
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم ليله عادل
{ لا تلوموني على ما فعلت فأنتم من دفعتوني إلى تلك العتمة، كنت أظن يوما أنني لن أهبط إلى تلك المنطقة من القسوة، لكنكم أجبرتوني على عبورها، لم أندم ولن أندم، فأنا لم أكن مثلكم يوما، إنما جعلتكم فقط تذوقون ما أذقتموني إياه من قبل.}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الثاني والثلاثون🤫❤️
[بعنوان: العتمة التي صنعتموها]
التفت سليم برأسه نحو ماسة المتوقفة في الشرفة بإبتسامة إنتصار واسعة بادلته تلك الإبتسامة ثم غمز لها
في خضم ذلك
اتسعت عينا صافيناز بصدمة، بينما اقترب عماد بسرعة، وقال متعجبا: في إيه يا فندم؟ أنت عارف دي مين؟!
أجابه الضابط بنبرة غليظة حاسمة: عارف، ولو سمحتي اتفضلي معانا من غير شوشرة.
تدخلت فريدة وتساءلت بعملية: معاك إذن من النيابة؟!
أخرج ورقة من جيبه، ومدها ببرود: اتفضلي، إذن النيابة.
سحب إبراهيم الورقة وعيناه تتحركان فوق الكلمات بذهول.
الظابط بجمود: ها اتاكدت؟! يلا خدها يا أمين!
اقترب العسكري، وأمسك صافيناز من كتفها بقوة، فصرخت بصوت مرتجف، تحاول المقاومة، وكأن الكلمات وحدها سلاحها الأخير: عماد ألحقني! فريدة أعملي حاجة! أوعى... أوعى أنت وهو!
تقدم الضابط بخطوات ثابتة، نبرته جهورة حاسمة لا تعرف التردد: لو سمحتي، اتفضلي معايا من غير مقاومة، يلا يا عسكري هاتها
لم يمنحها فرصة أخرى، أمسكها العسكري بعنف، أصابعه كقيود غليظة تطوق ذراعها، حاولت الفكاك والصراخ، لكن قبضته كانت أقوى من صوتها.
التفتت بعينين دامعتين، تبحث عن أي وجه ينقذها من هذا المشهد الذي انقلب فجأة إلى كابوس حي قالت بستغاثه: عمــاد...!
اجابها سريعا يحاول تهدئتها: متخافيش يا صافي، أنا هاجي وراكي.
ثم تحرك العسكري بها نحو السيارات
كانت فريدة تتابع المشهد بعينين متسعتين، لا تعرف ماذا عليها أن تفعل، أتذهب خلف صافيناز في مصيبتها، أم تبقي لتواسي والدتها التي جلست علي المقعد في ذهول تام كأن الصدمة أصابتها بالشلل، والفوضى تعم من حولها.
وفي نفس اللحظة، ركض طه نحو منى الملقاة على الأرض، وعيناه متسعتان من الذعر.
طه بلهف وهو يمسح على وجهها: منى! في إيه؟ إيه إللي حصلك؟!
اقترب تيم بسرعة، وعيناه ممتلئتان بالخوف: ماما مالك؟!
لحق به مراد وهو ينظر إليها بارتباك واضح: ماما، في إيه؟!
كانت منى تلهث بأنفاس متقطعة، وملامحها شاحبة، بينما نظراتها تتنقل بينهم وهي تحاول التماسك.
قالت بأنفاس متقطعة: خدوني بسرعة من هنا
أسندها طه وتيم، ثم أسرعوا بها إلي داخل القصر.
على اتجاه آخر.
نظرت مي إلى رشدي بذهول واضح: إيه إللي بيحصل ده؟!
رد بصدمة حقيقية، وعيناه تتابعان مايحدث: حقيقي مش عارف.
راشد بلهفة هو ينظر من حوله: طب روح يا ابني شوف إيه إللي بيحصل ده؟!
اومأ بإيجاب، ثم نهض من مكانه مسرعا.
كل ذلك حدث في وهلة، بينما الفوضى بدأت تسيطر على المكان، والمصورون يلتقطون صور الحادثة في كل إتجاه.
صرخت فريدة بصوت عالي وهي تشير إليهم بحدة:
شاكر وقف التصوير! وأسحب منهم كل حاجة اتسجلت فورا! الحفلة انتهت، الكل يطلع برة حالا! نفذ الأمر!
تحرك شاكر مسرعا لتنفيذ التعليمات، بينما ركضت فريدة نحو فايزة التي مازالت على حالها تنظر أمامها بلا حركة.
وفي خضم كل ذلك …
كان على سليم يجري بعض الاتصالات وهو يرسم ملامح التوتر والغضب بإتقان.
انهي مكالمته ثم ركض نحو عزت الذي كان يقف مذهولا، يحدق في الشاشة بعينين جامدتين، كأن عقله رفض استيعاب مشهد ذلك الصرح العملاق الذي التهمته النيران في لحظة!
توقف سليم أمامه وصوته خرج متوترا: باشا!
رفع عينيه وهذي بذهول: سليم اللي حصل ده بجد؟!
أجابه بصوت مضطرب: للأسف حقيقي، لسة مبلغني إن المصنع انفجر فعلا.
نظر عزت أمامه بصدمة هائلة، وبدت ملامحه وكأنها تسحب من وجهه، تغيرت ألوانه فجأة، وشعر باختناق شديد.
رفع عينيه نحو الشاشة، ليرى مشهد الحريق المشتعل وألسنة اللهب تلتهم كل شيء.
سمع همسات متفرقة من حوله، كلمات متداخلة لا يفهم منها شيئا، بينما عاد إلى ذهنه مشهد رئيس الوزراء وهو يرحل وسط الفوضى والارتباك…
بدأ يفك ربطة عنقه بإختناق، وكأنه لم يعد قادرا على التنفس، بدا وكأنه لم يعد يسمع شيئا مما يدور حوله.
في تلك اللحظة، اقترب رشدي قائلا بقلق: في إيه يا سليم؟! إيه إللي بيحصل؟!
هز رأسه: مش فاهم حاجة.
تساءل رشدي: طب وصافيناز كمان، خدوها فين وليه؟!
أجابه بغضب: معرفش يا رشدي معرفش، ما أنا واقف زى زيك اهو..
في تلك اللحظة، انتبه الأثنان إلى عزت الذي بدا وكأنه على وشك فقدان وعيه، وهو مايزال يفك رابطة عنقه بصعوبة.
سليم بقلق مصطنع: باشا! مالك، أنت كويس؟
بينما انتصب رشدي في مكانه، يراقب الموقف دون أن يهتز.
وفجأة ترنح عزت في مكانه، ثم سقط أرضا بلا وعي.
اتسعت عينا سليم بصدمة حقيقية تلك المرة، وركض نحوه سريعا، وجلس على ركبتيه وهو يمسح على وجه عزت: بابا! بابا رد عليا.
لكن عزت كان قد فقد وعيه تماما وجسده مسجى بلا حراك وسط الفوضى التي تعم المكان.
رفع سليم عينيه بإرتباك فهو لم يتوقع أن تصل الاموار لذلك، فهو مازال يمتلك قلبا نظيفا، ليصرخ في رشدي بعصبية: أنت بتتفرج؟! شيل معايا بسرعة!
انحنى رشدي دون أن تظهر على ملامحه أي مشاعر واضحة، وقال ببرود: طيب… أسنده معايا.
أسندوه معا، وكان واضحا للغاية ضعف قوة رشدي نتيجه لمحاولته التعافي من الإدمان فلم يتمكن من حمله كما يجب، أثناء ذلك، رمق عزت بطرف عينه، فأهتز قلبه قليلا لذلك المنظر.
فصرخ فجأة بصوت عالي، وهو يحاول التماسك: شوقي! تعالى شيل معانا وخلي حد يطلب إسعاف بسرعة!
أسنده شوقي معهم، وهو يتحدث في السماعة: كلموا الإسعاف بسرعة!
في الجهة الأخرى…
كانت فريدة تمسح على وجه فايزة بيد مرتجفة، وتضع قليلا من العطر قرب أنفها، وهي تصرخ بخوف: مامي… مامي! قولي حاجة… ردي عليا!
ثم صرخت في إبراهيم: اتصل بالإسعاف بسرعة!
اومأ برأسه مسرعا وقام برفع هاتفه للاتصال بالاسعاف.
انتبهت فريدة إلى سليم ورشدي وهما يحملان عزت، فركضت نحوهما، وخلفها مي واشقائها، الذين اندفعوا ليساعدوهم في حمل عزت.
فريدة بخوف: بابي ماله؟!
إبراهيم بسرعة: الإسعاف في الطريق!
هز سليم رأسه: مش هنلحق…
وفي خضم الفوضى، كان مكي يقف على مسافة قريبة، يحاول إبعاد بعض المصورين عن الطريق ويفتح ممرا للحركة.
رفع سليم صوته فجأة وهو يلتفت نحوه قائلا بصوت حاد: مكي! هات عربيات بسرعة!
أومأ برأسه، وركض مسرعا نحو الخارج لتنفيذ الأمر.
ثم التفت سليم نحو إبراهيم وهو يصدر أوامره بسرعة: ابراهيم هات أنت الهانم يلا!
كل ذلك كانت ماسة تراه من الشرفة، لكن تلاشت ابتسامتها وزمت شفتيها بأسف، نعم هي تأخذ حقها الآن، ومن المفترض أن تفرح.
لكن تربيتها وإنسانيتها وقفتا حاجزا داخلها، وهي ترى رجلا يسقط هكذا أمام أبنائه وعائلته بتلك الطريقة.
فوقفت مكانها، تنظر إلى المشهد بقلب مضطرب،
لا فرحة ولا حزينة، بل ممزقة بين رغبتها في الانتقام، وإنسانيتها التي ترفض الشماتة.
في الخارج.
كانت صافيناز بين يدي الشرطة، يحاولون إدخالها إلى السيارة، بينما كانت تقاوم بشدة.
صرخت بإنفعال: لا طبعا! إنتوا اتجننتوا؟ أنا صافيناز الراوي! مين دي إللي تركب عربية بوكس؟! نسيتوا نفسكم؟! يا حشرات.
رد أحد الضباط بنبرة هادئة حاسمة: يا فندم لو سمحتي من غير مشاكل مش هينفع نسيبك تتحركي بعربيتك الخاصة.
أضاف آخر وهو يشير للسيارة: من فضلك يا فندم، لازم تيجي معانا
حاولت المقاومة وهي ترفع صوتها: أنا مش هركب البوكس! أنتم سامعين مش هركب.
تدخل عماد بدبلوماسية ورجاء: يا فندم لو سمحتوا، خلوها في العربية، وحد يركب معاها.
لكن الضابط قال بحسم: مش هينفع. خدها يا أمين، يلا.
اقترب أمين الشرطة وأمسك بها بحذر دفعت يده بعيدا وهي تقول: أوعى أنت وهو، محدش يقرب مني، أوعي..
لكنه امسكها، وقادها بحزم نحو السيارة، وأجبرها على الصعود رغم مقاومتها وهي تصرخ بإنفعال: عماد! أتصرف، أعمل حاجة!
اقترب عماد يطمئنها: متخافيش يا صافي، أنا هبقى وراكي بالعربية، وهجيب محامي فورا، أكيد فيه سوء تفاهم.
أُغلق الباب، وجلست تبكي في صدمة غير مصدقة مايحدث، بينما انطلق عماد بسيارته خلفها.
كان المشهد فوضويا؛ الحراس يحاولون منع المصورين من ألتقاط أي صور، لكن بعضهم نجح في توثيق لحظة اقتياد صافيناز لتتحول إلى مادة إعلامية قابلة للانتشار السريع، وكأنها فضيحة الموسم.
في الجهة الأخرى…
كان سليم ورشدي يدخلان عزت وهو فاقد الوعي داخل السيارة، بمساعدة اشقاء مي ومكي وسط حالة إرتباك شديد.
وفريدة وإبراهيم كانا يسندان فايزة حتى أُدخلت سيارة أخرى.
بينما توقف رشدي وسليم أمام السيارات، وكانت عائلة مي بجانبهما.
قالت فريدة وهي داخل السيارة بتعجب: أنت مش هتيجي معانا يا سليم؟
هز رأسه مستنكرا: أجي فين؟ أنا لازم أشوف حل روحي إنتي، وأنا هتصرف وأتابع الموضوع، ولو حصل حاجة بلغيني.
التفتت نحو رشدي: وأنت كمان هتسبني لوحدي؟
أجاب بهدوء وملامحه لا تحمل أي لهفه حقيقية: ملهاش لازمة أروح دلوقتي، هتابع مع سليم، وأنتِ معاكي إبراهيم وشاكر وهبعت كمان شوقي، ولو حصل حاجة كلمينا.
أومأت فريدة بصمت، ثم ضرب رشدي بيده على سقف السيارة، فتحركت السيارات واحدة تلو الأخرى في إتجاه المستشفى.
انتصب سليم وهو ينظر لرشدي: أنا هطلع أعمل كام مكالمة وأشوف الأخبار، وبعدها أروح المصنع.
أومأ رشدي بهدوء: وأنا كمان هحاول أظبط الموضوع مع رؤساء التحرير والقنوات علشان الموضوع ميكبرش إعلاميا.
اكتفى سليم بنظرة باردة، وكأنه يدرك أن رشدي لن يتحرك كما يقول وهذا ما يريده.
اومأ بموافقة: تمام لو حصل أي حاجة بلغني.
ثم التفت إلى عائلة مي وأضاف بتهذب: عن إذنكم.
ونادى بصوت منخفض: مكي تعالى ورايا.
ابتعد سليم، بينما قال راشد بأسف: أنا مش عارف أقولك إيه؟ا إللي حصل كبير، ربنا يصبركم ويعوض عليكم.
تدخل حازم سريعا: طب نقدر نعمل حاجة؟
أجاب رشدي بهدوء: مفيش حاجة تتعمل، أنا نفسي مش عارف المفروض أعمل إيه؟!
مي بحزن: بس كان لازم نكون مع باباك ومامتك.
أجابها بجمود مبطن: أكيد هروحلهم، بس لازم أظبط كام مكالمة الأول، يعني صافيناز اتاخدت، والمصنع اتحرق، ومنى حالتها غريبة، هنسيب الدنيا تخرب ونروح نقعد جمبهم طب وبعدين؟!
ربت راشد على كتفه: ربنا يستر يا أبني، إن شاء الله أزمة وتعدى.
أومأ رشدي بصمت
راشد بهدوء: طب أنا همشي دلوقتي اعتقد وجودى ملوش لازمه، ولو احتاجت أي حاجة كلمني فورا.
أومأ رشدي بإيجاب، فصافحه راشد وغادر مع أبنائه.
نظرت مي خلفها بتوتر وعيناها تدوران في المكان بذهول.
ثم اقتربت منه ولمست ذراعه بخفة: خلينا ندخل جوة… المكان هنا مش مريح.
نظر إليها لحظة ثم قال بهدوء: يلا.
وتحرك معها، بينما ظلت مي تلتفت حولها، تحاول استيعاب كارثة تلك الحفلة الصاخبة التى تحولت إلى دمار.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
غرفة منى وطه.
كانت منى ممددة على الفراش، بينما جلس طه جوارها، يمسح على وجهها برفق، ويساعدها على شرب الماء، في حين وقف أبناؤها والقلق يكسو وجوههم.
طه بقلق: في إيه يا منى؟ إيه إللي حصل؟
منى وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: عملت حادثة!
تيم بصدمة: حادثة أزاي يعني؟
منى بتوتر: كنت بسوق، واحدة خبطت العربية، نزلت أتكلم معاها كلمه منى على كلمة منها، مدت إيدها عليا وضربنا بعض.
مراد بحدة: مين دي إللي ضربتك؟
منى بتعب: واحدة معرفهاش يامراد، وكان معاها أصحابها، سيبوني أهدى شوية، أطلعوا بره.
كان طه ينظر إليها من أعلى لأسفل بعينين يملؤهما الشك، وكأن عقله يرفض تصديق ما روته للتو.
مراد هو يمسح على كتفها: طب تعالي نوديكي مستشفى.
منى بإرهاق: بعدين، أنا محتاجة أرتاح، روح أنت وأخوك، يلا.
تيم بإعتراض: ازاي بس يا ماما، ما تقول حاجة يا بابا.
طه موجها الكلام لابنيه: أسمعوا كلام أمكم وإنزلوا شوفوا إللي بيحصل تحت دلوقتي.
نظر مراد وتيم إلى بعضهما بقلق، ثم تحركا إلى الخارج.
أغلق طه الباب خلفهما، ثم عاد إليها ببطء، وحدق في وجهها بشك.
طه بصرامة خافتة: قوليلي بقى مين عمل فيكي كده؟
ثم اشار بيده محذرا: وأوعى تقولي حادثة، الكلام الفارغ ده تضحكي بيه على العيال.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت، يحمل خوفا واضحا: رشدي…
طه بصدمة: إيه؟!
قالت بإنفعال وخوف وهي تجز علي أسنانها: رشدي خطفني، عرف إن أنا إللي زقيت عليه نيللي.
وضعت يدها على ذراعها المتألم، وقالت بصوت مرتجف: الحيوان حقني بحقنة مخدرات..
نظر لها بتعجب! فتابعت بعينين تلمع بالدموع: أنا لازم أتعالج يا طه، نقول للناس إننا مسافرين وأتعالج، وبعدها أرجع، وأوريه أزاي يعمل فيا كدة الشمام ده.
جلس أمامها بإرتباك واضح: أنا مش فاهم حاجة، فهميني بالراحة..
أومأت بإيجاب وهي تبتلع ريقها وبدأت تروي له ما حدث. وبعد الانتهاء.
صاح بعنف، وعيناه تشتعلان غضبا: الحيوان!! والله لاربية وعرف ازاي يعمل كدة معاكي.
امسكت ذراعه بضيق: أنا لازم أتعالج الأول، أنا لسة في البداية، والولاد مينفعش يعرفوا أي حاجة، أصبر يا طه أنا مش هسيب حقي بس لازم اخده وأنا قوية..
نظر إليها بحدة، وقال بنبرة تحمل عتابا وغضبا: قولتلك بلاش اللعب مع رشدي مسمعتيش كلامي!
تنفست بصعوبة، وقالت بإصرارٍ ضعيف: ده وقته دلوقتي، المهم أتعالج الأول وبعدها نشوف هنعمل إيه.
مسح وجهه بإختناق: ماشي، كده كده فيه كارثة كبيرة، مصنع البترول اتحرق، ومحدش هيركز معانا دلوقتي، بكرة هنقول للكل إنك مسافرة تعملي تشيك أب برة.
أومأت برأسها بإيجاب، وقد بدت عليها علامات التعب والتوتر.
في سيارة عماد
كان يقود السيارة، بعدم استيعاب، يسير خلف عربات الشرطة التي كانت تقتاد صافيناز، وفي خضم ذلك رن هاتفه معلنا وصول رسالة.
ألقى نظرة سريعة نحو الهاتف الموضوع على المقعد المجاور له، لكنه لم يهتم في البداية…
لم تمر سوى ثوانٍ حتى وصلته رسالة أخرى، مد يده مسرعا وألتقط الهاتف وهو مايزال يقود، فتح الرسالة…
وفجأة —
تجمد مكانه، حين ظهر أمامه فيديو له مع سارة داخل غرفة النوم على الفراش...
"ذلك الفيديو الذي التقطه عرفان من قبل"
اتسعت عيناه بصدمة عنيفة، وضغط على عجلة القيادة بعنف، فأنحرفت السيارة فجأة بطريقة كادت أن تقلبها، حتى أن السيارات القريبة منه كادت تصطدم به.
ارتفعت أصوات المنبهات حوله، وسائق سيارة خلفه وقف بجانبه وهو يسب غاضبا، ثم أكمل طريقه
لكن عماد…لم يكن يسمع شيئا، كان متسمرا أمام الشاشة، عيناه جاحظتان تكادان تخرجان من محجريهما من شدة الصدمة.
فتح الرسالة التى سبقت الفيديو «الفيديو جامد أوي يا عماد… أتمنى يعجبك.»
تمتم بذهول وهو يحدق في الهاتف: مش ممكن!! أزاي؟!
وفجأة — وصلته رسالة أخرى.
«معلش قطعت عليك الفيديو… كنت عامل مجهود جبار يا عماد، إيه الجمدان ده! لعلمك، الفيديو إللي معاك ٣٥دقيقة، أنا بقى اخترتلك دقيقة منهم ونزلتها على كل المواقع وجدعنة مني، نغبشت على وشكم، بس لو مبطلتش إللي بتعمله… الـ 35 دقيقة كلهم هينزلوا… بوشك الحلو، ونخلي الشباب تهيص وتستمتع وتتعلم من ادائك أنت والمدام.. وقتها بقى، تفتكر صافيناز لما تشوفك بأدائك الجامد وكلامك الحلو ده… هتعمل إيه؟
صحيح أنت بتبقى مع صافيناز كده، ولا سوسو حاجة خاصة؟! أدخل على اللينك واستمتع بمواهبك علي الفضائيات… enjoy »
لم تمر سوى ثوان… حتى وصلته رسالة أخرى تحتوي على لينك.
ضغط عليه بيد مرتجفة، وعيناه متعلقتان بالشاشة،
وما إن فتح الرابط — حتى تجمد الدم في عروقه،
الفيديو منشور بالفعل على المواقع، ومدون عليه فضيحة رجل الاعمال الشهير ع/ف مع زوجته الثانية س/و.
قبض على الهاتف بقوة حتي كاد يحطمه بين يديه، أرتفع صدره وهبط بسرعة عنيفة، وأنفاسه تتلاحق كأنها تحترق داخل صدره.
وفجأة —
ضرب المقود بقوة هائلة، وهو يصيح بغضب هادر: يا ابن الكلب يا رشدي!
ثم أدار المقود بعنف، وغير إتجاه السيارة إلي منزل سارة.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي.
دخل رشدي الغرفة بملامح ساكنة أقرب للبرود، لكن عينيه كانت تلمع بشيء خفي أقرب للشماتة.
في داخله لم يكن متألما بل كان شامتا بدرجة واضحه؛ فما حدث في الأسفل بدا له وكأنه ردا على الإهانة التي تلقاها منهم خلال الأيام الماضية.
الآن هم يعيشون نفس المصير… الانكسار والانهزام أمام الجميع، وكأن القدر يسترد حقه دون جهد منه.
أما مي فجلست على طرف الفراش بملامح شاحبة، وعينان تائهتان، وكأنها ما زالت عالقة في لحظة الانفجار، ولم تستطع استيعابه، ولا حتى قادرة على تجاوزه بسهولة.
رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت مرتبك: أنا بجد مش قادرة أستوعب إللي حصل دى.
أجابها بلا اكتراث، وهو يسحب علبة سجائره من فوق الكومودينو: عادي بكره تتعودي.
نظرت له بصدمة واستغراب واضح: هو إيه إللي عادي يا رشدي؟! أنت شايف إللي حصل تحت ده عادي؟!
زفر الدخان وهو يقول ببرود: مش قصدي كدة يا ستي بس يعني مش أول مرة تحصل حاجة زي دي.
مرر يده في شعره، متظاهرا بالهدوء، رغم أن جسده كله كان يطلب شيئا واحدا، شمة تهدئ ذلك الاحتراق العنيف داخله.
فقال بنبرة ثابتة: أهدي يا حبيبتي، دي مش أول حادثة تحصلنا إحنا اتعرضنا لحوادث قبل كدة أصعب.
نظرت له بعدم اقتناع: أنا مش عارفة أنت أزاي هادي كدة، دى أنا حتي مش شايفه جواك أي زعل او قلق على باباك ومامتك.
زفر بضيق: ومين قالك إني هادى يا مي؟ ولا لازم يعني ازعق واكسر علشان ابانلك مش هادي؟!
أجابته بحزن: مش قصدى كده، بس أنا مش عايزه قلبك يجمد على أهلك يا رشدي، دول مهما كان أبوك وأمك، مينفعش اشوف النظرة اللى في عينك دى.
صاح بضيق: وأبويا وأمي دول مفتكروش أني ابنهم يوم ما هانوني قدام الصغير والكبير في المجموعه وهما بيقولوا عليا فاشل، اهو اتردلتهم بعدها بأيام علشان يستوعبوا إن كلهم فشلة زى...
صاحت به بوجل: مش كده يا رشدي، معقوله هتشمت في أهلك؟! متخليش سوء معاملتهم ليك يعمل فيك كده، متبقاش زيهم.
حك جبهته بألم محاولا تهدئه الصداع الذي يفتك به: يا ستي انا مش عايز ابقي زى حد، وبعدين ما فريده معاهم في المستشفي وكده كده هروحلهم بس اشوف الأول الكارثه بتاع المصنع وصافيناز..
صمت قليلا، والألم في جسده لم يهدأ، فتلك الجرعة الصفيرة التي اعتاد تناولها لم تعد كافية، جسده يخذله… وإرادته تضعف أمام هذا الاحتياج القاسي.
مرر يده على وجهه بضيق، وهو يفكر من أين يأتي بجرعات تكفي احتياجه الآن؟ لا مال لديه ولا يمتلك قدرة على التحمل، شرد قليلا، ثم لمعت فكرة في رأسه "يمكنه أن يأخذ من أصدقاؤه ما يحتاجه ولو مؤقتا"
حسم أمره ونهض يقول بارتباك: أنا هنزل أشوف سليم عمل إيه؟! وبعدين اروحلهم اطمن عليهم.
وقفت بلهفه: هاجي معاك.
لكنه اجابها وهي يتجه نحو الباب: لا خليكي، إحنا لسه حوارتنا كتير وممكن نروح المصنع، هتتبهدلى معانا.
اومأت برأسها: طب ربنا معاك، بس ابقي طمني.
هز رأسه وخرج مسرعا لكن خطواته لم تتجه حيث قال، بل قاد مباشرة لأحد الملاهي الليلية.
علي اتجاه آخر. في جناح سليم وماسة
دخل سليم الجناح وأغلق الباب خلفه بإحكام، كانت ماسة ماتزال واقفة في الشرفة تحدق في الفراغ بشرود ثقيل.
ما إن سمعت صوت الباب حتى التفتت نحوه واندفعت إلى أحضانه تعانقه بشدة، وكأنها تحتمي به من كل ماحدث.
لف ذراعيه حولها، وضمها بقوة، ثم أخذ يمسح على شعرها بحنان ثم أخذ يستنشق عبير شعرها قليلا.
طبع قبلة طويلة على رأسها، قائلا بهدوء: كده جزء من حقك جه، ولسه بكرة هييجي الجزء الأهم، أنا وعدتك إني هخلي كل أيامهم الجاية كوابيس والجزاء هيكون من جنس العمل، مبروك يا قطعة السكر أفرحي وانبسطي، ده لسة مجرد دفعة من الحساب.
ابتعدت عنه قليلا تنظر إليه بعينين تلمعان بالدموع، وهمست بقلق: بس باباك... شكله جراله حاجة.
أومأ بعدم اكتراث: هيبقى كويس
نظرت له طويلا بصمت، فعقد حاجبيه معلقا بسخرية: إيه صعب عليكي هو كمان؟!
أجابته دموعها التي هبطت منها رغما عنها، فقال بنبرة متحفزة وهي يحيط وجهها بيديه ويركز النظر في عينيها: قولتلك مينفعش يصعبوا عليكي، أنتِ مصعبتيش عليهم علشان هما يصعبوا عليكي؟! أنت دلوقتي تفرحي وبس... فاهمة؟
هزت رأسها وقالت بصوت مرتجف: أنا مش زيهم، مش هعرف أكون زيهم، طبيعي لما أشوف أللي بيحصل ده مقدرش أفرح.
أجابها باصرار: لا اتعودي تقسي قلبك، لازم تفرحي، حقك بيتجاب؛ حق كل السنين إللي عشتيها في وجع وعذاب وخوف، حق شرفك أللي اتداس عليه، وأهلك إللي اتهددتي بيهم..
توقف لحظة، ثم اتسعت ابتسامته ببطء، وقال بنبرة أخطر: وبكرة صدقيني، هيبقى أسود صباح شافوه في حياتهم، أفرحي يا ماسة... أفرحي..
هزت رأسها، وقالت بنبرة مريرة: مش عارفة أفرح، مش عارفة ولا قادرة، كنت لابسة ومتشيكة واخترت الأغنية إللي هرقص عليها كمان، بس أول ما شوفت إللي بيحصل...
ابتلعت غصتها، وصوتها اختنق: باباك لما وقع ومامتك لما اتصدمت.. صعبوا عليا..
تابعت بتأثر: والنظرة إللي أنا شايفاها في عينك دي مخوفاني يا سليم.
رفعت يدها ووضعتها علي صدره فوق موضع قلبه مباشرة، وقالت برجاء صادق: أنا قولتلك وهقولهالك تاني، أوعى تبقى زيهم، أوعى قلبك يقسى لدرجة ميحسش بالرحمة، هما بيعملوا كده علشان هما وحشين لكن إحنا لأ... لأ.
نظر إليها متأثرا للحظة، وعيناه تتحركان على ملامحها يحاول فهم كيف لها أن تكون بهذه الطيبة والبراءه وسط كل هذا الخراب، وبعد كل ما فعلوه بها؟!
شد فكه وقال بنبرة مشدوده من بين أسنانه: أنتِ تاني!! مش قولتلك مشاعر الطيبة والشفقة دي تبطليها.
هزت رأسها بإصرار، وهي تمسك يديه بقوة: مينفعش! باباك ومامتك ممكن يجرالهم حاجه بسببك، وكل إللي حصل ده حقيقي صعب أفرح بيه، أنا مش هخسر انسانيتي في الحرب دي حتى لو التمن إننا نوقف كل ده..
توقفت لحظة، ومررت عينيها داخل عينيه الجامدتين، تبحث عن أي ذرة رحمة فيهما، ثم همست بخوف حقيقي: ونظرة الجمود إللي في عينك دى رعباني ومخوفاني عليك، عينك مفيهاش أي رحمة ولا إحساس يا سليم! أنت بتتحول لواحد زيهم وأنت مش واخد بالك، انتقامك بقى عاميك...
أمسكت بكفه الموضوع على كتفها، وشدت عليه بقوة، وصوتها صار حازما رغم دموعها: إحنا مينفعش نفرح ونشمت في كل ده، إحنا مش كده يا سليم، ومش هنبقى كده مهما حصل...
شدت على كلمتها، وصوتها امتلأ بإصرار موجوع: مش هسمحلك تتحول لواحد زي دول وتبقى مشوه زيهم، مش هسمحلك يا سليم.
تغيرت ملامحه وازدادت حدة نظراته، حتى بدا الضجر واضحا في عينيه، كأنه يحاول كتم شيء يغلي بداخله.
سحب يده وأمسك كتفيها يجذبها بعنف ممزوج بالانكسار، وهو يصيح بصوت مبحوح بالغضب والألم: ومنبقاش زيهم ليه! هو أنا بعمل إيه يا ماسة؟ فهميني بعمل إيه؟
هز رأسه وتابع وهو يضغط على أسنانه: أنا مش ببتكر ولا بعمل حاجه جديده عليهم، سبق وقولتلك قبل كده أنا بطبقلهم أفكارهم، بخليهم يعيشوا نفس إللي عشته! إيه إللي أنا عملته غلط؟ فهميني؟!
ضحك ضحكة قصيرة ساخرة سرعان ما انكسرت وهو يبتلع غصته بصعوبة: أنا دلوقتي تلميذ عندهم... القسوة دى هما إللي علموهالي.
ضيق عينه متسائلا: مش واخدى بالك إني بعمل زيهم بالظبط، كوبي بيست..
اقترب خطوة، وصوته صار أهدأ: أنا اختارت أضرب كل واحد في الحاجة إللي بتوجعه، عرفت كل واحد إيه إللي بيوجعه وطعنته بنفس خنجره المسموم..
توقف لحظة، ثم أكمل بإبتسامة مرة وهو يرفع كتفه: يعني أنا مش أذكى منهم ولا أقسى، أنا بس اتعلمت متأخر..
كانت تنظر إليه بصمت، وعينيها ممتلئتان بالحزن والقهر، تفهمه وتفهم وجعه وغضبه، لكنها لم تستطع تقبل ما يتحول إليه.
اقتربت منه خطوة، وصوتها خرج متوترا: طب أنت ناوي تعمل إيه تاني؟ ومتقوليش بكرة هتعرفي أنا عايزة أعرف دلوقتي يا سليم... دلوقتي!
زفر بضيق، ثم ألتفت نحو الطاولة الصغيرة، وألتقط كوب الماء احتسى منه ببطء، كأنه يحاول تهدئة نفسه.
ثم رفع عينيه إليها مفسرا ببرود: زي ماقولتلك ضربت كل واحد في الحتة إللي بتوجعه.
رفع يده يعدد على أصابعه: حرقت المصنع زي ماشوفتي علشان عارف إن الفلوس أكتر حاجه توجع عزت وتكسره.
ثم رفع الاصبع الثاني وهي يتابع: وبعت ستات وشهم مشوه يرفعوا قضية على صافيناز ويدعوا إن اللي حصلهم دي بسبب المستحضرات بتاعتها، بعد ما بوظتها وحطيت فيها مواد تخليها غير صالحه لاستخدام الآدمي علشان لما المعمل الجنائي يفصح يأكد علي كلام الضحايا ويشمعولها المصنع.
صمت لحظه وتابع بصوت أبرد: وقصدت أعمل كل دى يوم الحفلة مخصوص علشان تبقى فضيحة على الهوا، لأني عارف إن دى أكتر حاجه هتكسر الهانم.
وقفت تستمع له بعينان مذهولتهان، بينما لم يتوقف هو عن الحديث وتابع بإبتسامة مرعبة: بس دي مش النهاية دي مجرد البداية...
عقدت حاجبيها ونظرت له باستغراب وكأنها تسأله ماذا فعلت أكثر؟! تابع مفسرا على نفس ذات الوتيرة: أنا بس كنت عايز أدخلها القسم زي ما كانت ناوية تعمل فيكي، هخليها تنزل الحجز ويتعمل عليها أحلى حفلى، هتاخد نفس الأقلام إللي خدتيها وبزيادة ونفس الإهانة وبزيادة..
صمت لحظة، ثم أضاف ببرود قاسي: وبكرة الصبح، الصحف كلها هتكتب إن "صافيناز الراوي متهمة بإدارة شبكة دعارة دولية"
ارتجفت عيناها، لكنه تابع بضحكه خلت من المرح: وطبعا مكنتش هنسي عمدة من الليلة الحلوة دى.
صمت لحظه، وتابع بنبرة أخطر: صورتله فيديو فيديو جبار ليه هو ومدام سارة مع بعض في السرير، ونزلت منه دقيقه علي السوشيال ميديا علشان أحرق قلبه واكسره، وبعتله باقي الفديو زمانه بيستمتع بيه دلوقتي.
ابتسم واكمل بسخرية: رشدي كمان خدمني لما رجع منى يوم الحفلة، طلع عيل جدع ودماغه طلعت شبه دماغي، عارف كويس يوجعهم منين؟!
كانت تنظر إليه بعينين تلمعان بالدموع والحزن؛ فقد باتت تراه يغرق شيئا فشيئا في ظلام انتقامه، لم تكن تخشى انتقامه بقدر ما كانت تخشى أن يفقد نفسه ويخسر مبادئه وقلبه في طريقه إليه.
مررت عينيها عليه تتأمل ملامحه، فلم تجد سوي… برودة قاسية تستقر في عينيه، وقسوة واضحة لا تعرف التراجع، وكأن ما تبقى داخله لم يعد يريد سوى المزيد من الانتقام.
فهم نظرتها جيدا، فتساءل بصوت أهدأ لكنه أكثر خطورة: هو أنا ليه شايف النظرة دي في عينكي؟صعبانين عليكي؟ ده حسابهم لسه بيبدأ.
رفعت حاجبيها تتساءل بشدة: وأنت عايز تعمل أكتر من كدة إيه؟! وبعدين اللى أنت عملته في صافيناز مينفعش، مهما كان دي أختك!
تجمدت ملامحه لثواني، ثم أنفجر صوته بحدة هو يتك علي حروف الكلمه: أختي؟!
أمسك كتفيها بقوة وهو ينظر داخل عينيها: وأنا مكنتش أخوها لما قلعتك هدومك ونيمتك في حضن مصطفي!!
ازدادت قبضته على كتفيها وهو يواصل بانفعال متصاعد: مكنتش أخوها وهي بتصوركم بوضعكم دى وبتبعتلي عشان تذلني وتكسرني؟! مكنتش أخوها لما حاولت تزرع الشك جوايا وتدمرني؟!
توقف لحظة، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، ثم قال بصوت أخشن: مكنتش أخوها لما وقفت قدامي من يومين بكل عين قويه تشكك في شرفك وتقولي مراتك خانتك عشان مش مكفيها ومبتخلفش، وكأنها قاصده تطعنني في كل حاجة فاضلة فيا؟! وبتلذذ بعذابي مع إنها عارفة كويس إن كل ده كذب، وان ظفرك برقبتها..
اقترب منها أكثر، وعيناه تلمعان بالقهر، والدموع التي ترفض الانهزام والسقوط من عينه، وصوته خرج مبحوحا مختنقا بالغضب: ليه هي مفتكرتش إني اخوها؟ ليه محدش فكر فيا؟ ليه مقالوش " ده ابننا"
ابتلع غصته، وارتجف صوته بانكسار: ليه دايما مطلوب مني أكون أنا الأحسن؟ وأنا إللي أفتكر إنهم أهلي وإخواتي وهما مفتكرونيش لحظة واحدة إني ابنهم من دمهم..
كانت تنظر إليه بصمت...بعينين ممتلئتين بالحزن والوجع، تفهم جيدا كل ما يمر به... تفهم قهره وغضبه، وتشعر بوجعه كأنه وجعها هي.
لا تعرف ماذا تقول، الكلمات خذلتها، هبطت دموعها في صمت، دون صوت، فقط نظرات مرتعشة وقلب يعتصره الألم.
أما هو... فلم يتوقف.
تابع حديثه كأن سيلا جارفا انفتح داخله، لا يستطيع إيقافه.
رفع عينيه إليها، وعيناه تلمعان بجنون مختلط بالألم، وهو يقبض على ذراعيها: قوليلي صعب عليكي مين فيهم؟ وإيه إللي يخليكي تشفقي عليهم؟ هو حد فيهم شفق عليكي؟
شد على كتفيها أكثر، وصوته أنكسر رغم حدته، وكأن الكلام يخرج من جرح مفتوح: عزت مشفقش عليكي وهو بيسمع خطة عماد القذرة؟! عجبته! وبعت رجالة تتم المهمة على أكمل وجه! مقالش دي زي بنتي... ولا حتى اتردد لحظة وقال دى عرض ابني!
ابتلع غصته، وتابع بنبره مبحوحه: عرف كل إللي هيحصلك ومفرقش معاه! مقالش ابني هيتكسر... مقالش رجالة غريبة هتشوف مرات ابني عريانة... وتكسر رجولته!...
تنفس بعنف، ثم أكمل بنبرة أشد: وفايزة!
ضغط على أسنانه وهو يتذكر: فايزة دي من يوم ما دخلتي القصر... لاااا من يوم فرحنا، وهي بتعمل كل حاجة علشان تبعدنا عن بعض.
لوح بيده بعصبية بعينين تلمع بدموع وقهر: مفرقش معاها إني مبسوط معاكي، ولا إني أخيرا لقيت راحتي! مفكرتش فيا، فكرت في مظهرها وبس..
أنخفض صوته قليلا، وتساءل بمرارة وهي ينظر في عينيها مباشرة: قوليلي علي حاجة واحدة أو نص حاجة تخليكي تشفقي عليهم؟
تساءل بضجر، كأنه يحاصرها بكلامه: نسيتي الكلام الكدب اللى قالوه عليا؟ نسيت لما هددوكي بأهلك، نسيتي سنين العذاب والقهر اللى عيشوكي فيها وانت في بيتي واوضة نومي ومش عاملينلي أي حساب!؟
تنفس بعمق، ثم تابع بتعجب: وبعدين تعالي هنا مش ده عماد إللي مسكتي السكينة وكنتي عايزه تقتليه؟
أشار بيده بغضب وتساءل: ومش دي صافيناز إللي قولتيلي لو مجبتليش حقي منها، هتيجي تلاقيني قتلهالك؟
ترك كتفها أخيرا، وتراجع خطوة للخلف، ينظر إليها من أعلى لأسفل، كأنه يبحث عن إجابة تثبته من الداخل.
صوته أرتفع فجأة، يتساءل بوجع حقيقي: إيه إللي حصل دلوقتي فهميني؟ مالك يا أستاذة ماسة؟!
أقترب أكثر، وانخفض صوته بتساؤل، كأن الكلمات تخرج من جرح مفتوح: نسيتي إللي عملوه فيا وفيكي؟
أهتز صوته قليلا، وعيناه لمعتا ببريق مؤلم، ثم تابع بمرارة: نسيتي إنهم دمروا حياتنا سنين؟ إنهم لفقوا كلام وسخ وكدب واقنعوكي بيه؟ وإنك بسببهم اتعرضتي للاغتصاب أكتر من مرة؟ وإنك عيشتي في الشارع أسبوع؟ وهددوكي بأهلك، وإنهم فرقونا وسرقوا مننا أحلى سنين من عمرنا؟
اقترب منها فجأة، وعدل وقفتها أمامه ضامما كتفيها بكلتا يديه، يهزها بعنف امتزج فيه القهر بالعجز، وهو صرخ بها: قوليلي يا ماسة! ردي عليا! قولي، أشفق عليهم ليه؟! ليييه
ارتفعت أنفاسه بعنف، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، بينما بدأت طبقة رقيقة من الدموع تهدد بالسقوط رغم محاولته الشديدة للتماسك: محدش فيهم شفق علينا، مصعبناش عليهم لحظة! كانوا شايفيني بتعذب وبموت في الثانية 100 مرة ومحدش فيهم فكر يطبطب عليا، ويقولي معلش يا ابني أهدى يمكن تكون مظلومة!
انزلقت دمعة واحدة رغما عنه، فمسحها سريعا بظهر يده بعصبية: كل يوم كانوا بيكبروا الكذبة جوايا، عشان يخلوني أقتلك! وهما عارفين إنك شريفة ومظلومة، بس مصلحتهم كانت أكبر، أكبر حتي من وجع ابنهم! ومن رجولته وشرفه إللى داسوه برجلهم.
ارتجف صوته، وخانته نبرته للحظة، لكنه أكمل بإصرارٍ موجوع: ابنهم إللي معملش حاجة يستاهل عليها كل إللي حصله دي، مفيش واحد فيهم قال كفاية! محدش فيهم فكر فيا، ولا قلبه وجعه عليا..
أغمض عينيه لثواني، وكأن الذكرى تخنقه، ثم فتحهما من جديد وقد أحمرتا بشدة: لو إنتِ نسيتي كل ده، أنا مستحيل أنسى، مستحيل أنسى نظرة عينك وخوفك بعد إللي عملوه فيكي، ولا إنهم قلعوكي ونيموكي في حضن مصطفى ولا الصور القذرة والرسائل الأقذر إللي كانوا بيبعتوهالي علشان يشككوني فيكي، ولما يتمموا جريمتهم تتثبت عليكي.
نظرت له باستغراب، فأجابها على تلك النظرة بضجر: أيوة كان بيبعتولي صورك مع مصطفى في الكام مرة إللي شوفتيه فيهم، مقولتلكيش لإني خوفت تفتكري إني براقبك، الوضع بيننا مكانش مستحمل خصوصا إني كنت فاكر إن مصطفى هو إللي بيعمل كده علشان يوقع بينا.
مال بشفتيه بابتسامة جانبية مريرة: بس طلعت حمار.. كانوا هما اللى بيبعتوها مش مصطفي.
توقف لحظة، وصوته أنخفض حتى صار مبحوحا: ولو هنسى كل ده! هنسى إزاي نظرة عينك وخوفك وإنتِ مكلبشة في إيدي ومش عايزة تسيبيني حتى وأنا داخل الحمام؟
ارتجف فكه، واشتد تنفسه، بينما لمعت الدموع أكثر في عينيه: أنتِ فاكرة ده كان سهل عليا؟ كنت ببين قدامك إني عادي، لكن من جوايا كنت بموت...
رفع يده وضرب بها صدره بخفة موجوعة: جوايا كانت نار مبتتطفيش، ولسة بتاكل فيا وبتحرقني وأنا شايفهم عايشين عادي وأنا وإنتِ كده، مبتطفيش ومش هتطفي ولا هتهدي!
ازدادت حمرة عينيه، وارتجف صوته رغم حدته، كأن الكلمات تخرج من صدر مثقوب: هما اللى بدأوا وكسروني يا ماسة، كسروني في رجولتي وفي قلبي وفي ثقتي..
مرر يده في شعره بعنف، وكأن الذكرى تحرقه: مسكوا السكينة ونزلوا طعن فيا، ولحد النهاردة الصبح، كانوا ناويين يقتلوكي، أنتِ وأهلك! كانوا عايزين يحطوكم في سفينة ويقتلوكم، علشان السر يموت معاكم.
تساءل بضجر: زعلانة عليهم ليه؟! أزاي مش قادرة تفرحي وبتحاسبيني إني مش حاسس بالشفقة وعيني قاسية؟!
توقف لحظة أنفاسه تتلاحق، ثم ضحك بمرارة جارحة: ورشدي؟ إللي كنتي زعلانة عليه ده أنا دافعت عنه وخدت رصاصة مكانه، وكان ممكن أموت عشان أحميه! مفكرتش ساعتها إنك حامل، ولا فكرت في نفسي أصلا، كل إللي فكرت فيه إني أنقذ أخويا!
قبض على يده بقوة، وصوته انكسر أكثر بعينين تلمع بالدموع: كان ممكن أمشي، وآخد عربيتي ورجالتي وأسيبهم، بس معملتش كده! تفتكري هو لو كان مكاني، كان هيعمل زيي؟
ضحك بسخرية مؤلمه: استحالة! كان هيغمض عينه ويسيبهم يقتلوني عشان يخلص من الصداع إللي بياكل في قلبه من ناحيتي من سنين.
هز رأسه بعنف، وكأن الفكرة نفسها تهينه: أنا آه، كتير قولت هقتل رشدي، لإن بلاويه كانت كتير، بس عمري فكرت انفذها حتى بيني وبين نفسي، يمكن ضربت صافيناز وعاقبتها علي الحباية بس عمري ما جمعت رجالتي واتفقت معاهم علي أاذيها!
صوته هدأ لحظة ثم تابع بقهر ومرارة: الخيانة من الإخوات بتحصل، شوفناها كتير، لكن أب وأم يعملوا كده في ابنهم...؟!
أختنق صوته، واهتزت كلماته: أنا عملت إيه؟ عملت إيه يستاهل إني أشوف أهلي قاعدين بيتفقوا على وجعي وكسرتي..؟!
نظر إليها، ونبرة صارت أعمق، وأقسى: أنتِ فاكرة إني بعاقبهم على إللي عملوا فيكي آخر مرة بس؟! لا يا ماسة، أنا بعاقبهم على كل حاجة، من يوم مازرعوا الخوف جواكي، من يوم ماخلوكي سجينة رعب وسرقوا منك حياتك استقرارك النفسي.. سنة كاملة خوف وقلق، وست شهور مرمية في الشارع بعيد عني، غير إللي عملوه مع سلوى ومكي وتهديدك لأهلك على طعنهم فيا، وكسرتهم ليا
توقف وكأن الهواء لم يعد يكفيه: أنا عمري ماحد كسرني كده...
كانت تستمع له بدموع تتساقط من عينيها، بغصة تنحر قلبها بصمت ثقيل يخنق صدرها.
اقترب أكثر، وصوته خرج مهتزا بين القهر والغضب: يستاهلوا إللي بعمله فيهم؟ ولا لأ؟!
ثم صرخ فجأة، بصوت يهز المكان: ردي...يستاهلوا... ولا ميستاهلوش يا ماسة؟!
اهتز جسدها قليلا، ثم خرج صوتها أخيرا مبحوحا، وكأنه خرج من بين نار تحرق صدرها: يستاهلوا...
توقفت لحظة، ودموعها انهمرت بغزارة، ثم هزت رأسها بعنف وهي تصرخ بحرقة: يستاهلوا آه، يستاهلوا أكتر من كده بكتير كمان...
نظرت إليه بعينين دامعتين، وقلبها يضرب بعنف داخل صدرها، ترى الرجل الذي تحبه موجوع ويتفكك قطعة قطعة أمام عينها، ولا تعرف كيف تنقذه من نفسه.
ارتجف صوتها أكثر، وكأن القوة خانتها: أنا أنا آسفة، أسفة
لم تتحمل رؤيته بتلك الحالة، فاندفعت تدفن وجهها في صدره، وشدت ذراعيها حوله بقوة، تعانقه بشدة وكأنها تحاول احتواء كل ذلك الألم المتفجر داخله، وهي تردد باعتذار: أنا آسفة يا سليم، آسفة على كل وجع عيشته، بس إللي بتعمله ده هيحرقك إنت قبل مايحرقهم..أنا خايفه عليك.
شدت عليه أكثر، وكأنها تخشى أن ينهار أو ينفلت من بين يديها: أنت موجوع وأنا حاسة بيك، بس متخليش وجعك يحولك لنسخة منهم، أنا خايفة عليك، خايفة من وجعك من جرحك..
رد بوجع وقهر: مش قادر يا ماسة مش قادر..
أخذ يبكي بين أحضانها بوجع حقيقي، بكاء مكتوم خرج أخيرا بعد سنوات من القهر.
اشتد بكاؤه حتى اختل توازنهما، فسقطا معا على الأرض، وهي مازالت تضمه بقوة، تحتضنه كأنها تحاول أن تجمع شظاياه المتناثرة.
ظلت تضمه بشدة، تمسح على رأسه وأنفاسها متلاحقة، بينما كان جسده يهتز بين ذراعيها من شدة البكاء.
مرت لحظات ثقيلة...
ثم رفع رأسه ببطء، ونظر إليها بعينين حمراوين ممتلئتين بالدموع والانكسار: أنتِ فاكرة الموضوع سهل بالنسبالي لما أعرف إن أمي وأبويا، وإخواتي، عملوا فيا كل ده؟!
انزلقت دموعه مرة أخرى، وصوته أصبح أضعف: لو كنت عملت فيهم حاجة وحشة كنت فهمت وقولت استاهل...
هز رأسه ببطء، وصوته خرج مبحوحا: لكن عمري ما فكرت اذيهم، رغم انهم اذوني نفسيا كتير، بس أنا مكنتش بالنسبة لهم غير ألة تجيبلهم فلوس، ولو فيه حد أحسن منه ندوس على سليم.
ارتجفت شفتاه، وانزلقت دمعة على خده رغم محاولته التماسك، ثم رفع عينيه إليها بعجز: أنتِ عارفة أصعب حاجة إيه؟
ابتلع غصته، وضغط على صدره بيده: لما بسرح وأسأل مادام أهلي عملوا فيا كده اومال أعدائي يعملوا إيه؟
نظر بعيدا بابتسامة جانبية مائلة بسخرية مريرة: بيضحكني رشدي وهو بيحسدني وبيغير مني علشان مميز عندهم، عيل غبي، طب يعيش إللي أنا عشته ويقولي هيتمنى يبقى مميز زى ولا لا...
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء، وعيناه ممتلئتان بدهشة موجعة: طلعوا وحشين أوى، أوحش بكتير من خيالي لدرجة إن خيالي نفسه مقدرش يتخيل إللي عملوه.
رفعت يدها ببطء، ووضعتها على خده، تمسح دموعه برفق شديد، وكأنها تخشى أن تؤلمه أكثر.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالحب والوجع، ثم اقتربت منه ببطء، وقبلته قبلة قصيرة على شفتيه، قبلة ممتلئة بالاحتواء أكثر من الرغبة وكأنها تخفف عليه بتلك القبلة أوجاعه...
سحبت رأسها قليلا، ثم عادت تضمّه بقوةٍ أكبر، كأنها تحاول أن تخبّئه داخل صدرها من كل ما يؤلمه.
ظلت تضمه بقوة، ويدها تمر على شعره ببطء وحنان، كأنها تحاول تهدئتة كل ما بداخله من عاصفة، ثم همست بصوت مبحوح، ممتلئ بالوجع والصدق: أنا جنبك يا سليم، ومعاك ومش هبعد عنك أبدا.
سكتت لحظة، ثم شدت عليه أكثر، وكأنها تخاف أن يفلت منها في أي لحظة.
مالت برأسها، وقبلته من أعلى رأسه قبلة خفيفة طويلة بما يكفي لتقول ماعجزت عنه الكلمات.
ظل هكذا للحظات، ثم ابتعد، وهو يمسح دموعه بسرعة كأنه يغضب منها.
قال بنبرة حازمة ضعيفة وهو يشير بأصابعه: أسمعي دي آخر مرة تتكلمي فيها في الموضوع ده، فاهمة؟ عشان المرة الجاية رد فعلي مش هليعجبك.
مسح وجهه، أخذ نفسًا طويلا، ثم نهض مرة واحدة وهو يعدل ملابسه، أنا هنزل تحت، لازم أبان إني بدور، زي ما هما عملوا
نهضت بسرعة، ووقفت أمامه: استنى، طب أقعد معايا شوية
لكن ملامحه كانت قد أُغلقت تماما، قال بجمود واضح بضيق لا... بعدين.
ترك يدها، وخرج من الغرفة، بقيت ماسة واقفة مكانها
تتابع أثره وهو يختفي، مررت يدها في شعرها للخلف ببطء، ثم أطلقت نفسا مختنقا، لا تعرف ماذا تفعل، ولا إلى أين تتجه وكيف تنقذة من ذلك الظلام
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
أحد المستشفيات الخاصة10م
كان عزت داخل غرفة العناية المركزة، تحيط به الأجهزة من كل جانب، بينما يعمل الأطباء على تركيب قسطرة قلبية له، وأصوات الأجهزة تتردد بانتظامٍ مقلق..
وفي غرفة أخرى...
كانت فايزة ممددة على الفراش، يقيس الأطباء ضغطها، ويضعون لها المحاليل وبعض الحقن، بعد أن تعرضت لصدمة عنيفة.
خارج الغرف...
وقفت فريدة أمام الزجاج، تحدق في الداخل بقلق خانق، وبجوارها إبراهيم، بينما كان الحراس يحيطون بالمكان، يمنعون أي شخص من الاقتراب أو ألتقاط الصور.
بعد دقائق...
خرج الطبيب، فنظرت إليه فريدة بلهفة: إيه يا دكتور طمنا؟
الطبيب بعملية: فيه اشتباه جلطة بسيطة للهانم، لكن الحمد لله حالتها مستقرة، واضح إنها اتعرضت لصدمة قوية، هتاخد علاج، وإن شاء الله ممكن تخرج بكرة.
توقف لثواني قبل أن يكمل بنبرة أكثر جدية: إنما عزت باشا عنده جلطتين، إحنا حاطينه تحت الملاحظة، وال24ساعه الجايين لو عدوا على خير إن شاء الله حالته هتستقر.
تنفست فريدة بصعوبة، بينما تابع الطبيب: وطبعا لازم نبعده عن أي انفعالات أو ضغوط أو أخبار سيئة على قد مانقدر، ويفضل بعد مايخرج يسافروا شوية يغيروا جو في أماكن هادية فيها طبيعة وبحر.
أومأت بإيجاب: تمام يا دكتور، نقدر نشوفهم؟
هز رأسه موضحا: عزت باشا لأ مش دلوقتي، لكن الهانم تقدري تدخليلها، رغم إنها رافضة تتكلم، ومحتاجة دعم نفسي، ده إللي ممكن يساعدها تفوق من الصدمة.
أومأت فريدة بأدب: شكرا يا دكتور
الطبيب: ألف سلامة.. ثم تحرك مبتعدا
أسندت فريدة رأسها على الزجاج بعدم استيعاب، فاقترب منها إبراهيم يواسيها: إن شاء الله هيكونوا كويسين.
ثم تابع: والله الواحد لحد دلوقتي مش مستوعب اللى حصل!!
هزت رأسها ببطء: واضح إن فيه حد بيحاربنا، مشكلة الكوبرى لسة مبقالهاش كام يوم، وكدة فعلا اتأكدنا إن الموضوع بفعل فاعل.
تساءل متعحبا: مين ممكن يكون عمل كدة؟ مش سليم مخلص كل حاجه من ساعة مارجع.
نظرت إليه بجدية: أحنا كبار يا إبراهيم، وطول ماعندنا نفوذ طبيعي يبقى لينا أعداء، ناس كتير تتمنى تبقى مكان الباشا سواء على ترابيزات الاتفاقات أو في قربه من الوزراء، هما علطول موجودين بس كان بقالهم فترة في جحرهم.
سألها: وإيه إللي خرجهم؟!
هزت رأسها بعجز: أنا مبفهمش في الحاجات دي، الحاجات دي يتسأل فيها سليم..
ثم أضافت بصوت مكسور: أهم حاجة دلوقتي بابي ومامي يبقوا كويسين، غير كده مش مهم، تعالي ندخل لمامي..
أومأ برأسه وتحركا معا للداخل.
كانت فايزة ممددة على الفراش، تنظر أمامها بشرود وصدمة، وكأنها لا ترى شيئا.
اقتربت منها فريدة، أمسكت بيديها وقالت برجاء: مامي أهدي متعمليش في نفسك كده علشان خاطري، وصدقيني والله كل حاجة هتبقى كويسة.
حركت فايزة عينيها ببطء نحوها، وقالت بصوت متعب: هتبقي كويسة أزاى؟ أنتِ مش شايفة إللي حصل..؟
شدت فريدة على يدها وقالت بثبات: دي مش أول مرة يا مامي إحنا زمان حصلنا أكتر من كده، كنا هنفلس وسليم رجعنا تاني...
نظرت إليها بثقة مصطنعة وهي تضيف: سليم موجود وهيعرف يجيب حقنا، أنتِ مينفعش تقعي، لازم تفضلي قوية زي ما أنتِ "فايزة هانم رستم أغا" القوية إللي الكل بيعملها ألف حساب..
ارتجفت شفتا فايزة وهي تسأل بقلق: سليم فين؟ وعزت عامل إيه؟ وإيه إللي حصل لصافيناز؟؟
ابتلعت فريدة ريقها بصعوبة: بابي جاله جلطة وسليم بيشوف حل، أما صافيناز أنا مش عارفة اتقبض عليها ليه، بس هكلم عماد وأفهم.
وضعت فايزة يدها على رأسها بتعب، وهمست بصوت مرتجف: الفضيحة دي مش هتعدي، كل الناس شافتها على الهوا.
اقتربت فريدة أكثر، مسحت على كتفها: هتتحل صدقيني ، بس أنتِ لازم تفضلي قوية وفاردة ظهرك يا مامي.
ثم نظرت في عينيها مباشرة وقالت بدعم: لازم تفضلي فايزة رستم أغا إللي مفيش حد في الدنيا يقدر يهدها؟
مسحت فايزة دموعها بتعب، وتنهدت وهي تهز رأسها بإيجاب خافت.
نظر إليها إبراهيم بإطمئنان نسبي وقال بهدوء: حمد لله على سلامتك يا هانم...
أومأت برأسها بصمت، بينما ربتت فريدة على يدها بحنان، وكأنها تطمئنها أن الأمور ستتحسن
ساد الغرفة صمت هادئ، لا يكسره سوى صوت الأجهزة الطبية...بينما تبادل الجميع نظرات صامتة، تحمل قلقا خفيا خلف محاولات التماسك.
قسم أول المعادي،11مساء.
توقف البوكس أمام قسم الشرطة، وما إن فتح الباب الخلفي حتى امتدت يد أحد الأمناء إلى الداخل.
صاح بها: يلا أنزلي بسرعة!
رفعت رأسها ببطئ ونهضت بتردد وهي تتشبث بطرف الباب للحظة وقد ارتجفت قدمها.
كانت دموعها تلمع داخل عينيها، والخوف ينهش صدرها، لكنها حاولت أن ترفع رأسها عاليا، متظاهرة بالقوة رغم ارتجاف أنفاسها.
دفعها أحد الأمناء من كتفها بقسوة: يلا يا ختي، هنقعد ساعه علي ما تنزلى!
أختل توازنها قليلا، لكنها تماسكت سريعا، والتفتت إليه بنظرة غاضبة رغم الخوف الذي يملأها: أحترم نفسك وأنت بتتكلم معايا! أنت عارف أنا مين؟!
ضحك الأمين بسخرية، وهو يشير بيده بازدراء: مين يعني؟ متهمة، يلا أنزلي؟!
اشتعلت عيناها بالغضب، لكن ظل الخوف واضحا خلف محاولتها التماسك، وما إن هبطت من السيارة، حتى استقبلتها عدسات الصحفين وهم يندفعون نحوها محاولين العثور على سبق صحفي لفضيحة الموسم.
"صافيناز هانم ممكن كلمه هنا"
صافيناز هانم... حضرتك مقبوض عليكي ليه؟!
ارتبكت للحظة، ورفعت يدها بسرعة تحاول إخفاء وجهها، وهي تصيح بتوتر وغضب: لوسمحتوا أبعدوا... أبعدوا!
لكنهم ظلوا يلاحقونها بالكاميرات، حتى تدخل بعض الضباط وأبعدوهم بصعوبة، إلى أن تم إدخالها إلى الداخل...
أخذت تتلفت حولها بقلق واضح، تبحث بين الوجوده عن خيال عماد، أو أي وجه مألوف ينقذها من هذا الموقف، ولكن... لم تجد أحد.
استمر الأمناء بدفعها حتي ادخلوها مكتب أحد الضابط، وأُغلقوا الباب خلفها.
ساد صمت ثقيل.
والضابط يجلس على مقعده بهدوء بارد، واضعا قدما فوق الأخرى كأنه يسيطر على المكان بالكامل، أما هي فوقفت أمامه متوترة من الداخل لكنها تحاول إخفاء ذلك.
تحركت تنوي الجلوس، لكنه أشار لها بإيقاف حاسم: أنا اذنتلك تقعدي؟ خليكي واقفه مكانك.
توقفت لحظة، ورفعت حاجبها تتساءلت باستهجان: ممكن أعرف أنا هنا ليه؟
أجابها بنبرة رسمية جافة: في محاضر متقدمه ضد حضرتك من ناس حصلهم تشوه من مستحضرات التجميل اللى مصنعك بيضخها في الأسواق واللى ثبت إنها غير صالحة للاستخدام الآدمي.
اتسعت عيناها بدهشة، وأرتفع حاجباها معا: أفندم؟! أنا منتجاتي من أفضل المنتجات في الشرق الأوسط، ويمكن في العالم كله! أنا مبشتغلش غير بمكونات طبيعية 100%، أكيد فيه حاجة غلط في الموضوع ده.
رفعت ذقنها باستعلاء، وأضافت بنبرة أرستقراطية متعالية: وإللي أنت عملته ده هتدفع تمنه غالي، وأرخص حاجة فيه هتبقى بدلتك دي!
ساد الصمت لحظة، مرر الظابط عينه عليها من أعلي لأسفل، وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه: داخلة حامية أوي انتي...
رفعت ذقنها بكبرياء وثقة: علشان أنت متعرفش بتتعامل مع مين؟ أنا "صافيناز الراوي"
أومأ برأسه، وقال متحفزا وكأنه كان ينتظر هذه الجملة: أنا عارف كويس إنك صافيناز الراوي، وصدقيني حتى لو ده آخر يوم ليا في الخدمة مش مهم ... المهم عندي أجيب حق الغلابة إللي اتشوهوا بسبب مستحضرات التجميل إللي بتبيعوها، أنتِ وإللي زيك دمرتوا ناس كتير وخربتوا البلد.
نظرت إليه باستغراب حقيقي، وقالت بحدة: أنا معملتش حاجه في حد، واللى بتقوله دى استحاله يكون حقيقي.
فتح درج مكتبه بعنف، وأخرج عدة أوراق، ثم ألقاها أمامها بتوضيح غليظ: لا حقيقي وادي المحاضر والتقارير الطبية إللي بتثبت التشوهات، 5محاضر من 5 ستات وشهم اتشوه بسبب منتجاتك العالميه!
قال آخر كلمه باستهزاء واضح، بينما اتسعت عيناها بذهول حقيقي وهي تنظر للأوراق بغضب ورفض: إيه العبط ده؟! أنا أصلا مبشتغلش بمواد كيميائية، كل شغلي طبيعي! أنا بقالي سنين في المجال ده، أكيد فيه حاجه غلط!
ضرب بأصابعه على المكتب وقال بنبرة قاطعة: الكلام ده تقوليه في النيابة، أنا هنا جهة تحقيق، أقوالك إيه فيما هما منسوب اليك؟
ابتعلت ريقها بتوتر: أنا مش هتكلم الا في وجود المحامي بتاعي.
هز رأسه وصاح باستهجان: يبقي تشرفينا في الحجز، وبكره لما تروحي النيابة ابقي هاتي المحامي بتاعك يتكلم زي ما هو عايز.
اتسعت عيناها بصدمه: حجز ايه أنت اتجننت؟! أنا لا يمكن أنزل المكان دة!
رفع حاجبه قائلا بحده ممزوجه بالسخرية: ومتنزليش ليه؟ أنا عندي إثبات حالة ومحاضر رسمية تدينك...
تنفست بحدة محاولة التماسك، ثم رفعت رأسها من جديد تحاول استعادت توازنها وغرورها معا: الاتهامات دي ملهاش أي أساس من الصحة، وأكيد فيه غلط وهيتصلح وصدقني محدش هيتضر غيرك!
صمتت لحظه ثم تابعت ببطء ومساومة: إلا لو صلحت غلطك وسبتني اروح وننهي الموقف السخيف دى لحد هنا.
اقتربت من المكتب خطوة بنظرات مليئة بالتحدى: ساعتها بس ممكن أكتفي بنقلك من القاهرة للصعيد!
أنفجر ضاحكا بسخرية واضحة: أنتِ بتتكلمي كده على أساس إنك إيه بقى؟
رفعت ذقنها بثبات وقالت بثقة متعجرفة: علي أساس إني صافيناز الراوي، واسمع مني ومتاذيش نفسك أكتر من كده، علشان صدقني هتندم.
ابتسم ابتسامة ساخرة: هو الهانم فاكره نفسها في مصنع ولا شركه من بتوعها؟!
هبط بيده على سطح المكتب بعتف: فوقي لنفسك واتكلمي عدل أنت هنا في القسم وتردى علي الاسئلة اللى تتوجهلك وبس!
في تلك اللحظة...
انفتح الباب ودخل ضابط آخر، نظر إليها من أعلى لأسفل بنظرة ساخرة، ثم وجه حديثه لزميله: إيه الأخبار يا سعد باشا؟ اخدت اقولها ولا لسه؟!
اجابه وهو يرمقها بنظرات حادة: من ساعة ما جت مفيش على لسانها غير "انت مش عارف أنا مين؟ أنا صافيناز الراوي" تقريبا مش حافظه غيرها.
زفر وتابع باستهزاء: عرفنا إنك صافيناز الراوي وعندنا قرار جاي من النيابة بحبسك.
تجمدت ملامحها للحظة، بينما أكمل ببرود قاسي: يعني النيابة عرفت أنتِ مين وبعتتك لحد هنا، وإحنا دورنا نثبت ليكي وللي زيك إن مفيش حد فوق القانون.
رفعت ذقنها بتحدي، رغم ارتجاف أنفاسها، وقالت باستهزاء وازدراء: القانون ده اتعمل ليك وللي زيك، مش لينا أحنا..
اقتربت أكثر، ونظرت له بتعالي واضح: وصدقني لو منهتش الفيلم الهابط دى حالا وسبتني امشي من هنا، هتندموا كلكم.
صمتت لحظه، ثم تابعت باستعلاء وهو تضغط على حروف اسم زوجها بثقه: جوزي "عماد زيدان" جاي دلوقتي في الطريق ورايا، وبمجرد مايوصل هيعرفكم قيمتكم كويس اوى.
تبادل الضابطان نظرة سريعة، قبل أن يهز الأول رأسه بسخرية: أنا مش عارف يا توفيق إحنا بنتناقش ليه؟!
ثم صرخ بصوت حاد: يا عسكري خدها علي الحجز!
اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بإهانة واضحة، ونفضت يد العسكري الذي كاد يمسكها، وهي تصيح بغضب: حجز مين؟! أنت اتجننت؟! محدش يقربلي، أنا عايزة أكلم المحامي بتاعي حالا..
رد الضابط ببرود قاتل وهو يقف في مواجهتها مباشرة: المحامي ده كلميه بكرة في النيابة، أصل زمانه نايم ننه دلوقتي.
أشتعل الغضب داخلها، ورفعت يدها فجأة تنوي صفعه، لكنه أمسك يدها في الهواء قبل أن تصل إليه، وشد عليها بعنف، وهو يزمجر بغضب: أنتِ اتخبلتي يا بت؟ وحياة أمك لأعرفك أزاي تعملي كدة..
وفي لحظة خاطفة صفعها صفعة قوية دوى صوتها داخل المكتب.
ارتد رأسها بقوة إلى الجانب، وشهقت بألم حاد، قبل أن يمسكها من شعرها بعنف.
صافيناز بصراخ هستيري: أوعى يا حيوان، والله لأندمك وادفعك الثمن غالي..
صاح بها وعيناه تقدحان غضبا: أنتِ لسانك طويل يا بت ولازم يتقص! وأنا بقي هقصهولك..
أنفعل أكثر وبدأ يصفعها بقوة صفعات متتالية على وجهها، حتى فقدت توازنها وتراجعت خطوات للخلف، تتنفس بصعوبة وعيناها تلمعان بالصدمة.
تدخل زميله سريعا، وأمسك ذراعه وهمس له بحدة:
كفاية... كفاية كدة عايزها تنزل تحت واعية..
توقف للحظة يلهث من الغضب، ثم أومأ برأسه وهو يدفعها بقوة نحو العسكري: خدها أرميها في الحجز، ووصيهم يظبطوها تحت.
تعثرت في قبضة العسكري، وهي تصرخ وتحاول المقاومة، وعيناها ممتلئتان بالدموع والصدمة فلأول مرة في حياتها، يحدث معاها ذلك.
صافيناز بغضب وقهر: وحياة ربنا لأوريك أنت وهو مين هي صافيناز الراوي، مين دي إللي تنزل الحجز!أوعى كده يا حيوان-!متلمسنيش، أنت فاكر نفسك عشان لابس بدلة هخاف! بدلتك دي جزمتي أغلى منها فاهم وبكرة هتبوسها عشان أسامحك.. يا حشرة.. وعماد جوزى جاي دلوقتي وهيقطعلك إيدك اللى اتمدت عليا.
اختفي صراخها تدريجيا والعسكري يسحبها معه عنوه في الممر، وما إن اختفت عن أنظارهما، حتي تبادل الضابطان نظرة قصيرة، ارتسمت فيها ابتسامة باردة خفيفة.
اتجه الثاني يغلق الباب باحكام وهو يردد باستنكار: إيه يا عم إللي عملته ده؟
رد الأول بهدوء وهو يجلس على طرف المكتب: عملت إيه يعني؟ عملت إللي الباشا أمرنا بيه.
رفع الثاني حاجبه: يعني أمرنا نديها قلمين ونشتمها شتيمتين تقوم انت مديها علقه موت؟! لا يا عم لازم برضو يبقي في حدود... مهما كان دي بنت ناس كبيرة، وأبوها مش سهل وحوت كبير أوى..
تنهد الأول يرد بثبات: إحنا واخدين الأمان من سليم باشا.
هز الثاني رأسه ببطء: واخدين الأمان اه، بس دول في الأول والآخر اخوات مسيرهم يتصافوا وإحنا اللى هنروح في الرجلين، وعزت الراوي لازم يتخاف منه برضوا، فنعمل شغلنا في المعقول علشان لو اتسألنا نقول كنا بنفذ القانون مش بننتقم!
أومأ الأول باذعان: عندك حق، بس هي اللى مستفزه.
توقف لحظة، ثم أضاف: المهم أتصل بعرفان باشا بلغه باللي حصل.
أتصل وبعد لحظات قال بنبرة رسمية ممزوجة بثقة: باشا... كل اللى حضرتك أمرت بيه حصل، هي دلوقتي في الحجز، وكل حاجة ماشية زي ما حضرتك عايز.
ضحك الأول بهدوء وقال وهو يقوم من مكانه: خلصنا المطلوب وكسرنا غرورها من غير ما نسيب أثر واضح، والشغل ماشي زي ما الباشا عايز بالظبط، المهم يكون مبسوط مننا..
جاءته الإجابة بصوت هادئ وواثق: أكيد هيكون مبسوط منكم خصوصا لما الموضوع يكمل زي ما اتفقنا.
أجاب الضابط الأول بسرعة: متقلقش كل إللي في التخشيبة يا شمال يا بلطجية يعني هتتروق..
أجابه بايجاز: تمام ولو فيه أي جديد بلغوني.
في الحجز
ظل العسكري يسحبها بقوة، وهي تصرخ وتتوعد وصوتها يملأ الممر بغضب وهيستيريا.
وصل إلى باب الحجز، فتحه بعنف، ثم دفعها إلى الداخل دفعة قاسية أفقدتها توازنها.
اندفعت نحو الباب تضرب عليه بكل قوتها وهي تصرخ والدموع تسيل من عينيها من شدة الاهانه التي تعرضت لها: أفتح الباب! أفتحوا يا حيوانات! أنا هوريكم! والله لأعرفكم أزاي تعملوا كده مع صافيناز الراوي، عماد مش هيسيبكم.
التفتت بأنظارها نحو المسجونات باشمئزاز؛ بعضهن يرتدين عبايات سوداء، وأخريات بملابس عادية، وهناك من ألتففن بملايات حول أجسادهن.
نهضت إحداهن من مكانها، وصاحت بها: اتنيلي اتلقحي من سكات مش عايزين وجع دماغ هنا!
نظرت لها من أعلى لأسفل باستعلاء دون رد، وعادت تضرب علي الباب بعنف مرة أخري.
في تلك اللحظة، اقتربت منها امرأة قوية البنية، يبدو عليها السوقية، وبصوت يحمل نبرة غزل مريبة قالت وهي تتحسس كتفها: إلا إيه الجمال دي كله؟ أنتِ اسمك يا أمورة؟
نظرت لها صافيناز بحدة، وسحبت كتفها بعيدا: أبعدي عني، متلمسنيش.
اقتربت منها امرأة أخرى، أكثر خشونة في ملامحها، وقالت بسخرية: أنتِ جاية في ايه يا غندورة
ثم لمست الفستان والمجهورات: وإيه الحاجات الحلوة دي؟
صاحت صافيناز من بين أسنانها: قولت أبعدي عني.
لكن المرأة لم تهتم، ومدت يدها نحو صدرها تتحسس العقد التي ترتديه وهي تقول: العقد ده يلزمني...
شدته من صدرها بعنف فجأة، فصاحت صافيناز باشمئزاز: أبعدي عني يا حشرة أنتِ!
صاحت المرأة باستهجان وغلظه: بقي أنا حشرة؟! طب وحياة أمك لأعرفك مين الحشرة هنا.
وفجأة اجتذبتها من شعرها بعنف، لتتعالى صرخاتها وهي تتأرجح بين يديها، بينما ألتفت حولها الأخريات وأخذوا يهبطون عليها بالصفعات والركلات بلا رحمة.
كانت الضربات تتوالى عليها من كل إتجاه، وهي تصرخ بأعلى صوتها، وتحاول أن تفلت أو تحمي نفسها، لكن الكتلة البشرية حولها كانت تزداد شراسة وثقلا حتى خارت قواها تدريجيا.
وبعد لحظات من العنف المتواصل هدأت الحركة فجأة، وتراجعت النساء إلى الخلف.
بينما كانت صافيناز في حالة يرثي لها، الدماء تسيل من فمها والكدمات تملئ جسدها بالكامل، وقد انتزعت عنها مقتنياتها، ومزقوا ملابسها بالكامل حتى أصبحت عارية تماما، لتبقى في وضع مهين وهي تحاول ستر جسدها بيدين مرتجفتين، وقد غلبها الذهول قبل الألم.
جلست على الأرض، بجسد مرتجف وعيناها تلمعان بالدموع، وصوتها خرج متهدجا مكسورا وهي تصرخ بإنفعال ممزوج بالوعيد: والله لأندمكم، ومش هسيب حقي! يا حشرات يا رعاع..
وفي تلك اللحظة، ألقت إحدى النساء ملاية أمامها، فاندفعت إليها بسرعة وارتجاف ولفتها حول نفسها تحاول ستر جسدها المرتجف وعيناها غارقتان في الدموع، وسط شعور قاسي بالانكسار والصدمة.
وظلت تهزي ببكاء وانفاس متهدجه: والله... ما هسيبكم... مبقاش أنا صافيناز الراوي إن ما دفعتكم التمن غالي!
لكن كلماتها هذه المره خرجت بلا قوة، كوعد منكسر بدلا من التهديد.
وفجأة، صاحت بها مسجونة آخرى بنبرة حادة: بطلي نواح يا اختي عايزين ننام، لو سمعت صوتك تاني هقوم ادفنك مطرحك، مش ناقصين دوشة!
ارتجفت أكثر، وازداد بكاؤها بصمت، وهي تضم نفسها بذراعيها، وقد انكسر فيها شيء لن يكون سهلا ابدا التئامه.
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،12صباحا
هبط سليم إلى الحديقة، وتوقف في منتصفها غارقا في أفكاره، وحديث ماسة لا يزال يتردد في ذهنه ويضغط عليه بثقل واضح، رغم محاولته إخفاء ذلك خلف ملامح هادئة.
أخرج سيجارة وأشعلها، وأخذ يسحب منها نفسا تلو الآخر، كأن الدخان وسيلته الوحيدة للسيطرة على ما بداخله.
لم يمر وقت طويل حتى اقترب منه مكي: سليم صافيناز نزلت الحجز.
أومأ برأسه بصمت، دون أن يلتفت إليه.
ضيق عينه، وتسأل بقلق: أنت كويس يا سليم؟
خرج صوته منخفضا: ممم.
تردد مكي قليلا، ثم سأله: طب هتعمل إيه دلوقتي؟
ظل ينظر أمامه، وقال بهدوء بارد: ولا حاجة؟! بكرة هبقى أروحلهم المستشفى امثل الخوف والقلق والاهتمام زى ما كان الباشا عايز يعمل معايا وهو بيلبس مراتي قضية آداب، المهم بكرة تنفذ إللي قولتلك عليه.
تنهد مكي، وقال بحزم: قولتلك أنا مش قابل الموضوع ده يا سليم!
أدار رأسه، ونظر إليه نظرة حادة: وأنا مش باخد رأيك يا مكي، ومش عايز أي نقاش، إللي في دماغي هيتنفذ.
قال بهدوء محاولا إقناعه: طب نسمع بعض بس..
قاطعه بحدة: مفيش حاجة هسمعها، إللي أنا عايزه هيتم يعني هيتم، هي مش أحسن من مراتي في حاجه، خليها تدوق من أفكارها وعمايلها.
هز مكي رأسه برفض واضح: لامش هيتم يا سليم، دي أختك مهما كان، اصريت تنزل الحجز وتتضرب ووافقتك، كفاية لحد كدة، لكن اللى أنت عايزه دى جنان، أنت عمال بتغرز في الوحل وأنت مش واخد بالك.
نظر إليه بصمت للحظه، والتعب ظاهرا في عينيه، كأنه لم يعد يملك طاقة للدخول في جدال، زفر ببطء وقال بمهاودة: ماشي يا مكي.
نظر إليه بشك: بجد؟ يعني مش هتعمل إللي قولت عليه؟
أعاد نظره للأمام، وقال بجمود: أنت إللي كنت ماسك الموضوع مين هيعمله غيرك؟ سيبني دلوقتي، أنا محتاج أبقى لوحدي.
تأمله مكي قليلا، ثم ربت على كتفه: طب مالك، فضفض معايا، مش دى اللى كنت عاوزه؟
ابتلع غصة بحلقه، وهز رأسه: أنا بس محتاج أفكر في إللي جاي، إللي جاي مش سهل.
صمت لحظة، ثم تساءل: عماد عمل إيه بعد الفديو اللى اتنشر؟
أجابه سريعا: مش عارف هكلم عرفان وأشوف.
أومأ سليم برأسه، وبقي واقفا في مكانه، ينفث دخان سيجارته ببطء، وعيناه ثابتتان أمامه، كأنه يرى ما لا يراه أحد غيره.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
الملهي الليلي،12مساء.
دخل رشدي المكان، فلمح أصدقاؤه جالسين، فرفع يده بإشارة سريعة، واقترب يصافحهم وجلس معهم.
تساءل احدهم باستغراب: إيه يا عم إللي حصل عندكم ده؟!
هز كتفه بلا مبالاة: عادي يعني، هي أول مرة؟
ضحكت إحدي صديقاته: وأنت جاي كده عادي؟! أنا سمعت إن أبوك وقع من طوله واتنقل علي المستشفي!
رد ببرود: يعني هروح أعمل إيه؟
تدخل صديق آخر قائلا بحماس: تعمل كتير، ده وقتك! تثبت إنك جامد وتاخد مكان سليم.
ضحك بسخرية خفيفة: يا عم سليم مين ده إللي آخد مكانه، أنا سيبت الجو ده من زمان، فكتني منه، المهم معاك اصطباحة؟
ابتسم صديقه وهو يدخل يده في جيبه: أيوة معايا... استنى.
أخرج كيس صغيرة وقذفه نحوه: أمسك.
أخذها بسرعة، وبدون تردد سكب القليل منها علي الطاولة وقربها من أنفه.
سحب نفسا طويلا، ثم عاد بظهره يغمض عينيه للحظات بارتخاء، فعلق صديقه بسخرية: شكلك خرمان علي الآخر.
فتح عينه ببطء، واومأ له بصمت كأنه فقد القدرة علي الحديث بعد تغذيه احتاج جسده المنهك.
مرت دقائق حتي شعر باستعادة توازنه الداخلي، فمال علي صديقه بهمس: بقولك يا مختار عايز كنت عايز كمية تكفي أسبوع أو أكتر، مي شافتهم واضطريت اقولها إنه دوا بايظ ورمتهم..
ضحك مختار بسخرية: وصدقت؟
رشدي وهو يحتسى من كاس عصير: أيوة صدقت كنت مخبيهم في إزازة دوا.
وأضاف بضيق: كمان اليومين دول الباشا قافش عليا؛ بسبب حوار الكوبري وموقف الأرصده بتاعتي.
ابتسم مختار وهو يربت على كتفه: أنا عيني ليك يا رشروش، أنت طول عمرك مظبطنا، هبعتلك ربع تخليه معاك يكفيك شهرين.
أومأ رشدي: ماشي.
مدت إحدى الفتيات يدها بكأس وقدمته له بابتسامة:
خد ده في صحة الانفجار.
هز رأسه برفض، وهو يبعد الكأس عنه: لا مش عايز، مي ممكن تشم ريحته مش عايز زن ووجع دماغ، أنا جاي اروق دماغي وأقعد معاكوا شوية علشان وحشتوني.
ثم التفت نحو مختار وقال بنبرة أهدئ: أبعت بقى يا مختار هاتلي الحاجة..
أومأ وهو يهم بالنهوض: حاضر هبعت أجبهالك حالا.
عاد رشدي برأسه إلى الخلف، مستندا على المقعد، وعيناه شاردتان في الفراغ، والأفكار تتزاحم في رأسه، فيماحدث... وما يجب أن يفعله الآن؟!
أغمض عينيه للحظة، وارتسمت على وجهه ملامح متوترة نتيجه لصراعه الداخلي بين وعده لها واحتياج جسده.
تنفس ببطء، وحاول إقناع نفسه أنه سيأخذ جرعه أكثر بقليل من التي تعطيها له، مجرد جرعه صغيره أخري تساعد جسده المنهك على استعادة توازنه.
قالها داخله متمسكا بالفكرة، محاولا تثبيط ضميره الذي يلومه على ضعفه خذلانه لها.