
تُقى
وصلنا المستشفى..
كان قلبي مقبوض..
قبضة خلتني مش عارفة أخد نَفَسي بالكامل.
مش على أمل..
قد ما هو مقبوض على أخويا جاد.. خايفة عليه من وجع الفراق.
أحمد كان واقف بيسأل "الكاونتر"..
عن اسم أمل في سجل المرضى.
وبالفعل.. قالت لنا على رقم الغرفة.
كنت حاسة إني برتعش..
رعشة خوف وتوتر من المواجهة.
وفجأة.. أحمد سحب
إيدي بين إيده..
ضغط عليها بخفة..
كأنه بيبعت لي رسالة صامتة من القوة..
بيطمني من غير ما ينطق حرف واحد.
اتجهنا لرقم الغرفة..
وقفت قدامها..
اتنهدت.. وبصيت لأحمد لحظة..
كنت بستمد منه الشجاعة.
رجعت بصيت ع الباب..
وخبطت خبطتين.. خبطات كانت بتسمع جوه قلبي.
ثواني والباب اتفتح..
كانت مامت أمل.
أول ما شافتني اتصدمت..
حقها.. ما هي متعرفش أصلاً إني عارفة بمرض بنتها.
بصت لي ثواني وقالت بتلعثم:
— أهلاً يا بنتي.. إزيك يا أحمد.. ادخلوا.
فسحت الطريق لينا..
دخلت وورايا أحمد.
وأول ما دخلت.. وقعت عيوني على جاد ....
كان قاعد على كرسي جنب أمل..
وراسه ساندة على السرير..
ونايم..
نايم من كتر التعب.. والهم.. والهروب من الواقع.
مامت أمل شافت التساؤلات والوجع على وشي..
فاتكلمت بنبرة حزينة.. نبرة أم مكسورة:
— بقالها أسبوع
في غيبوبة..
مش عارفين هتصحى منها إمتى.
عيني وسعت على آخرها من الصدمة.
وعلامات الذهول ارتاحت على ملامحي.. أنا وأحمد.
حسيت ببرودة مشيت في جسمي كله.
اتكلم أحمد بشفقة:
— وإيه سبب الغيبوبة؟
ضمت مامت أمل إيديها..
وقالت بتنهيدة تقيلة.. كأنها شايلة جبل:
— الدكتور قال صدمة عصبية..
لكن لغاية دلوقتي مش عارفين من إيه.
بلعت ريقي بوجع..
وجع على أمل.. وحزن يقطع القلب على جاد.
حسيت بذنب بياكل فيّ..
يمكن أنا كنت بقسى على جاد..
وبشجعه يتجوز واحدة تانية عشان يهرب من الوجع.
لكن أول ما شوفتها قدامي..
والمحاليل متعلقة حواليها..
والشحوب باين على وشها كأنها خيال..
ساعتها بس سألت نفسي سؤال واحد..
سؤال هز كياني كله:
__"لو كنت مكان أمل.. وبقيت بين السما والأرض.. كان أحمد فضل متمسك بيا كدة؟"
بصيت لأحمد بجنب عيني..
وخفت..
خفت من الإجابة.. وخفت من بكرة.
بصيت لأحمد اللي كان واقف جنبي وباصص لجاد بحزن..
كأنه حس بسؤالي اللي دار في عقلي..
قرب مني وشدد على إيدي أكتر..
وكأنه بيجاوبني من غير ما أنطق حرف:
"أنا هنا.. ومش هسيبك مهما حصل."
غمضت عيني لحظة..
وحسيت بدمعة سخنة نزلت من عيني.
روحت ناحية جاد..
مديت إيدي وطبطبت على كتفه ببطء..
صحى مفزوع..
أول ما شافني، ملامحه اتلخبطت..
بص لي بتعب وشوق..
وقام خدني في حضنه..
حضن كان مليان وجع..
وخوف..
وقهر..
همس في ودني بصوت مكسور:
— شوفتي يا تقى؟.. شوفتي اللي حصل؟
مقدرتش أرد..
اكتفيت إني
أضم ضهره بإيدي..
وأبص لأمل اللي نايمة وسط الأجهزة..
وأدعي من كل قلبي إنها تقوم..
عشان جاد ميتكسرش أكتر من كدة.
_____________
جاد
خرجت بره الأوضة..
أنا وأحمد.
وسيبنا تُقى وحماتي جوا..
مع أمل.. والوجع اللي مالي المكان.
كنت واقف وعيوني تايهة..
مش مركز في حاجة غير صوت "البيب" المنتظم للأجهزة.
أما أحمد..
فكان بيبص لي بنظرة عتاب.. مخلوطة بشفقة.
قال بصوت واطي ومليان لوم:
— كدة يا صاحبي؟
تخبي عني كل اللي أنت فيه ده؟
ضربني على كتفي بخفة وهو بيحاول يخفف الحمل:
— لو مش عامل حساب للصحبية اللي بينا..
اعمل يا أخي حساب لصلة القرابة!
ابتسمت ببهتان..
ابتسامة ميتة.. مفيش فيها روح:
— مكنتش عايزكم تشيلوا همي.
أنا هعرف أتصرف لوحدي.
رد أحمد باقتضاب.. وكأنه مش عاجبه كلامي:
— غلط يا جاد.
إحنا أهلك.. ومن حقنا نقف جنبك.
ولما نشوفك في ضيقة نساعدك.
مقلناش حاجة إنك متقدرش تتصرف لوحدك..
لكن من واجبنا كـ عيلتك.. إننا كنا نعرف.
اتنهدت بتعب..
تنهيدة طلعت من وسط ضلوعي:
— عارف.. بس معرفتكم كانت هتزعلكم مش أكتر..
ومكنتش ناقصة وجع قلب زيادة.
بص لي لحظات..
سكت..
وكأنه بيقرأ اللي ورا ملامحي الدبلانة.
وسألني بسرعة:
— أنا عارف إن مصاريف المستشفى دي غالية..
قولي.. دفعت قد إيه؟
بصيت له..
وفجأة شريط الأيام الأخيرة اتعرض قدام عيني.
ميادة.. واللي عملته فيّ.
الصفقة اللي ضاعت.. والغدر اللي شفته.
وفلوس المستشفى اللي مستنية تتدفع..
300 ألف جنيه.
مبلغ يهد جبال..
وأنا واقف مكشوف الظهر.. ممعيش منه مليم.
ورغم كل ده..
كدبت.
كدبت عشان كرامتي.. وعشان مشيلهمش فوق طاقتهم:
— متشغلش بالك يا أحمد.. أنا دفعتها.
قلتها وأنا عارف إن بكرة الصبح..
المطالبة المالية هتيجي..
وإني لو مدفعتش..
ممكن أمل تخرج من المستشفى وهي في الحالة دي.
خوف..
قهر..
وعجز..
كلهم اتجمعوا في قلبي في لحظة واحدة وأنا ببص لأحمد وبحاول أبان ثابت.
أحمد بص لي نظرة طويلة..
نظرة كانت بتخترقني، وكأنه بيقرأ اللي جوايا مش اللي بقوله بلساني.
سكت ثانية..
ثانية كانت تقيلة أوي عليا، وكأني واقف قدام قاضي كشف كذبتي.
هز راسه ببطء وهو لسه مثبت عينه في عيني:
— جاد.. إحنا عشرة عمر.
أنا عارفك لما بتخبّي.. وعارف شكلك لما بتبقى شايل جبل فوق كتافك وبتقول "أنا تمام".
قرب مني خطوة..
وحط إيده على كتفي، وضغط عليها بقوة:
— المبلغ كبير يا جاد..
والمستشفى دي مابترحمش.
لو في أي حاجة.. لو في مليم ناقص.. قولي.
إحنا أهل.. ومفيش بينا كرامة في المواقف دي.
بلعت ريقي بصعوبة..
حسيت بغصة في زوري من كتر ما أنا محاصر.
نفسي أقوله..
نفسي أصرخ وأقوله إن "ميادة" دمرت كل حاجة.
وإن الـ 300 ألف دول هما السد اللي بين أمل وبين الموت.
لكن كبريائي..
الوجع اللي في قلبي..
خلاني أصر على كذبتي:
— والله يا أحمد.. اتصرفت.
بعت شوية حاجات كانت معايا.. وسحبت من البنك.. والحمد لله سددت.
بص لي بشك واضح..
نفخ بضيق وهو مش مقتنع:
— ماشي يا جاد..
هصدقك دلوقتي..
بس وحياة ربنا ... لو احتجت جنيه واحد ومقولتليش.. مابقاش أنا أحمد ولا إنت جاد.
(حياه ربنا لأن الحلفان بغير الله
حرااااام أيها قومممم)
سكت..
وهزيت راسي "أيوة" بتعب..
وأنا من جوايا بقول:
"يا رب.. يا رب سدها من عندك.. لأني فعلاً مش عارف هجيبهم منين ...
_____________
أحمد
كنت عارف..
ومتأكد إن جاد بيكدب.
واحد مدخل مراته مستشفى خاصة زي دي..
ومصاريفها بتبقى أرقام خزعبلية..
هيجيب منين فجأة وهو لسه بيبدأ حياته؟
دخلت الأوضة ورا جاد..
عيني كانت عليه وهو بيحاول يمثل الثبات.
ناديت لـ **تقى** وقولت بصوت هادي:
— تقى.. تعالي لحظة عايزك.
بصت لي بعدم فهم..
والقلق لسه مرسوم على وشها.
لكن أم أمل طبطبت على كتفها وقالت:
— روحي يا بنتي شوفي جوزك عايز إيه.
هزت راسها..
واتحركت ناحيتي بخطوات مترددة.
خرجنا وقفنا قدام الأوضة.. بعيد عن عيون جاد.
قولت بلهجة حاسمة:
— بقولك إيه.. أنا هروح على "الكاونتر"..
أشوف الحساب كام.. وأقدر أساعد جاد بمبلغ قد إيه.
بصت لي بدهشة ثواني..
وعينيها لمعت بدموع كانت محبوسة.
قالت بتسرع وخجل:
— لأ يا أحمد.. أنت ملكش ذنب تشيل شيلة زي دي.
أنا.. أنا ممكن أبيع من دهب ماما وأتصرف.. متشغلش بالك أنت.
رديت باقتضاب..
وبنظرة مفيش فيها تراجع:
— أنا مش باخد رأيك يا تقى..
أنا بعرفك بس عشان لو جاد سأل عليا..
قوليله إني جالي شغل مفاجئ واضطريت أمشي.. ماشي؟
سكتت..
بصت في الأرض وهي بتهز راسها بالموافقة.
حسيت بامتنانها من غير ما تنطق.
سبتها ومشيت في الممر..
وقلبي كان بيغلي.
جاد أخويا..
وأمل عرضي..
ومش هسمح لقرش واحد يقف عائق قدام حياتها.
وصلت لـ "الكاونتر"..
طلعت بطاقتي وقولت للموظفة بجمود:
— لو سمحتي.. المريضة اللي في أوضة 203..
عايز أعرف حسابها كام لغاية دلوقتي..
وعايز أسدد المبلغ.
الموظفة بدأت تدور في الجهاز..
وأنا كنت مستني "الخبطة"..
ومستعد أدفع التمن مهما كان.
يتبعععع
رددوا دعاء النبي ﷺ لنصرة المظلوم:
«اللهم مُنزل الكتاب، ومُجري السحاب، وهَازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم».
يا رب قد بلغ البلاء على أخواننا مبلغه، فنسألك اللهم أن ترفع عنهم الكرب وتجبر كسرهم وتنزل عليهم من رحماتك ما يطمئن به قلوبهم.
اللهم أطعم إخواننا وآمنهم من خوف، وأنزل عليهم من رحماتك ما يغنيهم بك عمّن سواك.