتمه، لكن عودة نظراته إليهما، بتلك الشراسة الكامنة جعلتهما ينهضان فورًا دون جدال، تبعهما "فايد" وهو يلقي نظرة أخيرة متسائلة قبل أن يغلق الباب خلفه.
ما إن خلا المكان حتى اندفع "عاصم" إلى الخارج بخطوات سريعة يبحث بعينيه عنها في أرجاء البهو، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى لمحها؛ كانت تجلس في زاوية بعيدة، على درج جانبي تحاول أن تخفي نفسها عن أعين طفليها حتى لا يرياها بتلك الحالة المنكسرة.
اقترب منها مسرعًا وانحنى بجسده الطويل أمامها، محاولًا أن يخفف من حدة صوته التي لم يستطع إخفاءها بالكامل:
-عائشة انتي كويسة؟
كانت تجلس منكسة الرأس، وما إن سمعت صوته حتى رفعته بسرعة وكأنها تعلقت به كطوق نجاة، فكانت دموعها لا تزال تنحدر، فاشتدت ملامحه على الفور وتراجع خطوة صغيرة، وقال بنبرة غليظة تخفي خلفها غضبًا متصاعدًا:
-مين زعلك؟
نهضت "عائشة" ببطء وصوتها يحمل حزنًا واضحًا، بينما كانت تمسح دموعها بيد، وتضم الأخرى إلى بطنها في محاولة لكتم الألم، لم يغب ذلك عنه؛ فقد لاحظ حركتها فتجهم وجهه أكثر، واشتدت عضلات فكه وهو يراقبها في صمت متوتر، فقالت بصوت خافت:
-ممكن ندخل في أي مكان، عشان الولاد ميشوفنيش وأنا كده.
أشار لها فورًا نحو مكتبه فتقدمت بخطوات متعجلة، وهو خلفها وما إن دخلا حتى أغلق الباب، ثم توجه مباشرة إلى أحد الأدراج، وأخرج علبة إسعافات أولية، عاد إليها بخطوات ثابتة وجلس بالقرب منها، ثم أمسك بيدها رغم محاولتها سحبها، وبدأ يتفحصها بدقة.
كانت الكدمة واضحة ومتورمة، فارتفع صوت أنفاسه قليلًا، دلالة على الغضب الذي بدأ يفلت من عقاله، رفع عينيه إليها فجأة وقال بصوت غليظ:
-مين عمل فيكي كده؟
لم تتمالك نفسها أكثر فانفجرت بالبكاء، وقالت بين شهقاتها:
-واحد قليل الأدب طلبت منه يعملي يافطة عشان عيادتي، فجأة اتهجم عليا وقعد يسمعني كلام زي السم لمجرد إني من عيلة السوالمي، وهددني وزقني بالعصاية في إيدي وأنا معملتش فيه أي حاجة؟
توقفت لحظة تحاول السيطرة على بكائها، ثم رفعت عينيها إليه وقد غلب عليها الضعف والقهر، وقالت بصوت منكسر:
-عاصم هو عيلتي عملت إيه بالظبط، الناس كلها هنا بتكرهني وبيعاملوني وحش، نظراتهم ليا وكأنهم...كأنهم عايزين يقتلوني.
ربت فوق يدها المصابة برفق غير معتاد منه، وكأن تلك الحركة خرجت منه دون تفكير، ففاجأته قبل أن تفاجئها، فكان في لمسته حنو خافت، اكتشفه في نفسه للمرة الأولى، وهو يقول بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
-محدش يقدر يعملك حاجة، متخافيش.
تعلقت عيناه بيدها الملفوفة وكأنها صارت محور تركيزه، بينما عادت هي تسأله بصوت مرتجف، تتخلله شهقاتها التي لم تهدأ بعد:
-هما أهلي عملوا إيه؟
تنهد بعمق وزفر أنفاسه ببطء، ثم خفض بصره كأنه يتجنب النظر في عينيها، فمد يده إلى علبة الإسعافات، وأخرج ضمادة أخرى وبدأ يلفها حول يدها بحذر شديد، كأنه يخشى أن يزيد ألمها ولو بلمسة عابرة.
في تلك اللحظة شعر بشيء غريب يتسلل إلى داخله؛ مزيج من الغضب والقلق والرغبة في الحماية، لم يكن معتادًا على ذلك ولم يكن يسمح لنفسه به من قبل، لكنه الآن ومعها لم يستطع إنكاره، فهمس بنبرة يغلفها الجمود، وكأنه يحاول أن يخفي ما وراءها:
-معملوش حاجة، متشغليش بالك بأي حاجة، ولما تعوزي حاجة بعد كده تعالي قوليلي وأنا هوفرهالك.
رفعت عينيها إليه وقد ارتسم الامتنان في نظراتها بوضوح، شعرت بشيء من الطمأنينة يتسلل إلى قلبها، فقط لكونه بجانبها ولأنها استطاعت أخيرًا أن تُفرغ ما في صدرها دون خوف، تنفست بعمق وقالت بصوت أكثر هدوءً:
-شكرًا يا عاصم، بس أنا عايزاك تروح معايا للراجل ده وتشوف هو عمل معايا ليه كده، وتجيب لي حقي منه.
أنهى لف الضمادة بإحكام، ثم رفع نظره إليها وقد عادت الصلابة إلى ملامحه، لكن هذه المرة كانت مصحوبة بثقة واضحة وقوة لا تقبل التردد:
-هجيبهولك لغاية عندك، وحقك هيجيلك، متشغليش بالك من أي حاجة، تمام؟
هزت رأسها بتفهم، وقد هدأت ملامحها قليلًا ثم نظرت إلى يدها الملفوفة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة، وقالت بنبرة يغلب عليها الامتنان:
-شكرًا يا عاصم، شغلتك معايا وجيت عطلتك على شغلك.
نهض من مكانه وقد استعاد صلابته المعهودة، واستعد للخروج ثم قال بجدية يغلب عليها طابع الأمر، لكنه حاول أن يلينها حتى لا يحزنها:
-اقعدي هنا، وهبعتلك عصير تشربيه، أول ما تخلصيه هتلاقيه جايلك لغاية عندك.
أومأت "عائشة" برأسها في طاعة هادئة، وقد بدت أكثر اطمئنانًا ثم التفتت لتراقبه وهو يهم بالمغادرة، لكنه لم يكد يخطو خطوةً واحدة، حتى أوقفته بصوت رقيق يحمل رجاءً صادقًا:
-عاصم لو سمحت لو لقيته تطاول عليك في الكلام خلاص سيبك منه، ومتدخلش معاه في جدال، عشان متتخانقش معاه والموضوع يوصل لخناقة وضرب.
كادت ابتسامة ساخرة أن ترتسم على شفتيه، لكنها تلاشت سريعًا؛ إذ كبحها وأخفى ما وراءها، ثم التفت إليها محاولًا أن يبدو متفهمًا وقال بنبرة هادئة:
-لا خناقة إيه؟ أنا هتكلم معاه بس!
ثم خرج من الغرفة بخطوات ثابتة، وأغلق الباب خلفه بهدوء قبل أن يتجه إلى البهو، حيث وجد "فايد" يقف إلى جانب "نادرة"، التي كانت على ما يبدو تروي له ما سمعته من "عائشة"، وما إن وقع بصر "فايد" عليه، حتى تحرك نحوه سريعًا، وقال بجدية واضحة:
-عرفت مين زعلها يا عاصم باشا؟
هز "عاصم" رأسه بإيجاب ثم قال بصوت منخفض، حاد كحد السكين:
-سمير اللي بيعمل اليفط هو الوحيد في الوادي اللي بيعمل يفط، لغاية ما هي تشرب العصير تكون ساحله وجيبه لغاية هنا.
أومأ "فايد" بطاعة وكاد ينصرف لتنفيذ الأمر، إلا أن "عاصم" أوقفه بنبرة أشد قسوة، وقد انعكست في عينيه لمعة تهديد صريحة:
-أنا مش هسكت على اللي حصل يا فايد، عشان لما قولت تخلي بالك من الدكتورة في غيابي يبقى تصحصح وتفوق رجالتك كويس، ومتسيبش كل من هب ودب يضايقها.
ارتبكت ملامح "فايد"، وارتعشت قليلًا تحت وطأة غضبه، فقد لمح في عينيه ذلك الوميض الذي يعرفه جيدًا ويدرك عواقبه، لكنه لم يعترض بل قال بصوت خافت يحمل الطاعة:
-اللي تشوفه يا عاصم باشا.
أما "عاصم" فظل واقفًا عند أعتاب بوابة قصره، عاقدًا ذراعيه وعيناه مثبتتان على مدخل الطريق المؤدي إليه، أخرج ساعته ونظر إليها ببرود ظاهري، بينما كان في داخله شيء آخر يتصاعد ببطء، غضب لم يهدأ بعد، فكان ينتظر وصول "سمير"، لكن ما ينتظره "سمير" نفسه لم يكن مجرد حديث.
***
كاد "سمير" يغلق محله حين فوجئ برجال "عاصم" يحيطون به من كل اتجاه، وكأنهم ظهروا فجأة ليغلقوا عليه الدائرة، تقدم "فايد" نحوه بخطوات ثابتة، ثم أشار بيده إلى رجاله فاندفعوا إليه في لحظة واحدة، وأمسكوا به دون إنذار قبل أن يجروه خارج المحل وسط ذهول مَن في الوادي جميعًا.
كانت الصدمة تعم المكان؛ رجل معروف بالهدوء والالتزام بقوانين الوادي، يُسحب بهذه الطريقة أمام الناس وكأن شيئًا لم يعد مفهومًا، لم يتركوه لحظة واحدة، فكان صراخه يعلو بين الأزقة ومحاولاته المتكررة للاعتراض أو الفهم تضيع وسط قوة الدفع التي لا تمنحه فرصة حتى لالتقاط أنفاسه، كان كل ما حوله يتحول إلى مشهد سريع وقاسٍ، يقوده نحو وجهة لا يعلم سببها.
وبسرعة وبأمر واضح من "عاصم"، تم اقتياده عبر طرقات الوادي حتى وصلوا إلى بوابة عائلة عزام، وهناك انقبض قلبه بشدة وشعر للمرة الأولى بأن الأمر تجاوز مجرد خلاف عابر، بدأ يتوسل بنبرة متقطعة يملؤها الخوف، طالبًا من "فايد" أن يرحمه أو على الأقل أن يشرح له ما ذنبه، لكن "فايد" لم يلتفت لتوسلاته ودفعه بقوة ليسقط أمام حضور "عاصم".
وقف "عاصم" لثوانٍ يرمقه من الأعلى، نظرة مليئة بالهيبة والغرور، بينما لم يجرؤ "سمير" حتى على رفع رأسه دون إذن، فكان الخوف قد سكنه بالكامل، ثم حدث ما لم يتوقعه أحد، انحنى "عاصم" فجأة نحوه، ومد يده ليساعده على الوقوف وكأن الوضع انقلب تمامًا، قبل أن ينفض الغبار عن ثيابه بهدوء بارد، ويهندم مظهره، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
-ادخل واعتذر للدكتورة على اللي عملته.
رمش "سمير" بعدم فهم وتيه، وكأن الكلمات لم تستقر في عقله بعد، اقترب "فايد" منه خطوة، وقال بكلمات مقتضبة حاسمة:
-الدكتورة عائشة السوالمي اللي انت زعقتلها وزعلتها، ادخل اعتذرلها من غير كلام كتير يلا.
فتح "سمير" فمه وكأنه يريد الاعتراض أو الاستفسار، ليس عن خطأه تحديدًا، بل عن سبب هذا الاهتمام كله بفتاة من عائلة السوالمي أساسًا، لكن دفعة "فايد" الخفيفة نحو الداخل أغلقت باب الأسئلة في ذهنه قبل أن تبدأ.
تحرك معهم بخطوات متسارعة، يجره التوتر قبل أن يجره الواقع، حتى دخل الغرفة خلف "عاصم"، فتوقف للحظة ينظر إليها باستنكار.
فكانت "عائشة" تجلس على الأريكة، تمسك بكوب عصير بين يديها، بهدوء غريب لا يوحي أنها منذ قليل كانت في قلب أزمة، بدا الوضع كله له مربكًا؛ كأنها في مكان أعلى من كل ما حولها، أو كأنها ببساطة استعادت توازنها في وقت أسرع مما توقع، خفض رأسه فورًا وانتظر إشارة "عاصم"، الذي التفت إليها وقال بهدوء محسوب:
-سمير عرف غلطه وجاي يعتذرلك بنفسه على اللي عمله.
رفع "سمير" رأسه بسرعة وقال بتوتر واضح:
-حقك عليا يا دكتورة.
لكن "عاصم" لم يكتفِ بذلك، بل تقدم خطوة وأخذ العصا من أحد رجال الحراسة، ثم اقترب منها في حركة مفاجئة جعلت التوتر يتصاعد في الغرفة، وقال بصوت حاد مباشر:
-اضربيه زي ما فكر إنه يلمسك.
اتسعت عينا "سمير" بفزع واندفع يبرر بسرعة:
-لا أنا مضربتهاش....أنا أنا...
ثم خفت صوته واعترف مضطرًا:
-أنا زقيتها بس.
ساد صمت لحظة، قبل أن تتحرك "عائشة" بسرعة نحو "عاصم"، وملامحها تجمع بين الخوف والارتباك، وقالت بصوت منخفض:
-لا أنا لا يمكن اضربه، عفا الله عما سلف، وبعدين أنا غلطت بردو وشتمته.
رفع "عاصم" حاجبيه قليلًا في دهشة، وسألها بخفوت:
-قولتيله إيه؟
زمت شفتيها بندم واضح، وقالت بصوت خافت:
-قولتله يا قليل الأدب، بس أنا مكنتش اقصد اشتمه والله هو استفزني بس.
ساد صمت قصير مجددًا، قبل أن يلتفت إليها "عاصم" فجأة، وتغيرت نبرته إلى صرامة مشوبة بحماية جارفة:
-قليل الأدب بس!
اقترب خطوة وكأن صوته يضغط على كل شيء حوله بما هي أيضًا ويدفعها للانتقام:
-كان مفروض تمسكي جزمتك وتديله بيها فوق راسه.
ثم توقف لحظة قبل أن يكمل بنبرة ثابتة لا تحتمل التراجع:
-من النهاردة أي حد يفكر يقرب منك أو يلمسك من غير إذنك، اضربيه ومتخافيش، محدش في الوادي كله أو غير الوادي هيقدر يلمسك طول ما أنا موجود.
تعلقت نظراتها به وهو يهتف بكلماته بنبرة شرسة حادة، كأنها سيوف تُشهر في وجهها بلا رحمة، لم تحتمل ذلك الوهج العنيف المنبعث من عينيه، فتراجعت إلى الخلف خطوة مترددة، وقد ارتسم الخوف واضحًا على ملامحها المرتجفة، فكانت أنفاسها تتسارع وصدرها يعلو ويهبط وكأنها تحاول النجاة من عاصفة مباغتة.
عند تلك اللحظة بدا وكأن شيئًا خفيًا قد ارتد في داخل عاصم فتراجع عما كان يعتزم الإقدام عليه، وكأن إرادة الانتقام التي اشتعلت في داخله منذ لحظات قد خمدت فجأة، فابتسم ابتسامة مقتضبة لا تحمل من الدفء شيئًا، وقال بنبرة بدت متصنعة الهدوء:
-بس زي ما أنتي قولتي عفا الله عما سلف...
ثم أدار وجهه نحو سمير الذي كان يراقب الموقف باندهاش لا يقل عن دهشة فايد الواقف إلى جواره، فكانت الحيرة تسيطر عليهما خاصة حين تكلم عاصم بصوت عادي لا يوحي بما يضطرب في داخله:
-امشي يلا الله يسهلك.
لم ينتظر سمير كثيرًا فسارع إلى الخروج بخطوات متلاحقة، وقد أُفرج عنه بهذه السهولة التي بدت له غير منطقية على الإطلاق، فكان عقله يضج بالأسئلة، لكن إحساس النجاة غلب كل شيء، فانطلق مغادرًا وكأنه يهرب من مصير مجهول، أما عاصم فقد التفت إلى عائشة وألقى عليها ابتسامة خاطفة، وقال:
-ثواني، عشان محدش من الرجالة اللي برة تضايقه.
أومأت برأسها في تفهم، ورسمت على شفتيها ابتسامة رضا، استقبلها هو بنظرة متحفظة، اختلط فيها الاستنكار بشيء من السخرية التي حاول إخفاءها من سذاجتها الظاهرة، ثم انطلق مسرعًا يتبعه فايد، خلف سمير الذي كان يبتعد بخطوات متعثرة، كجرو صغير أفلت لتوه من قبضة كادت تودي به.
لكن عاصم لم يترك له فرصة النجاة، في لحظات قليلة لحق به وانقض عليه من الخلف، قابضًا على ثيابه بقوة أعادته إلى الوراء، ارتجف جسد سمير بعنف وارتفعت نبرته المرتعشة وهو يقول:
-في إيه يا عاصم باشا؟ هي مش الدكتورة سامحتني!
مط عاصم شفتيه قليلًا، كأنه يفكر في إجابة يعرفها جيدًا، ثم قال بهدوء غريب، تتسلل منه نبرة منخفضة تحمل تهديدًا خفيًا:
-هي سامحتك، أنا فين حقي؟ أنت لمست حد يخصني!
اتسعت عينا سمير بصدمة حقيقية، وقال متلعثمًا:
-أنا مجرؤش ألمس حد يخصك يا باشا.
رد عاصم بثبات بارد:
-لا لمست الدكتورة.
ازداد اضطراب سمير وقال محاولًا التبرير:
-هي الدكتورة تخصك؟ يا عاصم باشا أنا لما عاملتها كده أنا معرفش إن هي تخصك، العهد بيقول مفيش بينا وبينهم تعامل، وهي جاية بكل جراءة تطلب مني يافطة، وهي بنت عيلة السوالمي اللي غدرت زمان بالوادي انت ناسي ولا إيه؟
أجابه عاصم ببرود قاتل:
-لا مش ناسي، بس أنا اتعودت من أهل الوادي إنهم أذكية، متعودتش اتعامل مع واحد غبي، يعني بتفكيرك ده، أنا هسمح لحد من عيلة السوالمي إنه يقعد في الوادي إلا إذا كان يخصني ويخصني أوي كمان، هو في حد بيتنفس نفس هنا في الوادي من غير إذني.
خفض سمير رأسه وقال بسرعة طالبًا مسامحته:
-صح يا باشا، خلاص سماح المرادي.
لكن عاصم قطب جبينه قليلًا، وقال بنبرة حاسمة:
-متعودتش اسامح في حقي يا سمير...
ثم التفت إلى فايد وقد استعاد صلابته المعهودة، وقال بصرامة:
-انت عارف شغلك يلا، ومن غير شواشرة، مش عايز نفس يطلع، عشان الدكتورة والولاد ميضايقوش.
لم يمهله أكثر من ذلك، ترك سمير بين أيدي رجال فايد، الذين انقضوا عليه في لحظة، يجرونه نحو الجناح الغربي للقصر، ذلك المكان الذي يسميه أهل الوادي بالجحيم، كانت أيديهم قوية قاسية، كمموا فمه بإحكام حتى لا يخرج منه صوت، تنفيذًا لأوامر سيدهم.
أما عاصم فقد وقف لحظة يراقبهم بعينين خاليتين من الرحمة، ثم ألقى أوامره الأخيرة إلى فايد قبل أن يعود أدراجه نحو عائشة:
-الدكتورة ناوية تفتح عيادتها قريب، مش عايز بشر من الوادي يروحلها لغاية ما تزهق وتقفلها.
ألقى أوامره وغادر بخطوات هادئة متأنية، يختال في مشيته كطاووس يدرك تمامًا هيبته ومكانته، دون أن يلتفت خلفه أو يعبأ بما تركه وراءه، لم تكن أوامره تلك نابعة من قسوة خالصة كما قد يظن من يراه، بل كان في أعماقه دافع آخر، أكثر خفاء وتعقيدًا؛ خوف حقيقي على عائشة من طبيعة أهل الوادي، فهو أعلم الناس بهم يعرف قسوة قلوبهم، وحدة طباعهم، وغلظة ردود أفعالهم التي لا تعرف اللين ولا التمهل.
أما هي فكانت على النقيض تمامًا؛ لينة القلب وشفافة الروح، تحمل في داخلها قدرًا كبيرًا من الطيبة والبراءة، يجعلها غريبة عن هذا العالم الخشن، بل وغير قادرة على التكيف معهم، حتى وإن حاولوا هم التظاهر باللطف من أجله، لكنه ورغم كل شيء لم يكن يثق في الجميع، ولم يكن ليضمن كيف قد يتصرف أحدهم في غيابه، لذلك كان قراره حاسمًا لا يقبل التراجع، لن يتركها عرضة لهم مهما كلف الأمر.
وحين عاد إلى قصره لم يكن المشهد الذي استقبله متوقعًا على الإطلاق، فقد وجدها في الحديقة تشارك أطفاله اللعب بمسدسات المياه، تضحك معهم بمرح صادق، وقد عادت الحياة إلى وجهها بقوة، وكأنها تخلت للحظات عن كل ما أحزن روحها سابقًا، فكانت المياه تتناثر في الهواء، وأصوات الضحك تعلو بلا قيود تملأ أرجاء المكان بحيوية غريبة عن ذلك القصر.
توقف يراقبهم من بعيد وارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا هادئة، رغم أن هذا الصخب كان يخالف تمامًا قواعد القصر الصارمة، فالهدوء والصمت هما سيدا المكان، وهو يعشق ذلك السكون المهيب ولا يأنس إلا به، أو بصوت أغاني جورج وسوف التي اعتاد أن تملأ وحدته، وسكينته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد.
لكن على غير عادته لم ينزعج هذه المرة، انتبهت عائشة لوجوده فتقدمت نحوه بخطوات سريعة، وابتسامة عريضة تزين وجهها، وقالت بامتنان صادق:
-شكرًا جدًا يا عاصم بجد، حقيقي مش عارفة أرد جمايلك ازاي، بس انت طلعت مسيطر هنا وأنا معرفش.
نظر إليها لحظة ثم قال بنبرة هادئة يغلب عليها الطابع الرسمي:
-الوادي كله تحت أمرك يا دكتورة.
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بنبرة تحمل شيئًا من العتب اللطيف:
-إيه ده! إيه الرسمية دي؟! هو أنا ضايقتك في حاجة؟
هز رأسه سريعًا وقال مترددًا قليلًا:
-لا أبدًا، أنا...اللي عايز اقوله، اعمليه اللي انتي عايزاه ومتخافيش أنا في ضهرك ومعاكي.
اتسعت ابتسامتها وقالت بإخلاص:
-انت شخص محترم ونبيل بجد، ربنا يباركلك يا رب، المهم ينفع آخد الولاد وأروح عشان خالتو عملت الغدا ولو اتأخرنا هتقعدنا على السلم.
تردد لحظة ثم قال بشيء من الضيق:
-أنا كنت بفكر تتغدوا معايا هنا!
عضت على شفتيها قليلًا بحرج ثم قالت:
-أمممم، ما هو... طيب بص إيه رأيك تتغدا معانا النهاردة، واهو بالمرة تشوف العيادة وتقولي رأيك.
كان حماسها واضحًا وربما مفرطًا، الأمر الذي أثار في داخله ضيقًا خفيًا، لكنه لم يُظهر ذلك، وما زاد دهشته حقًا أنها التفتت إلى أطفاله وأخبرتهما بحماس أن والدهما سيشاركهما الغداء، وكأن الأمر قد حُسم دون الرجوع إليه،
ثم عادت تنظر إليه وقالت بابتسامة مشرقة:
-يلا بينا عشان منتأخرش.
لم يجد فرصة للاعتراض، فغادروا القصر معًا واتجه هو نحو سيارته إلا أنها أوقفته قائلة بخجل رقيق:
-ممكن نتمشى لغاية بيتي، أنا عايزة أحفظ الطريق وكمان الولاد يحفظوه.
توقف لثوانٍ كأنه يفكر في طلبها، وقبل أن يرد لم تمنحه هي الوقت إذ أغلقت باب السيارة برفق، وأشارت إليه أن يتقدم وقالت بحماس طفولي:
-يلا بينا.
زفر بضيق خافت ثم سار إلى جوارها على مضض، وما إن بدأوا السير حتى توقفت الصغيرة ليلة وفتحت ذراعيها نحوه قائلة بدلال:
-بابا شيلني مش قادرة امشي.
ضحك عمر ساخرًا بنبرته الطفولية وهو يمسك بيد والدته:
-ابقي اشربي اللبن زي ما ماما بتقول عشان تبني عضلات وتبقي قوية.
لم يجد عاصم مفرًا فانحنى وحملها بين ذراعيه، فنظرت إلي أخيها من أعلى تحاول كتم ضحكتها ثم قالت:
-ايوه انت صح، عشان انت كده أقوى مني.
ثم اقتربت منه قليلًا وهمست له وهو ينصت بفضول حقيقي:
-ريح دماغك على طول زيي، أي حد يقول أنا حلو أنا صح أنا قوي، قوله اه واعمل اللي انت عايزه.
توقف عن السير لحظة ونظر إليها بدهشة:
-انتي مين قالك الكلام ده؟!
أجابته بثقة بريئة:
-تيتة شريهان.
ابتسم رغمًا عنه ابتسامة لم يستطع منعها، وهو يواصل السير وقد تسللت إلى داخله مشاعر غريبة لم يعتدها مشاعر خفيفة ودافئة، تشبه الحياة التي لم يعرفها من قبل ولم يسمع بها إلا من أفواه مَن يملكون معنى للسعادة وراحة البال.
***
ابتسامته لم تكن تضاهي ابتسامة أي طفل من قبل، وسعادته وهو يركض هنا وهناك لم تكن كسعادة أي طفل آخر؛ فقد كان يركض وكأن العالم كله فُتح له دفعة واحدة، وكأن الهواء نفسه صار أخف حين يمر بجانبه، كانت معه حبيبة قلبه وعشقه....والدته التي تجلس في الحديقة تفترش العشب الأخضر بفستانها الزهري الهادئ، كأنها زهرة أكبر من كل الزهور، تحيطها هالة من الطمأنينة لا تُشبه أحدًا.
خصلات شعرها البنية الطويلة تنسدل على كتفيها بانسيابية، وابتسامتها الراقية لا تخطئها عين، ابتسامة امرأة لا تُشبه سواها؛ امرأة تُدعى "نجمة رشيد"، ابنة الحسب والنسب، ذات الأصول العريقة التي كانت تُذكر في المجالس بوقار، وكأن حضورها وحده كافٍ ليمنح المكان اتزانًا خاصًا لا يُفسر، لم يكن في مثلها أحد ولا في ملامحها، ولا في طبعها الذي يجمع بين الرقة والقوة في آنٍ واحد.
كان موسى يركض أمامها بكرة صفراء صغيرة، يطاردها بين العشب والهواء بينما عيناها لا تفارقان خطواته لحظة، تلاحقهما بخوف أم لا يهدأ قلبها مهما رأت من طمأنينة، فكان قلبها يرتجف مع كل قفزة، وكأنها ترى السقوط قبل وقوعه،
حتى قالت بصوت ناعم مغمور بالحنان:
-حبيب القلب براحة هتقع.
التفت إليها مسرعًا وقد ارتسم على وجهه شيء من الانزعاج الطفولي، وقال بصوت ممتزج بالرجاء والضيق:
-ماما متقوليش حبيب القلب دي تاني، أحسن العيال يسمعوها ويتريقوا عليا.
اتسعت عيناها عتابًا ليس عتاب قاسٍ، بل عتاب يقطر رقة ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تقترب منه، وتمسح بخفة على خصلات شعره الناعمة:
-ما أنت حبيب القلب والعين، وهفضل أقولك موسى حبيب القلب طول عمري.
صمت للحظة كأنه يقاوم شعورًا داخليًا لا يعرف كيف يترجمه، ثم استدار عائدًا إلى لعبه، ولكنه كان قد خفف من غضبه أمام حنان والدته، لكن الهواء لم يبقَ هادئًا طويلًا،
إذ فجأة ظهر والده من العدم تقريبًا بخطواته ثقيلة ونظراته حادة، وقبل أن يدرك موسى ما يحدث، كان الدفع القوي قد أطاح به أرضًا، ارتطم جسده الصغير بالعشب بخشونة، فانطلقت منه صرخة غاضبة ممزوجة بالألم:
-انت وقعتني وعورتني ليه، زقتني على الشوك.
في لحظة انقلب كل شيء، ركضت والدته نحوه بسرعة، فستانها الزهري يتحرك خلفها كظل وردي مضطرب، وملامحها التي كانت هادئة قبل لحظات تحولت إلى قلق واضح، فانحنت بجواره وعيناها امتلأتا بعتاب موجوع، وصوتها خرج أهدأ مما يحتمل الحزن:
-كده يا موسى في ولد جميل يعامل والده بالشكل ده، أنا ربيتك على كده يا حبيبي لا أنا زعلانة منك أوي..
كانت كلماتها تسقط عليه كقطرات ثقيلة، لا تؤلم بقدر ما تُربك قلبه الصغير، شعر للحظة أن العالم ضاق به وأن السعادة تغيرت طعمها، وأن ابتسامتها التي كان يعيش عليها بدأت تبتعد، ثم بدأ كل شيء يتشوش.
تباعدت الألوان من حوله، اختلط الأخضر بالرمادي والضياء بالظلال، وكأن الحديقة الجميلة انقلبت إلى لوحة مشوشة لا معنى لها، حتى الملامح تداخلت في بعضها، وبدأ وجه والدته يذوب وسط الألوان القاتمة شيئًا فشيئًا، حتى اختفت بالكامل، كأنها لم تكن موجودة من الأساس.
انتفض موسى من نومه فجأة وجسده مبلل بالعرق، وأنفاسه تتلاحق بعنف كأنه كان يهرب من شيء لا يُرى، جلس على فراشه، يضع يده على صدره محاولًا تهدئة قلبه الذي كان يضرب بقوة غير معتادة، ثم مرر أصابعه في خصلات شعره إلى الخلف بشرود وارتباك.
أدار رأسه ببطء نحو الطاولة المجاورة، حيث تقف صورة والدته داخل إطار صغير أنيق، وحدق فيها طويلًا، كأنما يبحث عن تفسير ثم قال بصوت خافت ممزوج بالعتاب:
-هو أنا كل ما ازعله هتيجلي في الحلم زعلانة مني.
ساد الصمت للحظات لم يقطعه سوى أنفاسه ثم زفر بقوة، نهض من فراشه بتثاقل واتجه إلى دورة المياه ليغسل وجهه، محاولًا أن يطرد بقايا الحلم من عينيه، لكن شيئًا بداخله كان قد استقر، فلم يعد يرى الحلم مجرد حلم، بل رسالة غامضة من قلب والدته الراحلة، وعلامة على حزن لم يستطع تحمله، لذلك حين خرج كان أول ما خطر بباله أن يبحث عن والده لا ليعاتبه بل ليُرضيه، فقط كي لا تغيب ابتسامة والدته عن أحلامه مرة أخرى.
***
وضع موسى يده أسفل ذقنه وهو يستمع إلى حديث ذلك الرجل الذي يجلس أمامه، فكانت ملامح الحزن ترتسم بوضوح على وجهه، ودموعه تنساب بهدوء، فأخذ يشرح بإخلاص بالغ مدى أهمية تلك الأرض بالنسبة له، وكيف أنها ليست مجرد قطعة تراب تُباع وتُشترى، بل إرث متجذر في روحه، توارثه عن أجداده أبًا عن جد، وشهدت سنوات عمره وأحلامه وذكرياته.
لكن موسى وقد بدا عليه الضيق ونفاد الصبر، قطعه بنبرة حادة يغلب عليها الحنق:
-اخلص أبويا عايز الأرض دي، وهو زعلان منى وأنا لازم أراضية بأي حاجة.
زمّ الرجل شفتيه في غيظ مكتوم محاولًا كبح جماح غضبه حتى لا ينفلت:
-يعني يا بيه تراضيه بحاجة متخصكش لامؤاخذة.
مال موسى برأسه إلى الجانب ونظر إليه نظرة باردة خالية من أي تعاطف، حتى بدت كأنها بلا روح أو ربما تحمل روحًا قاسية لم يعرف اللين طريقًا إليها:
-رشيد كلها تخصني، أنا مش جايبك هنا عشان أستأذنك انت غصب عنك هتبيع ليا.
استنكر الرجل حديثه واعتدل في جلسته محاولًا التماسك، ثم قال بإلحاح:
-يعني يا موسى بيه بقالي ساعة بحكيلك إن قلبي هيتقطع على أرض جدودي وعيلتي...
زفر موسى بقوة وقد ضاق ذرعًا بما يسمعه، وقال بنبرة تهديد مموهة بالسخرية:
-ما تفكك يا عم محمد من حواراتك دي عشان أنا مزاجي بايظ أصلاً، وبعدين هي الدموع دي قطرة اسمها إيه؟!
ابتلع الرجل ريقه بتوتر وحاول أن يثبت أمام نظرات موسى الماكرة التي كانت تستفزه عمدًا:
-قصدك إيه يا موسى بيه؟!
رمقه موسى بنظرة ضيقة وقال بخبثٍ واضح:
-قصدي إنك ممثل، وفاكرني مش عارف إنك عارض الأرض للبيع بس ناس تانية هتاخدها بسعر أعلى من اللي ابويا عرضه عليك.
حينها أدرك الرجل أن كل محاولاته للمراوغة لم تعد تجدي، فتحدث بصراحة عله يجد منفذًا:
-الصراحة أبوك فطس في سعر الأرض وحرام كده.
ابتسم موسى ابتسامة ساخرة وأجاب بمكر:
-أنا مزعله ومش هقدر أعلي في سعر الأرض، لازم اسمع كلامه واشتريهاله بنفس السعر اللي قال عليه، يرضيك أطلع عاق؟
تنهد الرجل بحنق وقال:
-طيب لا مؤاخذة هو انت مش عايز تشتريهاله عشان تراضيه ما تهزها شوية.
رد موسى ببرود ساخر:
-انت لو فيك حيل تهزها قوم وانا هتفرج، غير كده اللي عنده قلته وامضي يلا العقد عشان أنا هدفع فلوس من جيبي، مش كفاية دافع وخسران.
-يا موسى بيه...
-بقولك هدخل في عقوق والدين وأنا مش ناقص، امضي يا عم بقى زهقتني.
فتح الرجل فمه مرة أخرى برجاء يائس:
-يا موسى بيه.....
لكن كلماته توقفت فجأة حين رأى موسى يُخرج سلاحه الفضي بهدوء مخيف، ويضعه فوق المكتب أمامه، في تهديد صريح لا يقبل التأويل، عندها تلاشى ما تبقى من مقاومة داخل الرجل وسارع يقول بصوت مرتجف:
-فين القلم يا بيه، أنا عنيا ليك ولرضا الوالدين لامؤاخذة.
وقع الرجل العقد على مضض ثم نهض وهو يحمل حقيبة المال، وغادر المكان بخطوات بطيئة مثقلة بالحسرة، ولم تمضِ لحظات حتى دخل صالح، وقال بحذر:
-والدك منامش في البيت يا باشا، هو لم هدومه وراح عند عمتك يقعد عندها.
رفع موسى حاجبه باستغراب وزفر بضيق:
-رايح لعقربه تسخنه، هو محتاج أصلاً! هو والع خلقة، هات العقد ويلا أروح أصالحه..
غادر موسى مكتبه وملامح الغضب تسيطر على وجهه، وعيناه تخلو من أي أثر للراحة، كان يسير بخطوات سريعة، كأنما يطارد شيئًا بداخله حتى وصل إلى مدخل القصر،
وهناك توقفت خطواته فجأة.
رآها واقفة على العتبة تحمل حقيبتها الصغيرة، تنظر إليه بنظرة غريبة تجمع بين الخوف وشيء آخر لم يفهمه، فبدا عليها الإرهاق وكأن الأيام أثقلت كاهلها.
تحدثت بصوت مرتجف تحاول أن تثبته رغم ارتعاشه:
-ازيك يا بيه، مش انت قولتلي لو الست فايقة طردتني أجيلك، أنا جيتلك اهو شوف لي شغلانة عندك بقى.
-يعجبني فيكي إصرارك.