
جاد
حاولت أكدّب اللي قالته…
أقنع نفسي إني سمعت غلط… أو إنها تحت تأثير التعب.
بلعت ريقي وقلت بنبرة حاولت أخليها خفيفة:
__عايزة تعرفي غلاوتك عندي يعني؟
طب يا ستي قومي إنتِ بس بالسلامة…
ونبقى نشوف الموضوع ده.
لكن هي… ما سابتش الكلام يعدّي.
هزت راسها بـ "لا" وهي بتعيط، وقالت بإصرار موجوع:
__طلقني…
عشان أستريح من العذاب ده… وإنت كمان تستريح مني!
بصيت لها لحظات…
صدري بيضيق… والنفس تقيل.
واتنهدت وقلت بصوت واطي:
__إنتي عارفة إني عمري ما هستريح لو سيبتك…
أمل… إنتِ الأمل اللي في حياتي…
أنا عايش في الدنيا دي عشانك.
فجأة… اتغيرت.
ردت بغضب أول مرة أشوفه في عينيها:
__إنت كداب!
إنت مقضيها وأنا في المستشفى!
امشي يا جاد… امشي! أنا مش عايزة أشوفك!
امشي!!!
الكلمات نزلت عليا تقيلة…
كأنها بتكسّر حاجة جوايا واحدة واحدة.
وقفت مصدوم…
مش فاهم… ولا مستوعب.
*بعد كل اللي بعمله علشانها… تقول كده؟*
حسيت بإيد على كتفي…
أحمد.
قرب مني وقال بهدوء:
__تعالى يا جاد… سيبها تستريح…
ونفهم منها بعدين.
بصيت لأمل تاني…
نظرة أخيرة كلها وجع.
كان نفسي تقول كلمة… توقفني…
لكنها بصت بعيد.
هزيت راسي بصمت…
وأحمد شدني من إيدي وخرجنا برا.
باب الأوضة اتقفل ورايا…
لكن اللي جوايا…
ما اتقفلش.
كنت واقف في الممر…
حاسس إني اتكسرت…
مش عشان قالت "امشي"…
لكن عشان
لأول مرة… حسيت إنها فعلاً عايزة تبعد.
قعدت على الأرض في طرقة المستشفى…
حطيت راسي بين إيديا بتعب…
حاسس إن الدنيا كلها ضاقت عليا مرة واحدة.
قرب أحمد وقعد جنبي…
حط إيده على كتفي وقال بهدوء:
__هتعدي يا صاحبي… والله هتعدي…
اذكر الله بس إنت.
هزيت راسي وقلت بصوت مكسور:
__ونعم بالله…
بلعت ريقي بمرارة وكملت:
__أول مرة أحس إني قربت أخسرها…
أنا مش فاهم عملت إيه!
أنا عملت كل حاجة عشان أشوفها كويسة…
قصرت في إيه؟!
الكلام خرج مني…
ومعه دموعي نزلت من غير ما أحس.
أنا… اللي عمري ما بتهز…
انهارت.
بكيت…
بكيت عشان أمل…
بكيت عشان الوجع اللي جوايا بسببها.
أحمد شدني ناحيته وحضني…
وابتدى يطبطب على كتفي بهدوء.
وقال بنبرة ثابتة:
__إنت مقصرتش في أي حاجة…
إنت ونِعم الزوج والله.
سكت لحظة… وبعدين كمل:
__بس يمكن في حاجة إنت مش شايفها…
يمكن هي تعبانة… وخوفها هو اللي بيتكلم مش هي.
رفعت راسي شوية أبصله…
فكمل وهو بيبصلي بثقة:
__أنا متأكد إنها بتحبك…
نظرة الحب كانت في عيونها… حتى وهي بتقولك امشي.
سكتنا لحظة…
صوته كان هادي…
بس دخل جوايا.
قال بهدوء أكتر:
__في ناس لما بتتوجع…
بتدفع أقرب حد ليها بعيد…
مش عشان تسيبه…
عشان خايفة عليه.
بصيت قدامي بشرود…
وكلامه بيترتب جوايا.
هل ده اللي حصل؟
هل هي فعلاً… بتبعدني عشان خايفة عليا؟
اتنهدت…
ومسحت دموعي بإيدي.
قلبي لسه موجوع…
بس في حاجة صغيرة جواه بدأت تهدى.
يمكن…
لسه في أمل.
____________
أمل
أول ما خرج…
انهارت.
بكيت…
بكيت بحرقة، كأني بطلّع كل اللي جوايا دفعة واحدة.
أنا ماكنتش عايزة نوصل لكده…
ماكنتش عايزة أبص له في عينه وأقوله الكلام ده…
بس اللي شوفته… مش قليل.
واللي عيشته… عمره ما كان سهل.
وأنا… مش هربطه جمبي…
مش هخليه يعيش عمره كله شايل همي وخوفي ومرضي.
هو من حقه يعيش…
بس بعيد عني.
رفعت عيني…
لقيت تُقى واقفة بتبصلي بعدم فهم…
وماما كمان.
معرفش إيه اللي جاب تُقى هنا…
بس مش فارقة.
اتكلمت بصوت متحشرج وأنا ببص لتُقى:
__أنا عايزة أبقى لوحدي…
بصتلي شوية…
وسكتت.
ماما حمحمت وقالت تحاول تهدي الجو:
__تعالي نخرج يا بنتي… يمكن عايزة تقعد لوحدها.
لكن قبل ما تتحرك… قلت بسرعة:
__خليكي يا ماما.
الكلمة طلعت حادة شوية…
ووصلها المعنى.
إن وجودها… هو اللي محتاجاه دلوقتي.
سكتت…
والجو بقى تقيل.
تُقى فهمت…
فاتكلمت بهدوء:
__خليكي يا طنط معاها…
أنا كده كده مروّحة.
بصتلها لحظة…
كان في عيونها أسئلة كتير… بس ما سألتش.
لفت… وخرجت بهدوء.
أول ما الباب اتقفل…
حضنت ماما جامد… وعيطت أكتر.
همست وسط شهقاتي:
__أنا موجوعه اوي يا ماما!
_____________
جاد
أول ما أحمد وتُقى مشيوا…
قمت وأنا لسه تايه… بس في حاجة جوايا بتدفعني أعرف.
روحت على الحسابات…
وقفت قدام الموظفة وقلت:
__لو سمحتي… عايز أعرف الحساب وصل لكام.
بصت للشاشة قدامها…
وكتبت شوية… وبعدين قالت ببساطة:
__خمس تلاف جنيه.
اتجمدت.
__كام؟
بصتلي باستغراب خفيف:
__خمس تلاف يا فندم.
بلعت ريقي وقلت بتردد:
__ممكن تتأكدي تاني
بصت تاني في الكمبيوتر…
وبعدين رجعت بصتلي وقالت:
__والله يا أستاذ هما خمس تلاف…
مش المريضة أمل برضه؟
هزيت راسي ببطء…
وعقلي مش مستوعب.
__طب… متعرفيش مين اللي دفع؟
هزت راسها:
__لا والله… بس الدفع اتعمل من يومين.
طلعت موبايلي بسرعة…
ووريتها صورة أحمد.
__هو ده؟
دققت في الصورة ثواني…
وبعدين قالت بثقة:
__أيوه… هو.
سكت.
قلبي دق… بس المرة دي بإحساس مختلف.
افتكرت…
فلوسه… كلامه… طريقته…
وإزاي كان واقف جنبي من غير ما يقول كلمة.
عديت إيدي على وشي…
وغمضت عيني لحظة.
__أحمد…
همست باسمه…
وفي صوتي امتنان… ووجع… ودهشة.
إزاي عمل كده؟
ومن غير ما يقولي؟
رفعت عيني تاني…
وقررت…
لازم أشوفه.
لكن قبل ما أتحرك…
الموبايل رن.
بصيت…لقيته صاحبي.
رديت بسرعة ولهفة:
__أيوه ياسطا
جالي صوته متحمس زيادة:
__إزيك يا معلم!
بقولك إيه… أنا قعدت أدورلك في الموضوع،
ولقيتلك شغل في شركة محترمة…
وقبض محترم كمان!
عيني لمعت فجأة…
وقلت بعدم تصديق:
__بجد؟!
ضحك وقال:
__بجد …
وتقدر كمان تيجي تستلم الشغل من بكرة!
قولهم بس إنك تبعي… وهما هيظبطوك.
عدّيت إيدي في شعري بفرحة مش قادر أخبيها:
__بجد مش عارف أشكرك إزاي…
رد بسرعة كعادته:
__إحنا إخوات يا عم…
بس لو مُصِر يعني… ممكن تعزمني على عصير قصب من بتوع زمان.
ضحكت من قلبي لأول مرة من فترة:
__من عنيا ...
قفلنا…
فضلت ماسك الموبايل لحظة…
وبصيت قدامي.
إحساس غريب دخل جوايا…
كأن ربنا بيقولّي:
إنت لو صبرت شوية… الحلول بتيجي لوحدها.
شغل جديد…وأمل فاقت…والحساب اتدفع…
حاجات كتير كانت بايظة…
وبدأت تتظبط.
اتنهدت بعمق…
ورفعت عيني للسقف وهمست:
__الحمدلله…
لكن وسط كل ده…
كان في حاجة واحدة لسه وجعاني.
أمل.
شديت على الموبايل بإيدي…
وقررت…
أفرح؟ آه.
أبدأ من جديد؟ آه.
بس قبل أي حاجة…
لازم أفهمها.
____________
تُقى
كنت نايمة على صدر أحمد العاري…
وهو واخدني في حضنه.
دفنت راسي في رقبته بحب… وضمّيته جامد، وقلت بصوت واطي:
__جاد صعبان عليا أوي…
شدّني ليه أكتر، وإيده بتطبطب على ضهري بحنية، وقال:
__جاد قوي… وأنا متأكد إنه هيعدّي من كل ده.
رفعت راسي وبصيت له، عيوني مليانة قلق:
__تفتكر؟
هز راسه بتأكيد، وعينه فيها ثقة غريبة طمنتني…
فرجعت لحضنه تاني، بس المرة دي أهدى شوية.
قاطعني صوته وهو بيقول بهدوء:
__خالتك عارفة بمرض أمل؟
هزيت راسي بـ"لا" وقلت:
__لا… ومظنش جاد هيقولها دلوقتي خالص.
سكتنا لحظة…
بس حضنه كان دافي… ومريح بشكل خلاني أتنفس بهدوء.
قرب ودفن وشه في شعري، وقال بهمس:
__كل واحد فيهم شايل لوحده… بس في الآخر هيرتاحوا.
رفعت إيدي ولمست خده بخفة، وبصيت له
__وإحنا؟
ابتسم ابتسامة هادية… وقرب مني لدرجة إن نفسي بقى متلخبط، وقال:
__إحنا خلاص بقينا لبعض… مش كده؟"
اتكسفت… بس ما بعدتش.
قربت أكتر… وحطيت راسي على قلبه، وسمعت دقاته.
قلت بهمس:
__آه…
شدني ليه أكتر…
وكأنّه بيأكدلي بالكلام من غير ما يتكلم.
واللحظة كانت ساكنة…
بس مليانة إحساس… دافي… وآمن.
________________
أحمد
بصيت لها وهي مدفونة في حضني…
وشعرها سايب خصلات ناعمة على كتفي…
رفعت إيدي بهدوء ومشّيتها في شعرها…
وبصوت واطي قلت:
__ومش لازم تعرف دلوقتي… كل حاجة بتيجي في وقتها.
سكتت شوية…
وبعدين لفيت وشي ناحيتها، وبصيت لملامحها القريبة مني أوي…
كان في هدوء غريب…
راحة أول مرة أحسها بالشكل ده معاها.
قربت بإيدي ولمست خدها بخفة…
وهمست:
__إنتي زعلانة عشان جاد… ولا عشان أمل واللي عملته؟
بصتلي لحظة…
وبعدين قالت بصوت هادي:
__عشان الاتنين…
بس… أنا مطمنة دلوقتي.
ابتسمت بخفة وسألتها:
__مطمنة؟
هزت راسها…
وقربت أكتر مني… وقالت:
__آه… عشان إنت.
الكلمة كانت بسيطة…
بس وقعت جوايا تقيلة… وحلوة.
شدّيتها ليّا أكتر…
وخليتها ترتاح على صدري تاني…
وقلت بهزار خفيف:
__طب ما تحافظي على النعمة دي بقى.
رفعت راسها بسرعة وبصتلي:
__نعمة إيه؟
غمزت وأنا بابتسم:
__أنا طبعًا.
ضربتني بخفة في صدري وهي بتضحك:
__رخم!
مسكت إيديها قبل ما تبعد…
وبصيت في عيونها بنظرة أهدى شوية…
وقلت بصدق:
__بحبك يا تُقى.
سكتت لحظة…
لكن المرة دي… ما تهربتش.
بصتلي… وابتسمت بخجل…
وقربت مني بنفسها…
وحطت راسها على قلبي تاني…
وقالت بهمس:
__وأنا كمان…
غمضت عيني…وأنا حاضنها…
وحاسس إن كل حاجة…
أخيرًا… بدأت تبقى في مكانها الصح.
يتبععع