
مدّت رحيق يدها نحو القلادة… وفجأة…
أمسكتها وارتدتها سريعًا، وكأن شيئًا ما كان يدفعها لفعل ذلك دون وعي.
وفي اللحظة التالية، شعرت بتيارٍ غريب يسري في جسدها، كأن كهرباء قوية اخترقت عروقها.
اتسعت عيناها، ثم أغمضتهما بقوة.
لم تعد تسمع شيئًا…
لا أصوات… ولا أنفاس… ولا حتى دقات قلبها.
لم يبقَ سوى صوتٍ واحد فقط…
صوت القلادة…
كأنها تناديها.
وفجأة…
فتحت رحيق عينيها ببطء… لتجد نفسها في مكانٍ غريب…
مكان أشبه بالصحراء، ممتد بلا نهاية.
لم يكن هناك شيء سوى الرمال…
والشمس الحارقة…
والصمت.
وقفت رحيق في مكانها، وهي تدير عينيها حولها بتوترٍ واضح.
ـ رحيق : أنا فين؟… وإيه المكان ده؟!
حاولت أن ترى أمامها، لكنها لم تستطع جيدًا بسبب حرارة الشمس المرتفعة.
ـ رحيق : هو أنا… اتنقلت فين؟!
تقدمت خطوة للأمام، ثم رفعت يدها فوق عينيها لتحتمي من الشمس.
وفجأة لاحظت شيئًا بعيدًا…
طريق.
وقفت تحدق فيه للحظات، ثم تمتمت وهي تبتلع ريقها بخوف.
ـ رحيق : أمشي هناك… ولا أرجع؟
ـ رحيق : لا… أرجع إزاي أصلًا؟
ـ رحيق : خلاص… همشي وخلاص.
ثم بدأت تتحرك بخطوات مترددة نحو الطريق.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد قليل…
وصلت رحيق إلى مكان يشبه السوق الكبير.
كان مليئًا بالناس، والزحام، والأصوات.
لكن أكثر ما جعل قلبها يرتجف…
هو ملابسهم.
كانت قديمة جدًا…
وكأنها عادت إلى زمنٍ لا تعرفه.
رأت رجالًا يرتدون عباءات طويلة، ونساءً بملابس مختلفة تمامًا عن عصرها،
وفي كل مكان… حراس يحملون عصيًا حادة ويقفون بصرامة.
وقفت رحيق في منتصف المكان، وهي تنظر حولها بذهول.
ـ رحيق : هو أنا رحت فين؟… أنا مش فاهمة حاجة!
مرت بعض الفتيات من جانبها، وهن ينظرن إليها باستغراب واضح.
شعرت رحيق بأن مظهرها غريب بالنسبة لهم.
نظرت إلى ملابسهم، ثم نظرت إلى نفسها…
فشعرت بالخوف يزداد داخلها.
وفجأة…
قطع صوتٌ غليظ أفكارها.
ـ الحارس : إنتي!
إنتي مين؟ وبتعملي إيه هنا؟!
تراجعت رحيق خطوة للخلف، وعيناها مليئتان بالذعر.
ـ الحارس : عندك إذن؟!
لم تستطع الرد…
لم تفهم حتى ما الذي يحدث.
وفجأة…
استدارت رحيق وركضت بأقصى سرعتها.
ـ الحارس : وقفيييي!
ركض خلفها وهو يصرخ، بينما كانت رحيق تتفادى الناس بصعوبة.
كانت أنفاسها تتقطع، وقلبها يدق بجنون.
وفجأة…
اصطدمت بصندوقٍ خشبي كبير
شعرت بحرارة الدم تنساب على ذراعها.
نظرت سريعًا لتجد جرحًا واضحًا في يدها.
تألمت، لكنها لم تهتم…
وأكملت الركض.
وظلت تركض حتى وقفت فجأة أمام قصرٍ ضخم.
كان قصرًا كبيرًا للغاية…
بوابته عالية، وحراسه يقفون في صفوف.
وقفت رحيق أمامه وهي تلهث، ثم نظرت حولها بخوف.
ـ رحيق : اعمل اي ؟…
ثم حاولت الدخول سريعًا…
لكن الحراس أوقفوها، ووجهوا عصيهم نحوها.
ـ الحارس : امسكوها!
دي من برّه… مش من هنا!
وقفت رحيق وهي ترتجف، وأنفاسها لا تزال سريعة.
ـ رحيق : أنا آسفة والله… أنا جيت هنا بالغلط!
ـ الحارس : مش هتمشي من غير حساب.
ـ رحيق : والله همشي… بس سيبوني!
أنا مش هاجي هنا تاني!
نظر أحد الحراس لزميله، ثم قال بصوت منخفض:
ـ الحارس : نوديها للملك.
اتسعت عينا رحيق بصدمة.
ـ رحيق : للملك؟! لا… ليه؟!
أنا همشي والله!
حاولت أن تتحرك، لكن أحدهم أمسكها بقوة.
ـ الحارس : يلا… هاتوها!
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في جناحٍ كبير داخل القصر…
كان هناك شاب يقف أمام المرآة.
جسده قوي، وملامحه حادة، وشعره أسود كثيف كظلام الليل.
كان يضبط ملابسه بثقة، وكأن المكان كله خاضع لأمره.
فجأة…
دُق الباب.
ـ ادخل.
دخل أحد الخدم بسرعة، وانحنى باحترام.
ـ الخادم : أهلًا يا سيدي… في بنت غريبة دخلت المملكة.
أشاح الشاب بنظره قليلًا، ثم قال ببرود:
ـ مين دي؟
خفض الخادم رأسه أكثر.
ـ الخادم : بنت غريبة يا مولاي… الحراس مسكوها عند القصر.
سكت الشاب للحظة، ثم قال وهو يلتقط عباءته:
ـ طيب… أنا جاي. اتفضل.
أومأ الخادم ثم خرج.
ظل الشاب ينظر إلى انعكاسه في المرآة، وهو يفكر:
"من تكون هذه الفتاة؟… وكيف تجرأت على دخول المملكة؟"
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الأسفل…
كانت رحيق جالسة على الأرض فوق ركبتيها، تنظر إلى الأرض بخوف،
وحولها الحراس يقفون في صمت.
وفجأة…
نزل الملك.
انحنى الحراس فورًا احترامًا له.
رفع يده بإشارة واحدة، فوقفوا.
تقدم بخطوات هادئة، ثم وقف أمام رحيق.
كان صوته عميقًا ومخيفًا:
ـ عُدي : بصّيلي.
لم ترفع رحيق رأسها.
زاد صوته حدة.
ـ عُدي : أنا بأمرك… تبصيلي!
ترددت رحيق قليلًا، ثم رفعت عينيها ببطء…
وتلاقت أعينهما.
شعرت بأن شيئًا غريبًا يحدث…
نظراته كانت حادة… لكنها ثابتة بشكل مرعب.
نزل عُدي لمستواها، ثم قال:
ـ عُدي : إنتي مين؟
ابتلعت رحيق ريقها بصعوبة.
ـ رحيق : أنا… أنا جيت بالغ…
قاطعها سريعًا.
ـ عُدي : اسمك إيه؟!
ـ رحيق…
نظر إليها باستغراب.
ـ عُدي : رحيق؟
اسمك غريب… إنتي منين؟
ارتبكت رحيق، ثم قالت بسرعة وكأنها تحاول إنقاذ نفسها:
ـ رحيق : أنا… أنا معرفش…
أنا فاقدة الذاكرة.
رفع عُدي حاجبه باستغراب.
ـ عُدي : فاقدة الذاكرة؟ يعني إيه؟
ـ رحيق : يعني… ناسية كل حاجة… مش فاكرة أنا مين ولا جيت إزاي.
وقف عُدي فجأة، ثم نظر إلى الحراس بغضب.
ـ عُدي : مش عارفين تمنعوا واحدة زي دي تدخل هنا؟!
ارتجف الحارس وهو يرد:
ـ الحارس : بس يا سيدي… والله دي أول مرة نشوفها!
نظر له عُدي بنظرة حادة.
ـ عُدي : استنوا العقاب المناسب…
ثم عاد بنظره إلى رحيق.
ـ عُدي : وبالنسبة ليكي…
هتتعاقبي… لحد ما تقولي مين اللي دخلك هنا.
رحيق وهي تهز رأسها بسرعة.
ـ رحيق : لا والله… أنا معرفش حد!
أنا جيت هنا غصب عني!
ـ عُدي : ششش… من غير كلام كتير.
ثم أشار للحارس.
ـ عُدي : خدها.
اقترب الحارس وأمسك رحيق من ذراعها بقوة.
رحيق : أنا مجروحة في إيدي… ممكن متضغطش عليها؟!
لكن الحارس لم يهتم، وضغط أكثر.
نزلت دموع رحيق وهي تنظر إلى يدها.
لاحظ عُدي الدم…
فتغيرت نظراته قليلًا.
ـ عُدي : ابعد.
ابتعد الحارس فورًا.
تقدم عُدي نحوها، ونظر إلى جرحها.
ـ عُدي : اتجرحتي من إيه؟
لكن رحيق لم تجبه، وظلت تبكي.
نظر عُدي للحراس
ـ عُدي : امشوا إنتوا دلوقتي.
أومأ الحراس وانصرفوا.
وبقيت رحيق وحدها أمامه.
وقف عُدي ينظر إليها للحظات وهو لا يعلم فهو لم يكن رحيم بأحد أبداً من هذه التي اسرتني بسحر عيونها وأخذتني كرهين وانا حاكم المملكه بأكملها ؟!
اقترب قليلًا ثم قال بصوت أقل حدة:
ـ عُدي : بطلي عياط.
مسحت رحيق دموعها بسرعة، لكنها لم تستطع إخفاء خوفها.
ـ رحيق : إيدي بتوجعني…
وبعدين أنا استحملت حاجات كتير هنا…
وأنا والله معرفش أي حاجة…
أنا مش عارفة أنا مين أصلًا…
وقف عُدي أمامها مباشرة.
ـ عُدي : عايزة تقنعيني إنك فعلًا متعرفيش جيتي هنا إزاي؟
أومأت رحيق برأسها بسرعة.
ـ رحيق : آه… والله.
ظل عُدي صامتًا للحظات، ثم قال:
ـ عُدي : تمام… هحاول أصدقك.
بس… مش هسمحلك تمشي من تحت عيني… فاهمة؟!
ـ رحيق : فاهمة…
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في مكانٍ آخر داخل المملكة…
كان هناك شاب يسير في الطريق، وخلفه الحراس.
وفجأة اصطدمت به فتاة وهي تركض.
تراجعت للخلف بخوف، بينما وقف الحراس فورًا أمامها.
رفع الشاب يده، فأبعدهم.
ثم نظر إليها.
ـ قُتيم : إنتي مين؟
ارتجفت الفتاة وهي تحاول الرد.
ـ آسيا : أنا… أنا يا سيدي…
ـ قُتيم : بسرعة… اسمك إيه؟
ـ آسيا : آسيا.
ثم اقترب رجل وهو ينحني باحترام.
ـ الرجل : سيدي قُتيم…
البنت دي سرقت شوية أكل من غير إذن.
نظر قُتيم إليها للحظات، ثم قال بهدوء:
ـ قُتيم : خد حقك… ومرّ على القصر، وخليهم يحاسبوه على اللي اتاخد.
أومأ الرجل بسرعة وانصرف.
ثم نظر قُتيم إلى آسيا.
ـ قُتيم : أتمنى الموضوع ده ميتكررش تاني.
أنا يمكن كنت موجود في الوقت ده بالصدفة… بس مش هكون موجود دايمًا.
ابتسمت آسيا بخجل.
ـ آسيا : حاضر يا سيدي… شكرًا جدًا.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في القصر…
كان عُدي جالسًا، وأمامه رحيق، بينما كانت الحكيمة تعالج جرحها.
ـ عُدي : عالجيها كويس…
مش عايز أي أثر… ولا خدش حتى عشان هيبقي عندها شغل كتير الايام الجايه .
نظرت رحيق إليه وهي لا تفهم ما الذي يحدث، ثم ابتلعت ريقها بتوتر.
أكملت الحكيمة علاجها، ثم انحنت احترامًا لعُدي وغادرت.
نظرت رحيق إليه بخوف، ثم قالت:
ـ رحيق : أنا آسفة… بس هو… ينفع أمشي؟
نظر إليها عُدي ببرود.
ـ عُدي : لا.
ـ رحيق : ليه؟
ـ عُدي : ده كان اتفاقنا…
هتفضلي هنا مع الخادمات… لحد ما أعرف إنتي مين… وجاية منين.
ـ رحيق : أنا فاهمة… بس…
قاطعها فورًا.
ـ عُدي : من غير نقاش… ده آخر كلام عندي.
سكتت رحيق للحظة، ثم قالت بصوت خافت:
ـ رحيق : طيب… أنا هروح فين دلوقتي؟
وقف عُدي وقال وهو ينظر إليها بحدة:
ـ عُدي : مع الخادمات.
القصر ده ليه قوانين…
ومن حظك إنك واقفة أصلًا وبتتكلمي معايا.
ظلت رحيق تنظر إليه في صمت، وقلبها ممتلئ بالخوف…
لكن داخل خوفها كان هناك سؤال واحد فقط:
"أنا… وقعت فين؟"