رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثانى والثلاثون 32 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثانى والثلاثون 32 ج 2 
بقلم ليله عادل



منزل سارة،12صباحا.

دخل عماد يلهث وينادي بصوت مرتفع: ساررررة! سارة!

خرجت من الغرفة، تتساءل باستغراب: في إيه يا عماد، بتزعق كده ليه؟

نظر إليها بحدة، وقال بضجر: في مصيبة سودا.

رفعت حاجبها، وردت ببرود: اها شوفت إللي حصل في الحفلة..انت بقي عامل كدة عشان الحفلة؟!

قاطعها وهو يصيح بغضب: حفلة ايه؟! ما تولع، أنا بتكلم عن مصيبة أكبر بكتير، ولو طلعتي أنتِ اللي وراها، حسابك هيبقي تقيل معايا.

ضاقت عيناها: أنا ورا إيه؟! أنت بتتكلم كده ليه؟

أخرج هاتفه، والقى بين يديها بعصبية: أتفرجي يا هانم.

أخذت الهاتف، وفتحت الفيديو، فاتسعت عيناها بصدمة: يا نهار أسود... إيه ده؟!

رفع صوته بعصبيه هوجاء واتهام: هيكون ايه؟ متصور مع مراتي في أوضة نومي! إزاي ده حصل؟!

هزت رأسها برعب: معرفش! معرفش ده حصل أزاي!

صرخ فيها: أومال مين اللى يعرف؟ المكان ده محدش يعرفوا!

فهمت مقصدة صاحت بعصبية:هو انت فاكر إني إللي عملت كده؟! هفضح نفسي يعني؟! أنت اتجننت يا عماد فوووق

مسح وجهه بقلة حيلة وهو يردد بغليان: الفيديو نزل يا سارة ومغرق السوشيال ميديا.

اتسعت عيناها حتى كادت تخرج من محجريهماة ايه؟!
تابع وهو يضغط على أعصابه: نزل دقيقة كاملة، وشوشنا مش باينة، بس هددني إن المرة الجاية هينزل كامل.

، ردت باستهجان: وبدل متروح تدور، مين ورا القرف ده، جاي تتهمني؟! 

صمتت لحظه، ثم تابعت بوجل: معني كده إن فيه كاميرات مزروعه في البيت هنا؟ قوم معايا بسرعه ندور.

أومأ وهو يحاول التحكم في توتره: أنا كلمت ناس تجيب أجهزة تفحص المكان، ولو فيه أي كاميرات هنلاقيها، بس لازم ندور إحنا كمان لحد مايجوا.

وبالفعل بدأوا بالبحث في المكان، ومع وصول رجال عماد، بدأ التفتيش بدقة في الغرف.

توجهوا إلى غرفة النوم، ووبعد قليل استطاعوا العثور علي الكاميرا وتم تكسيرها فورا.

سألت سارة بقلق: الكاميرا دي دخلت هنا أزاي؟

نظر إليها بحدة، وقال بإنفعال مكبوت: بتسأليني أنا؟! في حد غريب دخل البيت هنا اليومين اللى فاتوا؟ أو أي حد صحابك؟

رفعت صوتها والغضب واضح في نبرتها: قولتك مافيش حد يعرف المكان ده أصلا! وبطل بقى نظرة الاتهام إللي أنا شايفاها في عينيك دي!

حاول تهدئة نبرته، لكنه ظل متوترا: أنا مش بتهمك يا سارة، بس قدري الموقف اللى أنا فيه، والنار اللي بتغلي جوايا وأنا عارف إن الناس دلوقتي قاعده تتفرج عليا أنا ومراتي!

أمسك وجهها بين يديه وتابع بجدية: ركزي معايا، ممكن يكون حد من صحابنا، فيه ناس كتير خاينة ويبيعوا بسهولة.

صمتت للحظة تفكر بقلق واضح، وعيناها تتحركان في المكان كأنها تعيد المشهد في رأسها، ثم قالت بصوت مضطرب: يمكن حد كان بيراقبني، ودخل وأنا مش موجودة صدقنى محدش بيجي هنا.

ساد صمت ثقيل للحظة، وكأن الفكرة فتحت بابا أخطر مما توقعا.

قال ببطء، وكأنه يربط الخيوط: إللي عمل كده أكيد حد من رجالة رشدي، هو قالي إنه ماسك علينا حاجة خطيرة، بس متوقعتش ابدا يكون بالقذارة دي.

اتسعت عيناها: وهيستفيد إيه من كل اللى بيعمله دى؟!

اجاب ببرود قاسي: بينتقم، علشان فضحته قدام مراته.

شدت على أسنانها: رشدي كده بقى خطر وعدي كل الخطوط الحمرا، الفيديو ده لو اتساب إحنا هنتفضح ونضيع، رشدي لازم يتقتل ياعماد النهاردة قبل بكرة.

هز رأسه وقال بصوت منخفض: أنا بفكر في نفس الإتجاه، بس لازم ننفذ بهدوء من غير تهور، علشان لو حد دور ورا الموضوع ميوصلش لحاجة.

ردت: زي حادثة سليم؟

أومأ: أيوة، بنفس الطريقة.

قالت بفحيح أفاعي: خلاص هات الناس إللي عملوا حادثة سليم.

هز رأسه: معرفهمش، أعرف الوسيط بس.

قالت بحسم: كلم الوسيط وهو هيعرفك عليهم، ومهما كان الرقم اللى يطلبوه مش مهم، المهم يخلصوا الموضوع دي في أقرب وقت ومن غير مايسيبوا أي دليل وراهم..

صمتت لحظه وغشت الدموع عيناها وهي تردد: والفيديو دى لازم يتمسح بأي شكل، أنا مش مصدقه إننا اتصورنا بالشكل دة لا هقبل الفضيحه دي.

تنهد وجلس على الاريكه بانهاك: كلفت حد يحذفه طبعا.

جسلت بجانبه تتساءل: وقالك ايه؟ 

أجابها باختناق: بيقول إنه نازل من سيفرات قوية وعليه حماية عالية، فهياخد وقت على مايقدر يمسحه.

اتسعت عينها برعب: يانهار اسود يا عماد، يعني إيه مش عارف يمسحه!

أمسك بيدها يحاول تهدئة نفسه قبلها: أكيد هفضل وراه لحد مايتمسح يا سارة، أهدى والنبي أنا مش ناقص.

جلست تحدق في الفراغ بشرود وهي تقضم أظافرها بتوتر، ثم تساءلت: طب صافيناز اتقبض عليها ليه صحيح؟!

هز رأسه: معرفش، أنا كنت رايح وراها بالعربيه وفجأة اتبعتلي الفيديو تفكيري اتشل، لفيت وجيتلك. 

رفعت حاجبها: طب وهتعمل إيه معاها؟ 

أجاب بهدوء ثقيل: هبعتلها المحامي وبكرة أروحلها، الساعة دلوقتي بقت2.

سارة بقلق واضح: فيه حاجة غلط بتحصل، لازم نفهم إيه إللي بيحصل بالظبط.

تنفس بحدة، وقال بنبرة حاسمة: أنا مش فارق معايا أي حاجة دلوقتي غير إننا نخلص من المصيبه دي، الباقي مش مهم.

نظرا لبعضمها بصمت، بينما ظل القلق حاضرا في ملامحهما رغم اتفاقهما.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل

قصر الراوي،2صباحا

كانت ماسة لا تزال جالسة في الغرفة، القلق والحزن يثقلان ملامحها.

بعد قليل، دخل سليم.

وما إن رآته حتى وقفت سريعا، وقالت بلهفة: سليم...

ألقى عليها نظرة سريعة بوجه جامد ثم قال: لسة صاحية؟

اقتربت منه بخطوات مترددة: كنت مستنياك، اتأخرت أوي تحت، روحتلهم؟

لم يجبها، وتوجه مباشرة إلى غرفة الملابس، وبدأ يخلع سترته بهدوء متعب.

تبعته وظلت واقفة عند الباب، ثم قالت بصوت أخف: مرديتش عليا ليه؟

رد دون أن يلتفت: مكنتش في حتة، كنت تحت في الجنينة.

صمتت لحظة، ثم سألت: طب هتعمل إيه دلوقتي؟

أجاب باختصار: هنام، دماغي محتاجة تهدى، بكرة يوم طويل.

ثم أضاف بنبرة أهدأ: وأنتِ نامي وارتاحي.

اقتربت منه، ومررت يدها على كتفه بحنان: ماشي يا حبيبي أرتاح.

ساعدته في تبديل ملابسه بصمت، وهي تراقبه بقلق واضح، لكنها كانت تدرك أن الوقت ليس مناسبا لأي نقاش.

بعد لحظات، تحركا نحو الفراش، نظر إليها فجأة وقال بحدة هادئة: ياريت متقعديش تبصيلي كده.

رفعت عينيها إليه وقالت بدلال محاول التهوين عليه: أنا ببص على حبيبي، أبص براحتي.

أجابها ببرود: بس مش بالنظرة دي.

صمت لحظة، ثم قال بصوت أخفض لكنه أقسى: أنا طبيعي وإللي حصل طبيعي، هو ده إللي كنت مخططله.

رمشت بعينيها بصمت، أما هو فأكمل بصوت ازداد قسوة: قلبك الحنين ده هيتكسر غصب عنه، وكل ماتحسي إنك رقيتي، افتكري كل حاجة عملوه فيكي..

ثم أدار وجهه قائلا: ومش عايز رد ولا مناقشة، نامي يا ماسة.

هزت رأسها بصمت، ودموعها تجمعت في عينيها دون أن تسقط، نظرت إليه نظرة حب ممزوجة بألم ثقيل، كأن وجعه يمر داخل قلبها هي.

ثم تمددت على الفراش بجواره، كان سليم مستلقيا على ظهره يحدق في السقف بشرود، فاقتربت منه وقالت بصوت خافت: طب خدني في حضنك.

لم يعترض، فوضعت رأسها على صدره، وأمسكت يده، وسحبتها لتلتف حول جسدها، كأنها تبحث عن أمان ضائع.

ثم رفعت وجهها ووضعت قبلة صغيرة على خده تحمل حبا وحنانا، في محاولة لتهدئته دون كلمات، نظر إليها من طرف عينه، وابتسامة مرهقة مرت علي شفتيه.

مال ورد لها قبلة أهدأ، ثم ضمها إليه أكثر، لم يحتاج الأمر وقت طويل حتى سكن كل شيء، واستسلما معا لنوم عميق، هربا من عالم لم يعد يحتمل.

على إتجاه آخر.

جناح رشدي ومي.

دخل رشدي الغرفة بهدوء فوجد مي نائمة بعمق، اقترب منها بحذر، يتأكد من ثبات نومها وحين اطمأن، ابتعد واتجه إلى غرفة الملابس.

وقف أمام أرفف الأحذية، وفتح أحد الأدراج، أزاح حذاء جانبا، ثم أخرج من جيبه أكياس البودرة ووضعهم، لكنه اخذ أحدهم واغلق المكان كما كان دون أن يترك أثرا..

ثم اتجه إلى الحمام وفتح خلف المرآة، ووضع الكيس بعناية في مكان خفي، وكأنه اعتاد هذا الفعل.

ثم عاد إلى الغرفة مرة أخرى، ابدل ملابسه، واستلقى بجوارها، واضعا يديه خلف رأسه، وعيناه معلقتان بالسقف للحظات.

التفت إليها، وأخذ يتأملها طويلا بصمت، ثم تنهد ببطء، وجذبها إلى أحضانه وطبع قبلة طويلة فوق جبينها، في محاولة يائسة ليقنع نفسه أن ما فعله ليس خيانة.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل

القسم،7صباحا.

كان المكان في الخارج يعج بالمصورين والصحافيين، الذين يحاولون الحصول على أي معلومة لكن دون جدوى.

بعد لحظات، أعطى أحد الضباط أوامره بحزم:
جهزوا المساجين اللى هيترحلوا على النيابة.

أومأ العساكر بطاعة، وبدأوا بتنفيذ الأوامر.

في الحجز

كانت صافيناز لاتزال تجلس على الأرض في زاوية الزنزانة، تضم جسدها بارتجاف، وعيناها منتفختين من كثرة البكاء.

أما باقي السجينات، فجلسوا حولها بلا مبالاة يضحكن ويتبادلن الأحاديث، وكأن مايحدث أمر عادي.

فجأة، فتح باب الزنزانة بقوة.

دخل العسكري، وخلفه الأمين، وصاح بصوت خشن: يلا يا ختي أنتِ وهي! أقفوا طابور جنب بعض، يلا بسرعة!

بدأت السجينات في الوقوف، واحدة تلو الأخرى
لكن صافيناز ظلت مكانها...

اقترب منها الأمين، ونظر إليها بحدة: وأنتِ يا روح أمك! مقومتيش ليه؟ يلا قومي!

رفعت عينيها إليه بصدمة، وكأنها لا تستوعب مايحدث.

اقترب أكثر، وقال بغلظة: بتبصيلي كدة ليه؟ قومي فزي!

أمسكها من كتفها بعنف وأجبرها على الوقوف، فقامت معه بصمت كأنها فقدت القدرة على الكلام، أو ربما يكون عقلها توقف من شدة الصدمة.

وقبل أن تخرج من الزنزانة، توقفت فجأة وقالت بصوت مرتجف مكسور: أنا... أنا مش هطلع كده أنا عايزة هدومي.

نظر لها الأمين بسخرية: أجيبلك هدومك منين؟ وبعدين أنا مالي؟ أنتِ جاية كده.

صرخت بإنفعال: جاية كدة أزاي؟! أنا كنت لابسة فستاني، أنا مش هطلع كده!

زفر الأمين بعصبية: بقولك إيه متصدعناش علي الصبح إحنا لسه ماصطبحناش! انجري قدامي.

أمسكها من كتفها بعنف يسحبها للخارج، وهي تصرخ وتبكي وتحاول المقاومة: أنا مش هخرج كده! عايزة هدومي! أوعوا يا حيوانات سيبوني..

لكن لم يرد عليها أحد، واستمروا في دفعها بعنف، حتى خرجت خارج القسم، وما إن ظهرت عند الباب حتى اندفع المصورون نحوها يلتقطون لها العديد من الصور، ويطرحون العديد من الأسئلة.. 

"صافيناز هانم! إيه إللي حصل؟!"

"إزاي حضرتك هنا؟!"

"إيه التهمة؟!"

"إيه إللي حضرتك لابساه ده؟!"

وضعت يديها على وجهها بسرعة، تحاول إخفاء ملامحها، وتتحرك في هلع نحو سيارة الترحيلات.
كانت تريد فقط أن تصعد وتختفي عن أعينهم.

في تلك اللحظة، سأل أحد الصحفيين عسكري كان يقف بالقرب منه وهو يعطيه مبلغ من المال في يده: متاخدة في إيه دى يا دفعة؟

رد ببساطة، وكأنه يقول أمر عاديا: آداب.

اتسعت عينا الصحفي بصدمة: بتقول إيه؟!

رد العسكري ببرود: إللي سمعته كلهم جايين آداب، ووسع بقى.

ابتسم الصحفي ابتسامة واسعة، ورفع هاتفه سريعا، واتصل بأحدهم وقال بنبرة مليئة بالنشوة: أنا عندي خبر ليك بمليون جنيه..

النيابة،8صباحا.

دخلت صافيناز الغرفة بخطوات متعثرة، يجرها العسكري من ذراعها، بينما تمسك بالملاءة بيدها الحره محاولة الحفاظ على ستر جسدها.

ما إن دخلت حتى رفع وكيل النيابة رأسه من الملف أمامه، ونظر إليها بدهشة واضحة، ثم قال بحدة: فكها يا عسكري.

فك العسكري قيد من يديها، فتساءل وكيل النيابة باستنكار: إيه إللي عمل فيها كده؟

كاد ان يرد العسكري، لكن صافيناز سبقته تردد بانهيار: ضربوني في الحجز، وقطعولي هدومي!

نظر لها وكيل النيابة لحظة طويلة، ثم قال ببرود: فين المحامي بتاعك؟

هزت رأسها بارتباك: معرفش، والقضية اللي أنا متهمه فيها دي متلفقه، أنا معملتش حاجه..

أجابها بنبرة ثقيلة: متلفق دي هنشوفها بعدين، أنتِ متهمة في قضية غش تجاري، وتداول مستحضرات تجميل غير صالحة للاستخدام الآدمي، وتصنيع وترويج مواد تحتوي على مركبات كيميائية ضارة، تسببت في تشوه وجوه عدد من السيدات وحرروا محاضر بالواقعة! إيه ردك؟

صافيناز بثقة حاسمة: الكلام ده كدب مفيش حاجة فيه صح؟

أجابها ببرود: يعني المجني عليهم بيكدبوا؟ والتقارير الطبية كمان بتكدب؟

هزت رأسها بعصبية: أكيد كدابين! وأنا هرفع قضية تشهير.

ثم أضافت بانفعال: وبعدين أنا عايزة هدوم مينفعش أفضل واقفة كده!

رفع عينيه إليها بحدة: أنتِ هتردي على الأسئلة الأول، وبعدين نشوف موضوع الهدوم..

ثم مال للأمام قليلا، وعيناه ثابتتان عليها: تفسري أزاي التقارير الطبيه وإصابات الضحايا؟ بعد ماستخدموا كريمات البشره بتاعتك؟! مكتوب عندي إن هما أكثر من ضحية من أكثر من مكان مختلف، كلهم بيكدبوا؟! 

ترددت لحظة، ثم رفعت ذقنها بتحدي: أنا مش هتكلم غير في وجود المحامي بتاعي.

رد بإحترام: من فضلك ردي على الأسئلة.

قالت بتعنت: وأنا قولت مش هتكلم إلا بوجود المحامي بتاعي، أنا عايزه اكلم جوزى والمحامي بتاعي، من حقي مكالمة.

كاد أن يرد عليها، ولكن قاطعه دق الباب، دخل العسكري بسرعة: محامي المتهمة يا فندم.

وكيل النيابة بهدوء: خليه يدخل.

دخل مازن مسرعا، بملامح متوترة، ما إن رأته صافيناز حتى اندفعت نحوه، تصرخ بإنهيار: أنت ازاي تسيبني لحد دلوقتي؟!

قال وهو يلتقط أنفاسه: كنت مسافر وجاي من الغردقة، حاولت أبعت محامي غيري بس...

قاطعته بحدة: بس إيه؟! والله لأدفعك التمن يا مازن!

رفع يده محاولا تهدئتها، ثم التفت إلى وكيل النيابة: بعد إذن حضرتك، أنا عايز أطلع على ملف القضية.

مد وكيل النيابة الملف نحوه ببرود.

تصفحه مازن بسرعة، وملامحه تزداد توترا، ثم قال: أنا بطلب إخلاء سبيل موكلتي بكفالة، بأي مبلغ تحدده النيابة.

اجابه بعملية ثقيلة: إخلاء سبيل أزاى يا فندم وأنا قدامي تقارير واضحة، والاتهامات المنسوبة ليها خطيرة.

اقترب مازن خطوة، وقال بنبرة محسوبة: حضرتك أكيد عارف الهانم بنت مين، أرجو من حضرتك توافق على إخلاء سبيل لحد ماتقرير المعمل الجنائي يخرج، الهانم اسم كبير في السوق واكيد حد من الاعداء لفقلها التهمه دى.

صمت وكيل النيابة لحظة، ثم قال: تمام، أكتب يابنى؛ أمرنا نحن وكيل نيابة قسم أول المعادي إرسال لجنة من المعمل الجنائي لفحص منتجات التصنيع المستخدمه، وإخلاء سبيل المتهمة صافيناز عزت على الراوي بكفاله قيمتها 100ألف جنيه بضمان محل إقامتها، إذا لم تكن متهمة على ذمة قضايا أخرى.

نظر اليها وتابع بتأكيد: طبعا مفيش سفر برة مصر ولا حتى خارج القاهرة...

تنفست صافيناز براحة، كأنها عادت للحياة.

مازن فورا: تمام يافندم، المبلغ هيتدفع حالا.

صافيناز بصوت مرتجف: أنا مش هخرج من هنا كده، عماد فين؟

مازن بتردد: عماد بيه كلمني بالليل وواقف بره دلوقتي، بس ممنوع من الدخول.

اومأت بتعب واضح، ووقعت على أقوالها، ثم خرجوا سويا.

وما إن خطت خارج الباب، اندفع عماد نحوها: صافي!

ارتمت كلماته على مسامعها كنجدة متأخرة، فانفجرت فيه: كنت فين يا عماد؟! أزاي تسيبني كل ده؟! إزاي تسيبهم يعملوا فيا كده؟

احتواها بين ذراعيه بسرعة: أنا آسف يا حبيبتي غصب عني، مرضيوش يدخلوني، كان فيه حوارات كبيرة هفهمك كل حاجة بس نروح، المهم دلوقتي إيه إللي حصل؟ وإيه اللى لابساه ده؟!

أجابته بنحيب وانهيار وهي تدس وجهها داخل صدره: ضربوني يا عماد وقطعولي هدومي.

بينما تابع مازن موضحا: أنا خرجتها بكفالة 100ألف، لحد مانشوف هنعمل إيه.

أومأ برأسه، وهي يربت على رأسها المندسه بصدره: تمام يا متر ادفع المبلغ وبلغ للسواق يجيب هدوم لصافي. 

اومأ برأسه وابتعد يفعل ما أمره به.

رفعت صافيناز عينها نحوه بنظرات منكسره، وملامح منهكة: أنا اتبهدلت خالص يا عماد، ضربوني وبهدلوني الحيوانات.

وارتمت في أحضانه مرة أخري، فاحتواها وهو يربت على ظهرها برفق واحتواء بدا دافئا من الخارج لكنه كان مغموسا بزيف خفي.

قصر الراوي،9صباحا

كان سليم في الحديقة، يؤدي تدريباته الرياضية بقوة واضحة كأنه يفرغ غضبا مكبوتا بداخله، يتحرك بين الركض والبوكس بأنفاس متقطعة دون توقف.

اقترب مكي، يحمل مجلة بين يديه، توقف أمامه، معاتبا بضجر وهو يرفع المجلة أمامه: برضو عملت إللي في دماغك؟ كنت بتسكتني إمبارح؟!

تابع تدريباته بجمود دون أن يلتفت له، فتابع مكي يذكره: هي اسمها صافيناز الراوي علي فكرة يا سليم يا راوي.

لم يري منه أي استجابة، فاقترب يقول بصوت أكثر جدية: يعني الناس لما هتتكلم هتقول إن صافيناز الراوي أخت سليم الراوي اتقبض عليها في شقة دعارة وإنها بتدير شبكة دعارة دولية!

سليم بابتسامة بارده: جميل هو ده إللي كنت عايزه.

رد عليه بعدم رضا وضيق: هو إيه إللي كنت عايزه؟! يا ابني فوق قبل ما نار انتقامك تبلعك أكتر من كده.

تغيرت ملامحه قليلا، وسأله بجمود واستنكار: أنت زعلان على صافيناز؟

هز رأسه بحزن: أنا زعلان عليك أنت يا سليم! زعلان علي سليم أخويا إللي انتقامه بدأ يعميه ويخليه يغلط ويتغير..

اومأ برفض وإقنناع تام: أنا معملتش حاجه جديدة عليها، أنا خليتها تعيش نفس الاحساس إللي كانت عايزه تعيشه لماسة

نظر إليه بعيون جريحه مفسرا: ده أنا حتي كنت رحيم معاها ومحطتهاش في شقه دعارة بجد ولا نيمتها في حضن راجل غريب زى ماعملت مع مراتي علشان تظبطها عليها، سبتها إشاعات سهل تكديبها. 

ثم مال عليه وتابع بنبرة أخطر: وزي ما هما مفتكروش إن اسمها ماسة سليم الراوي، أنا كمان مش هفكر إن هي صافيناز عزت الراوي يا مكي..

تصلب صوته فجأة، وكأنه أعلان حرب بعينين غامت بالسواد: ومش هرحم حد مرحمنيش أنا ومراتي مهما كانت النتيجة، حتى لو هغرق في الوحل وهتحرق بنار انتقامي زى مابتقولوا، مش فارق...

ساد صمت قصير، قبل أن يتنهد مكي ببطء: طب ممكن كفاية لحد كده يا سليم؟

اقترب منه خطوة، وعيناه ثابتتان عليه: خد ماسة وسافر وأبعد عن كل ده..

لم يرد، فاستكمل مكي كلامه: الانتقام مش هيرجع حاجه من السنين اللى ضاعت منكم، بل بالعكس هيضيع منكم السنين اللى في أيدكم دلوقتي! 

صمت لحظه يمرر عينه على ملامحه يحاول معرفة تأثير الكلمات عليه، فلم يري سوي الجمود، فتابع بمهاودة: إللي عملته خسرهم ملايين وخسروا كتير في البورصه ومش سهل يرجعوا يقوموا علي رجليهم تاني، ومفاضلش غير رشدي، وري مي الكام صورة اللى معانا والحاجات اللى جمعناها وخلي ماسة تحكيلها اللى عمله فيها وقتها هيخسرها، وصافيناز عرفها بحوار عماد، ومنى خلاص اخذت جزائها.

نظر داخل عينيه مباشرة وهو يمسك كتفه وكأنه يترجاه: سليم أرجوك خد ماسة وسافر وكفاية انتقام، علشان أنا مش هسمحلك تكمل في الطريق ده أكتر من كدة، مش عايزك تبقى وسخ زيهم، عايز إيه تاني بعد كل إللي أنت عملته؟

رد دون تردد، بخفوت مخيف: لسه حساب السنين والشهور اللى عشت متعذب فيها وأنا بسأل نفسي عملت إيه غلط ومش لاقي إجابه؟! أنا لسه معملتش حاجه دي مجرد بداية..

اتسعت عينا مكي بصدمة، وقال بعصبية: كل ده ولسه معملتش يا سليم؟! أنت مش هتفضل تلعب في الدرى كتير، مسيرهم هيعرفوا إن أنت اللى ورا كل دى، وساعات هتبقي بحور دم!

أجابه بجمود: تبقي!

أشار مكي بيده، وتابع بقوة: أنت بتغلط، وبتقنع نفسك إنك صح!

انفجر سليم فجأة، وارتفع صوته بحده: آه صح! طبعا صح...

نظر اليه بعينان مشتعلة وتابع: أنت عايزني بعد كل إللي عملوه فيا وفي ماسة وفيك، أبقي عادي وأقولهم الله يسامحكم..

ضرب بيده في الهواء بعنف: إنتوا بتعملوا كده ليه؟! إمبارح ماسة، والنهاردة أنت!؟

صوته اهتز، لكنه أكمل بغضب: محسسيني إنهم كسرولي لعبتي المفضلة مثلا! مش داسوا على رجولتى وكرامتى ..

مسح على وجهه بضجر شديد، وجز على أسنانه، فهو لا يفهم لماذا يفعلون ذلك، ولا ما الذي يسعون إليه، شعر أنه لم يعد مجبرا على التحدث وكأنه يعود إلى مكان كان قد غادره منذ زمن.

ثم نظر إليه وقال بحدة: أنا مش هفضل أعيد وأزيد، وأصلا مش مطلوب مني أقول أسباب أنت عارفها كويس، وحتى لو أنت مش مقتنع فده ميخصنيش، أنا مقتنع إني صح وهكمل..

ثم نظر إليه بحدة، وقال وهو يشير بيده: ولو فضلت عاملي فيها الواعظ كده، هعتبرك عسكري شطرنج وطلعته برة اللعبة، هتبقى متفرج بس.

ثم أضاف بنبرة تهديد واضحة: وأي حد هيقف قصادي هعتبره عدوي. 

ساد صمت ثقيل بينهما، كان مكي يشعر بحجم الخطر الذي يقترب منه سليم، وكأنه يعود إلى طريق طالما حاول الإبتعاد عنه.

مكي بقلق واضح: أنت محتاج تروح لدكتور ياسر تاني.

نظر إليه سليم للحظة طويلة، قبل أن يقول ببرود حاد: مش هرد عليك، طنط موحشتكش؟

أجابه بغيظ وضجر: أنا مش هسيبك ولا رايح في حته لحد ماشوف آخرة إللي أنت بتعمله ده إيه؟!

رد وهو يلتفت مبتعدا دون اكثرات: أنا طالع أفطر وألبس علشان أروح المستشفى.

ابتعد سليم، بينما ظل مكي واقفا ينظر لابتعاده بصمت، وقلبه مثقل بالقلق علي صديق عمره.

في الأعلي.

جلست ماسة على الفراش، تمسك بالتابلت بين يديها وتقرأ الأخبار بتركيز وإندهاش، وهي تري أمامها صور وفيديوهات صافيناز وما كتب عنها.

اتسعت عيناها بصدمة، فرغم معرفتها المسبقة بما سيحدث ولكن رؤيتها لصافيناز بتلك الحالة المزرية هزتها بعنف لم تتوقعه، شعرت بشفقة خاطفة تسللت إلى قلبها رغما عنها، شفقة على امرأة بدت مكسورة، خائفة، ومطاردة بنظرات الناس وكاميراتهم.

أخذت تتابع التعليقات المتداولة، تكبر الصور وتدقق فيها بتركيز.

وفجأة، ودون أن تشعر، بدأت ترتسم على وجهها إبتسامة واسعة، شعرت أن حقها قد أُخذ، وأن ماحدث لصافيناز لم يكن بعيدا عما عانته هي.

خصوصا حين رأتها تلف جسدها بملاءة، وتحاول الاختباء من أعين الصحافيين، ذليلة، مرتعبة، ومهانة، امتلأت عيناها بالدموع، ها هي تعيش المصير نفسه الذي أذاقتها أياه، بل أسوأ، بعدما انفضحت أمام الجميع.

أعادت تشغيل المقطع مرة أخرى، تتأمله بتركيز، بينما كانت ابتسامتها تتسع شيئا فشيئا، وفي داخلها صوت خافت يهمس بتشف موجوع: جربي... جربي الإحساس اللي سبتيني أعيش فيه.

دخل سليم، بينما خرجت سحر بعد أن وضعت الفطور علي الطاولة وسلمت عليه وأغلقت الباب خلفها.

نظر إليها سليم وقال بهدوء: صاحية بدري ليه؟

أجابته وهي تعدل جلستها: مش عارفه؟! قلقت لما ملقيتكش جنبي، افتكرتك روحت المستشفى، لقيتك بتلعب رياضة في جنينة.

أومأ باقتضاب: هلبس وهروح دلوقتي.

سألته: قريت إللي في الأخبار؟

أجابها بهدوء: آها..

كادت أن تنطق، فقال بحدة خفيفة وهو يشير بيده: ومش عايز أي كلام ولا نقاش و..

قاطعته بسرعة: أنا متكلمتش، أنا بس بسألك عادي.

نظر أمامه وقال باختصار: قرأت ومبسوط.

ابتسمت هي بهدوء تهاودة: ربنا يسعدك أكتر يا سليم..

ثم صمتت لحظة، وأضافت بصدق ممزوج بحيرة: على فكرة أنا كمان مبسوطة، مش عارفة أزاي؟!

مالت بشفتيها بتعجب: رغم إني إمبارح كنت شايفة إن إللي بتعمله غلط ومينفعش! لكن النهاردة لما شوفت الفيديو وهي بتحاول تخبي وشها وملفوفة بملايا وشكلها مرعوب ومكسوف، حسيت إني مبسوطة.

صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت أخف: يمكن لإني حاسة إن إللي جوايا أرتاح شوية...

تنفست ببطء وأضافت وهي تنظر أمامها بشرود: حسيت إن حقي بيتجاب، بس في نفس الوقت أنا مش عايزة الإحساس ده يسيطر عليا، مش عايزة قلبي يبقى أسود، حتى لو الشخص ده غلط في حقي.

نظر إليها بهدوء، ثم قال بثبات: هتتعودي، هتتتعودي يا ماسة.

نظرت له، وهي تهز رأسها بسرعة: لا أنا مش عايزة أتعود، أختك آه غلطت في حقي، وهما كلهم عملوا حاجات وحشة معايا، وأنا مش ملاك، بس أوحش حاجة في الدنيا إني ألاقي نفسي مبسوطة وأنا بشوف حد بيتأذى حتى لو أجرم بحقي، مش عايزة اكون كدة...

صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت مكسور وهي تمسك يده: أنا مبسوطة إني شوفتها بتتكسر وبتخبي وشها وبتعيش إللي أنا عشته، وفي نفس الوقت مش قابلة إن أنت السبب في اللي حصلها.

اتبسم إبتسامة صغيره قائلا: الإحساس إللي أنتِ فيه طبيعي، متكونيش ماسة قطعة السكر، لو محستيش باللعبكة دي.

تنهد بعمق قائلا بعقلانية وهو ممسك بيدها: بس متحمليش نفسك أكتر من اللازم، هم يستاهلوا إللي بيحصل فيهم، ميستاهلوش لا الرحمة ولا الزعل.

ثم خفض صوته أكثر: خليكي واثقة إنهم بعد كل إللي حصل، هيحاولوا يأذوكي تاني.

اقترب منها أكثر، وقال بنبرة أخطر: نصيحة، أوعي ترحمي حد مرحمكيش، وأوعى تشفقي على حد شايلك خنجر ورا ظهره، ومستني اللحظة إللي تلفي وشك فيها علشان يطعنك..

صمت لحظة، ثم أضاف: أقتليه قبل مايقتلك، القتل هنا دفاع عن النفس ومشروع..

ظلت تستمع إليه بصمت وعينيها ممتلئتان بتفكير ثقيل، ثم سألت بهدوء: طب أنت هتعمل إيه دلوقتي؟

أجاب وهو يتحرك: هفطر وأروحلهم المستشفى.

ثم ألتفت إليها: وأنتِ خليكي هنا لو عايزة تنزلي تقعدي مع مي براحتك يلا خلينا نفطر.

أومأت بهدوء: ماشي.

وبالفعل، جلسا يتناولان الفطور معا، لكن الصمت بينهما كان أعمق من أي حديث.

وبعد أن انتهوا، نهض سليم وأخذ حماما سريعا وبدل ملابسه، ثم غادر متوجها إلى المستشفى.

بينما بقيت ماسة وحدها تفكر في كل مايحدث حولها، والأفكار تتزاحم في رأسها، شعرت أنها بحاجة إلى شخص عاقل، هادئ، يرشدها لما هو صحيح، فلم تجد في ذهنها إلا دكتور ياسر.

امسكت هاتفها، واتصلت به، وهي تتحرك في الغرفة بتوتر واضح.

بعد لحظات، جاء صوته على الطرف الآخر، فقالت: صباح الخير يا دكتور أنا ماسة.

أتاه الصوت: صباح النور، إزيك؟ وإزي سليم؟ بقالكم فترة مش بتيجزا، وسليم مبيردش...

تنفست بعمق وقالت: أنا فعلا محتاجة أتكلم مع حضرتك، في حاجات كتير حصلت بعد الصدمة إللي مريت بيها.

رد بهدوء: أتفضلي يا ماسة، أنا سامعك كويس.

بدأت تروي له كل ما حدث، بصوت متوتر لكنه صادق، بينما ظل هو يستمع لها بإهتمام وتركيز دون مقاطعة.
وبعد أن انتهت، ساد صمت قصير...

ثم قال ياسر بنبرة هادئة: بصي يا ماسة، المشاعر إللي عندك دلوقتي طبيعية جدا، زي يويو رايحة جاية بين الرفض والإحساس بالشماتة أو الراحة.

تابع بتوضح عملي: جزء منك متربي على القيم والمبادئ، فمش قادر يتقبل فكرة الانتقام أو الأذى، لكن في نفس الوقت إللي حصل معاكي خلال السنين الأخيرة كان صعب جدا، فطبيعي النفس البشرية تيجيلها لحظات ضعف وتحس بإحساس إن إللي ظلمها بياخد عقابه، فبتحسي بمشاعر اللذة

صمت لحظة، ثم قال: أنتِ في الأول وفي الآخر بشر، فإحساسك طبيعي..

ثم أصبحت نبرته أكثر جدية: أهم حاجة متتكمليش في الطريق ده، وكل ماتحسي إنك بتتشدي في الدايرة دي، وقفي نفسك بسرعة وديما تذكري إن الانتقام مش هيجيب راحة، بل هيجيب وجع أكتر، ووجع وراه وجع وندم..

ثم قال بصوت منخفض: بالنسبة لسليم، شخصيته أصلا مهيأة إنه يمشي في الطريق ده أكتر، خصوصا إنه لسه مكملش علاجه، بس أنتِ عندك تأثير عليه.

رفعت صوتها قليلا: أزاي يا دكتور؟ هو مش بيسمعني وبيتعصب عليا!

أجاب بهدوء: خليه يتعصب ويطلع إللي جواه، وحاولي كل مره توازنيه.

ثم أكمل بتحذير: فكريه دايما بحاجة مهمة، إنه لو دخل في الانتقام زيادة، ممكن يأذي ناس ملهاش علاقة، وممكن في لحظة يندم عمره كله، ودايما قوليله سامح لإنك مهما انتقمت مش هتحس بالراحة..

صمت قليلا، ثم قال بجدية: أنا مش هقدر أكلمه النهاردة، سليم ذكي جدا، ومحتاجين نختار الوقت الصح علشان ميشعرش إنك كلمتيني طبعا بعد المحادثة القوية إللي حصلت بينكم إمبارح..

ثم أضاف وكأنه يذكرها: ماسة، إنتِ بالنسبة له شعاع نور في حياته، مفيش حد هيقدر يوقفه عن الظلام غيرك.

صمت لحظة، ثم ختم: أوعي تيأسي، وحاولي تقنعيه يرجع يكمل علاجه.

هزت رأسها بصوت منخفض: حاضر، شكرا يا دكتور.

أغلقت الهاتف ببطء، وعيناها لا تقويان حتى على النظر حولها من شدة التعب.

هزت رأسها برفض خافت واختناق، ثم توجهت إلى الحمام، وتوضأت بهدوء، ثم وقفت تصلي.
طال سجودها...

وكأنها تحاول أن تفرغ كل ما في قلبها بين يدي الله،
كانت تدعو بصوت خافت، مكسور: أن يحميه الله من شر نفسه، وأن ينتهي كل هذا على خير، وأن يبعد عنهم الشر والأذى. 
وعندما رفعت رأسها، لم يكن قلبها قد هدأ تماما، لكنه أصبح أهدأ قليلا.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل

علي اتجاه آخر.

توقفت السيارة في الحديقة، ونزلت صافيناز بسرعة برفقة عماد، كانت ترتدي ملابس بسيطة جدا، تيشيرت وبنطال أحضرهم عماد لها، ثم توجها مسرعين نحو جناحهما.

ما إن دخلا الغرفة حتى انفجرت صافيناز في نوبة هستيرية، وهي تصرخ: أنا اتدمرت واتفضحت يا عماد! نزلت الحجز مع المجرمين، واتضربت وهدومي اتقطعت، واتصورت وأنا ملفوفه بملايا، أنا صافيناز الراوي يحصل فيا كل ده؟!

حاول تهدئتها، رغم توتره: أنا مش فاهم إيه إللي بيحصلنا ده، دي مصيبة مش طبيعية، ولا الكلام إللي نزل عنك في المواقع والاخبار، فضيحة بكل المقاييس.

توقفت فجأة، وعيناها تتسعان: ايه اللي نزل عني مش فاهمه؟!

أخرج هاتفه بسرعة ووضعه أمامها: كل الجرايد والسوشيال ميديا كاتبين إنك متاخدة في قضية مخلة بالشرف، وإنك بتديري شبكة دعارة عالمية.

تسمرت في مكانها، والصدمة شلت ملامحها: إيه التخريف دي؟! 

هز رأسه بضيق: ده إللي مكتوب! معرفش جابوا الكلام ده منين، أنا مش فاهم حاجة.

انفجرت فيه بغضب: يعني إيه مش فاهم؟! أنا إللي مش فاهمة أنت كنت فين إمبارح وسبتني لوحدي؟!

رد بسرعة: أنا مسبتكيش! أنا كنت ماشي وراكي، وفجأة عربية قطعت عليا الطريق وضربوا عليا رصاص!

فلاش باك

هبط عماد من العمارة ممسكا بسلاحه، ثم إتجه إلى الجراج.

أطلق طلقات مكتومة على سيارته، قبل أن يتصل بأحد الأشخاص، ويأمره بسحبها وجرها بعيدا، وتنفيذ خطتة

باااك

قال عماد بلهفة: نزلت من العربية وجريت بصعوبة واستخبيت منهم، لما أطمنت إنهم مشيوا، روحت القسم، مرضيوش يدخلوني، كأن فيه حد مدي أوامر بكده، اتخانقت مع الظابط اللي هناك، وكنت هضربه لدرجة هددني بالحبس، كلمت إخواتك محدش رد، مقدرتش أعمل حاجة.

سألته بحدة مرتعشة: مين ممكن يكون عمل كده فينا؟! مين؟!

هز رأسه بحيرة حقيقية: معرفش.

انهارت على الأرض فجأة، تبكي بانهيار: أنا اتفضحت ياعماد، مش قادرة أنسى إللي حصل مش قادرة أستحمل! نزلوني ابحجز وسط المجرمين يضربوني ويسبوني عريانة ياعماد عريانة، مكنتش عارفة أخبي جسمي إزاي منهم، لحد أدوني ملايا بشعة ريحتها تقرف، لفتها عليا وفضلت مرعوبة طول الليل، ولما خرجت الصبح لاقيت الصحفيين كنت عايزة استخبي منهم بأي طريقة، كنت بتمنى إن الارض تنشق وتبلعني، إحساس مخيف وحش أوي..

أخذت تبكي بانهيار، وتتابع بنحيب: ودلوقتي أسمع الأخبار دي، أنا انتهيت يا عماد، انتهيت..

حاول السيطرة على الموقف، واقناعها بشيء هو نفسه غير مقتنع به...ففي النهاية هي زوجته، وسمعتها تمسه قبل أن تمسها.

اقترب منها محاولا تهدئتها: أهدي يا صافيناز، وارتاحي دلوقتي، إللى حصل ده واضح إنه بفعل فاعل، ولازم ندور عليه ونعرف مين هو ونجيب حقك، مفيش وقت للإنهيار.

رفعت رأسها إليه، وعيناها ممتلئتان بالدموع والغضب: اهدي وارتاح ايه؟! بقولك أنا اتصورت عريانة وملفوفه بملايا! أنت مش شايف الصور؟!

شد على أسنانه، وقال بنبرة ثابتة يحاول فرضها: إللي في الصور ده هيتكذب، وكل واحد كتب كلمة هيدفع تمنها غالي، بس أنتِ لو اتكسرتي كده هتثبتيلهم إن الكلام ده حقيقي

ثم أضاف بسرعة: أنا هطلع أتكلم وأقلب الدنيا إنك اتحبستي في قضية تانية.

نظرت إليه بصدمة ممزوجة بمرارة: أنا مش فاهمة إزاي أنت هادي كده! ومراتك اتصورت عريانة ملفوفة بملاية والناس بتقول إن اتقبض عليها في شقة مشبوهة!

تنفس بحدة، وقال محاولا التماسك: يا صافيناز أكيد أنتِ مراتي وتهميني، بس عايزاني أعمل إيه؟! أقعد أعيط جنبك؟! هل ده هيصلح حاجه؟ ولا نفكر بالعقل في حل للمصيبة دي، حقنا هنجيبه بس بالقوة مش بالانهيار.

ثم اقترب منها أكثر، وصوته أصبح أكثر حسما: هنطلع نواجه وأنا هتصرف.

مد يده وأخرج علبة دواء، ثم أعطاها حبتين: خدي دول هيريحوكي شوية.

وبالفعل اخذت منه الحبيتين بيد مرتجفة ثم ساعدها في احتساء الماء وتابع: نامي ساعتين، وأنا هطلع أتكلم وأكذب القرف ده كله، وأشوف سليم هيعمل إيه اكيد مش هيسكت هو كمان، يلا قومي معايا.

ساعدها لتستلقي على الفراش، وغطاها بهدوء.
كانت عيناها ما زالتا ممتلئتين بالخوف، وجسدها متوتر، لكن تأثير الدواء بدأ يظهر تدريجيًا.

وقف ينظر إليها للحظات وهي تغط في النوم، وفي داخله شعور ثقيل، غضب، وغيظ وشيء يشبه الإهانة، ففي النهاية هي زوجته وشرفه.

شد على أسنانه، ثم أخرج هاتفه وأتصل بسليم.

كان سليم في سيارته متجها إلى المستشفى، نظر إلى الهاتف، وابتسم ابتسامة خفيفة، ثم رد بهدوء: أيوة يا عماد.

عماد بسرعة: سليم، أنت شوفت إللي حصل واتكتب في الجرايد؟

أجاب بهدوء: آه شوفت.

رد بإنفعال: لازم نتحرك بسرعه، ونطلع نكذب الكلام ده، وإللي عمل كده لازم يدفع التمن!

رد بهدوء بارد: أكيد ده هيحصل، بس الأول نطمن على الباشا والهانم، أنا رايحلهم دلوقتي، وأنت حاول تعمل أي حاجة وأطلع كذب لحد ماشوف هعمل إيه؟ هي رجعت البيت ولا لسه؟

أجاب: رجعت بس منهارة خالص.

رد بنبرة هادئة بفحيح أفاعي: معلش طبيعي تنهار، الموقف صعب والناس بتتكلم، بس إحنا عارفين هي إيه وأنت كمان عارف، بس الناس متعرفش إن الاشاعات لما تمس الشرف خصوصا لو واحدة ست بتوجع.

رد عماد بسرعة: علشان كدة إللي حصل ده مينفعش يتسكت عليه.

رد سريعا: ماشي يا عماد هتصرف سلام.

أغلق الهاتف بإبتسامة واسعة وهو يشعر بلذة وهو يراهم يعيشون ما عاشوه.

بينما ظل عماد واقفا مكانه، ينظر إلى صافيناز وهي غارقة في النوم، وقد هدأها الدواء أخيرا.

جز على أسنانه بقوة، وكأن داخله بدأ يشتعل بشيء أخطر من مجرد الغضب.

علي اتجاه آخر، بالقصر.

استيقظت مي من نومها، فوجدت رشدي بجوارها غارقا في نوم عميق، استغربت أنها لم تشعر بعودته!

ونهضت بهدوء، واتجهت إلى الحمام، وضعت له الجرعة المخصصه له اليوم بجانب الحوض، ثم أخذت حماما سريعا، وبعدها طلبت الفطور.

امسكت هاتفها تنوي التصفح والانشغال به لحين الانتهاء من تحضير الفطور، ولكنها تجمدت فجأة، واتسعت عيناها بصدمة، وهي ترى الأخبار المنتشرة عن صافيناز.

تركت الهاتف، واندفعت نحو السرير توقظه بسرعة: يا رشدي قوم بسرعه في مصيبه!

تمتم وهو نصف نائم: يا مي، سيبيني أنام.

قالت بحدة: لا، مش هينفع! قوم شوف القرف إللي مكتوب على صافيناز!

فتح عينيه بتثاقل: كاتبين إيه يعني؟

قالت بهلع: كاتبين إنها متاخدة في قضية دعارة!

عقد حاجبيه فجأة: إيه؟!

قالت وهي تسحبه من يده: أيوة! يلا قوم بسرعة!

جلس ومد يده يأخذ الهاتف منها، وبدأ يقرأ وعيناه تتسعان بصدمه: إيه ده... إيه الكلام ده؟! وبعدين ايه اللى هي لابساه ده؟!

هزت راسها بقلق: وأنا ايش عرفني! قوم بسرعه شوف إيه إللى بيحصل.

تنفس بحدة، ثم قال: طيب طيب، هلبس وأنزل أشوف الموضوع ده، أطلبيلي قهوة علشان افوق، أنا مش شايف قدامي.

أومأت بإيجاب: حاضر، بس قوم بسرعة.

نهض من مكانه دون عجل، في داخله لم يكن مهتما بما حدث لصافيناز بقدر اهتمامه باسم العائلة، واسمه هو.

مر سريعا على مكانه السري، وأخذ جرعته، أما الجرعة التي تضعها مي، فخبأها خلف المرآة.

خرج من الحمام بعد أن اخذ حماما سريعا، فوجدها في انتظاره، والطعام قد وصل: أقعد أفطر.

جلس، وهو يتساءل: متعرفيش عماد هنا ولا لأ؟

هزت كتفها: معرفش حاجة، أنا قاعدة هنا منزلتش.

أمسك هاتفه وأتصل بسليم: سليم، أنت فين؟

جاءه الرد: أنا في الطريق رايح المستشفى.

قال بسرعه: شوفت إللي مكتوب على صافيناز؟

أجاب: أيوة شوفته، عماد لسه مكلمني، هي في القصر عندك دلوقت، خرجت بكفالة.

ضرب رشدي بيده على الطاولة: طب وهنعمل إيه في القرف المكتوب دى؟!

رد بهدوء: هنكذب كل حاجة طبعا، بس الأول نطمن على الباشا والهانم، تعالى على المستشفى ونتكلم.

ثم أغلق الخط.

نظرت له بقلق: قالك إيه؟

رد وهو يبدأ في الأكل بسرعة: قال نروح المستشفى نطمن علي الباشا والهانم الأول وبعدين نشوف هنعمل إيه.

كانت تراقبه، ثم قالت بهدوء: طب أنت تمام؟ أنا حاسه إنك النهارده كويس أوى!

نظر لها بإستغراب: زعلانة يعني إني كويس؟

ابتسمت بخفة: لا بس قصدي هادي ورايق، مش متعصب وتعبان زي اليومين اللى فاتوا.

لم يرد واكتفى برشفة من قهوته، فتابعت وهي تهم بالنهوض: أنا هقوم ألبس، علشان أجي معاك.

نظر لها بإستغراب: تيجي معايا فين؟

أجابته بتوضيح: أروح أطمن على باباك ومامتك، واواسيهم في اللي بيحصل وأشوف لو محتاجين حاجه.

رد ببرود واضح: الجو إللي أنتِ بتتكلمي فيه ده مش بتاعنا خالص، فيه ممرضات هناك بياخدوا بالهم منهم كويس أوى.

عقدت حاجبيها وقالت بجدية: مفيش حاجة اسمها الجو بتاعكم، ده واجب، هما تعبانين ومحتاجين حد جنبهم.

قال وهو ينهض: فريدة معاهم، ولو احتاجوا حد هيجيبوا ناس يعرفوا يعملوا الشغل ده كويس،
زي زمان كده لما كانوا بيقعدوا معانا بيبي سيتر وإحنا عيانين.

نظرت له بضيق: رشدي أنا مش باخد رأيك أنا هاجي معاك.

توقف وهو يقول بحدة: مش النهاردة، أنا أصلا مش فاهم إيه إللي بيحصل بره، أنتِ شايفة المصايب إللي بتحصل، مش ناقص حد يلقطك صوره ويكتب اي حاجه كده ولا كده، أنا ممكن ارتكب جناية..

ثم نظر لها بتركيز: أنتِ هنا في أمان.

تراجعت خطوة بقلق وشعرت أنه على صواب، فأضاف وهو يتحرك ليبدل ملابسه: أنا هروح أفهم إيه إللي بيحصل وأطمن، وبعدين تبقي تروحي تزوريهم براحتك.

ذهب ليبدل ملابسه، بينما بقيت هي واقفة مكانها تشعر بالتوتر من كل ما يحدث حولها.

المستشفى،10صباحا.

كانت فايزة علي الفراش تغط في نوم هادئ بعد أن تم حقنها بأحد المهدئات ليلة أمس، بينما جلست فريدة على المقعد المقابل لها تقلب في هاتفها، وتتنقل بين الأخبار؛ تري لقطات متقطعه عن الانفجار، واخبار عن انهيار البورصة، وما حدث في الحفل..

لكن توقفت يدها فجأة، واتسعت عيناها وهي ترى صور صافيناز والعناوين المنتشرة عنها، فهمست تردد بوجل: ينهار أسود!

مرت عيناها على الصور والأخبار بعدم تصديق، وفكرت سريعا أن تهاتف سليم لتفهم منه ما حدث وقبل أن تضغط زر الاتصال، فتح الباب ودخل سليم. 

رفعت رأسها بسرعة، ونهضت نحوه تتساءل بقلق: إيه إللي مكتوب عن صافيناز ده يا سليم! 

اجابها بهدوء: إشاعات يا فريدة وهنكدبها طبعا.

ثم خفض رأسه، وتابع بتأثر متقن: أنا لأسف إمبارح انشغلت في مصيبه المصنع ومروحتش معاها، كنت فاكر إن عماد معاها وهيحل الموضوع.

ضغط علي أسنانه وتابع: بس طلع واطي وسابها لوحدها لحد ما نزلوها الحجز وقطعولها قدومها، علشان كده اترحلت علي النيابه بالمنظر دى..

ثم رفع كتفه يردد حقيقه تعرفها: وطبعا الصحافه الصفرا ما بتصدق، والفوا قصة بسبب الكام صورها اللى اتلقطت لها.

رفع عينيه لها فوجد الحزن والضياع يغلفان نظراتها والدموع تملأ عينها بقهر لم يحتمل رؤيتها به، فرق قلبه لها وجذبها الي أحضانه وردد يطئنها بصدق: كل حاجه هتبقي كويسه يا فريدة، أنا أكيد مش هسمح إني اسيب الأخبار دى كده، متخافيش.

هبطت دموعها داخل احضانه، ورددت بانهيار: أنا مش عارفه ايه اللى بيحصلنا دى يا سليم، وخايفه أوى علي بابي ومامي.

ربت علي شعرها بحنان: هيبقوا كويسين متخافيش.

رفعت رأسها عن صدره وتساءلت: طب انت وصلت لحاجه في موضوع المصنع؟ 

زم شفتيه وهز رأسه: لأسف لسه موصلتش لحاجه، بس بقي واضح أوى إن فيه أيد تالته بتحاربنا، أصل مش طبيعي كل المصايب اللى بتحصل دى من يوم وقوع الكوبري لحد الحفله واللى حصل مع صافيناز..

ثم حول نظره نحو فايزة النائمة، وسأل بهدوء:
الهانم عاملة إيه؟

هزت رأسها بدموع: مش كويسه يا سليم، مامي منهاره من إمبارح ومنامتش إلا بالمهدئات، وبابي جالي جلطتين وركبوله قسطره وبيقولوا فيه خطورة علي حياته، وحاطينه تحت الملاحظه.

أومأ برأسه: طيب، أنا هروح أطمن على الباشا وأرجعلك.

ثم أضاف: لو عايزة تروحي تشوفي بناتك، روحي.

هزت رأسها برفض: أروح فين بس؟ أنا قاعدة، أنا كلمتهم يجيبولي هدوم، مش هينفع أسيبهم.

اومأ برأسه وغادر الغرفة، بينما ظلت فريدة واقفة مكانها، وعيناها مازالتا عالقتين بما رأته، وما لم تفهمه بعد!

توجه سليم إلى غرفة الرعاية المركزة، وارتدى الملابس المخصصة للرعاية، ثم دخل ببطء.
وقف أمامه يتأمله وهو على الأجهزة بلا حراك.
قال بصوت منخفض، لكنه محمل بكل ما داخله: مكنتش أتمنى ابدا إن كل ده يحصل، بس أنت إللي وصلتنا للي إحنا فيه ده.

غشت الدموع عينه وتابع: الطعنه منك أنت بالذات كانت مميته، عمري ما توقعتها حتى في أسوأ كوابيسي.

صمت لحظة، ثم أكمل بمرارة والم: أنا كنت بتعكز عليك يا باشا لما الدنيا تكسرني، ازاى هونت عليك تعمل فيا كده؟ أزاى هان عليك كسرتي بالشكل دى؟

مسح دمعه ساخنه هبطت منه دون إرادة وهو يحدق فيه بعيون مشتعله: لو كنت شوفت منك نظرة تردد أو ندم واحده، يمكن كنت سامحت.

هز رأسه بحسرة: لكن أنت اتجبرت ومسبتش أي طريق لا لغفران ولا لمسامحه. 

اغمض عينه وسمح لدموعه الحبيسه أن تهبط وهو يردد: ربنا يسامحك، بس أنا مش قادر ولا عارف أسامحك..

مسح دموعه واستقام في وقفته يردد بجمود: عملت كل دى علشان الفلوس والسلطه؟!

أشار بيده: طب أديك اهو ما بين الحياه والموت بسببها برضو، قولى نفعتك في ايه؟! 

هز رأسه يردد بخفوت: ولا حاجه..

زم وجهه بحسرة والقي عليه نظرة أخيرة، ثم استدار وخرج يخلع ملابس التعقيم، وتوجه بعدها إلى غرفة فايزة.

في الداخل، كان رشدي قد وصل

سأل سليم فور دخوله: وصلت لحاجة؟

رد سليم باقتضاب: لأ…

ثم تابع بحده وتوبيخ: وبعدين حضرتك كنت فين؟ قولتلي هتكلم ناس وتوقف الأخبار، والأخبار مغرقة كل المواقع، أنا عايز أعرف أنت امتي هتبقي راجل وتشيل المسؤلية.

رد رشدي باستهجان مستنكرا: يعني هو أنت اللى جبت الديب من ديله، ما كلها وكسه واحده، وبعدين أنا فعلا كلمت ناس علشان اسيطر علي الأخبار؛ في ناس ردت عليا وقالت خلاص الخبر نزل واتطبع، والباقي مردوش، وواضح أوي إنهم واخدين أوامر.

نظر له سليم من أعلي لأسفل وهو يعلم أنه يكذب ولكن لا يهم، فهذا تماما ما أراده.

بينما عقدت فريدة حاجبيها، ورددت: أوامر من مين؟ مين ممكن يكون بيعمل فينا كل دى؟

أجابها سليم بحسم: أكيد هنعرف وهيتحاسب.

في تلك اللحظة، بدأت فايزة تستيقظ.

فحذرتهم فريدة بسرعة: محدش يجيب سيرة قدامها عن اللى حصل لصافيناز.

هز سليم رأسه مؤيدا: أكيد.

فتحت فايزة عينيها ببطء، وهمست: سليم..؟

اقترب منها بجمود: حمد لله على سلامتك يا هانم.

جلست بصعوبة تتساءل: الله يسلمك، عملت إيه في المصيبه اللى حصلت؟

سليم بهدوء: لسه موصلتش لحاجة، إللي عمل كده كأنه شبح عمل إللي عايزه وأختفى.

سألته بقلق: تفتكر ممكن يكون حد من المافيا؟

أجابها: كلمت ماركو وريمون لو في حاجة هيبلغوني، لكن مش متوقع  يكون حد منهم ملناش عداوة معاهم.

صمتت لحظة، ثم سألت: طب وصافيناز اتحبست ليه؟

أجاب بهدوء: فيه بلاغات إن المنتجات إللي في شركتها غير صالحة للاستخدام الآدمي، مازن شغال على القضية وخرجها بكفالة متقلقيش.

ردت بحدة: إيه الكلام الفارغ ده؟ صافي بتشتغل بأفضل الخامات، أكيد البلاغات دى متلفقه وكذب. 

تدخل رشدي يردد بشماته غير عابئ بتحذير فريده لهم، وهو يعلم تماما وقع ما سيقوله عليها: بس دي مش المصيبة الكبيرة، المصيبة الحقيقة إن الصحف كلها كاتبة إنها اتاخدت من شقة مشبوهة بعد ما أتصورت وهي مترحلة علي النيابة وهي ملفوفه بملايا.

ساد صمت ثقيل بعد كلماته، رمقته فيها فريدة بغيظ من أفعاله، بينما وقف سليم هادئا دون أن يبدى أي ردة فعل.

تجمدت فايزة لثواني لا تصدق ما سمعته، ثم حركت عينيها نحو سليم وفريده وهي تتساءل بعينيها إذا كان ما استمعت له حقيقيا أم مجرد كابوس وستستيقظ منه! 

اقتربت منها فريدة، وامسكت يدها وهي تقول بتماسك: صافي دلوقتي كويسه وفي البيت يا مامي، والإشاعات مش حاجه جديده علينا، وسليم وعماد هيكدبوها ومش هيبقي ليها أثر، أصلا كل الناس شافت الحفله علي الهوا وإنها اتقبض عليها فيها، يعني طبيعي محدش هيصدق الاشاعات العبيطه دى.

وضعت فايزة يدها على رأسها بتعب: إيه إللي بيحصل لنا ده، إيه المصايب دي كلها! كل حاجة في نفس الوقت، كتير علينا اللى بيحصل دى..

قالت فريدة تحاول تهدئتها: يا مامي أهدي، الموضوع هيتكدب، و..

قاطعتها فايزة بصراخ: هيتكذب إيه؟! دي فضيحة! مش هنعرف نحط وشنا في وش الناس، محدش هيصدق بعد المنظر اللى شافوه، مش هيصدقوا..

سليم بحزم: وأحنا مش هنداري وشنا، إحنا هنطلع نواجه ونكذب كل ده.

ردت بحسرة وتساؤل: هتكدب إيه ولا ايه؟ وبعدين هي مش كانت بفستانها أومال إيه موضوع الملايه دى؟ 

رد رشدي سريعا بسخرية: تلاقيهم روقوا عليها في الحجز و..

صرخت به فريده تنهره: أنت إيه يا اخي، اسكت بقي، مش عايزه اسمع صوتك.

بينما أضاف سليم بثقة: أنا ورشدي وعماد هنوضح الحقيقة وهنكدب كل دى، متقلقيش يا هانم كله هيبقى تحت السيطرة.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، وجلسوا جميعا حولها دون أن يقدر أحد على الكلام.

أخرج سليم هاتفه مدعيا الانشغال، وفجأة لمعت في رأسه فكره قرر تنفيذها في الحال، فضغط على زر التسجيل وصدع صوته مرددا بمكر محاولا ربط الخيوط ببعضها: أنا بدأت أصدق ماسة.. يعني اللى حصل لصافيناز دى خلاني افكر إن ممكن ماسه يكون عندها حق واتخطفت فعلا، وممكن يكون اللى عمل كده في صافيناز هو نفسه اللي عمل كده في ماسه...

أجابته فريدة بسرعة: مظبوط يا سليم، من ساعة ما قالت إنها اتخطفت واتعمل فيها كده وأنا كنت حاسة إنها صادقة، ماسة مستحيل تكذب في حاجة زي دي مهما كان إللي بينكم..

وأضافت بحماس وعتاب: وأنا كتير قولتلك دور ورا كلامها، وأكيد هتوصل للي عمل كدن في صافيناز والمصنع.

اومأ رشدي مؤيدا: أنا كمان قولتله كده، دور فعلا.

نظرت فايزة إليهما بقلق داخلي بدأ يتحول إلى رعب، فهذا الأمر قد يجلب خلفه الكثير من المصائب، لم يخف علي سليم نظراتها بل كان يراقبها عن كثب.

 فتابع بهدوء قاصدا بث الرعب داخلها: أكيد هدور وهحاسب إللي كان السبب، لإني خلاص بدأت اقتنع إن ماسة مكذبتش وبفكر اعتذرلها.

رفعت  فايزة عينيها باستنكار، وكأنها تصر على زرع الشك بداخله رغم كل ما حدث: تعتذر لمين؟ أنت شكل قلبك حن وما صدقت تبررلها!

وقبل أن يرد عليها، رفعت يدها في وجهه بتحذير وجبروت: وأياك في يوم من الأيام تقارن أختك "صافيناز الراوي" بالحشرة دى، أختك اتقبض عليها وسطنا وكلنا عارفين إن الكلام اللى اتقال كدب، إنما الحشرة اللى عايز تعتذرلها أنت عارف كويس أنت جايبها منين، وجايبها في وضع عامل أزاى..

تدخل رشدي يقاطعها بسخرية وضجر: ما تخليكي محضر خير يا حاجه، هو أنتِ لسه فيكي حيل تولعيها، اتقي الله علشان ربنا يسترها مع بنتك وموضوعها يتحل..

قال آخر كلماته بنبرة ذات معني فهمتها هي جيدا، فأغمضت عينيها غير قادرة علي استيعاب حقيقة ان ابنتها تذوق من نفس الكاس، ثم صاحت بصوت مرتجف: أنا عايزة أخرج من هنا، عايزة أروح القصر..

اقترب منها سليم الذي فهم هروبها: أول ما الدكتور يطمنا، هنخرجك علطول.

بينما قال رشدي وهو يهم بالمغادرة: طب أنا همشي وهحاول اشوف إعداد أي برنامج كبير اتفق معاهم، علشان نطلع ونرد علي كل اللى بيتقال دى، لإن بصراحة مش هقبل اسمي يتكتب في قضية زي دي، أصل للأسف هي أختي وإللي هيمسها هيمسيني قبل ما هيمس عماد.

أومأ سليم: عندك حق، لو وصلت لحاجه أبقي كلمني، وابقي بلغ عماد برضو علشان يكون في الصورة.

اومأ رشدي سريعا وهو يغادر الغرفة، بينما بقي سليم واقفا ينظر إلى فايزة بابتسامة شماتة، ورضا مبطن بأنها تعيش ما عاشه هو وماسة...

أما فايزة…

فكانت غارقة في شعور ثقيل من العار، وذهنها لايزال عالقا بكل ما سمعته، ودموعها تهبط وأنفاسها ثقيلة

ربتت فريده على ظهرها بحنان: أهدي يا مامي، إن شاء الله كله هيعدي.

لكن فايزة انفجرت بصوت مكسور: اتفضحنا يا فريدة، اتفضحنا! مش هنعرف نحط وشنا في وش الناس تاني؟!

ثم همست وهي تختنق بدموعها: أنا نفسي أموت وأرتاح…

ساد صمت ثقيل في الغرفة، لا يقطعه سوى صوت أنفاس مثقلة بالخوف والعار.
❤️______________بقلمي_ليلةعادل

قصر الراوي،2ظهرا.

جلست ماسة على الفراش، تقرأ في أحد الكتب الدراسية التي أحضرها لها سليم بتركيز.

قاطع تركيزها طرق الباب، فرفعت رأسها تتساءل بقلق: مين؟

جاءها صوت مألوف: أنا مي يا ماسة.

تنفست بتوتر خفيف: آه، حاضر، ثانية واحدة.

أسرعت بجمع الكتب والملازم وأخفتها أسفل الأريكة، ثم نهضت تتأكد من مظهرها في المرآه وفتحت الباب: اتفضلي.

دخلت مي بابتسامة: عاملة إيه، وحشت..

لكن ابتسامتها خفتت فجأة، واتسعت عيناها وهي تنظر إلى وجه ماسة وجسدها الممتلئين بالكدمات.

تساءلت بصدمة: هو سليم ضربك تاني؟!

أشارت ماسة بسرعة: خشي بس وأنا هحكيلك.

دخلت مي وجلست بجوارها على الكنبة، وظلت تنظر إليها بصدمة من أعلى لأسفل.

تساءلت مي بقلق: ضربك تانى ليه؟

هزت ماسة رأسها: لا يا ستي ضرب ايه، ده أداني علقة.

عقدت مي حاجبيها: ليه؟ إيه إللي حصل؟

تنهدت ماسة موضحة: علشان حاولت اهرب.

اتسعت عينا مي: حاولتي تهربي أزاى؟

أجابتها وهي تخفض صوتها: استغليت زحمه تحضيرات الحفله، وغفلت الحراس واستخبت في صندوق عربية من العربيات، وهربت.

ضربت مي كفا على كف: يخربيتك يا ماسة! ليه كده؟ دى كان خلاص بدأ يبقي كويس معاكي وبطل يضربك.

أجابت ماسة بمرارة: تعبت يا مي، أنا اطعنت في شرفي، وهو مش عايز يسامح ولا يهدى، وكل شوية يجرحني بالكلام.

خفضت صوتها أكثر: مهربتش علشان الضرب واجعني الضرب علامته بتروح، لكن الكلام بقي بيكسر من جوة.

أومأت مي بتفهم: فاهماكي وحاسة بيكي، بس باللي عملتيه ده كأنك رجعتينا للصفر من تانى!

هزت رأسها: أنا مش فارق معايا حاجة خلاص، بالله عليكي غيري الموضوع.

اومأت بتفهم وربتت على قدميها، وقالت: شوفتي إللي حصل في الحفلة؟

زمت شفتيها: آها شوفت.

تنهدت مي بضجر: مش قادرة اتجاوز إللي حصل، ورشدي شايفه عادي وإني مكبرة الموضوع.

اومأت ماسة براسها: عنده حق علي فكره.

نظرت لها مي بإستغراب، فأجابت علي نظراتها: تعرفي إني اتخطفت زمان وأنا عندي 16سنة؟

اتسعت عينا مي ووضعت يدها على فمها: بتهزري!

هزت رأسها، وتابعت بصوت مرتجف: والله اتخطفت وقتلوا كل الحراس، ومن كام سنة اتعرضت لحادثة بشعة بكل المقاييس...

صمتت لحظة ثم أكملت بنبرة مهتزة: خسرت فيها بنتي قبل ما أشوفها 10 أيام، وسليم دخل في غيبوبة شهور، ده غير بقى خلال فترة جوازي حضرت معاهم أكتر من حادثة؛ مرة لرشدي ومرة لسليم، وحتى لما كنا مسافرين أنا وسليم العيلة اتعرضت لحاجات شبه كده كتير أوى، ورش الدهب بتاعتهم احترقت واتسرق منهم كذا شحنة في الشغل وحاجات كده كتير..

رفعت كتفيها بهدوء: أنا كنت زيك، بس بعد كده اتعودت...

هزت مي رأسها ببطء: سمعت عن الحادثة بتاعتك والحاجات إللي حصلتلكم، بس  يمكن علشان أنتِ عديتي بكل ده وعشتيه معاهم فبقى عندك إحساس إن ده طبيعي، لكن أنا لسة مش قادرة أستوعب.

ثم أضافت بحذر: وإللي اتكتب عن صافيناز على السوشيال ميديا مش طبيعي!

تنهدت ماسة بأسف مصطنع: أنا كمان اتصدمت، بس مش عارفة أتكلم مع حد أو أفهم.

ثم أضافت بحدة خفيفة: بس بصراحة، إللي زي صافيناز تستاهل كل اللى يجرالها.

نهرتها مي بضيق: إيه إللى بتقوليه دى يا ماسه، عيب كده ميصحش.

ردت ماسة مبررة: مش قصدى، بس أنتِ مشوفتيش منها اللى أنا شوفته.

مي بطيبه: مهما كان، ميصحش تشمتي فيها.

أجابتها بلامبالاة: مش بشمت، أنا مش فارقة معايا أصلا.

وقبل أن ترد مي، قاطعها صوت مألوف: ملقتكيش في الأوضة قولت أكيد هلاقيكي هنا.

رفعتا رأسيهما، فوجدتا رشدي يقف عند الباب، نهضت مي تجاه وهي تتساءل باهتمام: طمني يا رشدي عمو وطنط عاملين ايه؟

أجابها موضحا: كويسين، الهانم هتخرج النهاردة، سليم زمانه جايبها وجايين في الطريق، إنما الباشا لسه تعبان شوية.

قالت مي بضيق: على فكرة يا رشدي، سليم ضرب ماسة تاني، ضرب جامد.

نظر لماسة متسائلا: ضربك ليه؟

ماسة بسرعة: علشان هربت.

اتسعت عيناه: هربتي إزاي؟!

نظرت له نظرة ذات مغزى: هربت يا رشدي... هربت!

فهم المعنى، لكنه لم يستطع التحدث بسبب وجود مي، فقرر تأجيل الحديث لوقت لاحق.

ثم نظر لمي متسائلا: طب إيه هتيجي معايا ولا هتقعدى؟ 

هزت رأسها: هقعد مع ماسة شوية واجي.

اومأ برأسه والتفت ليغادر، وفي نفس اللحظه ارتفع رنين هاتف مي الموضوع علي الأريكه بجانب ماسة، فاتسعت عيناها فرحا عن رؤية اسم " جنة " وقالت بلهفه لا تعلم سببها: دى جنة يا مي، هرد عليها.

تجمد رشدي مكانه عند سماع الاسم، وقبل أن يستوعب، ضغطت ماسة زر الإجابة وهي تردد: جنة! عاملة ايه؟ وحشتيني، أنا ماسة، فكراني؟

جاءها صوت جنة متعجبا بغيرة بطفولة: أنتِ لسه قاعده مع مي من المره اللى فاتت؟! 

قهقهت ماسة علي غيرتها الطفولية، بينما أشارت لها مي بفتح الاسبيكر، ففعلت وهي ترد بكيد طفولي: أيوة، ما أنا قولتلك إن احنا عايشين مع بعض في بيت واحد وأنتِ لا.

جنة بتذمر حزين: طب ما تاخدوني أعيش معاكوا.
 
ثم قالت بحماس تحاول إغراءها: أنا بعرف أعمل مراكب حلوه نلعب بيها سوا، وبرسم رسومات جميلة.

ضحكت ماسة وردت بنفس الحماس: وأنا بعرف أعمل طيارات حلوة نعلب بيها أنا وأنتِ بس، ومي لا..

ردت جنة بكيد بطفولة: لا هنلعب أنا ومي ونغيظك.

ضحكت مي عاليا، بينما قالت ماسة بحزن طفولى: كده يا جنة؟ 

جنة بتأكيد: أيوة، علشان أنا بحب مي قد البحر والسما.

ردت مي بلطف: وأنا كمان بحبك خالص، عاملة إيه يا حببتي.

جاء صوت جنة بفرح: أنا الحمد لله كويسة وبقيت باكل عادى، وبكرة هروح الحضانة، تعالي بقي عايزة أشوفك أنتِ وحشتيني خالص.

مي بلطف: أنتِ كمان وحشتيني خالص يا روحي، معلش انشغلت شوية اليومين اللى فاتوا بس إن شاء الله اجيلك قريب، المهم اسمعي كلام تيتة وخدى الدوا.

تساءلت ماسة: هي مالها؟

مي موضحة: كانت عاملة اللوز.

ماسة بطيبة: يا روحي ألف سلامة عليكي.

ردت جنة: الله يسلمك.

كان رشدي يستمع اليهم بتوتر وقلق ينهش أعصابه، فظل يتصبب عرقا وهو يدعي بداخله أن تنتهي تلك المكالمه سريعا.

وما ذاد الأمر سوءا وجعله يكاد يصاب بالاغماء، صوت سليم الذي جاء من خلفه يصيح ببحه رجولية: أنت مين اللى فتحلك الباب وسمحلك بكل دى؟

ثم وجه حديثه إلي رشدي الذي كان يتمني أن تنشق الأرض وتبتلعه في الحال: أنت اللى فتحتلها؟

اجابته ماسة بضيق: لا مش هو أنت اللى سبته مفتوح!

وقبل أن يرد، صدح صوت جنة بتساؤل طفولي: مين اللى بيزعقلك يا ماسة؟

أجابتها بسرعة: ده جوزي.

قالت جنة بغضب طفولي: مش تزعق لماسة صاحبتي يا عمو.

ارتسمت علي شفتي سليم ابتسامه فور سماع صوتها الطفولى الغاضب وهو ينظر نحو الهاتف باستغراب، فابتلعت مي ريقها واوضحت بتوتر وهي تنظر لرشدي: دي بنت صاحبتي.

اومأ سليم وتساءل بمداعبة: طب ولو زعقتلها هتعملي ايه؟ 

أجابت بغضب طفولي: هضربك بوكس اخليك صابونه لوكس.

ابتسم بعدم استيعاب وهو يتساءل: هتعملي ايه؟ 

اجابته بتأكيد: هضربك بقولك لو مبطلتش تزعق لماسة صاحبتي.

تساءل بمداعبة: طب ولو ماسة مبتسمعش الكلام نعملها إيه حضرتك؟ 

قالت ببساطه طفولية: هاتلها حاجه حلوة، أنا لما بيجيبولي حاجه حلوة بسمع الكلام علطول.

لم يستطع منع ضحكته وردد: حاضر هجيبلها حاجه حلوه.

لمحت مي الانزعاج في عين رشدي، فتدخلت وانهت الحوار سريعا بتوتر: طب يا حبيبتي، هكلمك بعدين.

ردت جنة: ماشي، وقولى لماسة لو عمو جوزها زعلها تانى تقولى وأنا اضربه.

أغلقت الهاتف.

فردد سليم بحسم: معلش يا جماعه سبونا لوحدنا.

اومأ رشدي سريعا وكأنه كان ينتظر تلك اللحظه، وسحب مي من يدها بعنف إلي الخارج حتي وصلا إلي غرفتهم، دفعها إلي الداخل وأغلق الباب، ثم استدار إليها بعينين مشتعلة بالغضب وهو يصيح: عاجبك اللي حصل ده؟! أنا قولتلك مش عايز حد يعرف حاجه عن الموضوع دى؟!

نظرت اليه بقلق وقالت مبررة: طب أنا عملت إيه دلوقتي؟ البنت هي اللي اتصلت.

اقترب منها خطوة أخرى، وقال بعصبية: مكانش المفروض ماسة تعرف عنها حاجه من الأول.

عقدت حاجبيها بعدم فهم: طب أنت بتزعقلي لية كده، محصلش حاجه لكل التوتر اللى أنت فيه دى.

مرر يده في شعره بعصبية: أنا مش متوتر، بس لو سليم عرف، أنتِ عارفة ممكن يعمل إيه! واديه عرف..

هزت رأسها تحاول التبرير: قولتله إنها بنت صاحبتي..

ثم اقترب أكثر، وقال بنبرة تحذير: لو سمحتي يا مي كلام يتسمع، ومتعصبنيش، موضوع جنة ده مينفعش حد يعرفه اسمها يتغير من على تليفونك ولو اتصلت بيكي في اي وقت وماسة معاكي متقوليش ان هي،  وبعدين ابقي قوللها ان هي سافرت مع ابوها في اي داهيه، جنة موضوعها انتهى فاهمه، بدل ما والله همنعك تقعدي مع ماسة.

ردت بشدة: على فكرة محدش عرف، واللي إنت بتعمله ده هو اللي ممكن يخلي الناس تشك! أنا قولتها إنها بنت صاحبتي، حتى سليم ميعرفش اسمها ..

رشدي بحدة: ما أكيد ماسة هتقوله.

هزت رأسها سريعا: هتقوله إزاي؟ وهو أصلا ضاربها ومفيش بينهم كلام! اهدى بقى أنا مش فاهمة في إيه.

ردت بضيق وهو يزفر: ماشي يا مي، أنا قولت اللى عندى، وكلامي يتسمع.

أنهى رشدي حديثه على عجل، ثم استدار يغادر مسرعا وكأنه يهرب من نفسه قبل أن ينكشف، فقد كان يشعر أن كلماته بدأت تخونه، وأن ارتباكه بات أوضح من أن يخفيه خلف هدوئه المصطنع.

بينما بقيت مي مكانها، تنظر إلى الباب المغلق أمامها، وملامح الحيرة تملأ وجهها.

تنهدت ببطء، وفكرت في داخلها: أن عصبيته زائده هذه الأيام نتيجه لمحاولته التعافي من الإدمان، لكن كان هناك شيء بداخلها يصرخ بأن الأمر أكبر من ذلك!

على اتجاة اخري

نزل رشدي إلي الحديقة بخطوات بطيئة، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيل عليع، كان التوتر واضحا في ملامحه، وفي عينيه نظرة شاردة لا تستقر على شيء، كأنه يحاول اللحاق بأفكار لا تهدأ.

ظل حديث ماسة وجنة يتردد في ذهنه؛ مداعبتهم سويا، وافصاح جنة عن رغبتها في العيش معهم، واستماع سليم لصوتها.

كل ذلك كان يضغط عليه من الداخل.
جلس علي أحد المقاعد وأغلق عينه لحظه، وشيئا ما سحبة إلي الوراء، نحو سنين مضت...

فلاش باك - قبل 5سنوات

في منزل أسعاد...

جلس على الفراش، يحتضن بين كفيه طفلة رضيعة لا يتجاوز عمرها أياما، كانت صغيرة لدرجة أن صوت أنفاسها كان أوضح من بكائها.

حركت الطفلة يديها الصغيرتين، وبدأت تفتح عينيها ببطء، فظهرت عيونها التي تشبه السماء في صفائها.

ابتسم رشدي دون أن يشعر، وههمس: شبه أمك أوي، كلك ماسة، خصوصا وهي صغيرة.

صمت لحظة، وعيناه لا تفارقانها، ثم تابع بصوت أخف: حاسس بريحة سليم فيكي، مش عارف ليه؟ يمكن لانك بنته!

مدت الطفلة يدها الصغيرة وأمسكت بإصبعه، فابتسم ابتسامة واسعة لا إرادية، كأن شيئا داخله انكسر وارتاح في نفس اللحظة.

ثم تلاشت ابتسامته تدريجيا، وهمس وكأنه يعترف لنفسه: مش عارف اللي أنا عملته دى صح ولا غلط؟!

صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل: بس اللي عارفه ومتأكد منه إني مبسوط انك طلعتي من كل ده حيه..

نظر لها طويلا، وكأنها آخر ما تبقى له من إنسانيته: ومتأكد انك هتكوني طوق نجاتي من جحيم أبوكي لما يعرف اللي حصل...

ابتلع ريقه، وصوته أصبح أكثر قسوة رغم هدوئه: ساعتها هقوله بنتك مقابل رقبتي؟!

ثم ضحكة قصيرة بلا روح: معلش بقي، في أي حرب لازم  يكون فيه ضحايا، وإنتِ وماسة اتكتب عليكم تكونوا الضحايا.

عودة للحاضر.

فتح عينيه فجأة، كأن الذكريات صفعته بقوة، مسح وجهه ببطء، يحاول أن يزيل أثر ذلك الشعور الذي لم يفارقه، ذلك الرابط الخفي بين ماسة وسليم وجنة.

جنة التي اتضح أخيرا أنها ابنة سليم وماسة، لكن السؤال الذي دار في ذهنه بقوة: لماذا فعل كل هذا؟ كيف وصل كل شيء إلى هذه النقطة؟

أحاطه الصمت من كل جانب، ولكن داخله لم يعد كما كان، وكأن الماضي الذي كان يحاول إخفاءه، بدأ ينسج خيوطه في حاضره مرة أخرى..

تنهد يمسح علي وجهه: وجود جنة بقي خطر وشكلي لازم اخلص منها واقفل الملف بتاعها في اسرع وقت..

في احد الشوارع،3عصرا.

خرجت عائشة من السنتر الذي تأخذ به كورس لتقوية لغتها الاجنبيه، وهي تمازح إحدى صديقاتها: المرة الجايه ادربي احسن من كده، بدل ما بقطعك كل مره في ال conversation.

ردت صديقتها ضاحكه: لا خلاص حرمت، أنت شطورة في الإنجليزى يا عائشه.

أجابتها بمرح: خلي عندك روح تنافسيه واشتغلي علي نفسك.

ثم لوحت لهم موعده، وهي تبتعد بخطوات هادئة.

على بعد أمتار قليلة..

كانت هناك سيارة تاكسي متوقفة في جانب الطريق، وما إن اقتربت عائشة من الرصيف حتى تحركت السيارة ببطء، وتوقفت أمامها مباشرة.

رفعت يدها بإشارة معتادة، ثم فتحت الباب الخلفي وجلست: حدائق القبة لو سمحت.

اومأ السائق بصمت وانطلقت السيارة في الطريق.

أخرجت عائشة هاتفها، وبدأت تتصفح فيه سريعا، وترد على بعض الرسائل، دون أن تركز في الطريق.

مرت دقائق…

ثم رفعت رأسها فجأة، ونظرت حولها باستغراب خفيف، فالطريق بدا غريبا عليها.

ضيقت عينيها وتساءلت: هو حضرتك ماشي كده منين؟

اجاب السائق بهدوء: طريق مختصر يا أستاذة، علشان الطريق التاني عطلان وزحمة.

نظرت حولها بتوتر: لا معلش ودينا من الطريق التاني لو سمحت.

اومأ بصمت وهو يرفع يده بايماء خفيفة للسيارة التي تسير خلفه مباشرة.

فتحركت السيارة بسرعة وتجاوزته، ثم توقفت فجأة أمام التاكسي.

ضغط السائق على الفرامل بقوة، وقبل ان تدرك عائشه ما يحدث، فتح باب التاكسي ودخل رجل بسرعة يضع قطعة قماش على أنفها وفمها.

اتسعت عيناها بصدمة، وحاولت المقاومة، لكن الرجل أحكم قبضته عليها، وكتم صوتها حتي بدأ جسدها يضعف تدريجيا، ثم ارتخت حركتها.

عاد السائق تشغيل السيارة مرة أخري، بينما نظر له الرجل الآخر قائلا: كلم توتو، وقوله إننا في الطريق.


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة