رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثانى والثلاثون 33 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والثلاثون 33 
بقلم ليله عادل



{كنتُ أتمنى أشياء كثيرة،وصدقت يومًا أن الغد يحمل لي ما عجزت عنه الأيام، لكنني نسيت أن بعض الأمنيات لا تأتي…
وأن الواقع، مهما هربنا منه، يعود دائمًا بوجهه المرير ليفرض نفسه علينا.}
        ليلةعادل🌹✍️ 

             الفصل الثالث والثلاثون🤫❤️ 

                [بعنوان: طرقات مظلمة]

ظل رشدي جالسا في الحديقة يفكر في أمر تلك الصغيرة التي لو انكشف سرها ستكون نهايته الحقيقية..

خصوصا بعد اقترابها بتلك الطريقة الغريبة من ماسة وسليم، وكأن القدر يدفعها نحو عائلتها الحقيقية خطوة بعد خطوة.

أكثر ما كان يزرع الرعب داخله حديثها مع سليم، وطريقتها العفوية معه، وذلك التعلق السريع مع ماسة، كل ذلك جعل قلبه يتمزق رعبا كلما تخيل الحقيقة وهي تظهر أمام الجميع.

لو عاد سليم للتحدث مع ماسة بشكل طبيعي وتصالحا، خاصه بعد حديثه مع فايزة وشكه بأن تكون ماسة مظلومة، ترجع أمورهم سالمة، وحينها،  تقنعه أن تخرج!
ولو خرجت فعلا، قد ترى جنة، وربما تحضرها إلى القصر؟!
وهنا ستكون مصيبة، وسينكشف السر الذي أخبئه لسنوات 

هز رأسه بعنف، وكأن الفكرة أصبحت يقينا داخله، لابد أن يبعد جنة بأي طريقة.

لكن كيف؟ هو يستحيل أن يؤذيها رغم كل شيء فقد أحبها وتعلق بها، لا يعرف متى حدث ذلك، أو كيف أصبحت جزءا منه بهذا الشكل.

مرت دقائق طويلة وهو غارق في التفكير، لا يريد قتلها، بل يريد تأمين نفسه من سليم.

فهذا ليس الوقت المناسب أبدا لظهورها، كان ينوي أنه إذا انكشف سر الحادثة يوما أو حدث أي شيء يهدده، وقتها فقط سيسلم جنة لسليم مقابل روحه، لكن ليس الآن ليس الآن أبدا.

لكن ماذا يفعل؟ وكيف يخفيها؟

ظل يفكر ويفكر، حتى لمعت الفكرة فجأة برأسه، مدرسة داخلية خارج مصر وقتها ستكون بعيدة عن مي، بعيدة عن ماسة، ومع الوقت ستنساها ماسة تماما.

رفع هاتفه سريعا وأتصل بشوقي
قائلاً بنبرة أمره: أيوه يا شوقي أسمعني كويس! عايزك تسأللي على أفضل المدارس الداخلية تكون في إنجلترا أو ألمانيا، بلاش أمريكا وتركيا، بس أهم حاجة تكون مدرسة محترمة جدا، يكونوا محافظين على الأطفال خصوصا البنات بكرة كل المعلومات تكون عندي.

صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة أخفض: وكمان عايزك تجهزلي باسبور باسم: جنة سعد حسين الهلالي.

طفلة صغيرة عندها حوالي خمس سنين إلاشوية ...
هشوف شهادة الميلاد وأبعتهالك بعدين.

أنهى المكالمة ببطء، ثم رفع عينيه إلى الفراغ أمامه، وهمس بصوت مثقل: سامحيني بس ظهورك دلوقتي لا في مصلحتي ولا في مصلحتك.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

على إتجاهٍ آخر، في غرفة سليم وماسة.

بعد أن خرج رشدي ومي، تنهد سليم بتعب وهو يفرك وجهه بكفه ثم قال بضيق: كانوا بيعملوا إيه دول هنا؟!

ماسة وهي تراقبه: مافيش، كانت جاية تتكلم معايا عن إللي حصل في الحفلة، وهو كان بيدور عليها وكده يعني.

ثم أضافت وهي تفكر: على فكرة، صح، اتفاجئت إن  هو مايعرفش إني هربت شكله ماكانش عارف.

هز سليم رأسه وهو يخلع ساعته: آه، ماهو رشدي فعلا ماكانش عارف حاجة.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يلتفت لها فجأة ويقول بنبرة أخف: بقولك تعالي ساعديني وأنا بغير هدومي.

رفعت حاجبها بخبث تداعبه: وتدفع كام؟

نظر لها بابتسامة، ثم مال عليها وطبع قبلة سريعة على خدها.

رفعت حاجبها أكثر وقالت بمشاكسة:هو إنت بترشي طفلة صغيرة؟

ابتسم وقال بمداعبة: لا أنا برشي طفلة كبيرة قمر ومجنناني بشقواتها..

شدها إليه مرة واحدة، حتى التصقت به، ثم وضع قبلة عميقة على شفتيها، فبادلته للحظة قبل أن يبتعد قليلا وهو يهمس بنظرة معنى: على فكرة ممكن أديكي حاجة تانية أحلى بكتير.

ضحكت وفهمت مقصده، حاولت ان تفلت منه بخفة: لا، شكرا، كفاية كده!

لكنه شدها إليه مرة أخرى بلطف وشقاوة، وقال بمكر: ليه بس؟ تعالي جربي الأول هتعجبك.

حاولت تبتعد وهي تضحك: يا سليم بقى! بطل هزار!

هز رأسه نافيا، وقال بجدية مصطنعة وهو يضمها: قولتلك لأ تعالي

حاول تقبليها..ثم فجأة عضته بخفة من خده، فشهق وهو ينظر لها بصدمة مضحكة  هو يتحسس خده: إيه ده! بتعضي كمان؟

صرخت بضحك وهي تهرب منه سريعا: تستاهل!

ركضت، فركض خلفها في الغرفة وهي تضحك بصوت عال، تحاول الإفلات منه، بينما هو يلاحقها بضحكاته:  تعالي هنا… والله ماهسيبك!

صرخت: لااا… سليم بطل والله ماقادرة!

لكنه أمسكها أخيرا من خصرها، وجذبها إليه بقوة
خفيفة، لتشهق وهي تحاول المقاومة وسط ضحكاتها، قبل أن يبدأ يدغدغها، فانتفضت بين ذراعيه وهي تصرخ: خلاااص بقى! خلاااص! وحياتك يا سليم! خلاص بجد مش قادرة دايخة من الصبح.

ضيق عينه متساءل: مالك يا عشقي.

رفعت كتفيها: مش عارفة.

عادت بخصلات شعرها باهتمام: تعالي اوديكي للدكتور.

أومأت برفض وهي تمسح على يده الموضوع على خدها: مش مستاهله يا حبيبي، انا بس مش نايمة كويس.

تبسم ثم مال عليها وقبّل خدها بحنان: ماشي هسيبك المرة دي، بس بالليل هاخد حقي. 

وضعت يدها على صدره تدفعه بخفة، ثم قرصته من خده وهي تقول بدلال: يا سلام عليك يا سلوملوم وإنت عسل كده ورايق! يارب تبقي كدة علي طول

نظر إليها باستغراب، ثم قال بنبرة فيها مزاح خفيف: إيه يعني؟ هو أنا مش عسل على طول ولا إيه؟

اقتربت منه أكثر، تتدلل عليه، ومرّرت أصابعها على صدره برفق وهي تبتسم: لا يا روحي، أنت عسل على طول… بس بقى لك فترة كده مؤخرا، يعني يا كراميلتي عسل حبة صغيرين.

ضحك متعجبا: هو أنا ماكنتش عسل إمبارح؟ ما أنا خرجتك إمبارح، وركبتك يخت، ووديتك عند ماما، وقعدنا نلعب مع بعض، وخدت الشايب مكانك يا مفترية؟! بعدين انتي عارفة غصب عني..

تبسمت وهي تهز رأسها موضحه: أنا عايزاك عسل في كل حاجة مقصدش الخروج يا كراميل..

خفض سليم رأسه قليلا فهم تلميحها لكنه لا يريد التحدث، فغير الموضوع وقال: طب يلا نلبس.

أومأت بإيجاب، ثم تحركت وأحضرت له ملابسه المنزلية. بدأ في خلع جاكيت بدلته وساعته، بينما عادت هي وبدأت تساعده في تبديل ملابسه. ثم قالت بخفة:عارف چوچو، دي عسل أوي يا كراميل، سكرة خالص أنا حبيتها أوي، من غير ماشوفها بجد نفسي أشوفها خالص أنا هقنع مي تجيبها هنا.

رفع عينيه إليها وهو يخلع سترته: هي دي إللي كلمتيني عنها قبل كده وقعدتي ترخمي عليها.

اومأ بتأييد،  تابع بمزاح: شكلها لمضة زيك.

اومأت وهي تضحك: جدا يا كراميل شوفت كلمتك ازاي.

تبسم بإيجاب :فعلا عسوله، ابقي خلي مي تجبها هنا وقعدي معاها براحتك.

أومأت بإيجاب محمس،  انتهى من تبديل ملابسه، فرفعت ماسة حاجبها وهي تسأله: بقولك إيه الهانم والباشا عاملين إيه؟

جلس على طرف الفراش وهو يمرر يده في شعره بإرهاق: الهانم في الأوضة، والباشا جاله جلطة، وفي الرعاية المركزة، بس هيبقى كويس.

اتسعت عيناها بصدمة خفيفة جلست بجانبه: يا ساتر ربنا يشفيه.

رمش بعينيه للحظات، ثم قال فجأة بنبرة مختلفة: بالمناسبة أنا جايبلك حاجة تسمعيها عشان أوريكي الناس إللي قلبك بيشفق عليهم، رغم كل إللي حصل، عاملين إزاي.

نظرت له باستغراب، بينما أخرج هاتفه من جيبه، وعيناه مثبتتان عليها، ودون أن ينظر الى الشاشة، ضغط على التسجيل، وسرعان ما أنطلق صوت فايزة، وهي تتحدث بحدة عن ماسة، تصر أنها خائنة، وأنها ليست مثل صافيناز، وتحاول بكل الطرق أن تاكد ذلك داخل سليم.

وقفت ماسة تستمع بصمت، كل كلمة كانت تمر على أذنيها ببطء، حتى وصل التسجيل إلى دفاع رشدي عنها انتهى التسجيل...

 تبدلت نظراتها بنظرة حادة لا ترمش، وكأنه ينتظر منها ردا معينا، بينما كانت هي تنظر له بنظرة مختلفة، متفهمة أكثر من كونها مصدومة.

علق بسخط: ها إيه رأيك يا ست ماسة؟ في إللي سمعتيه؟

تابع بعينين غامت بسواد وهو يتحدث من بين أسنانه بضجر: حتى في عز إللي هي فيه، كانت مصرة تطلعك ست خاينة، لا اتعظت باللي حصلها، ولا إللي حصل لبنتها، مكملة في نفس الكبر والافترى.

حرك راسه برفض، متساءل وهو يضغط على كلماته: هل دي واحدة تستحق الشفقة؟ تستحق الرحمة؟ هي بس عشان.. عشان

احترقت الكلمة في حلقه كأنها جمره، وتجمعت في عينيه دموع ساخنة يرفض أن يتركها تهبط، شد قبضته بقوة حتى أبيضت مفاصله، وكأنه يحاول يسيطر على شيء داخله بينفجر أضاف:
علشان أمي... للأسف مش عايز أدوس عليها، بس ورحمة بنتي لولا كده، أنا مش عارف كنت ممكن أعمل فيها إيه؟! لأن أنا شوفت منها كتير.

تحركت عينا ماسة قليلا، وكأنها تبحث عن الطريقة المناسبة للكلام، تنهدت بهدوء، ثم تقدمت خطوة نحوه، وأمسكت معصمه، نظرت داخل عينيه وكأنها تحاول الوصول لأي جزء إنساني ما زال حيا داخله.

قالت بنبرة هادئة عقلانية: أسمعني يا سليم، وأفهمني، أنا مش بعمل كده علشانهم، يولعوا كلهم، أنا بعمل كده علشانك إنت، أنا خايفة عليك إنت...

رفعت يدها ببطء حتى وضعتها على خده، ثبتت نظراتها داخل عينيه: إنت بس إللي تهمني أنا بحبك بحبك وبخاف عليك، الانتقام آخره ندم، فكل النهايات إللي شوفتها في الأفلام، ماحدش انتقم وارتاح، يا ندم، يا خسر حد بيحبه، يا فضل طول عمره حاسس إن فيه حاجة ناقصة جواه.

ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة جانبية ساخرة، توقف ثم تحرك خطوتين مبتعدا عن تأثير قربها قال: دي مثاليات عبيطة، وأفلام عربي بتحاول تلعب في نفوس الناس، إن إللي يغلط يتقاله: "الله يسامحك" و"حسبي الله ونعم الوكيل" وخلاص..

استدار ينظر لها مباشرة بنظرة حاسمة: العين بالعين، والسن بالسن، والبادي أظلم يا ماسة، وأنا بعمل نفس إللي اتعمل لا أكتر ولا أقل، عملتلك قضية آداب؟ أنا عملتهالها، وخليتها تعيش الرعب كام ساعة، بعدين كل ده هتتكذب.. وهما خسروا شوية فلوس، فلو انا كنت عايز ادوقهم اللي اتعمل فيا بالظبط كنت هعمل اكتر من كدة بكثير.

أخرجت ماسة نفسا عميقا، ثم مسحت وجهها  نهضت توقفت امامه  قالت بحسم: أسمع يا سليم، أنا مش هعيدلك نفس الكلام تاني مش هطوعك بطريقك ده،  

لانت ملامحها قليلا تعرف سليم لا ياتي بتلك الطريقه تابعت:
صدقني يا حبيبي، لو جرالهم حاجة أكتر من كده، حد منهم مات مثلا، أو اتقتل بسبب إللي إنت بتعمله، إنت مش هتسامح نفسك..

اقتربت أكثر وهي تكمل تحاول إقناعه تبحث عن اي ذره رحمه: الإحساس ده قاتل إنت عندك ضمير، قلبك لسة حي، ولسة إنسانيتك موجودة، ومبادئك دي هتفضل تضغط عليك كل شوية وتسألك: ليه عملت كده؟ أنا خايفة يجي عليك وقت وتندم كفاية إللي إنت عملته.

هز رأسه معارضا بيقين: ده مش هيحصل، أنا مش هقتل حد فيهم، الموضوع مش هيوصل لكده، كل الحكاية إني بخليهم يخسروا الحاجات إللي بيحبوها رشدي هيخسر مي، العيلة هاتخسر فلوسها وسمعتها، أما صافيناز، فكان لازم يحصل فيها كده..

ثم أضاف بشدة مستهجنة: وبعدين قولتلك، بالليل هكدب كل حاجة.

ردت بحسم، ونبرتها لا تحتمل مزاحا هذه المرة: خلاص ماشي، يبقى بقى إللي في دماغك ولسة عايز تعمله بلاش.
كفاية.

رفع عينيه إليها سريعا، وأطلق زفرة بملل، كأن كلماتها لم تعجبه إطلاقا، ثم مال برأسه قليلا وهو يشيح بنظره عنها ظل صامت.

سكتت ماسة قليلا، تراقب انفعاله بصبر، ثم قالت بهدوءٍ متزن: يا سليم… طب إنت أهو سمعت كلام رشدي، دافع عني يعني، فيه شوية إنسانية أهو.

نظر لها وهو يضحك بسخرية باردة: رشدي بيدافع عنك إنسانية؟  ضحكتيني، رشدي بيدافع عنك عشان أخته "الحربوقة" زي ما مسميها، بتتعاقب، فهو بيضايق الهانم بكدة، صدقيني طول ما إنتي مش واقفة قصاد مصلحته، مش هتفرقي معاه..

أقترب منها قليلا، وصوته أصبح أخفض وأكثر حدة:  لازم تعرفيه كويس، رشدي لما فكر يأذيكي قبل كده، أذاكي عشان يدوس عليا، ودلوقتي؟ لو حس إنك هتبعدي مي عنه هيدوس عليكي من غير مايرمش.

ثبتت عينيها داخل عينه بثقة، ثم قالت بيقين واضح:
وأنا متأكدة إن رشدي اتغير وهوريك.

رفع حاجبه بسخرية خفيفة:  هتعملي إيه؟

هزت كتفيها: مش عارفة بس هوريك إنه اتغير، وإنه مبقاش زي زمان، ومامتك كمان هتتغير، كلام قالته كده بس طلع منها كده، وباباك برضه، بس أصبر عليهم.

ظل ينظر لها لثواني، ثم فجأة لوح بيده وكأنه أنهى النقاش: بقولك إيه يا ماسة تعالي ناكل فشار ونلعب شطرنج، يمكن يقوي الذكاء شوية، ويشغلك دماغك شكلها عطلانة.

ضيقت عينيها وهي تضربه بخفة في ذراعه: دماغي مش عطلانة، بس مستحيل أقسي قلبي وأخلي عقلي هو إللي يمشيني..

نظر لها تلك النظرة التي فهمتها فورا النظرة التي دائمًا تسبق هجومه بالكلام.

فقالت بسرعة قبل أن يتحدث موضحة وهي تلوح بيدها في وجهه: وماتقوليش: "أمال إنتي فضلتي ليه مغلباني  شهور، عشان تخليني أسامحك على إللي عملته معايا؟

تابعت بصوت أكثر هدوءا وهي تمسك بيده بابتسامة توضح: إنت حاجة تانية يا سليم إنت حبيبي، أنا كنت موجوعة وزعلانة منك، وعدم مسامحتي ليك بسرعة كان من وجعي، لكن أقسم بالله، لو كنت شوفتك وقتها تعبان، أو حصلك حاجة، كنت هجري عليك من غير تفكير، وعمري مافكرت أأذيك.. وبعدين أنا كنت غلطانة مش هعيد غلطتي تاني.

تبدلت نظراته للحظة قصيرة، شيء خافت مر داخل عينيه، لكنه أخفاه سريعا وهو يشيح بوجهه: طيب المهم، كلميلنا سحر تخليها تعملنا فشار، وتعالي نلعب شطرنج وخليها تعملك ساندوتش لانشون بالجبنة علشان بتحبيه...

ثم أشار بيده وهو يتحرك نحو الخارج: يلا أنا هروح أحضر اللعبة.

تحرك مسرعا فهو يعرف تأثرها عليه، بينما تابعتة ماسة بعينيها وهو يبتعد، ثم تنهدت بتعب، كان يضحك، يمزح، ويتصرف وكأن كل شيء تحت السيطرة، لكنها كانت ترى ما هو أبعد من ذلك، كانت ترى الغضب الذي يلتهمه ببطء، والقسوة التي تتسرب إلى روحه يوما بعد يوم.

وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الثقيل بداخلها، ثم حسمت أمرها أخيرا، لن تتركه يغرق أكثر من ذلك ستظل تحاول، حتى لو اضطرت أن تحارب العالم كله، ستقف أمام ذلك الظلام الذي يحاول ابتلاعه، قبل أن يتحول إلى شخص لا يستطيع العودة منه أبدا.

على إتجاه آخر…

في منزل مكي،2مساء

كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء من خلف الستائر، بينما كانت ليلى متمددة على الفراش، تغط في نوم فجأة، صدح رنين الهاتف بجانبها، فبدأت تفتح عينيها وتغلقهما بانزعاج قبل أن ترد بصوت ناعس:
إيه يا أم علي… عاملة إيه يا حبيبتي؟ صباحك خير.

جاءها صوت أم علي سريعا ومتوترا: صباح الخير إيه يا ليلى؟ ده إحنا داخلين على العصر ولسة نايمة!

اعتدلت ليلى قليلا وهي تفرك عينيها: والله نايمة تعبانه.

قالت بصوت ملهوف: طب قوليلي مكي عامل إيه؟ طمنيني عليه بعد إللي حصل ده في المكان إللي بيشتغل فيه.

عقدت ليلى حاجبيها بعدم فهم: مكي؟ ماله؟!

شهقت أم علي: فيه إيه يا ليلى؟! ماتعرفيش إن امبارح حصل انفجار كبير في مصانع الراوي؟ والدنيا اتقلبت وقت الحفلة إللي كانوا عاملينها! الأخبار مالية الدنيا

اتسعت عينا ليلى فجأة، واختفى أثر النوم تماما جلست منتصبة: إيه إللي إنتي بتقوليه ده؟! أنا مابتفرجش على حاجة، إنتي عارفة. استني… هقوم أكلمه، الأخبار دي فين؟

أجابت: أفتحي الفيسبوك كده هاتلاقي الدنيا مقلوبة.

ردت بسرعة: طب أقفلي… أقفلي.

أجابتها: طب أبقي طمنيني.

أغلقت الهاتف بسرعة، ونهضت من الفراش بقلق واضح. فتحت هاتفها على الفيسبوك، وما إن بدأت الأخبار والفيديوهات تظهر أمامها حتى اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
انفجار… فضائح… اسم عائلة الراوي يتصدر كل شيء.

بسرعة ضغطت على اسم مكي واتصلت به، بعد ثوانٍ، جاءها صوته من الحديقة هادئا كعادته: ست الكل عاملة إيه؟

خرج صوتها مرتبكا: يا حبيبي إنت كويس؟

ابتسم رغم توتره:  آه يا حبيبتي، أنا كويس الحمد لله إنتي أخبارك إيه؟

قالت بخوف: إيه إللي حصل ده؟ خالتك لسه مكلماني أنا كنت نايمة وصحيت على الأخبار! إنت كويس يابني.

حاول أن يطمئنها: يا حبيبتي ماتقلقيش، الموضوع بعيد عني خالص، أنا كنت في القصر، والكلام ده حصل في المصنع.

لكنها قاطعته فورا: طب بقولك إيه إنت لازم تيجيلي حالا، عايزة أشوفك بعيني وأطمن عليك.

أغمض عينيه بتعب: يا ست الكل، والله ما فيا حاجة أنا تمام.

ردت بحسم: ولا "تمام" ولا غيره… تقفل وتيجيلي، ماليش دعوة.

ضحك بخفوت محاولا تهدئتها: يا أمي، ماينفعش أسيب سليم خالص دلوقتي، والقصر الدنيا فيه متكهربة.

رفعت صوتها بعنادها المعتاد: ولا متكهربة ولا متنيلة! نص ساعة وتبقى عندي.

ثم أغلقت الهاتف دون أن تعطيه فرصة للرد.

أنزل مكي الهاتف من على أذنه وتنهد باستسلام، ثم تحرك من مكانه وهو يهز رأسه يعرف أمه جيدا… طالما أصرت، فلا مفر.

اتجه ناحية عشري، الذي كان يجلس على بعد يدخن الشيشة في هدوء قائلا: عشري، بقولك إيه أنا هروح البيت شوية وأرجع على طول. مش ها اتأخر.

رفع عشري حاجبه باستغراب: هو ده وقته؟

متنفسا: يا عم أمي اتصلت بيا وقلقانة. لازم تشوفني بعينها عشان تصدق إني كويس، لو سليم سأل، قوله.

هز عشري رأسه: طيب… ماتتأخرش.

تحرك مكي خطوتين، ثم عاد فجأة وكأنه تذكر شيئا:  بقولك إيه إنت نشرت الأخبار بتاعة صافيناز؟

نفث عشري الدخان ببطء: لا، عرفان.

ضيق مكي عينيه بضيق:ولو سليم طلب منك أي حاجة، تقولي فورا، عرفان ده لازم نقعد معاه هيضيع سليم.

أومأ عشري بجدية: تمام روح إنت بس للحاجة وطمنها… ونجتمع بالليل.

هز مكي رأسه وتحرك للخارج، بينما كان القلق يزداد داخله أكثر مع كل دقيقة تمر لأن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة فعلا.

على إتجاه آخر…

غرفة عماد وصافيناز.

كان عماد يجلس على الأريكة، ينظر أمامه بشرود، بينما يتحدث عبر الهاتف بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب: يعني إيه لحد دلوقتي مش عارفين تشيلوا الفيديوهات؟ اتصرف!

استمع للطرف الآخر لثوانٍ، ثم ضاقت عيناه بسواد مخيف وهو يتمتم: ماشي 

أغلق الهاتف بعنف، ثم أعاد رفعه سريعا وأتصل بشخص آخر: عايز أقابلك… لا، مش هينفع بعدين، لازم في أقرب وقت… تمام، سلام.

أنزل الهاتف ببطء، وظل شاردا وكأنه يغرق داخل أفكاره.

وفجأة…
دوى صوت صافيناز داخل الغرفة وهي تصرخ بذعر هستيري: أبعدوا عني! ماحدش يقرب مني!

انتفض عماد من مكانه ونظر لها بسرعة، ثم اقترب من الفراش: مالك يا صافيناز؟ أهدي.

فتحت عينيها بفزع، وبدأت تتحرك بعشوائية في الفراش وهي تمسك بذراعه بقوة: ألحقني يا عماد! عايزين يخدوني ماتخليهمش يخدوني! بالله عليك ماتخليهمش يخدوني!

عقد حاجبيه وهو ينظر حوله: مين؟! مافيش حد هنا إنتي كنتي بتحلمي

هزت رأسها بعنف وأنفاسها متقطعة: لا لا، كانوا هنا! كانوا عايزين يخدوني!

ثم بدأت تنظر حولها بخوف حقيقي، قبل أن تدرك تدريجيا أنها داخل غرفتها.

رفعت عينيها إليه، وتبادل معها النظرة للحظات.

كانت ملامحها منهارة بشكل لم يره فيها من قبل، لا كبرياء، لا غرور، فقط خوف وارتعاش وضعف كامل.

تنهد عماد أخيرا، ثم جلس بجانبها وربت على كتفها بهدوء: أهدي بقى ونامي. مفيش حد. أنا جنبك أهو يلا.

ساعدها لتستلقى مرة أخرى، بينما كان جسدها ينتفض بخفة ودموعها تنزل بصمت.

حتى وإن لم يعد يحبها حتى وإن كان بينهما ألف شرخ، في النهاية، هي زوجته بينهما عمر كامل وعشرة طويلة لا تمحى بسهولة.

لانت ملامحه أخيرا، وأخذ يربت عليها بصدق هذه المرة: نامي يا صافيناز ماتقلقيش، أنا جنبك.

بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيا، وعيناها تثقلان بالنوم مرة أخرى، لكن جسدها ظل ينتفض بين الحين والآخر، وكأن الرعب مازال يطاردها حتى داخل أحلامها.

أما عماد فظل جالسا بجوارها ينظر إليها بصمت طويل، وفي داخله شعور ثقيل لا يعرف هل هو شفقة أم شيء آخر.

على إتجاه آخر، غرفة مي ورشدي.

كانت مي تجلس على الفراش تضم ساقيها إليها، تشعر بضيق يكتم أنفاسها وغضب لا تعرف حتى على من توجهه.

ثلاثة أسابيع فقط، ثلاثة أسابيع منذ زواجها، ومع ذلك تشعر وكأن سنوات مرت فوق قلبها.

تنهدت بتعب وهي تغلق عينيها للحظات، لكن حتى الصمت لم يرحمها، مازال صور صافيناز تتردد في عقلها من وقت لآخر، يختلط بصور الانفجار، والدخان، والفوضى التي حدثت بالأمس.

بدأت الصور تتزاحم داخل رأسها بشكل مرهق
خناقتها الأخيرة مع رشدي بسبب جنة، إدمانه  وأعراض انسحابه...

أشياء كثيرة دفعة واحدة، أكبر من قدرتها على التحمل.

في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل رشدي وجدها على تلك الحالة، لكنه لم يتحدث فقط تمدد على الفراش، وبدأ يعبث في هاتفه وهو ينظر لها من أسفل عينيه بين الحين والآخر.

مرت عدة لحظات وهي ماتزال صامتة على نفس وضعها، قبل أن يزفر باختناق ويجلس أخيرا قائلا بضيق: هو إنتِ هتفضلي قالبة لي وشك كده كتير؟ مابحبش التكشير.

رفعت عينيها نحوه ببطء وقالت بعدم استيعاب:  إنت بتكلمني أنا؟

نهض من مكانه وتوقف أمامها مباشرة: أيوة بكلمك إنتِ أنا عايز أفهم مكشرة كده ليه؟ وقالبة وشك ليه؟ يعني ليه النكد ده؟ هو إنتِ تبقي غلطانة وكمان مكشرة؟

توقفت لثوانٍ وهي تنظر له بصدمة واضحة: أنا غلطانة يا رشدي؟

رد ببرود مستفز: آه طبعا غلطانة، إللي عملتيه غلط، وكان لازم أتكلم معاكي بالطريقة دي، أنا سبق وقولتلك مليون مرة إن موضوع جنة ده  ما ينفعش حد يعرفه، فبلاش بقى قلبة الوش دي، هو إنتِ تعملي الفعل وتزعلي من رد فعلي؟

قالت بصوت منخفض مرهق: هو أنا اتكلمت معاك؟ ما أنا قاعدة ساكتة أهو… هو إنت عايز خناقات وخلاص؟

هتف بنفاد صبر: لا، مش عايز خناقة وخلاص، بس ماتفضليش قاعدة مكشرة كده. مابحبش التكشير، ولا النكد، إيه القرف ده؟! كفايةإللي الواحد فيه، حتى مش عارف يخرج بسبب القرف إللي حصل مع صافيناز، وكمان القرف والتكشير في البيت!

رفعت رأسها نحوه بوجع واضح وهي تشير بأصابعها بتحذير: رشدي، حاسب على كلامك وأسلوبك معايا.

ضحك بسخرية مستفزة: هو أنا لما بقولك ماتكشريش  ده كدة بقي أسلوب وحش؟ خلاص، كشري ونكدي وعيطي… بصي، أقعدي كلمي الحيطان إيه القرف ده! أنا سايبلك الأوضة، عيلة نكدية صحيح.

ثم اتجه نحو الشرفة بعصبية وأغلق الباب خلفه بقوة.

جلس هناك وهو يكاد ينفجر من التوتر لم يكن متزنا أبدا، ليس بسبب قلة المخدرات، فهو أخذ جرعته بالفعل… لكن خوفه من انكشاف سر جنة جعله مضطربا بشكل مرعب.

أما مي، فظلت واقفة مكانها، لا تفهم ما الذي أصابه تحديدا. كل ما يصل إليها أن تلك أعراض انسحاب، وأن عصبيته سببها الإدمان، لكنها كانت تشعر أن كل شيء أصبح أكبر من احتمالها.

شعرت بإختناق غريب، وبأنها حتى لا تملك حق الاعتراض أو الشكوى، لأنه في النهاية كان هذا اختيارها.
امتلات عينيها بالدموع ساخنه وضعت يديها على فمها تحاول كتمها، وفجأة، لم تعد تريد التفكير، ولا الكلام فقط النوم. الهروب المؤقت من كل ما يحدث حولها.

وبالفعل، تمددت على الفراش وأغمضت عينيها، وبعد وقت قصير استسلمت للنوم من شدة الإرهاق.…

كان رشدي ما يزال في الشرفة، جلس على المقعد وأخرج سيجارة، أشعلها ببطء ثم أخذ نفسا طويلا وهو يحدق أمامه بشرود.

كل شيء حوله يزداد تعقيدا الانفجار  ما يحدث مع صافيناز لو هي لم تهم ولكن موضوع غريب،تصرفات مي كشف سر جنة.

أغمض عينيه للحظة، ثم نفث الدخان ببطء وهو يفكر في شيء واحد فقط،  كيف سيحل الأمور

في اسكتلندا12 ظهرا

كان ياسين جالسا ممسكا بالهاتف، عيناه معلقتان بالشاشة، وملامحه تتبدل تدريجيا بين الذهول وعدم التصديق الأخبار تتوالى أمامه عن صافيناز، باتهامها قضية مخلة بالشرف بإدارة شبكة دعارة، وانفجار المصنع الذي هز الجميع الصمت كان ثقيلًا.

اقتربت لوجين منه ببطء، عيناها تقرآن مايقرأه، حتى توقفت بجانبه، وهي تهمس بصوت متوتر:
يا ياسين…إيه إللي حصل ده؟!

لم تكمل جملتها، فقط رفع عينيه إليها بسرعة، وقال بحسم: إحنا لازم ننزل مصر النهاردة.

أومأت مسرعة: ماشي، أحجز إنت التكت، وأنا هحضر الشنط.

ترددت قليلا قبل أن تضيف: بس لازم تكلم حد لازم نفهم إيه إللي حصل.

أخذ نفسا عميقا: هكلم فريدة هي الوحيدة إللي ممكن ترد دلوقتي.

وبالفعل، تم الاتصال بفريدة…

لكن الرد لم يكن واضحا كما توقعوا صوتها كان مرتبكا، متقطعا، كأنها نفسها لم تستوعب ما يجري بعد لم تعطي إجابات حقيقية، فقط كلمات مبعثرة عن عزت وفايزة وأنهما في المستشفى.. وصافيناز خرجت بكفالة..

في الخارج، كانت لوجين تتحرك بسرعة داخل الغرفة، تجمع الملابس والأوراق بتوتر واضح، بينما 

ياسين كان قد أنهى حجز التذاكر، وملامحه لا تزال مشدودة متعجبة

المرج،2مساء

توقفت السيارة في أحد الشوارع الضيقة بمنطقة المرج، حيث البيوت القديمة المتلاصقة، والهدوء الثقيل يعم المكان.

فتح الرجل الجالس بجوار عائشة الباب، ثم هبط من السيارة وهو يحملها بين ذراعيه، بينما أسرع السائق لمساعدته.

كانت عائشة ماتزال فاقدة الوعي، رأسها يتدلى بلا حركة.

تحرك الرجلان بسرعة نحو أحد البيوت القديمة، ودخلا من بابه الحديدي الصدئ.

صعدا السلم الضيق بسرعة، حتى وصلا إلى إحدى الشقق في الطابق العلوي.

داخل الشقة.

كان توتو ومحمود في انتظارهم داخل الشقة، يقفان في منتصف الغرفة بترقب واضح، طرق أحدهم الباب فتح توتو بسرعه الباب.

ما إن دخلا، حتى أشار توتو بيده نحو الأريكة وقال بسرعة: نيموها هنا على الكنبة دي.

اقترب الرجلان، ووضعا عائشة على الأريكة بحذر
ثم قال أحدهما وهو يلتفت لتوتو: تسلم يا أبو شروق.

السائق وهو يضع الهاتف على الطاولة: تليفونها.

نظر ابو شروق إلى توتو بقلق، وقال بصوت منخفض:
أهم حاجة يا توتو الموضوع ده مايكونش فيه عوق مع البوليس.

لوح توتو بيده، وقال بثقة مصطنعة: يا عم عوق إيه! الموضوع هيخلص الليلة ماتقلقش.

ثم اقترب منه قليلا وأضاف: المهم بقى ظبطلي كام راجل كده.

هز ابو شروق رأسه: ماتقلقش، موضوع الرجالة ده خليه عليا، هبعتلك كام واحد ولو احتاجت حاجة كلمنى عحمول .... أنا هنطر.

أومأ توتو برأسه تحرك ابو شروق ومعه السائق خارج الشقة، وأغلق الباب خلفهما.

وقف محمود ينظر إلى عائشة النائمة على الأريكة، وملامح التوتر واضحة على وجهه.

ثم التفت إلى توتو وقال بصوت خائف: يا توتو الموضوع كده بيكبر يا عم!

بلع ريقه بتوتر تابع: ده كده فيها خطف، ودي فيها سبع ولا عشرة اشغال شقة 

ضحك توتو بسخرية، وقال باستهزاء:يا عم ولا سبعة ولا عشرة!

أقترب منه وقال بنبرة حاسمة: كل إللى هتقوله لأمها خلي ابنك يجيب أختي، وتخدي بنتك..

ثم أضاف ببرود: بعدين ماتقلقش إحنا هانجيبلها أكل وشرب، مش هنعمل فيها حاجة، هتقعد معززة مكرمة

نظر محمود له بقلق أكبر: طب إحنا دلوقتي هنعمل إيه هنتصل؟

توتو بشدة: نتصل مين مين؟

ثم أشار إلى هاتف عائشة الموضوع على الطاولة:
دي اكيد عاملة التليفون بتاعها إيه اسمه ده إللي مايتفتحش؟

محمود موضحا: باسورد.

ابتسم توتو بسخرية: آه الباسورد ده.

ثم هز كتفيه بلا مبالاة: وبعدين إحنا مالناش دعوة، هما أكيد هيتصلوا لما تتأخر.

اقترب من الطاولة وأخذ الهاتف، وهو يقول:
ساعتها هانرد عليهم ونبدأ نساومهم...

ثم أضاف بشر: قولوا لابنكم يجيب بنتنا وبس.

نظر لمحمود ولاحظ ارتجاف يديه، قطب توتو حاجبيه قال بضيق: إهدى يا حودا وأنشف كده! مالك إيدك بتخبط كده ليه؟!

أخرج علبة سجائر من جيبه، وأخرج واحدة، ثم ناوله، كانت واضحة أنها مخلوطة بالحشيش، أضاف وهو يشعلها له:أشرب دي كده وروق يا حودا

أخذ محمود السيجارة بتردد، وقال بصوت منخفض:
أروق إيه يا توتو؟! أنا حاسس إن إحنا بنفتح على نفسنا نار، وإحنا مش واخدين بالنا.

نفث توتو الدخان ببطء، ثم قال ببرود: ما هي نار الحج، ولا نار هتجيلك من عيلة مصطفى..

ثم ضحك بسخرية وأضاف: شكلها عيلة غلبانة يا عم، عيلة دكاترة ومهندسين يعني مش هايجيبوا سكة معانا.

نظر محمود إلى عائشة مرة أخرى، وقال بتوتر:أما نشوف.

ساد صمت ثقيل داخل الغرفة، بينما كانت عائشة ماتزال فاقدة الوعي على الأريكة، ولا تدري أن كابوسها بدأ للتو.

منزل مكي،3مساء.

دخل مكي الشقة، فوجد ليلى جالسة في الريسبشن وكأنها كانت تنتظر لحظة دخوله، وما إن وقعت عيناها عليه حتى نهضت بسرعة ولهفة واضحة:  مكي!

أتجه إليها فورا، قبل أن يتوقف أمامها مبتسما بحنان: ست الكل، وحشتيني.

ضمها إليه، فرفعت يديها تتحسس وجهه وكأنها تتأكد أنه أمامها فعلا:  عامل إيه يا حبيبي؟

مررت يدها على صدره وكتفه بقلق: أنا الحمد لله إنت كويس؟  وزي الفل

ردت بلهفة أم وهي تتحسس جسده لتتأكد من سلامتة: وريني كده.

أخذت تتفحصه للحظات، ابتسم بخفة وهو يبعد يديها برفق: يا حبيبتي أنا الحمد لله كويس، أنا جيت مخصوص عشان أوريكي إني بخير، بس إنتِ عارفة الدنيا مقلوبة وإحنا مشغولين قد إيه هاقعد معاكي شوية وهمشي. 

نظرت له بعدم فهم وقلق أكبر جلست: هو إيه اللي حصل ده؟ أنا مش فاهمة حاجة.

تنهد موضحا: وإحنا كمان مش فاهمين كل حاجة، إنتِ عارفة بقى العيلة عندها أعداء كتير يا ست الكل، المهم طمنيني عليكِ إنتِ وحشتيني أوي.

شدته ليجلس بجانبها أكثر: أنا كويسة، تعالى أقعد وأحكيلي وفهمني. إنت كنت فين؟

أجابها سريعا محاولا تغيير الحديث: كنت في الحفلة بعيد عن الكلام ده.

لكنها لم تقتنع: لا، بس الحفلة نفسها حصل فيها مصايب! صافيناز اتقبض عليها؟ وسط العيلة؟ والكلام إللي مكتوب عنها والصور دي إيه؟

تنهد موضحا: صافيناز قصتها كبيرة شوية الموضوع ليه علاقة بأدوات التجميل إللي كانت بتعملها وإنها سببت تشوهات لناس، أما حوار الصور ده، كانوا بيروحلها عالنيابة مع مسجنات الدعارة، والصحافة الصفراء بقى اشتغلت وزودت الدنيا.

هزت رأسها بقلق، ثم أمسكت وجهه بين يديها: يا ابني… يا حبيبي المهم كل حاجة تبقى بعيدة عنك. أنا ماليش غيرك خالتك لما كلمتني اتجننت

قبّل يديها بحنان وهو يقول مطمئنا: أنا بعيد عن كل ده، ماتقلقيش شغلي مع سليم، أنا بخير.

تنهدت براحة بسيطة، وكأن مجرد رؤيته أمامها خفف نصف خوفها، ثم قالت بسرعة وكأنها تذكرت شيئا مهما: طيب بقولك إيه؟ أنا هروح أعملك الغدا عشان ناكل سوا، وماتقوليش بقى لا ومش هينفع ولا لازم أنزل والكلام ده.

ابتسم بخفة وهو يهز رأسه باستسلام: ماشي يا ست الكل، هقعد آكل معاكي، بس مش هينفع أبات.

ضيقت عينيها بضيقٍ مصطنع: يعني إيه مش هينفع؟ إنت داخل عليا ضيف ولا إيه؟

ضحك بخفوت وهو يضمها لجانبه: والله لو بإيدي مامشي بس فيه شغل وحاجات لازم أخلصها دعواتك.

وهي تهم بالنهوض قالت بسخرية: ربنا ويبعد عنك كل شر ويريحلك بالك يا ابنى.

بإبتسامة: أحلى دعوة يا ست الكل والله. 

ضحك مكي بينما ذهبت ليلى تحضر الغدا بينما تنهد مكي  وتمدد على الأريكة ليرتاح، ثم قام بعمل كام مكالمة لسليم وعشري، ليطمئن على الأخبار  في القصر.

منزل مصطفى3مساء.

الصالة.

كانت نبيلة تجلس في الصالة، يبدو التوتر واضحا على ملامحها، بينما كانت تمسك هاتفها بيد مرتجفة
على الأريكة كان إيهاب يجلس أمام اللابتوب الخاص به، يكتب بعض الأشياء بتركيز.

رفعت رأسها نحوه وقالت بقلق: أختك اتأخرت أوى يا إيهاب

نظر إلى ساعته، ثم قال: فعلا هي كلمتني من شوية وقالتلي إنها خلاص نازلة.

نبيلة بتوتر: طيب الكلام ده من ساعة، وبعدين أنا كلمتها ماردتش.

ايهاب بهدوء: طب أنا هكلمها.

أمسك هاتفه، وبدأ بالاتصال بها مرة أخرى.

في الإتجاه الآخر - عند محمود

كان محمود وتوتو يقفان أمام بعضهما، بينما كانت عائشة ماتزال غارقة في ثبات عميق على الأريكة.

نظر محمود إلى توتو بتوتر وقال والهاتف بين يده:
أهو بيتصلوا تاني خلينا نرد بقى يا عم.

توتو ببرود: أصبر خليهم يقلقوا شوية، يبقوا على أعصابهم.

محمود هو يدخن سيجارة بتوتر:ماشي يا توتو...

عند نبيلة وإيهاب.

نظر إيهاب إلى والدته التي كانت تراقبه بقلق.
قالت بسرعة: إيه؟ مابتردش؟!

رد محاولا طمأنتها: عادي يا أمي، إنتِ عارفة عائشة ساعات بتعمل تليفونها صامت وترميه في الشنطة.

هتصل بيها مرة كمان ولو ماردتش، هتصل بأي واحدة من صحابها.

وبالفعل ضغط زر الأتصال مرة أخرى.

على إتجاه آخر عند محمود 

نظر توتو إلى محمود وقال له: يلا رد عليهم.

اومأ محمود برفض قال بتوتر: لا أتكلم إنت أنا أعصابي مش فيا.

تنفس توتو بعمق، وألقى سيجارته أرضا، ثم رد على الهاتف: ألو...

نظر إيهاب إلى الهاتف باستغراب، وقال: مين معايا؟

توتو بنبرة باردة ساخرة: أنا محمود أبو نسب يا باشمهندس وعايز منك خدمة.

اتسعت عين إيهاب وهو يقول: أختي فين؟!

توقفت نبيلة في تلك اللحظة والقلق يمحي وجهها قالت: فيه إيه أختك فين؟!

إيهاب وهو يشير بيده: استني بس يا أمي
ثم قال: أختي فين.

رد توتو ببطء: أختك في الحفظ والصون، محتاج منك تبلغ الرسالة دي لأخوك الدكتور، أختكم قصاد أختي.

اتسعت عينا إيهاب بصدمة صراخ: إنت بتقول إيه؟! إنت اتجننت؟!

توتو بحدة: بقولك الصح، عايزين أختك اديني أختي سلم... واستلم 

تابع بتهديد: وأسمع لو بلغت البوليس هتزعل 

صرخ إيهاب بغضب: إنت لو قربت من أختي يا ابن الحرام مش هيكفيني فيها موتك فاهم ..

توتو بهدوء مريب: إهدى بس، واتك عالصبر
ثم أضاف بلهجة تهديد: ومن غير طولة لسان عشان إنت مش هتعرف تسد معايا...

تابع بنبرة لا تحتمل النقاش: مش عايزين هري كتير أختك قصاد أختي، كلم أخوك خليه يجيب آلاء إحنا مش عايزين مشاكل.. 

خفض صوته قليلا: أختك معززة مكرمة لحد دلوقتي بس لو عاندتوا وبلغت البوليس صدقني هتزعلوا.

أغلق توتو الهاتف، ثم ألتفت إلى محمود، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيه، وعيناه تلمعان بنظرة انتصار خبيثة.

قال بثقة: ولعت، ساعة بالكتير، وهتلاقي الدنيا اتقلبت عندهم والابلة الاء وصلت.

نظر محمود إليه بقلق، ثم إلى عائشة الملقاة على الأريكة بلا حركة.

وقال بتوتر: طب هي هتفوق إمتى؟

نفث توتو الدخان، وقال بلا مبالاة: شوية وهتفوق خلينا نربطها عشان ماتلمش علينا الجيران.

في نفس اللحظة...على إتجاه آخر - منزل مصطفى،

كان إيهاب واقفا في منتصف الصالة، وعيناه متسعتان على آخرهما، وكأن ما سمعه قبل لحظات لم يستوعبه عقله بعد هبطت يداه ببطء إلى جانبيه
وهو يحاول أن يفهم، أن يستوعب

لكن الكلمات مازالت تتردد داخل رأسه كصدى مرعب: أختك قصاد أختي...

لم ينتبه لنبيلة التي اقتربت منه بسرعة، وعيناها مليئتان بالقلق.

نظرت إليه بعدم فهم وقالت بقلق متزايد: فيه إيه يا إيهاب؟! مين إللي كان بيكلمك؟ فين عائشة؟!

ظل صامتا، لا يعرف ماذا يقول؟! أو كيف يقول.

اقتربت منه خطوة أخرى، ونبرتها أصبحت أكثر حدة:
ماترد عليا أختك فين؟! أختك كويسة؟!

رفع عينيه إليها ببطء، وابتلع ريقه بصعوبة كان يشعر أن الكلمات ثقيلة داخل حلقه، لكنه يعرف أنه لابد أن يقول لها.

همس بصوت خافت متقطع وهو يبتلع ريقه: اتخطفت.

تجمدت في مكانها لثانية، كأنها لم تسمع جيدا ثم صرخت فجأة، وهي تضرب صدره بيديها بقوة:
هي مين إللي اتخطفت؟! أنطق!

امسك يدها، وقال بسرعة يحاول تهدئتها:
يا أمي، أصبري عليا، أنا بحاول أستوعب إللي سمعته!

صرخت بجنون، وصوتها بدأ يرتجف:تستوعب إيه؟! تستوعب إيـــه ونيلة إيـــه؟! أختك فين؟!

ثم أمسكت ذراعه بعنف: أختك فين؟! مين إللي خطفها؟! 

تنهد إيهاب أخيرا، وأغمض عينيه لحظة، كأنه يجمع شجاعته...

ثم قال بصوت منخفض متعب: محمود...

فتحت عينيها بصدمة، فأكمل بصعوبة: محمود أخو آلاء، بيقوللي أختك قصاد أختي...

ارتجفت شفتيه.وأكمل بصوت أكثر اختناقا: وعايز مصطفى يروحلهم بآلاء.

شهقت بقوة وهي تضرب على خدها: يا نهار أسود ومنيل بستين نيلة! 

وضعت يدها على رأسها وهي تصرخ: ده كان يوم أسود يوم ما قابلها..حسبي الله ونعم الوكيل

ثم بدأت تبكي بهلع: يا حبيبتي يا بنتي طب أعمل إيه دلوقتي؟! بنتي هيحصل لها حاجة! 

إيهاب يحاول تهدئتها رغم قلقه: يا أمي خلينا نفكر
أنا هتصل بمصطفى.

صرخت فيه: نفكر في إيه؟! أختك مع رجالة هناك الله أعلم هيعملوا فيها إيه! 

ثم قالت فجأة: أتصل بسليم، ماتتصلش بمصطفى أتصل بسليم!

رد متعجبا: سليم هيعمل إيه؟! أنا هكلم مصطفى.

صرخت بإنفعال: لا! أنا هروح هناك، هروح لمصطفى بنفسي! وأقوله المصيبة إللى ابتلتنا بيها بسببها أختك اتخطفت

ثم قالت بغضب: هآخدها من شعرها وأديها لأخوها، وأرجع بنتي لحضني! يلا واقف كدة ليه؟! أتصل بسليم، ألا ويمين الله هروحله بنفسى شركته وهتبقي فضيحة..

أشار بيده، مسرعا: طيب طيب.

أمسك الهاتف واتصل بسليم، وهو يحاول تهدئتها: أهدي يا أمي خليني أتكلم.

بعد ثوانٍ جاء صوت سليم من الطرف الآخر:
"ألو..."

لكن قبل أن يتحدث إيهاب، خطفت نبيلة الهاتف من يده، وصرخت فيه: سليم! ابعتلي عربية دلوقتي تاخدني لمصطفى!

نظر سليم للهاتف باستغراب: فيه إيه بس؟!

صرخت وهي تبكي: أنا عايزة ابني عايزة أروح لمصطفى! يلا

قال سليم بهدوء: طب بالراحة وقوليلي إللي حصل، لو في مشكلة أنا اقدر احلها...

صرخت بعصبية: أنا مش هاهدى! أنا عايزة عربية حالا توديني لمصطفى!

ثم أضافت بتهديد: لا والله العظيم هيبقى يوم أسود عليكم كلكم ابعتلي العربية ،يابنى أبوس أيدك لازم أروح لمصطفى..

تنهد سليم وشعر أن هناك مصيبة فقال: طيب خلاص، أنا بنفسي هاجي آخدك وهوديكي لمصطفى.

ثم قال بهدوء: بس أهدي واديني إيهاب

ردت بعناد: لا! مفيش إيهاب أنا مستنياك..

ثم أغلقت الخط. جلس إيهاب ينظر إليها بقلق...
بينما كانت تبكي بشدة، وقلبها يتمزق خوفا على ابنتها.

على إتجاه آخر ، جناح سليم وماسة بالقصر.

كان سليم يجلس بجانب ماسة، وأمامهما رقعة شطرنج، بينما أستقر الهاتف بين يديه، تجمد نظره في الفراغ، كأن الكلمات التي سمعها لم تصل إلى عقله بعد، أو ربما وصلت، لكنها كانت أثقل من أن تفهم، لم يكن يدرك التفاصيل، لكنه شعر، بيقين مرعب، أن مصيبة قد وقعت.

أما ماسة، فكانت تراقبه منذ اللحظة التي تلقى فيها الاتصال عيناها لم تفارق ملامحه، تلتقط أدق تغير فيها، بدا عليها أنها التقطت بعض الكلمات من حديثه، لكن صمته الذي تلاها كان أبلغ وأخطر.

رفعت ماسة رأسها نحوه، ولاحظت تغير ملامحه، قالت باستغراب: فيه إيه يا سليم؟ دي ماما نبيلة صح؟

هز سليم رأسه بإيجاب ببطء، وقال بصوت جاد:
آها عمالة تصرخ مش فاهم فيه إيه؟!

اتسعت عينا ماسة، وقالت بقلق: يمكن في حاجة حصلتلهم...

نظر لها سليم باستغراب، حاجباه انعقدا: حاجة زي إيه يعني؟

هزّت رأسها بتوتر: ماعرفش يمكن حد من أهلك عرف الحقيقة إنك ماقتلتش مصطفى ووصلهم..

قاطعها بسرعة، بنبرة حاسمة وهو يهز رأسه بعنف: لا... لا... لا مستحيل لو حد عرف، كنت أنا أول واحد يعرف،  هما في إيه ولا في إيه أصلا؟! في حاجة تانية.

ثم مررت يدها في شعرها بضيق، وعيناها تائهتان: أمال ممكن يكون في إيه يا سليم؟

نهض سليم من مكانه بسرعة، وقال بتوتر واضح:
أنا مش فاهم حاجة يا ماسة أنا هألبس بسرعة وأروحلهم.

وقفت ماسة فورا، وقالت بلهفة: طب استنى، هاجي معاك.

ألتفت لها بحدة وقال: تيجي معايا فين؟! خليكي هنا.

اقتربت منه خطوة، وقالت برجاء: إزاي يعني يا سليم؟ خليني أجي معاك أهدى ماما نبيلة على الأقل صوتها كان يخوف..

هز رأسه برفض قاطع: لا خليكي هنا، أنا أصلا مش عارف أنا رايح على إيه وفيه إيه وجودك هيشتتنى؟!

قالت بقلق واضح، وصوتها يرتجف: طب والنبي يا سليم، خد بالك منهم  الناس دي حموني.

 ربت على كتفها بإبتسامة ليطمئنها: متخافيش هفديهم بروحي.

نظرت له بتنبيه: وانت كمان، ماتعملش حاجة ومتاخدش سلاح.

نظر لها لحظة، ثم قال بجدية: مش هينفع، هاخد سلاحي بس ماتقلقيش مستحيل استخدمه...

تبادلا النظرات للحظة ثم تحرك سليم بسرعة نحو غرفة الملابس، وبدأ يخلع التيشيرت الذي يرتديه، ويبدله بملابس خروج سريعة.

وقفت ماسة عند باب الغرفة، تراقبه بتوتر شديد
قالت وهي تحاول فهم مايحدث: ماتكلم إيهاب تفهم منه؟!

نظر لها موضحا وهو يزرر قميصه: نبيلة هانم رفضت، حالتها كانت عصبية جدا.

اقتربت منه خطوة وقالت بقلق: بجد قلقت، طب إنت هتروح لوحدك؟ خد مكي معاك.

أومأ بإيجاب، ثم قال وهو يتحرك نحو الباب: أنا همشي دلوقتي، خليكي هنا يا ماسة.

هزت رأسها بإيجاب بتوتر، وقالت بصوت منخفض:
طب أبقى طمني.

نظر لها لحظة قصيرة ثم وضع قبلة طويلة بعينيها، ثم خرج من الغرفة مسرعا.

خارج الغرفة…

تحرك سليم مبتعدا بخطوات سريعة، وأخرج هاتفه من جيبه ثم أجرى اتصالًا بعشري فورا، وما إن رد عليه حتى قال بنبرة حاسمة: يا عشري، حضر العربية والرجالة حالا… إحنا خارجين.

أتاه صوت عشري من الجهة الأخرى باستغراب: مش هنستنى مكي؟ هو فيه حاجة؟

سليم بسرعة ونفاد صبر: مش مستاهلة يلا بس، أنا هنزل دلوقتي

ثم أغلق الهاتف، وواصل طريقه بخطوات سريعة هبط إلى الحديقة، وتوقف للحظات حتى جاءت السيارة، فصعد إليها وأنطلقت به سريعا.

على إتجاه آخر…

كان رشدي مايزال جالسا في الشرفة، يدخن سيجارته بشرود لمح سليم وهو يغادر، فضيق عينيه قليلا وهو يتابعه بنظرات متفحصة، ثم ألتفت ببطء إلى مي النائمة.

مرر يده خلف رقبته بتوتر، وبدأ يفكر في شيء واحد فقط أن يذهب ليتحدث مع ماسة، يسألها لماذا هربت، ويحاول أن يفهمها أن الهروب ليس حلا، وأنهم قد يقتلونها فعلا.

لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، وأخذ نفسا طويلا من سيجارته قبل أن يتمتم لنفسه: أستنى شوية… لما مي تروح في نوم أعمق.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل 

في الشارع،4 ونص مساء

كانت نبيلة وإيهاب يقفان في الشارع بملابس الخروج، والتوتر يملأ ملامحهما، ينتظران وصوله بقلق يكاد يخنق أنفاسهما.

توقفت سيارة سليم أمامهما فجأة وقبل حتى أن يهبط من السيارة.

اندفعت نبيلة نحو الباب أوقفته بعصبية، وهي تقول بإنفعال: يلا! إنت لسة هتنزل؟! ودينا بسرعة!

صعدت السيارة من الباب الخلفي بسرعة، وجلست

في نفس اللحظة، فتح إيهاب الباب الأمامي وصعد، بعد أن تبادل نظرة سريعة مع سليم نظرة مليئة بالتوتر ومازال لم يفهم ماحدث.

أنطلق سليم بسيارة بسرعة.

بينما تحركت خلفهم سيارات الحراسة، في موكب سريع، يضم عددا كبيرا من الرجال.

كان الصمت لثواني ثقيل  داخل السيارة

حتى قطعه سليم وهو يضغط على عجلة القيادة بقوة، وقال بنبرة جادة: ممكن بقى تفهموني في إيه؟ علشان أبقى فاهم..

إيهاب، وصوته متوتر: محمود كلمني وقاللي إنه خطف عائشة.

قبض سليم على المقود بقوة أكبر واتسعت عينا وأكمل إيهاب بصوت متحشرج: وعايز آلاء مكانها 

صرخت نبيلة فجأة وهي تلتفت نحو سليم: هو إنت مش قولت إنك حاطط لنا حراسة؟!

سليم بسرعة، وهو يركز في الطريق: أيوه أنا حاططلكم حراسة فعلا...

ثم أضاف بضيق واضح: بس الحراسة قدام البيت هنا مش على كل واحد فيكم..

تنهد باسف: أنا آسف، دي كانت غلطة مني.

صرخت نبيلة بسخرية وغضب: غلطة منك؟! أهي الغلطة دي خلت بنتى تتخطف يا حبيبتي يا بنتي يا ترى عملوا فيكي إيه؟!

رمش سليم بعينه وهو يشعر بذنب: أنا حقيقي آسف لكن، ماتقلقيش إن شاء الله هتكون بخير هو مش هايستفيد حاجة لو أذاها.

ردت بحدة وغضب مكبوت: الغلطة مش غلطتك لوحدك، ماتتأسفش يابني، الغلطة غلطة الدكتور المحترم إللي راح جابلنا مصيبة وحطها فوق دماغنا! منها لله.

نظر سليم أمامه بثبات، ثم قال محاولا تهدئتها:
مش هيعملها ماتخافيش، ده عيل عبيط، أنا بنفسي هجيبهالك وعد.

أشار بيده قليلا وهو يقود: بس يا هانم خليكي هادية من فضلك.

ألتفت إيهاب إلى والدته وقال بنبرة قوية: ياريت يا أمي تهدي فعلا، عصبيتك وتوترك وعياطك مش هيفيدونا بحاجة.

صاحت بعصبية شديدة، وصوتها أرتفع أكثر:
أهدى إيه؟! أهدى إيه وزفت إيه؟! أنا مش عارفة إيه البرود إللي إنت فيه ده!  دي أختك

ثم أضافت بانهيار وغضب عارم وهي تضرب على قدميها: دي أختك إللي اتخطفت! عارف يعني إيه اتخطفت؟! وإنت بتقولي أهدى أهدى إزاي وبنتى مع رجالة غريبة؟! مش يمكن يغتصبوها؟! ولا يعملوا فيها حاجة؟! قال أهدى..

قبض إيهاب على يده بقوة، وعيناه أحمرتا، ثم قال بصوت مخنوق: يا أمي مين قالك إني بارد؟!

تنفس بعمق، ثم أكمل بصوت مهزوز لكنه يحاول الثبات: أنا جوايا نار بتاكلني...

نظر للأمام وقال بإصرار: أنا دلوقت محتاج دماغي تبقى هادية، عشان أعرف أجيب أختي من غير مايحصلها حاجة، وبعدها ودينى ماهسيب فيه حتة سليمة.

اومأ سليم بإيجاب قائلا بتأكيد: بالظبط كده، نوصل لعائشة وبعدين لو عايزين تدفنوه حي براحتكم. 

عادت نبيلة تبكي وهي تنظر إلى الطريق أمامها، وقالت برجاء: سوق بسرعة والنبي يا سليم.

ضغط سليم على دواسة البنزين بقوة، وانطلقت السيارة بسرعة أكبر، بينما سيارات الحراسة خلفهم تشق الطريق بعنف.
❤️________________بقلمي_ليلةعادل 
منزل مكي،5 مساء.

السفرة 

كان مكي يتناول الغداء مع والدته، بينما كانت ليلى تراقبه بابتسامة دافئة، وكأنها تحاول أن تعوض غيابه الطويل بنظراتها فقط.

رفعت حاجبها بخفة: أول مرة تغيب عليا الفترة الكبيرة دي كده!

رفع عينه، وقال بهدوء: معلش والله، الفترة دي عندنا شغل كتير يا ست الكل.

تنهدت، ثم مالت قليلا نحوه، ونبرتها خفت فيها القلق: أنا قلقت عليك يا مكي،  لما شوفت الحادثة إللي حصلت... مش بس بتاعت المصنع... حتى حادثة الكوبري.

توقف عن الأكل لثواني، ثم قال بثبات: طب ما أنا  أهو بأكدلك أن كل ده بعيد عني.

تابع هو يعود لتناول طعامه: أنا كده كده شغلي مع سليم بعيد عن كل ده... فما تقلقيش.

قالت بازدراء خفيف مسحوب بمزاح، وهي ترفع حاجبها: مش عارفة سليم ده عملك إيه؟!... ده لو مراتك كانت طفشت منك وزهقت، مش عارفة علي طول، لازق فيه كده ليه؟

ضحك بصوت عالي، ثم هز رأسه وهو يضع الشوكة جانبا: طب أعمل إيه بس؟ ده شغلي بعدين، وهي فترة مؤقتة، صدقيني.

اقترب قليلا منها، ونبرته هديت: سليم محتاجني دلوقتي أكتر من أي وقت.

ثم أشار بإيده كأنه بيبرر: وبعدين ما أنا طول السنين إللي فاتت كنت بجي أبات معاكي كل يوم، وباجيلك في أي وقت.

تنهدت، وملامحها ما بين القلق والرضا، وقالت بصوت أهدى: ربنا يسهل لكم الأحوال يا ابني... ويسترها عليك إنت وهو.

صفّقت بخفة وقالت بحماس: طب يلا خلّص أكلك... عايزة أتكلم معاك شوية في البلكونة كده وإحنا بنشرب الشاي.

نظر لها بقلق: فيه إيه؟

ردت بسرعة وهي تمثل البراءة: فيه إيه يا واد! إيه المشكلة لما أتكلم معاك شوية؟

ابتسم، ومد يده وربت على يدها بحنان: عنيا يا ست الكل.

تناولا الطعام معًا في هدوء، بينما كانت ليلى تراقبه بين لحظة وأخرى وكأنها تقرأ ملامحه بصمت. وبعد أن أنتهيا، نهض مكي واتجه نحو الشرفة.

الشرفة 
وقف هناك قليلا، أخرج هاتفه وأجرى مكالمة قصيرة، صوته كان جادا ومختصرا كعادته في الشغل.

بعد لحظات، أغلَق المكالمة. في تلك اللحظة جاءت ليلى تحمل صينية الشاي، واقتربت منه بهدوء 

وضعت الكوب على السور، فمد يده وأخذه منها بابتسامة خفيفة وقال: تسلم إيدكِ يا ست الحبايب.

تنهدت وهي تقلب كوب الشاي بين يديها، ثم قالت بهدوء: قولي صاحبك عامل إيه مع مراته؟ ربنا هداهم؟

أجاب وهو ينظر للأمام: آه الحمد لله، أدعلهم.

هزّت رأسها بدعاء صادق: ربنا يسترها عليهم، ويرزقهم بقى بعيل كده ويفرحهم، هو مافيش غير العيل إللي هايعقلهم.

ثم التفتت له فجأة، وكأنها تذكرت شيئًا مهما: قولي بقى إيه أخبار سلوى؟ بتشوفها؟

تردد لحظة قصيرة قبل أن يجيب: آه، بشوفها بالصدفة، لما بتيجي تشوف ماسة

ضيقت عينيها وهي تراقب ملامحه بدقة: بتتكلموا؟

رفع حاجبيه وقال بتوتر خفيف: بتسألي ليه؟

رمقته بنظرة حادة: رد عليا بإجابة يا واد، ماتردش عليا بسؤال.

تنحنح وقال وهو يحاول يبدو طبيعي: ما أقصدش بس لا.

ولا هي حاولت تكلمك أو تتصل بيك؟!

رمش بعينه للحظة قام باقتضاب: لا

ساد صمت لثوانٍ... قبل أن تقول ليلى بإبتسامة: متأكد؟

أومأ بإيجاب بصمت، ردت ببطء، وعينيها ثابتة عليه:أول مرة... تكذب عليا.

تجمد في مكانه، ونظر لها باستغراب ممزوج بقلق:
أكذب؟!

رفعت حاجبها بثقة: آها، أنا  أمك، وعارفة صوتك لما بتخبي حاجة.

نظر لها باستغراب: هو إنتي ليه بتسألي كل الأسئلة دي؟!

اجابت باختصار: أصل سلوى جت هنا.

اعتدل في وقفته وقال بضيق: كانت عايزة إيه؟

ردت بهدوء: أكيد إنت عارف هي عايزة إيه؟! بس قولي بقى، إيه الحكاية؟ وإيه الأسباب إللي اتكلمت عنها؟

رفع حاجبيه: أسباب إيه؟

اقتربت منه خطوة موضحة: هي قالتلي إن عندها أسباب خلتها تسيبك وتعمل فيك إللي عملته ومارضيتش تقول إيه قالتلي أسألك.

ظهر عليه التوتر، وحكّ رقبته وقال بسرعة: هي بتقول أي كلام، مافيش أسباب، كل إللي حصل إنها افتكرتني زي سليم.

نظرت له بشك واضح: مش مقتنعة، البنت كانت بتتكلم بثقة، وعينيها بتقول فيه حاجة أكبر.

تساءل: طب إنتي قولتي لها إيه؟

تنهدت بتفسير وهي تحتسي من الشاي: قولتلها أفهم الأول لو عجبني الكلام وفهمت أسبابك ساعتها هساعدك ها إيه الحكاية.

نظر لها للحظة بصمت، ثم نظر أمامه: مافيش حكاية زي ماقولتلك كانت فاكراني زي سليم.

تساءلت متعجبة: هي مش رجعت لسليم وبقوا كويسين مع بعض؟

اومأ بتفسير : أيوة بقوا كويسين، وهي فهمت إنها كانت مكبرة الموضوع، عشان كده طلبت ترجع وأنا رفضت.

هزت رأسها ببطء بعدم اقتناع: مش عارفة ليه مش مصدقاك.

أنفعل قليلا: هو إيه يا ماما؟ إللي مش مصدقاني؟!

ردت بحدة عقلانية  قليلة: مافيش ست بتسيب راجل قبل فرحها بعشر أيام، خصوصا لو من وسط إللي منه سلوى, إلا لو في حاجة كبيرة، البنت كانت بتتكلم بحرقة وهي بتقوللي عندها سبب، بس مش عايزة تقوله غير لما إنت تقول..

زفر بضيق، ثم قال بحدة وهو يشد على كوب الشاي في يده: يا ماما مافيش الكلام ده! ماعندهاش سبب، أنا زمان قولتلها تقولي، حاولت أفهم اتحايلت عليها، وهي مارضيتش، أنا مش لعبة في إيديها يا ماما، مش وقت ماتحب ترجع ترجع، ووقت ماتحب تمشي تمشي.

ازدادت نبرته حدة وهو يكمل: مشاعري مش لعبة في إيديها، ولو سمحتِ أقفلي الموضوع ده، أنا مش جاي أقعد معاكي هنا عشان تفتحيلي في موضوع سلوى.

نظرت له بهدوء، لكن عينيها كان فيهم إصرار واضح: ماشي يا مكي، عصبيتك دي أكدتلي إن فيه حاجة كبيرة هي عرفتها وزعلت منك بسببها..

توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة أثقل: وشكل الحاجة دي، لو أنا عرفتها، هاتزعلني منك، بس أنا ها أعرف.

نظر لها بحدة، وقال بإنفعال: هي جت قالتلك كلمتين هاتسخنك عليا ولا إيه؟! هي مش دي سلوى إللي قولتي إنك مش عايزاها وكرهتيها؟!

هزت رأسها ببطء، وقالت بثقة: آها، بس شفت عينيها،  وسمعت كلامها حسيت بيها، أنا ست وأفهم كويس، وأكيد يعني انا مش هاجي عليك علشان خاطرها، إنت ابني، بس أنا محتاجة أفهم أنا قولتلها كده ها أفهم من ابني لو الكلام عجبني ها أبقى في صفك ماعجبنيش خلاص إنتي من طريق يا بنتي وإحنا من طريق،  وأنا بقولك فهمني عشان أنا حاسة إن الموضوع أكبر من إنك شبه سليم وزعلها على أختها والكلام العبيط ده،  إنت بنفسك ما كنتش مصدق، وكنت عارف ومتأكد إن فيه حاجة ثانية، واضح إن هي قالتها لك.. ها إيه هي بقى ما تريح قلبي يا ابني وقول لي ده أنا أمك مكان إللي عملته أنا مسامحاك بس أفهم. 

تنهد بضيق، ومرر يده على وجهه، ثم قال بنبرة حاول يجعلها أهدأ:
عينيها وكلامها إيه يا ماما، والنبي صلّي على النبي، سيبيني أشرب كوباية الشاي ونقعد مع بعض حبة حلوين، إنتِ وحشاني...

كادت أن تتحدث قالت بشدة وهو ينظر لها بضيق خفيف أضاف: فكك بقى بجد، علشان أنا بدأت أتضايق ومافيش أسباب سلوى ماعندهاش أسباب هي صدقت إن أنا زي صاحبي فخلصت. 

ساد صمت ثقيل بينهما، كانت ليلى تنظر إليه بنظرة طويلة، وكأنها لا تصدق حرفا مما قاله، بينما كان مكي يتجنب عينيها، يخفي داخل صدره توترا واضحا.

    ❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

قصر الراوي.

غرفة ماسة5 مساء.

كانت ماسة تجلس على الأريكة، تفتح اللاب توب وأمامها بعض الأوراق، تقوم بالمذاكر، فجأة انتبهت لصوت أحد يحاول فتح الباب، فرفعت عينيها باستغراب، وعقدت مابين حاجبيها، ثم سمعت خبطة وصوت رشدي يقول من الخارج: ماسة، افتحي أنا رشدي.

نظرت حولها بسرعة، ثم لمت متعلقاتها على عجل ودفعتها أسفل الأريكة.

تحركت مسرعة، وقفت أمام المرآة لثوانٍ، تتأكد من مكياجها، ثم أخذت نفسا عميقا واتجهت نحو الباب لتفتحه.

دخل رشدي قبل حتى أن تدعوه للدخول كعادته، وهو يقول باستغراب، هو يتحرك داخل الغرفة: قافلة الباب على نفسك ليه؟ مش سليم سايبوا.

ماسة ببرود: عادي يعني.

التفت بجسدهه لها بنظرة تحمل سخرية خفيفة: بتفكري تعاقبي سليم؟ ويبقى إنتِ إللي قفلتي الباب زي ما عملتيها وإنتِ صغيرة.

نظرت له باستغراب، وكأنها لا تتذكر.

اقترب منها قليلا، ثم انحنى بجسده حتى أصبح بمستواها وقال مذكرها: نسيتي؟ لما نيمتيه زي شحات الغرام بعد ماعرفتي إنه كان يعرف لورجينا قبلك، وإن ليه منها ولد؟

ابتسمت بدهشة: ياااه يا رشدي، إنت لسه فاكر؟! دي قديمة أوي، وبعدين إنت عرفت منين؟

مال بشفتيه بإبتسامة جانبية ساخرة وهو ينتصب:أصل شوفته وقتها… وبعدين ده مش موضوعنا.

تساءل بجدية واهتمام: هو إنتِ ليه مصرة إنك تعصبي سليم؟ مش اتفقنا إنه هيبقى كويس معاكي وإنت تبطلي إللي بتعمليه؟

ضيقت عينيها بعدم فهم، بينما مد رشدي يده وأزاح جزءا من الجاكيت عن رقبتها، لتظهر العلامة بوضوح أضافت: نابك إيه غير الضرب؟

أبعدت يده فورا، ورفعت الجاكيت وهي تقول بحدة:رشدي، متتعداش حدودك معايا، وبطل أسلوبك ده.

تنهد وهو يمرر يده في شعره: أنا بس عايز أفهم، ليه هربتي بعد اتفاقنا؟

ضحكت بسخرية مريرة: هربت ليه؟ هربت لأن أخوك لحد اللحظة دي مش قادر يصدقني، وعمال يهددني بأهلي ويسمعني كلام زي الزفت، وإنت كمان مش عايز تساعدني، عامل نفسك خايف عليا، بس مش عايز تساعدني بجد.

تساءل متعجبا: أساعدك إزاي بقى؟

رفعت كتفيها بعدم معرفة: معرفش، أكيد فيه كذا طريقة يا رشدي.

-نظر لها طويلا قبل أن يقول بهدوء: قوليلي أي طريقة، إلا إني أروح أقول لسليم إللي حصل، لإن وقتها

قاطعته وأكملت الجملة بنفسها بسخرية لازعة: عشان ماحدش وقتها يروح ويقولوا لمي كل حاجة ووقتها تسيبك مش كدة.

أومأ برأسه: بالظبط.

تبسمت هي بحسرة، بينما ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقول: عموما أنا جاي أقولك خبر حلو.

نظر له باستغراب رد على نظراتها بإبتسامة متحمسة: الخبر الحلو إن سليم النهاردة وقف قدام فايزة وقالها: “أنا بدأت أصدق ماسة.

رفعت عينيها نحوه بسرعة وهي تمثل عدم الفهم

أكمل رشدي على ذات الوتيرة: وهو المرة دي هايدور بجد، أنا حافظ أخويا كويس، سليم بدأ يشوف إن فيه طرف تالت بعد إللي حصل مع صافيناز، هو بس كبرياؤه مش هايخليه يعتذرلك دلوقتي، لكن أول مايمسك أول خيط، هيجي يعتذر علي طول...

تبسم وكأنه يحاول زرع الأمل بداخلها: قال الكلام ده قدام فايزة، وفايزة كانت مرعوبة، أنا شوفت نظراتها، كانت خايفة يعرف الحقيقة، وأنا هعمل كل جهدي عشان يعرف الحقيقة.

اقترب منها أكثر، ونبرته أصبحت أكثر جدية ورجاء: بس أرجوكي بقى بطلي خوف، ماتسمعيش كلامهم في أي حاجة، ماسة، هما كانوا هايقتلوكي أوعي تكوني فاكرة إنهم كانوا هايساعدوكي بهروبك، هما عايزين يخلصوا منك...

اتسعت عيناها بصدمة مصطنعة وهو يكمل كأنه ينبها للخطر الذي مخبئا لها: لازم تفهمي إنهم دلوقتي مرعوبين منك إنتِ،  إنتِ إللي ماسكة رقبتهم بإيدك، وعشان كده عايزين يخلصوا منك إنتِ وأهلك مرة واحدة… عشان السر يموت معاكي.

همست مستغربة: سر إيه؟

أجابها بنظرة ثقيلة: كل حاجة قولتهالك زمان وهما كانوا مشاركين فيها..

سكتت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه مباشرة، تتأمله وكأنها تحاول انتزاع الحقيقة من بين ملامحه تريد ذلك الاعتراف الذي طلبه منها سليم، وفي الوقت نفسه، تريد أن ترى بنفسها:
هل سيقول الحقيقة أخيرا، أم سيكذب مرة أخرى؟

فسألته بنبرة هادئة، تخفي خلفها خبثا مبطنا: وياترى كل الحاجات إللي قولتهالي زمان دي، كانت صح؟ ولا غلط يا رشدي؟

رمش بعينيه عدة مرات، ثم ابتلع ريقه بتوتر واضح، وكأنه عالق بين قول الحقيقة، أو الكذب كعادته طوال السنوات الماضية.

ظل صامتا لثوانٍ، يفكر، قبل أن يخرج صوته أخيرا مترددا وهو يقول:  مش كلها صح، فيها منها كدب، زي سليم عمره ما كان قواد، ولا تاجر أعضاء، أنا كذبت عليكي علشان تكرهيه، حتى الفيديوهات كان ملعوب فيها....

ثم تنهد: بس الباقي صح إحنا كلنا بنتاجر في الآثار وعملنا كام صفقة سلاح وإنتي كدة كدة. ماكنتيش مصدقة إنه قواد..

اهتزت عيناها بالألم، وقالت بصوت مبحوح بعتاب: صح ماصدقتش، بس الباقي كان كفاية يخرب حياتي ويدمرها مع سليم بسبب كذبك

اقترب منها خطوة أخرى وقال بهدوء حقيقي هذه المرة: بس لسه عندك فرصة كبيرة مع سليم، بطلي تعصبيه، حاولي تتكلمي معاه وتقنعيه سليم بيحبك يا ماسة...

ثم أكمل بجدية قاتمة ممزوج بتحذير واضح: وأوعي تامني لحد فيهم، لإن لو فضلتي تسمعي كلامهم، هايقتلوكي، وأنا مش هعرف أحميكي...

خفض عينيه للحظة قبل أن يقول: أنا أصلا ماكنتش أعرف إنهم هايهربوكي، ماقالوليش، ومعنى إنهم ماشاركونيش، إنهم بدأوا يلعبوا من ورا ضهري، بدأوا يخافوا مني، عشان بقيت أقف قصادهم...

رفع رأسه ينظر لها بثبات: أنا مش هعرف أحميكي زي الأول، الأول كنت جوه اللعبة، الأول كنت إللي بحرك كل حاجة، الأول كانت 90٪ من الخطط، أفكاري أنا..

ابتسم بمرارة: مش هنكر ده،  بس أنا  اهو بحاول أكفر وأصلح إللي عملته زمان...

ثم قال برجاء صادق: فساعديني لو قالولك تهربي، تعالي قوليلي صدقيني يا ماسة، هما هايقتلوكي إنتِ وأهلك، من إمتى فايزة أو صافيناز وعماد والباشا يهمهم حمايتك وأمانك...

كانت ماسة تنظر إليه، وتشعر للمرة الأولى أن كلماته صادقة فعلا، ورغم الخوف والوجع، كان هناك شعور خفي بالسعادة داخلها، لأنها أخيرا قد تتمكن من إثبات شيء مهم لسليم: أن رشدي تغير.

لكن كان ينقصها شيء أخير، خطوة واحدة فقط، كانت تريد أن تضغط عليه أكثر، أن تدفعه للحافة، أن تستفزه لترى رد فعله الحقيقي، لأنها كانت مؤمنة أن تلك هي الطريقة الوحيدة التي قد تجعل سليم يصدق فعلا أن رشدي لم يعد كما كان، عندما تستفزه لم يفعل الأشياء التي كان يفعلها من قبل.

ابتلعت ريقها بتوتر، وتحركت خطوتين وهي تعطي له ظهرها كان ينظر لها باستغراب، ثم التفتت تنظر إليه مباشرة مرة أخرى وقالت بصوت مرتجف يحمل غضبا مكتوما: أنا مش قادرة أصدقك يا رشدي! مش قادرة أصدق، إن ده نفس رشدي إللي واقف قدامي وحكى كل القرف والافترى ده عن سليم..

اقتربت منه وهي تكمل بحدة: قولتلي إنه قواد وتاجر أعضاء، وإنت بنفسك لسة مأكدلي، إنه كدب.

غامت عيناها بذلك الزرقة الداكنة، كسماء مثقلة بالغيوم قبل العاصفة، ثم قالت من بين أسنانها بصوت خرج مرتجفا من شدة القهر: لكن إللي عمره ما كان كدب، هو إنت، إنت وإنت واقف قدامي بتهددني بأهلي..

اقتربت خطوة توقفت أمامه مباشرة، وعيناها لا تفارقان وجهه: لما حطيت قناص على أمي عشان يقتلها!

بدأ صوتها يعلو مع كل كلمة، يهتز من الوجع والغضب بعينين تلمع بدموع ساخنة: غير لما حطيت سم لسلوى، ولما قولتلي: “هخلي رجالتي يغتصبوا أختك ويعملوا عليها حفلة اغتصاب”…

ثم شهقت بعنف وهي تكمل: وخليت رجالتك يضربوا بابا بالعربية! إنت ما اكتفيتش بالتهديد يا رشدي، إنت هددت ونفذت كمان!

ثم ضحكت ضحكة مهزوزة مليئة بالقهر والسخرية:وتيجي دلوقتي تقوللي إنك خايف عليا؟ وخايف على علاقتي بسليم! وتقولي “ماتعصبهوش”؟! بلاش تزعليه، عشان مايضربكيش، وزعلان على علاقتنا إللي باظت بسبببك، إنت وأمك وأختك،  وبتحاول تصلحها كمان؟!

رفعت أحد حاجبيها متعجبة بسخط: من إمتى الأيد إللي بتاخد مش بتدي يا رشدي..

كانت عيناها تلمعان بالدموع وهي تشير إليه بعنف: ده إنت بنفسك قولتلي إنك بتعمل كل ده عشان تبوظ حياتي مع سليم، وعشان مايفضلش مبسوط معايا! ويختل توازنه النفسي..

صمتت لحظة، تنظر له بجرح واضح، ثم همست بمرارة: وفجأة، بقيت كده؟ عايزني أصدقك؟!  إزاي؟! أصدق إزاي واحد جواه كل الشر والكره ده لأخوه؟! ما يمكن دي لعبة جديدة وناويلك على نية تانية قذرة!

وقف رشدي أمامها، ملامحه مشدودة وصوته منخفض لكنه محمل بثقل اعتراف لا يشبه التبرير، كأنه يخلع طبقة من الماضي بالقوة.

بينما كانت ماسة تنظر إليه بجمود، وكأن كل كلمة تخرج منه تعيد أمامها صورا حاولت دفنها بصعوبة.

مرر يده في شعره بعصبية، ثم قال بصوت منخفض: بصي يا ماسة… أنا مش هنكر إني عملت كل ده،ضربت أبوكي بالعربية، وهددتك بقتل أهلك كلهم… ونفذت فعلا في أبوكي وسلوى، وعيشتك في خوف وعذاب..

ظلت تنظر إليه بصمت موجع، بينما أكمل هو وكأنه يفتح جرحا قديما بيده: وكان هدفي وقتها إنك تسيبي سليم وأتجوزك عشان أكسره بيكي، كنت غيران منه بشكل مرضي، شايفك كتير عليه كان لازم تكوني معايا أنا...

ضحك بسخرية من نفسه، ثم قال: يمكن في البداية كنت فاكر إني بحبك أو كنت بقنع نفسي بده، بس الحقيقة؟ أنا كنت عايز أخدك منه عشان أشوفه بيتعذب وإنتي في حضني، عشان اتلذذ لما أشوف سليم متنكد وموجوع..

ارتجف فك ماسة قليلا بضيق لكنها حاولت الثبات، لكنه تابع دون أن يتوقف: يمكن أوقات كنتي بتصعبي عليا، بس كنت مضطر أكمل، إنتِ كنتي نقطة ضعفه، فرحته الوحيدة، طول ما ماسة مع سليم، يبقى سليم فوق، ولو ماسة راحت منه… يبقى سليم وقع وانتهى.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة