رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والثلاثون 33 ج 3 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والثلاثون 33 ج 3 
بقلم ليله عادل


المرج6مساء.

هبطت آلاء من سيارة الأجرة، دفعت المبلغ سريعا، ثم اتجهت نحو بيتها.

كانت تصعد الدرج بخطوات ثقيلة، وكأنها تضغط فوق قلبها لا فوق درجات السلم،  شعرت بالقهر ينهش صدرها، فهي تعلم أن ماتصعد إليه قد يكون النهاية المحتمة لكل أحلامها، لكن إنقاذ عائشة كان الأهم لم تكن تريد لأحد أن يدفع ثمن حريتها، خاصة بعد كل ما فعله مصطفى لأجلها، الأمر الذي جعلها مستعدة لتقديم أي شيء في المقابل.

طرقت الباب بخفة، وما هي إلا لحظات حتى فتح لها محمود.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية وهو يقول:
حمد الله على السلامة يا لولا... كل ده؟

دخلت وهي تقلب وجهها بحدة، والغضب والاختناق يسيطران عليها، ثم قالت بانفعال: إيه إللي إنت عملته ده؟!

رفع حاجبيه متظاهرا بعدم الفهم وهو يغلق الباب: عملت إيه؟

صرخت فيه بغضب، وهي تلتفت له بجسدها بالكامل:
إزاي تخطف عائشة؟! إنت اتجننت خلاص؟! مابقاش عندك عقل؟!

اقترب منها بعصبية، وصاح فيها بانفعال: أعملك إيه يعني؟! كان لازم أعمل كده عشان تيجي! وبعدين إنتِ إللي بدأتي!

ثم أكمل بغضب وغيرة مشتعلة: إزاي تروحي تتجوزي الدكتور من ورايا؟! عايزة تحطي راسي في الوحل وأنا أسكت؟!

ردت بعصبية: وحل إيه؟!

هتفت بانفعال أكبر وهي تضيف: إنت كنت عايز تجوزني عرفي بالعافية! إنت إللي أجبرتني! كنت عايزني أعمل إيه؟ بعد الكلام القذر إللي قولته عليا أنا والدكتور مصطفى في المستشفي، طبيعي أتجوزه عشان سمعتي! 

اقترب منها وهو يضغط على كلمات بغضب: فتروحي تتجوزيه من ورايا؟! 

ردت بسرعة تدافع عن نفسها: أمي كانت معايا وعارفة، وسألنا الشيخ وقال حلال، وبعدين إنت، بعد إللي كنت عايز تعمله، أوعى تتكلم عن الحلال والحرام، ولا الصح والغلط! إنت كنت عايز تجوزني عرفي! فاهم يعني إيه؟!

ضحك بسخرية وقال باقتناع تام يعكس مدي جهله: أنا مش فاهم مين الحمار إللي فهمك إن الجواز العرفي حرام! هو إنتِ فاكرة زمان كانوا بيتجوزوا بمأذون والكلام ده؟ ما كانش فيه الكلام ده يا حبيبتي، الجواز أصله إن ولي أمرك يكون موافق، وأنا موافق و

قاطعته بضجر: ونسيت، تقول إن البنت، لازم كمان  تبقى موافقه، وأنا مش موافقة.

رد بساخرا: علشان حمارة وغبية..

أضافت بيقين: بعدين حتى لو مش موافقة، لو أنا شايف إنه كويس ومناسب وموافق، يبقى تسمعي كلامي وتعمليه، وأمك كانت هتبقى عارفة، وأهلنا كانوا هيعرفوا، ماتفرقش اتكتب عند مأذون، اتكتب عند محامي المهم اني عارف وموافق..

نظرت له بصدمة  من  اقتناعه، قالت بصوت مستهجن: مين فهمك الكلام ده؟ مين ضحك عليك وأقنعك بالهبل إللي إنت بتقوله ده؟! لازم أوافق، فعلا الجواز أصله اشهار، ومش بالورقة بتاعت المأذون،  بس لازم أنا أكون موافقة، ودلوقتي العرف والقانون الزم الورقة موثوقه من المأذون

رد بثقة مستفزة: آلاء أنا فاهم الدنيا أكتر منك، إنتِ ماتعرفيش حاجة، يا بنتي الحج ده كان هيعيشك أحسن عيشة، هينغنغك، الراجل بيحبك وهيصونك.

نظرت له بمرارة وقالت بسخرية موجوعة: هيصوني؟!

ثم أضافت بسرعة ونفاد صبر: عموما، اتصل دلوقتي وخلي عائشة تمشي أنا جيت إنت وعدتني.

أشار لها بتحذير وهو يضيق عينيه: ماشي... بس أوعي يكون مقلب، ويكونوا مستنييني تحت.

ردت باختناق:مافيش حد معايا خلي عائشة تمشي بقى.

أمسك هاتفه وبدأ يجري اتصالا سريعا، ثم قال: أيوة يا توتو: مشي  الأبلة... لا، لا، جت واقفة قدامي أهي... سلام.

أنهى المكالمة، ثم وقعت عيناه على ذراعها المكسور المثبت بالجبيرة، فسألها: هو إنتِ لسه متجبسة؟

ردت بهدوء متعب وهي تنظر لذراعها: بس هروح أفك دراعي وأبدأ علاج طبيعي خلاص.

عقد حاجبيه وسأل: أمال أمك فين؟

أجابت وهي تتجنب النظر إليه: هناك، هنبقى نبعت نجيبها أصلي جيت من غير ما أقولهم. 

رفعت عينيها إليه أخيرا، وصوتها خرج متكسرا يحمل رجاء موجعا: محمود… أنا مش هقدر أتجوز الحاج ده، والنبي يا محمود، ورحمة أبوك ماتعمل فيا كدة، والله هعملك كل إللي إنت عايزه، بس والنبي ماتعملش فيا كده، وبعدين خلاص مابقاش ينفع، أنا متجوزة.

رد ببرود متوتر، يحاول إخفاء اضطرابه: عادي اتطلقي من الدكتور، وبعدين أجوزك منه ده يعتبر مالوش لازمة ولا حقيقي.

اتسعت عيناها بصدمة: مش حقيقي إزاي؟! إيه إللي إنت بتقوله ده؟ أنا متجوزة عند مأذون! متجوزة على سنة الله ورسوله.

اقتربت منه بدموع تهبط بصمت موجوع، تمسكت بيده، ثم مررت عينيها على ملامحه، وكأنها تبحث عن أي ذرة رحمة فيه، قائلة بتوسل: علشان خاطري يا محمود كفاية، بص أنا هطلق من دكتور مصطفى، وهعملك كل إللي إنت عايزه، وهديك الفلوس إللي إنت عايزها، بس والنبي ماتجوزنيش للحاج شاهين.

حك رقبته بتوتر، وكأنه يحاول إخفاء صراعه الداخلي، لكنه ظل صامتا للحظة، غير راغب في الاعتراف الآن: أنها أصبحت زوجته فعلا

بينما تابعت وهي تمسح دموعها، وصوتها مبحوح لكنه أصبح أكثر هدوءا وعقلانية: بص يا محمود، الحاج ده راجل كويس بس مش ليا كويس لوحدة بسنه تكون مناسبة ليه، لكن ليا لا... أنا مش بحبه، ومش هقدر أحبه، هو كبير عليا، أنا عايزة أتجوز واحد في سني، يحبني وأحبه، ويصوني، ونعيش زي أي اتنين طبيعيين، نكبر سوا نحلم سوا، وأنا نفسي أكون مبسوطة، نفسي أعيش زي البنات...

رفع عينيه نحوها، وبدا وكأنه يستمع إليها أخيرا، بصمت ثقيل بعدما أثارت انتباهه أخيرا وكأنه بدات تحرك شيء داخلة.

سكتت لحظة، وكان صوتها يضعف شيئا فشيئا، بينما ارتجفت ملامحها بالقهر والخوف، وكأنها تخرج وجعا ظل حبيسا داخلها لسنوات، ثم تابعت بصوت مكسور: من يوم ما أبوك مات وإنت عارف إللي حصل لنا، اتبهدلنا كتير، ومرتحناش، غير تعب امك، ليه عايز أختك تتجوز حاجة أقل من حقها؟ ليه مش عايزني ارتاح، إنت شايفني قليلة؟ 

كاد ان ينطق سبقته بنبرة حادة مرتجفه: وماتقوليش معاه فلوس، الفلوس مش كل حاجة..

اقتربت خطوة، وهي تواصل تحاول إقناعه: مش لدرجة تجوزني لراجل في سن جدي! راحتي مش بجوزني من واحد معاه فلوس وبس يامحمود في حاجات تانية كتير مهمه مينفعش اتنازل عنها...
أضافت بنبرة مهتزة تتسال بقهر:
ليه ماتجوزنيش واحد بسني؟ نكبر سوا، نعيش ونخلف ونحب بعض قدام الناس، من غير ما أعيش مستخبية ولا خايفة...

ركزت في ملامحه وكأنه تذكره بالحقيقة: لإن ده إللي هيحصل ما هو متجوزني من ورا مراته وعياله، هفضل على طول في الضلمه، هفضل على طول الاختيار التاني، ولو مراته عرفت في أي وقت  هيطلقني ويرميني، وساعتها الورقة إللي معاك دي مش هتخليني أعرف أتجوز أي راجل محترم، مين هيقبل يتجوزني الا واحد من عينة شاهين ونفضل في نفس دائرة 

تساءلت بإنكسار: مش عايزني اتجوز راجل محترم يا محمود، يعوضني عن البهدلة والشقة، إنت ترضى لي بكده ترضى لي بالحياة دي...

ظل محدقا بعينيها، وكانت ملامحه تتبدل شيئا فشيئا، وكأن كلماتها بدأت تجعلة يرى أشياء غابت عنه طويلا، وكأن قلبه الذي غطاه الضباب لسنوات بدأ أخيرا يشعر ويتحرك ويحن.

ورغم ذلك، بقي صامتا، يستمع إليها فقط، وكأنه مازال يأبى الاعتراف بخطئه، أو الاعتراف بأنها تقول الحقيقة او ربما خائف فقد فات الأوان 

ابتلعت ريقها بصعوبة، قالت بصوت أوهن: إنت عايز أختك تبقى مبسوطة ولا لأ؟ ردي عليا 

ساد الصمت للحظة، بينما ظل ينظر إليها ويرمش بين الحين والآخر، وكأنه يحاول بكل قوته ألا يضعف أو يظهر تأثره.

انتظرت رد، لكنه ظل صامت، لم تيأس بل مسحت دموعها من جديد، بصوت مرتجف أضافت: ولو إنت خايف على الفلوس إللي ليك عنده، أنا هجيبها لك، والله هجيبها وهسد كل ديونك إنت أخويا، وأنا عمري ما أرضى ليك الأذى، أنا جيت هنا علشانك، خفت عليك والله العظيم…

نظرت له بعينين دامعتين، وصوتها كاد ينكسر تماما تتوسل: أنا بحبك مهما حصل أنا اخويا الوحيد ماليش غيرك،  بس والنبي ماتعملش فيا كده، ماتكسرنيش أكتر من كده يا محمود.

تغير وجهه قليلا ورق قلبه أخيرا، وصوته خرج أخف من قبل ببحة: مابقاش ينفع يا آلاء…

انتعش قلبه، واقتربت منه بسرعة، تمسك يديه بقوة وهي تهز رأسها فهي لم تفهم قصده بابتسامة قالت: يعني إيه مابقاش ينفع؟! كل حاجة في الدنيا بتنفع وبتتصلح، أنا مسامحاك على كل حاجة عملتها فيا،

تابعت بابتسامة متمنية، رغم ارتجافها الواضح: ياريت يا محمود ترجع زي الأول، بالله عليك أرجع..
اخويا اللي ماليش غيره اللى كان كله طموح وحيويه ونفسه يكون عنده اكبر ورشة في مصر..

مررت عينها على ملامحه وكأنها تبحث في ملامحه عن أخاها الذي كان يوما قبل ان يصبح هكذا، قبل أن تواصل بصوت يختنق بالدموع: فاكر لما كنت بتجيبلي الحاجات الحلوة وأنا صغيرة؟ وكنت تقولي “ذاكري عشان تبقي دكتورة كبيرة”… وتقعد تقولي أنا نفسي افتح ورشة كبيره.. فين محمود ده؟ فين أخويا؟ ليه بقيت كده؟ ليه ضيعت كل حاجة حلوة؟

رفع عينيه إليها، وقد امتلأت بالدموع الساخنة، فاهتزت ملامحه قليلا فقد تأثر بحديثها، بينما تقدمت خطوة أخرى، وعيناها لا تفارقان وجهه، كأنها تحاول أن تستعيد ماتبقى منه في أعماقه: إنت كنت المفروض تكون ليا الأب والعوض إحنا مالناش غير بعض، أنا وإنت وبس..

ارتجف صوتها، كأنها تستحضر واقعا أثقلها: شوف أمك دلوقتي تعبانة ومش قادرة، علشان خاطرها ماتكسرش كل حاجة، ماتكسرش آخر باب بينا يا محمود.

أخذ ينظر إليها للحظات، لا يعرف ماذا يقول، فقد أصبح بلا مفر… وبلا أعذار أيضا، لقد فقدها بالفعل.

لمعت دمعة خافتة داخل عينيه، فهو رغم كل شيء، يحمل بداخله جانبا إنسانيا يظهر أحيانا

أخذ نفسا عميقا، وكأنه يحاول الهروب من ثقل تلك المواجهة، التفتت بظهر وهو يقول بنبرة قوية حاول أن يخفي بها اضطرابه، وهو يبتعد خطوة للخلف: وأنا بقولك… مابقاش ينفع يا آلاء، مابقاش ينفع.

لكنها لم تتركه يبتعد، تقدمت نحوه بسرعة وقالت وهي تصرخ بانكسار: ليه مابقاش ينفع؟ بصلي هنا!

أدار جسده لها مجددا تحت إلحاحها، فتابعت بلهفة ممزوجة بالألم: ليه مش عايزنا نكون كويسين؟ نبقى إخوات زي الأول؟ إيه إللي عاجبك في العيشة زفت دي!

اقتربت أكثر، وصوتها يختنق بدموع تهبط: يا محمود، والله العظيم أنا جيت هنا عشانك، خفت عليك، أنا هدفعلك الفلوس مهما كانت كام، هشتغل وهستلفهم وهجيبلك الفلوس، سيبك بقى من شاهين ده.. خليك مع أختك حبيبتك إللي ملهاش غيرك ولا ليك غيرها..

رد بحدة، بصوت عالي خرج مهتزا بالضعف، وكأنه يضغط على آخر ما تبقى داخله من قوة تحمل: وأنا بقولك مابقاش ينفع، لإني خلاص جوزتك للحاج شاهين.

تسمرت في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة، وكأن الكلمات لم تصل عقلها في البداية: إيه؟ بتقول إيه؟ إنت بتهزر صح؟

هز رأسه موضحا: لا، مش بهزر، أنا جوزتك للحاج شاهين، وجوازك من الدكتور مصطفى لازم ينتهي. يلا أدخلي جوه.

تراجعت خطوة وهي تهز رأسها بعدم تصديق: أدخل جوة؟ إنت اتجننت؟! إنت كده هتودي نفسك في داهية! أنا متجوزة اتنين!

رد بصرامة: إنتِ مش متجوزة غير واحد بس، الحاج شاهين وبس، يلا ادخلي أوضتك بقى.

فهو لم يكن يريد التحدث معها أكثر من ذلك، ولا يريد مواجهتها أصلا.

ثم أشار نحو الغرفة بعصبية، وهو يتجنب النظر إليها: فيه ستات جايين دلوقتي.

تساءلت بعدم فهم: ستات! ستات مين؟!

رد موضحا: هيكشفوا عليكي عشان ترجعي زي ماكنتي عشان بكره هوديكي لجوزك اللي بقالي شهر مستنيكي.

شهقت وهي تصرخ: جوزي مين؟!  انا جوزي مصطفي وبس! وبعدين يكشفوا عليا إزاي؟!  مش فاهمة

نظر إليها من أسفل عينيه، ثم قال بنبرة متحفظة فيها شيء من الاستحياء: بقولك هيكشفوا عليكي عشان ترجعي زي ماكنتي، ماتفهمي بقى، يعني مش هوديكي لشاهين بعد إللي حصل بينك وبين مصطفى كدة واتفضح..

تجمدت في مكانها للحظة،  فهمت مقصده، ثم اتسعت عيناها برعب واضح، وصاحت: ماحصلش حاجة بيني وبينه! والله العظيم!

اقترب منها خطوة أخرى، وصوته انخفض لكنه صار أشد قسوة: وأنا أصدق إزاي الكلام ده؟ عايزة تفهميني إنكم كل ده قاعدين مع بعض في شقة لوحدكم وهو ماقربش منك؟ ليه سيدنا يوسف يعني؟

هزت رأسها بسرعة، ودموعها تنهمر: لا مش سيدنا يوسف، بس والله العظيم ماقرب مني! إحنا كنا زي الإخوات! أمي كانت معانا، هو اتجوزني بس عشان ينقذني منك..

اوما براسة: ماشي الستات دي هتيجي تتاكد من كلامك لو طلعتي سليمة خلاص خايفة ليه..

ثم صرخت بإنهيار: ماتعملش فيا كده يا محمود! ماتخليش حد يقرب مني ويعمل فيا كده! ورحمة ابوك 

تنهد، وصوته خرج أخف قليلا: والله على عيني يا أختي، بس أعمل إيه؟ مضطر عشان ماتتفضحيش في المنطقة بعد إللي عملتيه.

شهقت وهي تهز رأسها بعنف: اتفضح إيه؟! عملت إيه أنا؟! والله العظيم مالمسني!

دفعها برفق حاسم نحو الغرفة وهو يقول بصوت منخفض لكنه قاطع: يلا يا آلاء… أدخلي أوضتك وأقفلي على نفسك ماتعمليش مشاكل عشان ماتخلينيش أمد أيدي عليكي زي كل مرة.

قاومته وهي ترتجف، وتمسكت بذراعه كأنها تتشبث بأي نجاة: محمود! والله العظيم أنا لسة بنت! والله ماقرب مني يامحمود صدقني!

لكنه استمر في دفعها حتى دخلت الغرفة، ثم أغلق الباب بالمفتاح، وصوته جاء حادا: أقعدي ساكتة يا آلاء بقى ماتخلنيش أضربك.

تجمدت للحظة خلف الباب، ثم انهارت تماما، وبدأت تضربه بكفها السليم بعنف وهي تصرخ: محمود! والله العظيم مصطفى ماقربش مني! أفتحلي! ماتعملش كده! أنا مش هسامحك لو عملت كدة، محمود؟! أرجوك… أرجوك أفتح! محمود حرام عليك إللي بتعمل ده ، والله انا بنب... بنت ورحمة ابويا انا بنت..

أختنق صوتها بالبكاء، وانخفضت نبرتها إلى توسل موجع: والنبي يا محمود، بوس إيدك ورجلك أفتحلي، أنا ماعملتش حاجة، والله ماعملتش حاجة، انا بنت..

ومن خلف الباب، كان يقف صامتا، يستمع لانهيارها، وملامحه متأرجحة بين قسوة قراره وبين شيء داخله يرفض ماوصل إليه… لكنه رغم ذلك لم يتراجع فهو مضطر ان يفعلها.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

في نفس اللحظة وعلى إتجاه آخر، عند توتو.

كان توتو  يقوم بفك رباط قدم عائشة وهو يقول: خلاص يا مزمزيل، هتروحي دلوقتي، أنا هنزل أركبك، وماتزعليش مننا بقى.

رفعت عينيها إليه بقلق واضح، وصوتها خرج مترددا: هو إنتوا هتعملوا إيه في آلاء؟ هي بجد وصلت؟

ابتسم لها إبتسامة خفيفة محاولا طمأنتها: أيوة يا مزمزيل وصلت، مافيش حاجة هتحصلها ماتخافيش، دي أختنا، يعني محمود مس هايأذيها هو عايز لها كل الخير. 

عائشة بإعتراض: إللي محمود بيعملوا ده عمره ماكان خير...

وفي نفس اللحظة

كان مكي قد وصل في الأسفل،  وفجأة ضغط على الفرامل بعنف..

نظرت سلوى حولها بقلق، ثم قالت بصوت متوتر: إيه المكان ده؟...

نظر لها أخيرا، بعينين حادتين، وقال بنبرة آمرة: هتفضلي هنا، ماتنزليش مهما حصل فاهمة؟

وقبل أن تعترض، مد يده أسفل المقعد، وأخرج مسدسه.

رفعه أمام عينيه، وبدأ يعمره بهدوء بارد، اتسعت عيناها بصدمة، واندفعت تمسك بذراعه بخوف: إنت هتعمل إيه؟! رايح فين؟!

نظر لها بحدة مخيفة، وقال بصوت منخفض لكن مرعب وهو ينزع يده من بين يدها: مش عايز صوت، ومش عايز هبل، فاهمة تقعدي مكانك ساكتة.

اقترب قليلا منها، وعيناه تشتعلان غضبا: أقسم بالله، لو نطقتي بكلمة، هديكي بظهر إيدي على وشك...

ثم أضاف بغيظ واضح: أنا أصلا مش طايقك أقعدي مكانك ساكتة فاهمة متتحركيش.

ابتلعت ريقها ببطء، وقلبها يخفق بقوة، بينما كانت عيناها مثبتتين على المسدس في يده، أخفى المسدس خلف ظهره، ثم فتح باب السيارة ونزل بسرعة، أغلق الباب خلفه، وبدأ يتحرك بخطوات حذرة نحو بيت توتو 

ظلت جالسة مكانها، تنظر إليه وهو يبتعد، وقلبها يرتجف من الخوف عليه، كان المكان، هادئا لا يوجد به الكثير من المارة

نظرت حولها بقلق، ثم عادت تحدق في الباب الحديدي الذي دخل منه مكي.

بدأ الخوف يتسلل إلى داخلها، فتمتمت بإرتباك: يا رب  مايعملش حاجة غلط، بس هو رايح فين أصلا، وبيعمل إيه بالمسدس ده؟!

ثم عضت على شفتها بقلق وأكملت وكأنها تقنع نفسها: أُخص عليك يا مكي، هترجع تاني للي كنت بتعمله زمان؟ 

صمتت للحظه ثم هزت راسها برفض متاخذه قرارها: لا… أنا لازم أوقفه،  أيوة لازم أوقفه، عشان مايرجعش للطريق ده تاني.

فتحت باب السيارة، ونزلت بحذر شديد، أغلقت الباب ثم تقدمت بخطوات مترددة نحو البيت عازمة على قرارها 

على الجهة المقابل للبيت

كان هناك شابان في أواخر العشرينات، يبدو من هيئتهما أنهما  منحرفون، يقفان يدخنان السجائر، منتبهين لسيارة مكي التي توقفت، ثم هبط منها، وتبعته سلوى.

قال أحدهما وهو يضيق عينيه: روح نادي على أبو شروق، شكله فيه عوق، الجدع إللي نزل ده معاه سلاح.

أومأ الآخر برأسه وهو يقول: حمامة.

في تلك اللحظة، عند توتو…

كان توتو يهم بفتح الباب وهو يقول لعائشة: يلا يا مزمزيل، خلينا نمشي.

لكن قبل أن يكمل جملته، دوى طرق عنيف على الباب.

عقد حاجبية بتعجب، فتح الباب: ليظهر مكي أمامه مباشرة.

تراجع توتو خطوة للخلف وهو يقول بدهشة: إنت مين يا عم؟

رفع مكي عينيه، وفي اللحظة نفسها وقعت عيناه على عائشة الواقفة خلفه.

وقبل أن ينطق، قالت عائشة بدهشة: هو… هو مش إنت مكي؟

التفت إليها توتو بسرعة: مكي؟! مكي مين؟!

لكن الجملة لم تكتمل، ففي لحظة خاطفة، اندفع مكي إلى الداخل، ووجه لكمة قوية إلى وجهة، أسقطته أرضا متألما.

صرخ مكي ببحة رجولية غاضبة: عائشة! أنزلي تحت في العربية واستنيني!  هي فين الاء

هزت راسها بارتجاف: مش هنا.

صرخ توتو وهو يحاول النهوض، لكن مكي أمسكه من ملابسه بعنف وهو يهدر ويعطي لكمه على عينه: فين آلاء؟! أنطق!

دفعه توتو من صدره بعصبية وهو يقول بغضب: كنت عارف إنكم هتغدروا،  وحياة أمك مهسيبك!

وأندفع يلكم مكي، لكن مكي كان الأقوى، أمسك يده بعنف، وبدأ ينهال عليه باللكمات المتتالية على مختلف جسدة ووجهة، وهو يصرخ ببحة جهورية غاضبة: فين آلاء؟! أنطق!

ازدادت الفوضى داخل المكان، بينما وقفت عائشة جانبا، ترتجف بخوف، وعيناها تدوران بينهما في رعب.

لكن فجأة، ألتقط توتو طفاية قريبة، وضرب بها مكي على رأسه.

ترنح مكي للخلف للحظة من شدة الضربة، مستغلا توتو الفرصة، فأخرج مطواة بسرعة.

صرخت عائشة بإنهيار: مكي! حاسب!

نظر لها بطرف عينه، ثم نظر أمامه انتبه في اللحظة الأخيرة، فتفادى الضربة باحترافيه، ثم أمسك يد توتو بقوة عنيفة، ووجه له روسية قوية في وجهه جعلته يترنح  مختل اتزانه.

انتزع المطواة من يده وألقاها بعيدا، ثم أمسكه من ملابسه وبدأ يضربه بعنف وهو يهدر بغضب مخيف:  فين آلاء؟! أنطق يا ابن الـ***!

وفي تلك اللحظة، ظهرت سلوى وهي تركض نحوهما، لكنها توقفت فجأة، متسعة العينين بصدمة: إيه إللي بيحصل هنا؟! مكي!

ألتفت مكي نحوها بعينين مشتعلة بالدهشة والغضب، وهدر بعصبية حادة:  إنتِ إيه إللي جابك هنا؟! انزلي!

لكنها وقفت بثبات، وقالت بعناد امتزج بالخوف: لا… مش هنزل، مش هسيبك تعمل حاجة غلط زي زمان!

صرخ ببحة رجولية جهورية اهتز لها المكان: سلوى! خدي عائشة وأنزلي! مش هعيد كلامي تاني يلا..

ابتلعت ريقها بسرعة وهي تومئ برأسها بخوف: حاضر حاضر.

ثم التفتت إلى عائشة، التي كانت تنظر لها بتوتر لأنها لا تعرفها: يلا يا عائشة.

وكادت الاثنتان تتحركان، لكن في ثانية واحدة فقط…اندفع أحد الشابين اللذين كانا يقفان بالأسفل مع الرجل الذي يدعى أبو شروق، وأمسك سلوى بعنف، واضعا سكينا حادا على رقبتها

بينما، أنقض الشاب الثاني على عائشة، وأمسكها بقوة مانعا إياها من الحركة.

اتسعت عينا سلوى بصدمة مرعبة، وشعرت لأول مرة بخوف حقيقي وهي ترى نصل السكين ملاصقا لرقبتها.

ارتجفت أنفاسها بعنف، وبدأت الدموع تتجمع سريعا داخل عينيها، بينما تنظر إلى مكي بنظرة مذعورة لم يرها منها من قبل.

صوتها خرج مرتجفا ومختنقا من شدة الرعب: مكي!

تجمد مكانه، وكأن الهواء انقطع فجأة من حوله، لم يعد يسمع شيئا، لا صوت الرجال، ولا صراخ عائشة المكتوم، ولا حتى الحركة من حوله.
فقط كل مكان كان يرى تلك  السكين الموضوع على رقبة سلوى، وهي بين يدي ذلك الرجل.

اهتز قلبه بعنف في تلك اللحظة، حبيبته، حب عمره كله، بين يد رجلا يهددة بقتلها، وهو عاجز عن الاقتراب خطوة واحدة، شعر بخوف لم يعرفه من قبل…
خوف الفقد.
خوف أن تؤذي.
خوف أن يراها تنكسر أمامه ولا يستطيع حمايتها،
قاوم تلك الدمعة التي امتلأت بها عيناه بصعوبة، بينما خرج اسمها من فمه تلقائيًا، مشحونا برعب وحب لم يستطع إخفاءهما: سلوى…

نظرت إليه فورا، بعينين متسعتين يغمرهما الذعر، والدموع تنهمر بلا توقف، كأنها تستغيث به بصمت قبل أن تنطق.

رمش للحظة، يحاول استيعاب الواقع حوله، التفت بطرف عينه نحو عائشة، فوجد ذلك الشاب يمسكها بعنف، واضعًا يده على فمها يمنع صراخها، ثم أعاد نظره سريعًا إلى سلوى.

وفي تلك اللحظة، لم يكن أمامه مجرد تهديد، بل اختيار لا يحتمل التأجيل.

حاول أن يجمع شتات نفسه بسرعة، ابتلع غضبه بصعوبة، وشعر بثقل خانق فوق صدره، كأن الهواء نفسه أصبح ضده.

كان في موقف لا يحتمل أي خطأ. هو بمفرده… أمام رجلين، ومعه فتاتان بين أيديهما، أي حركة متهورة…أي رد فعل خاطئ…قد يجعله يخسر إحداهما إلى الأبد.

وكل ذلك… حدث في أقل من ثانية.

ابتلع غضبه بصعوبة، ثم أشار بيده لسلوى محاولا تهدئتها: سلوى، ماتخافيش.

ثم نظر إلى أبو شروق وقال بنبرة حذرة رغم الغضب المشتعل داخله: نزل المطوى دي، إللي إنت بتعمله ده مش صح.

لكن أبو شروق ضغط السكين أكثر على رقبتها وهو يقول بتهديد:  أهدى إنت يا شبح وقول إنت مين الأول.

ثم هدر نحو توتو: قوم يا توتو،  أسند طولك.

نهض توتو بصعوبة وهو يتأوه من الألم، ووجهه مليئ بكدمات ثم قال بسرعة وهو يمسح الدم من جانب فمه: أبو شروق… كويس إنك جيت.

رد أبو شروق ببرود: العيال قالتلى إن فيه عوق فوق لما لقوا الباشمهندس طالع ، قولت أجي أشوف الكلام  على إيه..

ثم أعاد أبو شروق نظره إلى مكي واصل بتحذير حاد: أبلع ريقك كده يا هندسة، علشان المطوة ماتفتحش رقبة الأمورة، قولي انت مين وعايز ايه؟!

مكي بصوت منخفض، لكنه يحمل خطورة مخيفة: ، نزل المطوى الاول، وسيب البنات، وخلينا نتكلم، عشان ورحمة أبويا، لو حصل فيها خدش واحد، ماهسيب حد فيكم عايش هو وعيلته.

ثم صرخ توتو بغضب: بنات مين إللي هيتسابوا؟! إنت داخل تضربنا في منطقتنا؟! والمصحف لنربيك لاول..

فتح مطوته واقترب بها من مكي بسرعة، بنية واضحة للهجوم.

لكن مكي كان أسرع منه، في لحظة خاطفة، أخرج مسدسه ووجهه مباشرة نحو رأس توتو بنبرة جهورة:  ارجع يلا 

تجمدت الحركة في المكان كله.

سلوى شهقت بعنف، وعيناها اتسعتا برعب، بينما ازداد ضغط السكين على رقبتها أكثر.

صرخ مكي وهو مصوب المسدس نحوهم: نزلوا السلاح كلكم! عشان محدش يتعور!

فهو لم يكن يريد أن تصل الأمور إلى تلك النقطة لكنة مضطر.

تراجع توتو للخلف بخوف واضح، بينما الشاب الذي كان يمسك عائشة أفلتها فورا، لكن أبو شروق بقي ثابتا، وكأن وجود سلوى بين يديه يمنحه القوة.

صرخ مكي بسرعة: عائشة! أنزلي تحت بسرعة!

هزت عائشة رأسها بعناد وخوف:  لا… مش هسيبكم!

وقفت جانبا تضم نفسها بذراعيها، بينما مكي لم يكن يملك وقتا حتى للرد عليها، فقط جز على أسنانه وهو ينظر أمامه بترقب قاتل.

كان أبو شروق يمسك سلوى بعنف، وبدأ يقرب السكين من رقبتها أكثر، لدرجة أن أثر النصل بدأ يظهر على جلدها وقد يجرحها في أي لحظة.

وهنا اتسعت عينا مكي أكثر، وأشتعل الخوف داخله بطريقة مرعبة.

قال أبو شروق بتهديد وهو يشدها إليه:  عامل فيها السبع رجالة؟! أرمي المسدس ده بدل ما أقطعلك رقبتها!

مكي بعصبية قاتلة، وعيناه غامتا بسواد مخيف: أنا مش جاي أعمل مشاكل!

وأشار ناحية عائشة: أنا جاي آخد البنت دي وآلاء وبس... وأنا مش لوحدي.

ثم أكمل بصوت منخفض لكنه مرعب: لو عايزينها مجزرة، وأهاليكم يدفنوكم النهاردة بعد صلاة العشا… ماعنديش مانع...

حرك المسدس بين يده وهو مازل مصوبه واصل بتهديد واضح مهيمن: المسدس ده فيه 36طلقة، تفتكر مين فينا إللي هيكسب، انا ولا انت بالمطوه ايدك دي...

تردد أبو شروق للحظة، ثم قال بحذر: وأنا أضمن منين إني لو سيبتها… هاتسيبني؟

مكي بشدة: ماعنديش ضمانات خليك عاقل وأختار صح.

لكن فجأة… بدأ الدم ينزل بخفة على رقبة سلوى،
لحظة واحدة فقط كانت كفيلة بأن يفقد مكي ماتبقى من هدوئه.

جز على أسنانه بعنف، وبدأ إصبعه يقترب من الزناد، يبدو انه اتاخذ قرارة...

بينما سلوى كانت ترتجف في مكانها وأنفاسها تتقطع من الرعب.

وفي تلك اللحظة بالذات…

كان عرفان يصعد السلم بخطوات بطيئة وحذرة مع رجاله...

سمع الأصوات، ثم لمح السلاح، فتوقف بهدوء عند باب الشقة، وألقى نظرة سريعة ومحترفة إلى الداخل دون أن يراه أحد.

لاحظ أماكن وقوف الرجالة بدقة، ثم أشار بعينيه وأصابعه للرجال الذين معه، وكأنه يشرح لهم أماكن الجميع.

وفي ثانية واحدة…قبل ان يضغط مكي على الزياد

اقتحم عرفان ورجالة  المكان

اندفعوا مباشرة نحو أبو شروق وضرب على راسة فنفلتت سلوى، بينما اخذ الرجال تضرب الشاب الآخر، وتوتو وأنهالوا عليهم بالضرب بعنف.

بينما ركض مكي نحوها بسرعة جنونية، وضمها إلى صدره بقوة، بعينين متسعتين من الخوف.

كانت سلوى ترتجف بالكامل، وأنفاسها تصعد وتهبط بسرعة داخل حضنه.

بدأ يربت على ظهرها ويمسح على شعرها بيد مرتعشة، ثم طبع قبلة طويلة على رأسها، وكأنه نسي كل ما كان بينهما، لم يبقى داخله سوى خوفه عليها وحبه لها ... فرؤيته لها بذلك الوضع جعلته ينهار...

أبعدها قليلا وهو يمسح على وجهها بلهفة: إنتِ كويسة؟ 

هزت رأسها بإيجاب ودموعها تهبط بصمت

مسح على خدها بحنان وهو يقول بصوت هادي: ماتخافيش… خلاص كل حاجة انتهت.

لكن عينيه انتبهت فورا للجرح البسيط في رقبتها. اتسعت حدقتاه بتوتر واضح، ولمسه بأصابعه بحذر شديد، كأنه يخاف يؤلمها أكثر تأكد أنه سطحي...

تنهد بارتياح خفيف، ثم أخرج منديلا سريعا من جيبه وضغط به على الجرح، قبل أن يعيدها إلى حضنه مرة أخرى.

كانت سلوى مازالت ترتجف، وأنفاسها متقطعة، بينما عيناه هو لم تكن أقل اضطرابا، بل كانت تلمع بدموع مكتومة.

مرت دقائق وهو مازال يحتضنها، يربت على ظهرها ويهمس لها بكلمات تهدئها، ويحاول في نفس الوقت يهدئ قلبه هو،  لأنه كان على بعد لحظة واحدة من خسارتها.

بدات ان تهدا وتبتسم وكانها شعرت انها اخيرا استعادته بعد كل ماحدث...

وفجأة…تغيرت ملامحه تماما، الهدوء الذي كان بعينيه اختفى، واتبدل بغضب ثقيل وضجر مكبوت.

بعدها عنها ببطء، هدر فيها بغضب ممتزج بالرعب:  إنتِ إزاي تطلعي ورايا؟! إنتِ مجنونة؟! أفرضي كان جرالك حاجة دلوقتي!

ردت بصوت بتوتر: أنا خفت عليك، خفت تعمل حاجة لما شوفتك مطلع المسدس.

زفر بعنف وهو يهز رأسه: إزاي تعملي كدة، مافيش عقل؟! مابنفكرش؟!

نظرت له بخوف، بينما جز على أسنانه ثم جذبها إلى حضنه مرة أخرى، وأخذ نفسا طويلا، وكأنه يريد أن يتأكد أنها أخيرا بين ذراعيه.

اقترب عرفان منهما وقال بجدية: مكي إحنا خلاص اديناهم الواجب وربطناهم… هتعمل فيهم إيه؟

رفع مكي عينيه فورا وقال بحدة: لازم نعرف مكان آلاء…

في تلك اللحظة اقتربت عائشة من سلوى بقلق:  إنتِ كويسة؟

ابتعدت سلوى قليلا عن حضن مكي وهي تومئ: أيوة… أنا كويسة.

ثم سألتها عائشة بتردد: إنتِ أخت ماسة؟

أومأت سلوى:أها إنتي أخت مصطفى، ماسة حكتلي عنك كتير 

نظر لهما مكي من أعلى إلى أسفل متعجبا من فعلتهما، فهل هذا وقت ما يفعلانه الآن؟

تدخل سريعا وهو ينظر إليهما ساخرا: أكيد مش هنتعرف على بعض هنا… يلا.

نهض وهو ينظر لعرفان: أنا هنزلهم تحت، يا عرفان أعرفلي مكان آلاء فين.

وفجأة وقعت عيناه على أبو شروق، الذي كان مقيدا، وعلامات الضرب واضحة على وجهه وجسده.

جز على أسنانه، وتذكر كيف كان يضع السكين على رقبة سلوى وهدده بها.

اندفع نحوه كمجنون وأمسكه من رقبته وأنهال عليه بالضرب وهو يصرخ بغضب:إزاي تحط إيدك عليها؟! إزاي؟! والله العظيم لكسرلك ايدك إللي اترفعت عليها دي…

وفجأة أخرج مسدسه، وأمسك كف الرجل، وقبل أن يضغط الزناد، صرخت سلوى بخوف: مكي! ما تعملش كده! وحياة أغلى حاجة عندك ماتعمل كده!

نظر إليها للحظات، ثم أعاد نظره للرجل، وجز على أسنانه قال حظك ان عهدت نفسي إني مقتلش تاني

هنستكفي بدا في لحظه قلب ذراعه بعنف وكسرها..

صرخ الرجل بألم، بينما أمسك مكي بتوتو من شعره، ورفع المسدس إلى رأسه قائلا بحدة:  آلاء فين؟! بدل ما أفرتك دماغك دلوقتي… أنطق!

ارتجف توتو وقال بسرعة: عند محمود في شقتهم… آلاء معاه!

قال وهو يشد شعره أكثر: العنوان… اخلص.

اوما بإيجاب وبالفعل بدا أن يخبرهم بالعنوان.

مكي بأمر هو ينظر للفتتان: يلا، إنتِ وهي اتحركوا.

وبالفعل بدأ الجميع يهبطون، لكن ما إن خرجوا من البيت حتى وجدوا سيارة سليم تتوقف أمامهم، ويهبط منها هو ومصطفى وإيهاب.

وأول ماوقعت عينا مصطفى على عائشة، هتف بلهفة: عائشة!

ركض إليها بسرعة، وضمها إلى صدره، وأخذ يتحسس وجهها بقلق: إنتِ كويسة يا حبيبتي؟! عملوا لك حاجة؟!

هزت عائشة رأسها سريعا، من بين دموعها: لا، الحمد لله… ماعملوش لي حاجة.

أعاد احتضانها مرة أخرى وهو يردد براحة واضحة: الحمد لله… الحمد لله يا حبيبتي.

اقترب إيهاب هو الآخر بسرعة: عائشة… خضتيني عليكِ.

ضمها بخفة وربت على ظهرها: متأكدة إن محدش عملك حاجة؟

قالت بسرعة:والله العظيم ماحد عملي حاجة كانوا بيتعاملوا معايا كويس أوي.

في تلك اللحظة، نظر سليم إلى سلوى بحدة: إيه إللي جاب دي هنا؟

مكي بضيق: حوار كده هبقى أفهمك.

ألتفت إليه سليم بعصبية: تفهمني إيه؟! إزاي  تجبها معاك أنت مافيش مخ؟!

تدخلت سلوى بسرعة موضحة بنبرة عادية: أنا إللي زنيت عليه يا سليم، هو مالوش علاقة… قولت له لو ماخدنيش معاه هبلغ عليك وأقول إنك بتتحرش بيا، وكان فيه كمين قريب يعني… فاضطر يوافق.

نظر لها سليم غير مصدق: إيه فيلم الكرتون إللي إنتِ داخلة تحكيه ده؟!

رفع مكي كتفه مؤكدا: ده إللي حصل بالظبط! ماكانش فيه وقت إني أتصرف كان فيه ظباط واقفين مش هاينفع اتأخر على عائشة وآلاء. 

جز سليم على أسنانه وقلب عينيه بضجر، نظرت له سلوى  وقالت باعتراض متوجس: إنت بتقلب عينك ليه؟!

أضافت وكأنها تحاول إقناعه بفعلتها المجنونة: بجد كان لازم أروح معاه… أفرض عمل حاجة متهورة؟! كان لازم حد يوقفه يعني، وحصل فعلا، ده كان هيقتل أبو شروق لولا انا وقفته..

علق سليم هو يرفع أحد حاجبيه: أبو مين؟!

ردت بلا مبالاة: أبو شروق والله كانوا بيقولوا كده فوق. أنا منعته على آخر لحظة… وبعدين أنا كويسة 

عض سليم خده من الداخل بضيق من تصرفها،
نظر لها بعينين حادتين: هو المفروض كدة أنبسط يعني وقولك برافو؟! هتتحاسبي على إللي عملتيه ده. استنيني في عربيتي.

حاولت الاعتراض: سليم، ما هو…

قاطعها بحدة: أنا مش هعيد كلامي تاني يا سلوى على العربية..

تدخل مكي بهدوء: أنا هوصلها ماينفعش أسيبهم.

لكن مصطفى انتبه فجأة، ونظر حوله بقلق: استنوا آلاء مش معاهم؟! أمال فين آلاء؟!

رمكي موضحا: مش هنا، في شقتهم، ماكانتش موجودة فوق.

ابتعدت عائشة عن حضن إيهاب فجأة وقالت بتوتر: ألحقوا آلاء… أنا مش فاهمة إيه إللي بيحصل هناك، بس حاسة إن فيه حاجة وحشة، كانوا بيقولوا إن فيه ستات جايين، وكلام كده أنا مافهمتوش، بس سمعت محمود بيقول لصاحبه إنها وصلت… وبعدها صاحبه ده كلم واحدة قالها روحي فيه عملية، أنا حاسة إن فيه حاجة مش كويسة بتحصل.

قال مصطفى فورا: أنا عارف العنوان يلا نروح بسرعة.

نظر سليم إلى مكي بسرعة: مكي، روح عائشة وسلوى، خليك معاهم وماتسيبهمش، إيهاب خليك معاهم إنت كمان. أنا هروح مع مصطفى.

اعترض إيهاب فورا: لا، ماينفعش أسيبكم، أنا جاي معاكم.

نظر إيهاب الي مكي قال: خد بالك من شوشو.

أومأ مكي على مضض: مقلقش.

ألتفت سليم إلى عرفان: عرفان، معايا… يلا.

بينما نظر عشري لمكي قائلا وهو يهم بتحرك بمزاح : الله يسهل لك يا مكوووش.

رمقه مكي بنظرة ضجر: مش ناقصاك، أتحرك.

وبالفعل صعد سليم إلى السيارة ومعه مصطفى وعرفان، بينما صعد باقي الرجال سياراتهم، وانطلق الموكب سريعًا نحو آلاء.

أما مكي، فنظر إلى عائشة وسلوى وقال: يلا… معايا على العربية.

هزتا رأسيهما بصمت، ففتح لهما الباب الخلفي، فجلستا فيه، بينما صعد هو إلى المقعد الأمامي، وتحركت السيارة بسرعة.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل 

على إتجاه آخر… عند آلاء.

كانت آلاء مازالت تضرب على الباب بعنف، تصرخ حتى بح صوتها، تتوسل لمحمود أن يفتح لها وألا يفعل بها ذلك

آلاء بتوسل: محمود, ماتعملش فيا كده، طب بص  خلاص… خلاص هاتجوز شاهين، والله هتجوز شاهين، بس ماتعملش كده، علشان خاطري يا محمود حرام عليك… أبوس إيدك… أبوس رجلك..

ثم أنهارت أكثر، وأرتفع بكاؤها وهي تطرق الباب بجنون: أفتح… أبوس رجلك… حرام عليك… والله العظيم مصطفى مالمسنيش… أنا بنت… والله بنت!

ظلت تصرخ وتستغيث، وصوتها يتكسر بين الرجاء والرعب، بينما جسدها يرتجف من شدة الخوف،
وفي تلك اللحظة، دوى طرق آخر على الباب من الخارج…

توقف محمود، ثم سأل بصوت مرتفع: مين؟

جاءه صوت امرأة: أنا يا محمود… كوثر.

فتح الباب، فدخلت امرأة تبدو في منتصف الثلاثينات من عمرها، ترتدي عباءة سوداء، والكثير من مساحيق التجميل يملأ وجهها، بينما ظهرت خصلة شعر صفراء من أسفل طرحتها، تعكس البيئة الشعبية التي جاءت منها. كانت تمسك كيسا بلاستيكيا بيدها.

وكان معها سيدتان قويتا البنية، ترتديان أيضا عباءات سوداء وطرح داكنة يبدوان في منتصف الأربعينات.

أغلق محمود الباب وهو يقول بضيق: اتأخرتوا كده ليه؟

كوثر وهي تتنهد: عقبال ماجينا بقى، ها هي إللي عمالة تصرخ دي؟

أومأ برأسه: أيوة...

تساءلت بتعجب: هي العملية مش على هواها ولا إب
يه؟!

أجابها متعجبا: هو مش والواد توتو حاكيلك إللي فيها؟

اومأت بإيجاب: أيوه حاكيلي، ماتقلقش كلها نص ساعة وترجع بختمها، بس بقولك إيه، بكرة لازم تتمم جوازها، ماينفعش تقعد بعد العملية كدة...

رد بثقة: ماشي..
صمت للحظة ثم قال بقولك إيه؟ هي بتقول ماحدش قرب منها أبقي أطمني الأول..

ضحكت بسخرية: كلهم بيقولوا كده يا محمود، إنت بتصدق.

اشتعل وجهه غضبا: بقولك إيه؟ أختي شريفة ومتجوزة!

هزت كتفيها بلا مبالاة: يا خويا، كلكم بتقولوا كده برضوا.

اقترب منها بخطوة وهو يشير بإصبعه بتحذير: لا يا روح أمك، أختي متجوزة بجد! بس اتجوزت واحد مش على هوايا، وأنا هطلّقها منه، المهم خديها بالراحة، فاهمة وإلا مش هخلي الدكتور عارف يخيط في وشك إيه؟!

لوحت بيدها: بالراحة في إيه مالك محموق كدة ليه.

أجابها بشدة:  أختي عارفة يعني إيه؟! يلا ماترغيش كتير   خلينا نخلص.

ثم أومأت برأسها ناحية الغرفة: هي في الأوضة دي؟

أجاب: أيوة.

قالت وهي تتحرك: يلا يا ستات.

وبالفعل اتجهن هي والامرأتان نحو الغرفة.

في الداخل، كانت آلاء واقفة خلف الباب، تستمع إلى كل كلمة تقال في الخارج، وقد وضعت يدها على فمها من شدة الصدمة والرعب، بينما كانت الدموع تنهمر بصمت ينهك الروح ويكسر القلب.

كانت ترتجف بالكامل، لا تعرف ماذا تفعل ولا كيف تنقذ نفسها من هذا الموقف؛ فالكشف عليها، بهذه الطريقة بالنسبة لها كان أذي لايحتمل، وشيئا يمس كرامتها كإنسانة حرة وشريفة.

لم تكن ترفض القرار فقط، بل كانت تقاوم إحساسا بالقهر… لدرجة أنها كانت مستعدة أن توافق على الزواج من شاهين، فقط لتتجنب هذا الانكسار وهذه المهانة التي تفرض عليها دون رحمة.

وما إن فنح الباب، حتى حاولت الركض سريعا نحو محمود وهي تصرخ: محمود! لا… بالله عليك!

لكن كوثر دفعتها بعنف إلى الداخل، بينما أغلقت إحدى السيدتين الباب خلفها.

قالت المرأة الأخرى ببرود: رايحة فين يا ماما؟

صرخت آلاء بانهيار: أبعدوا عني! إنتوا عايزين مني إيه؟! ماحدش يقربلي!

بدأت تركض حول الغرفة الصغيرة، تحاول الهرب منهن، تقاوم بذعر حقيقي بدموع لا تتوقف، بينما قلبها يكاد يتوقف من الرعب.

اقتربت منها كوثر وهي تحاول الإمساك بها: يا حبيبتي أهدي بس، مالك خايفة كده ليه؟
تابعت بسخرية لازعة: ماكنتيش خايفة وإنتِ بتعملي إللي عملتيه ده..

صرخت آلاء بعنف: أخرسي يا حيوانة! أنا ماعملتش حاجة! أنا أشرف منك ومن عينتك،  بالله عليكم ماتعملوش كده! أنا والله بنت

ثم صرخت بأعلى صوتها: يا محموددد! الحقني ابوس ايدك الحقني..

قالت إحدى السيدتين وهي تحاول الإمساك بها: يلا يا ماما خلصينا بقى مش هنفضل للصبح، لو شريفة طمني أخوكي ونمشي على طول.

هتفت كوثر بنفاد صبر: ماتتكلميش معاها هتوها، هتضيع وقتنا.

وفي لحظة، اندفعن جميعا نحوها.

حاولت آلاء الإفلات وهي تصرخ بأعلى ما لديها، لكن الغرفة كانت خانقة، ضيقة، لا مهرب فيها، تراجعت للخلف ثم اصطدمت بالحائط، قبل أن تمسك بها الأيدي من كل اتجاه.

صرخت بجنون، صوتها اتكسر من الرعب: أبعدوا! سيبوني! حرام عليكم! سبوني محموووووود، ابعدو عني... ابعدي

كانت تقاوم بعنف غير طبيعي، تدفعهم بيديها وقدميها، تتلوى كأنها تحاول انتزاع روحها من قبضتهم، رغم الألم، خصوصا في ذراعها المصاب، كانت تضغط عليه دون وعي لتستمر في المقاومة، لكنهم أمسكوا بها بقوة، وألقوها على السرير بعنف،
ارتطم جسدها بالفراش، لكنها لم تهدأ لحظة، بل ازدادت صراخا وهي تحاول النهوض فورا، تدفعهم بقدميها بكل ما تبقى لديها من قوة، وصرخت بانهيار:
أوعواااا! سيبوني! حرام عليكم!

كانت تتلوى فوق السرير، تغلق قدميها وتدفعهم بعيدا عنها، وكأنها تحاول بناء حاجز من جسدها ضدهم، بينما دموعها لا تتوقف وصوتها يتكسر بين الصراخ والبكاء، توسل بنبرة محبوحه: أبعدوا عني! ما تلمسونيش! أوعوا! ياااا رب! حرام عليكم! ااااه

قالت أحدهم: أمسكيها كويس!  شدي دراعها!  

كوثر وهي تقول لحدهم وهي تثبت قدم آلاء: اربطيها بسرعة! من رجلها اليمين..

تزايد الضغط حولها حتى اختلط صوت صراخها بأنفاسها المتقطعة، بينما الدموع تنهمر بلا توقف:
سيبوني! والله ما عملت حاجة! حرام عليكم! حراااام! أنا لسة بنت أوعوا بقى..ياماما الحقيني يامامااا

حاولت الافلات مرة أخيرة بكل قوة، دفعة يائسة جعلت جسدها يرتجف بالكامل، لكن الأيدي كانت أقوى، تُسقطها ببطء رغم مقاومتها العنيفة.

وكلما زاد شدهم لها، زاد صراخها انكسارا: ماما… يا ماما ألحقيني، حد يلحقني  محمود! ألحقني! أبوس أيدك الحقني، حرام عليكوا… ما تعملوش فيا كده!

أما محمود… فكان يقف بالخارج، يدخن سيجارته بعصبية واضحة، وأنفاسه مضطربة، وكلما أرتفع صوت صراخها من الداخل ازدادت ملامحه قسوة وانغلاقا وحزنا معا

لم يكن يريد ما يحدث… لكنه كان يقنع نفسه أنه مضطر، وأنه يفعل ذلك بدافع “الشك” الذي ينهشه من الداخل،  هو مقتنع إن استحالة تكون جلست مع مصطفى طول تلك الفترة ولم يقترب منها وهي زوجته..

في الداخل، كانت الأمور قد انتهت إلى أسوأ ما يمكن.

تم تقييد آلاء بعنف، كل قدم في إتجاه ويديها مرفوعة للخلف ومقيدة في ظهر الفراش، جسدها مشدود ومقيد، على فمها قطعة قماش، تحاول الحركة بلا جدوى، بينما دموعها لا تتوقف، وصدرها يعلو ويهبط في انهيار كامل.

حاولت أن تصرخ من جديد، لكن القماش الذي وضع على فمها خنق صوتها، فلم يخرج منها سوى أنفاس متقطعة وبكاء مكتوم.

اقتربت كوثر وهي تقول بأنفعال: خلاص بقى… كفاية! فضحتينا! إيه يا بت كل ده،  تعبتينا مالك يا ختي؟!  إيه إللي عاملاه ده؟! أمال يا أختي ماكنتيش مكسوفة وإنت بتعملي إللي عملتيه؟! فاكرة بقى الدوشة إللي إنتي عملتيها دي هتخليني أقول عليكي أنك تمام،  لا يا ختي قابلناكم كتير وبتطلعوا في لآخر كذابين 

بكت الاء بضعف بينما، أضافت إحدى السيدات وهي تلتقط أنفاسها:  يلا يا كوثر خلينا نخلص.

ردت كوثر وهي تعدل وضعها بعصبية: استني لحظة بس اخد نفسي تعبتني.

ثم نظرت إليها نظرة حادة، تحمل قسوة وعتابا في آن واحد: إنتِ إللي جبتيه لنفسك كل ده لو كنتي محترمة ما كانش حصل بيكي كده هو ده أخرة المشي الشمال.

كانت آلاء تبكي بصمت، لا حول لها ولا قوة، جسدها يرتجف من الداخل قبل الخارج، وقد تكسر فيها كل شيء، شعور بالقهر والذل والعجز كان يطبق على صدرها، وكأنها تتمنى أن تموت الآن بدل أن تعيش هذه المهانة.

بينما ألتفتت كوثر إلى إحدى السيدات وقالت بحدة: يلا يا أم علي، جهزي العدة… خلينا نخلص  ونمشي.

أجابت أم علي بنفاد صبر وهي تتحرك نحوها: طيب.

بينما  قالت كوثر: يلا يا أم سماح ايدك معايا خلينا مقلعها... 

في اللحظة نفسها، دوى طرق قوي على الباب.

رفع محمود رأسه باستغراب، وعقد حاجبيه، ثم ألقى السيجارة أرضا وداس عليها بعصبية. إتجه نحو الباب وفتحه بسرعة.

وما إن انفتح حتى ظهر مصطفى أمامه، يصرخ بصوت جهوري حاد: آلاء فين  يلااا  أنطق؟!

لم يمهله فرصة، فوجه له لكمة قوية جعلت محمود يترنح إلى الخلف.

صرخ محمود بغضب وهو يحاول استيعاب الضربة: إنت جاي لحد عندي كمان؟! ده انت ليلتك سودة!

حاول أن يرد، لكن مصطفى باغته بضربة أخرى
في تلك اللحظة دخل سليم، إيهاب، وخلفهم رجال سليم  اللذين اقتحموا المكان بسرعة.

امسك سليم وايهاب وابعده، بينما حاول مصطفى التقدم، وهو يحاول الإفلات من قبضتهم:سيبوني! خلوه ينطق… فين آلاء؟!

بينمل صاح عرفان وهو يضع مسدسه على راس محمود  قائلا بنبرة ظابط قوات خاصة: رد يلا على البيه بلا مخليك مش نافع..

أشار محمود بيده، تحت ضغط الضرب والخوف من السلاح الموضوع على رأسه، نحو الداخل دون أن يتكلم.

اندفع مصطفى كالمجنون نحو الغرفة.

كاد أن يتحرك إيهاب والرجال لكن أوقفهم سليم ببحة رجولية: استنوا ماحدش يدخل.

نظر إيهاب له باستغراب رد سليم على نظرته موضحا:  يمكن فيه حاجة ماينفعش نشوفها مهما كان هو جوزها، استنى.

اومأ  إيهاب برأسه

كانت السيدات على وشك خلع لها بنطلها، حين فتح الباب فجأة بعنف، اتسعت أعينهن في صدمة.

اتسعت عين مصطفى للحظة توقف مكانه لوهلة، يحاول استيعاب ما يحدث يبدو إنه فاهم، فصرخ  ببحة غاضبه: أبعدوا عنها!؟!

وأنقض عليهم كالوحش الكاسر، يزيحهم بقوة ويضرب من يعترض طريقه، حتى أبعدهم عن آلاء ابعدي إنتي وهي يلا.

كانت آلاء في حالة شبه إغماء، جسدها منهك ومرتجف، تبكي بصمت وهي لا تكاد تلتقط أنفاسها.

ركع مصطفى سريعا بجانبها، يفك قيودها بيدين مرتعشتين، ويقول بلهفة: خلاص، خلاص، أهدي… ماتخافيش، مافيش حد يقدر يقرب منك دلوقتي أنا جنبك، أنا جيت ماحدش هيقرب منك..

ضمها إليه بحذر، بينما كانت تبكي بين ذراعيه كمن نجا من الغرق.

كانت أنفاسها مرتجفة بشدة ظل يمسح على راسها لثواني يحاول تهدأتها بأبعادها قليلا..

مسح دموعها سريعا، ثم ساعدها على الجلوس وهو يقول: أهدي يا آلا مافيش حاجة ماحدش عملك حاجة ولا جه جنبك، ماتخافيش.. 

بدأ أن يفك رباط قدميها وساعدها في الوقوف وتعديل ملابسها  وربط حاجبها، ثم أسندها: خلينا  نمشي 

اومأت بموافقة، بدا أن يتحرك بها للخارج. 

كان الجميع متوقفان في الخارج وكان رجال سليم يمسكون بتلك السيدات..

لكن فور أن وقعت عين مصطفى على محمود اشتعلتا بالغضب، تركها فجأة وهو يقول لإيهاب: إيهاب أمسكها. 

أسندها إيهاب وهو لا يفهم شيء بينما أنقض مصطفى كالوحش الكاسر على محمود بدأ أن يضربه بلكمات متتالية وهو يصرخ فيه: إنت كنت ناوي تعمل إيه في أختك يا كلب؟! كنت هتعمل فيها إيه؟!ماكفكش إللي عملته فيها يا حقير أتفو عليك.

كانت آلاء تبكي بصمت، وجسدها يرتجف بعنف، وأنفاسها متقطعة وكأنها تسحب منها، تكاد تلتقط الهواء.

وفي تلك اللحظة أندفع سليم وعشري، وتمكنوا من إبعاد مصطفى عن محمود، الذي كان يحاول الإفلات.

ولأول مرة، يظهر مصطفى بهذه الحالة من الغضب؛ عصبية لم نراها فيه من قبل، وكأنه فقد السيطرة تماما.

صاح مصطفى وهو يحاول الإفلات من قبضتهم: سيبوني! ده كان هايضيعها! كان هيكسرها!

حاول إيهاب تهدئته وهو يمسكك آلاء: خلاص يا مصطفى، هي بخير دلوقت ده المهم!

لكن مصطفى كان يرتجف من شدة الغضب: مش خلاص! مش خلاص غير لما ياخد جزاءه! ويدفع التمن!

نظر له سليم وهو يمسكه من كتفه: هيدفع التمن، بس إنت أهدى… آلاء محتاجاك دلوقتي.

ثم ألتفت سريعا نحو عشري وأمره: عشري خدوه على المخزن…

أشار بعينيه، فتقدم عشري نحو محمود وأمسكه بقوة.

حاول محمود التراجع وهو يتكلم بإنفعال: اوعى.. كنت عايزني أعمل إيه يا دكتور؟ بعد إللي حصل بينك وبين أختي! عندنا الكلام ده بيطر فيه رقاب،  أنا ماعملتش حاجة غلط!

صرخ مصطفى بغضب حاد: أخرس يا حقير! أختك أشرف واحدة في الدنيا! بعدين دي مراتي، وماحصلش حاجة بينا .

رد بسوقية ساخرا: أشرف واحدى في الدنيا! فتتجوزك من ورايا، وعايز تفهمني قعدتوا شهر كامل في الشقة ماقربتلهاش، لية عيل بريالة أنا؟! واحد غيري كان دبحها بس أنا قولت خلاص، عيلة وغلطت كنت هرجعها زي ما كانت وأجوزها وستر عليها..

تدخل سليم بحدة شعره بالاشمئزاز من حديثه وقال قبل أن يحدث شيء أكبر: عشري… خده مش عايز أسمع صوته.

وبالفعل أمسك عشري محمود بقوة وهو يدفعه للأمام: يلا قدامي… خلصنا.

في تلك الأثناء، رفعت كوثر عينيها وقالت بتوتر: إحنا مالناش دعوة… إحنا جايين نخلص شغلانة وخلاص ونستر عليها.

عرفان  قال لها بشدة: أخرصي يا وليا..
مرر  عينه عليها من أعلى لأسفل متسال: إنتي أداب صح، شكل أمك أداب، بقولك مش عايزة أسمع حس حد فيكم بدل محبسك.

اقتربت إحدى السيدات بسرعة وقالت بإرتباك وخوف: لا يا باشا، أنا ممرضة وماليش علاقة باللي بيحصل، إحنا بنستر على  البنات ربنا يستر على ولاياك يا باشا. 

سليم بحدة وهو يشير نحو الباب: عرفان غورهم من هنا.

هتف عرفان: يلا يا ختي، غوري في ستين داهية… ولو شوفتكوا تاني هنا،  والله لأحبسكم.

ارتبكت السيدات وتحركن بسرعة نحو الخارج، يغادرن المكان على عجل وخوف واضح.

أما آلاء… فكانت تقف في مكانها، جسدها منهك، وعيناها ترى كل شيء وكأنها في عالم بعيد، لم تتكلم، لم تدافع، فقط انكسار ثقيل يملأ ملامحها.

رفعت عينيها ببطء، ونظرت إلى الرجال من حولها: مصطفى، سليم، إيهاب…وتلك الرجال الاخرين

شعرت لأول مرة أنهم رأوا ما حدث حقا، رأوا كسرها  يعلمون ما حدث معاها..

شعرت بقهر ينطبق عليها، ارتجفت أكثر، وأخذت تسحب حجابها بختناق وكأنها تحاول أن تستر نفسها من كل شيء، وأنفاسها تضيق أكثر فأكثر.

لم تعد تحتمل الوقوف اكثر. فقدت وعيها وسقطت.

وفي لحظة سريعة، أسندها ايهاب، ليلحق بها قبل أن تصل للأرض،  بينما أندفع مصطفى نحوها بسرعة، وحملها بين ذراعيه برفق، ثم وضعها على الأريكة وهو يهمس بقلق: آلاء… آلاء، بصيلي.

ناوله إيهاب زجاجة ماء بسرعة التى كانت موضوعه على طاوله قريبة، فبلل مصطفى يده وبدأ يمسح بهدوء على وجهها محاولا إفاقتها.

وبعد لحظات، فتحت آلاء عينيها فجأة، ثم صرخت برعب وهي تتراجع: أبعدوا عني! أبعدوا عني!

اتسعت عينا مصطفى بألم، فأمسك يديها سريعا يحاول تهدئتها: أهدي… أهدي يا آلاء، أنا مصطفى مصطفى..

نظرت إليه بعينين مكسورتين، ممتلئتين بالخوف والانهيار، وكأنها بالكاد تستوعب مايحدث حولها.

وفجأة ارتمت في حضنه بقوة، وانفجرت بالبكاء، تبكي بقهر ووجع بصوت مرتفع هز المكان كله.

كان الجميع ينظر إليها بحزن وأسف، وقد انعكست  على وجوههم الاسف والحزن وهم يرون حالتها المنهارة.

أما مصطفى، فضمها إليه أكثر، وأخذ يربت على رأسها بحنان، محاولًا تهدئتها، بينما صوته خرج منخفضا ومطمئنا: اهدي خلاص، مفيش حد هيأذيكي أنا معاكي.

اقترب منها أكثر وقال بصوت هادئ رغم ارتجافه: طب يلا بينا… هنمشي من هنا ماشي مامتك مستني تطمن عليكي  ولا مش عايزة تطمنيها

رفعت راسها ببطئ بانكسار يملئ عينيها، ثم أومأت بإيجاب تبسم لها بحنان وهو يمسح على خدها
طب يلا خلينا نروحلها..

حاولت أن تنهض، لكن جسدها لم يسعفها، فترنحت بتعب شديد، لم يتردد مصطفى، بل حملها مرة أخرى بين ذراعيه بحذر شديد، وكأنها شيء هش قد ينكسر بين يديه.

ثم تحرك بها إلى الخارج، بينما كان الباقون يسيرون خلفه في صمت ثقيل.

أنزلها برفق داخل السيارة، ثم صعد بجوارها،وتحركوا جميعا نحو الفيلا، وسط أجواء خانقة لم يجرؤ أحد على كسر صمتها.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل 
قصر الراوي

غرفة فايزة وعزت،7مساء

كانت فريدة تجلس بجوار فايزة وبين يديها علبة زبادي، تحاول إطعامها، لكن فايزة كانت ترفض الأكل بصمت مرهق.

فريدة بهدوء وهي تقرب الملعقة منها: يا مامي، لازم تكلي، مش إحنا اتفقنا إنك لازم تكوني قوية عشان تقدري تواجهي كل إللي بيحصل ده؟

هزت رأسها بيأس، وقالت بصوت مكسورة لأول مرة: مش قادرة يا فريدى، مش عارفه إزاي هواجه الناس؟ أنا عمري في حياتي مانكسرت كده، إحنا عدينا بحاجات كتير، بس المرة دي حاسة إن الموضوع مختلف.

تنهدت فريدة محاولة تماسكها: ولا مختلف ولا حاجة، لو قصدك على موضوع صافيناز، فالناس كلها شافت إن اتقبض عليها من حفلة بلبسها، وأي حد هيفكر شوية هيفهم الحقيقة.

ثم تابعت بجدية: وحريق المصنع فعلا خسرنا كتير، والبورصة اتأثرت، وفيه مساهمين سحبوا شغلهم واتصالات ماوقفتش، بس دي مش أول أزمة نعدي بيها. فاكرة لما سليم ساب المجموعة؟ وقتها قلنا خلاص انتهينا، وبرضه رجعنا أقوى من الأول.

لكن فايزة ظلت تنظر أمامها بشرود: قلبي بيقول إن المرة دي غير…

ثم رفعت عينيها إليها بتعب: وبعدين فين إخواتك؟ إزاي سايبني لوحدي كده؟

ابتسمت فريدة ابتسامة باهتة وقالت: مين فيهم يا مامي صافيناز تعبانة، ورشدي ده آخر واحد تستني منه يسأل، أما سليم فبيحاول يلم الدنيا ويحل المشاكل، ومش لاحق يقعد أصلا أما طه مختفي هو ومراته أنا مش فاهمة أصلا إيه إللي حصل لها بس كانت جاية متبهدلة وياسين خلاص راجع من السفر بكره هايكون في مصر. 

سألتها بقلق: أطمنتي على عزت؟

أومأت برأسها: أيوة، الدكتور قال إنه كويس، أنا بس هنام شوية عشان مانمتش من إمبارح، وبعدها هروح أشوفه. إنتِ كمان أرتاحي.

ثم أخرجت الدواء  من الكمودينو وقالت بلطف: بصي، الدكتور مديني مهدئ ليكي عشان تقدري تنامي خديه.

تناولت فايزة الدواء وساعدتها فريدة في أن تحتسي الماء ثم استلقت على الفراش، وبعد دقائق بدأت ملامحها تهدأ تدريجيا، واستسلمت للنوم أخيرا، بينما ظلت فريدة تنظر إليها بصمت وقلق ينهش قلبها.

خرجت فريدة من الغرفة، وأثناء سيرها في الممر صادفت عماد.

سألها بقلق: الهانم عاملة إيه؟

تنهدت بتعب:مش كويسة خالص، ماحدش فينا كويس أصلا.

هز رأسه بضيق: صافيناز كمان مش كويسة خالص
ثم تابع بجدية: فريدة أنا مضطر أخرج، عندي مشوار مهم،، ممكن تاخدي بالك منها؟ هي أخدت المهدئ ونامت، غالبا مش هتصحى غير بالليل وأنا هحاول ما أتأخرش… وبرضه هبلغ الخدامين يبقوا متابعينها.

نظرت له بعدم تصديق: هو ده وقته يا عماد؟

مرر يده على وجهه بعصبية: لازم أعرف إللي بيحصل ده إزاي والإشاعات لازم توقف، ماينفعش يتقال على مراتي الكلام ده وأسكت.

ظلت تنظر إليه للحظات، ثم قالت بهدوء مرهق: طيب… ماشي.

أومأ برسه عن إذنك.

وبالفعل، تحرك عماد سريعا إلى الخارج، بينما اتجهت فريدة نحو غرفتها بخطوات بطيئة، والإرهاق يثقل جسدها وعقلها.

على اتجاه اخر سيارة سليم،8مساء 

كانت آلاء طوال الطريق تجلس بجانب مصطفى، جسدها يرتجف، ودموعها لا تتوقف، تسند رأسها على كتفه بصمت منهك، بينما كان مصطفى يضمها إليه بحماية، يربت على يدها بين الحين والآخر محاولا تهدئتها.

كان إيهاب يجلس في المقعد الأمامي، بينما يتولى سليم القيادة وسيارة الحراس خلفة.

قطع سليم الصمت وهو يقول: أنا كلمت مكي هما رايحين على الفيلا دلوقتي بس قولت له يعني ما طيخشش غير لما نوصل إحنا عشان ندخل مع بعض.

نظر إيهاب إليه للحظات، ثم قال بامتنان صادق: شكرا يا سليم على إللي إنت عملته معانا.

ألتفت له بطرف عينه، وقد ظهرت مرارة واضحة في ملامحه: إنت بتقول إيه؟ أنا إللي المفروض أعتذرلكم إللي حصل ده ماكانش لازم يحصل أصلا وأنا وعدتكم إني هاخد بالي أكتر من كده...

أخذ نفسا مضغوطا ثم أكمل: بس فعلا ماتوقعتش إن الأمور توصل لكده، غلطة مني، ومستحيل تتكرر.

هز إيهاب رأسه نافيا: ماتحملش نفسك الذنب، وماتزعلش من أمي، هي بس بتخاف علينا أوي 

رد بهدوء: لا والله، مش زعلان ربنا يخليهالكم.

ثم أخرج هاتفه فجأة الذي كان يهتز: ثانية بس، هرد على ماسة، بترن من بدري.

فتح الاتصال: أيوه يا عشقي..

جاءه صوت ماسة القلق من الطرف الآخر: إيه يا سليم؟! بكلمك من بدري ومش بترد ليه؟

تنهد: والله التليفون كان صامت، ولما خدت بالي ماكانش ينفع أرد… إنتِ كويسة؟"

أجابت: أنا كويسة، بس بطمن عليك، إيه إللي حصل؟

نظر سليم أمامه وهو يقود: لما أرجع هفهمك كل حاجة؟!  إحنا كويسين الحمد لله، ومش هاتأخر، خلاص قربنا.

سكتت لحظة ثم سألت بتردد: يعني الأمور تمام؟

أجاب: الحمد لله، ماتقلقيش.

ردت بحنان: طيب خليك واخد بالك من نفسك، وسلملي عليهم.

ابتسم بخفوت: حاضر.

أنهى المكالمة، فرفع إيهاب عينيه إليه تسال بمحبه: عاملة إيه ماسة؟

نظر سليم بطرف عينه: الحمد لله.

سكت إيهاب قليلا، ثم قال بنبرة مترددة: هو إللي حصل إمبارح كان من الخطة؟!

أومأ بإيجاب: أيوة كان من الخطة.

تنهد إيهاب، ثم قال بهدوء: هقولك حاجة، وماتزعلش مني، وماتقولش إني بتدخل في إللي ماليش فيه.

نظر له سليم بصمت، تابع إيهاب:أوعى تدوس أوي عليهم، في الأول وفي الآخر دول أهلك، مهما عملوا فيك، هيفضلوا أبوك وأمك...

ثم أضاف بصوت أخف: أنا بكلمك دينيا حرام،سبحانه وتعالى امرنا بطاعتهم حتى لو كافرة، أوعى تأذيهم أو تكسرهم زيادة، عشان ماتندمش بعدين.

ظل سليم صامتا، ينظر للطريق أمامه، بينما الكلمات تتكرر داخله للمرة الألف، نفس الحديث الذي يسمعه من الجميع.

على الجانب الآخر… عند مكي

كان مكي يقود السيارة، بينما تجلس عائشة بجانب سلوى في الخلف.

سألت عائشة بقلق: إنتِ كويسة ياسلوى؟

أومأت بخفوت: الحمد لله.

عائشة بتوتر: أتخضيت عليكي أوي لما حط السكينة علي رقبتك

ابتسمت سلوى ابتسامة بلهاء: إحنا متعودين على الحاجات دي، مش أول مرة تحصل، أكيد ماسة  حكيتلك قبل كده عن المشاكل والحوادث إللي حصلت لنا؟

أجابت: أيوه حكيتلي، بس برضوا.

نظرت سلوي نحو مكي قالت بنظرة لها معنى: بصراحة أنا كنت مطمنة عشان مكي كان موجود.

نظر إليهما  في المرآة بطرف عينه، ثم تنهد بعدم اهتمام قال: إنتوا كويسين؟ تحبوا نجيب حاجة تشربوها تهدوا شوية ولا نروح على طول؟

كادت سلوى تتكلم، لكن سبقتها عائشة بسرعة: لا معلش، خلينا نروح على طول، ماما كانت قلقانة عليا جدا.

أومأ مكي: حاضر.

ثم قالت بامتنان: ومتشكرة جدا على إللي إنت عملته.

رد ببساطة: أنا ماعملتش حاجة ده واجبي.

هزت رأسها: لا، برضوا حضرتك عرضت نفسك للخطر، إنت وكمان سلوى.

ابتسم بخفوت: المهم أنك بخير.

سألت عائشة بقلق: طب وآلاء؟ هي كويسة؟

تنهد مكي: لسه معرفش التفاصيل، بس عرفت إنهم لقوها وتحركوا بيها، إحنا غالبا هنوصل قبلهم شوية، بس سليم قال ماندخلش غير كلنا مع بعض.

سلوى بسرعة: يبقى نروح كلنا.

مكي بحدة هو ينظرلها في المرآة: نروح كلنا فين؟ أنا هروحك.

عقدت ذراعيها بعناد: لا، أنا هاجي معاكم.

زفر بضيق وهو يهز رأسه: هو إحنا رايحين ملاهي؟! متعقلي بقى، عشان والله لحد دلوقت أنا مش طايقك.

ردت بحماس طفولي: أنا عايزة أشوف دكتور مصطفى وأشكره،  أنا أصلا ماشفتوش قبل كده، ولا شفت إيهاب، ولا طنط نبيلة، نفسي أشوف الناس إللي وقفوا جنب ماسة.

نظر لها مكي عبر المرآة الجانبية يعلم انها تكذب فقط تريد ان تظل معه هو عائشه، ثم قال بسخرية خفيفة:  لا والله؟! شوفيهم مره تانية.

تدخلت عائشة سريعا وهي تنظر إليه برجاء: خليها تيجي يا أستاذ مكي.

أومأت سلوى فورا: والنبي، يا أستاذ مكي.

رمقها بنظرة طويلة من المرآة، وكأنه يفهم جيدا أنها تستغل وجود عائشة لصالحها، ثم قال بغيظ: طب علشان خاطرك يا عائشة، نخدها، وخليها تستلقي وعدها من سليم.

ردت باعتراض: سليم مش هيعمل لي حاجه عشان هيخاف من من ماسة

ردت عليها: والله نبقى تشوف الكلام ده هناك. 

قلبت سلوى وجهها برخامة، ثم أخرجت له لسانها في مشاكسة طفولية.
أغمض عينيه للحظة وهو يتمتم بضجر: يا رب صبرني…
❤️___________بقلمي_ليلةعادل 

في أحد المراسي8مساء 

على ضفاف النيل، توقفت سيارة عماد في مراسي الخاصة.

ترجل ببطء، عدل سترته، ونظراته ثابتة كأنها لا ترى شيئا سوى الهدف.

أمامه كان يخت ضخم يطفو على الماء، تحرسه مجموعة من الرجال ذوي البنية القوية، ملامحهم قاسية، وأيديهم لا تفارق الأسلحة.

تقدم أحدهم نحو عماد فتشه سريعا، ثم أخذ سلاحه بهدوء، أخرج الخزنة فقط، ثم أعاده له السلاح

لم تقال كلمات، هنا الكلام يفهم بالنظرات فقط صعد عماد إلى اليخت، خطواته واثقة، حتى وصل إلى السطح.

هناك كان ينتظره رجل يبدو من هيئته أنه صاحب نفوذ ثقيل، تحيط به مجموعة من الحراس المسلحين.

رفع الرجل رأسه، وابتسم ابتسامة باردة: يااا ياعمدة... بعد كل ده اشوفك تاني؟ خمس ولا ست سنين؟

ابتسم عماد نصف ابتسامة، وجلس أمامه بهدوء: مش هتفرق كانوا خمسة ولا ستة... المهم إني رجعت.

صمت للحظة، ثم قال مباشرة:محتاج منك خدمة.

رفع الرجل حاجبه: إيه هي؟

وهو يجلس: عايز الرجالة إللي عملوا الحادثة.

تجمدت ملامح الرجل: مش فاهم.

مال عماد للأمام، صوته أخفض لكن أكثر حدة: فاكر لما إريك؟ كان عايز رجالة، وإنت دخلت وسيط، أنا عايز الوسيط ده، علشان يوصلني ليهم، عايزهم في خدمة صغيرة.

ارتسمت الجدية على وجه الرجل فجأة، وصوته انخفض: مش هينفع يا عماد، الموضوع ده اتقفل تماما أي فتح فيه ممكن يولع الدنيا علينا.

لكن عماد لم يتراجع قال بتوضيح: الحوار مش مرتبط بالحادثة ولا بأي حاجة من إللي فاتت و.

قاطعه الرجل بسرعة، بنبرة تحذير وهو يشير بيده: أسمع يا عماد، الرجالة دول لو ظهروا تاني، ممكن سليم يشم خبر، أو إريك؟! وأنا قتلت الوسيط أصلا لأنه كان عارفني.

ابتسم عماد ابتسامة باردة لأول مرة قائلاً بقوة:أسمع يا خطاب، إنت مش بتتعامل مع تلميذ، إنت بتتعامل مع عماد زيدان. أنا إللي عرفتك على إريك، وجبتلك شغل مع الطوخي وصالح ومستر مانويل.. اوعى تنسى ان انا ليا خير عليك في كل اللي انت وصلت له وعرفتك بناس ما كنتش تحلم تسلم عليهم..

ثم مال للامام، وصوته أصبح أخطر: إنت مش عايز تظهر في الموضوع؟ مش فارقلي، أنا عايز الرجالة دول وبس، وأنا متأكد إنك عارفهم، وإلا ماكنتش قتلت واحد منهم لما كلم سليم زمان .

سكت لحظة، ثم ألقى القنبلة الأخيرة بهدوء: هديك 5مليون.

نظر لها بتفكر للحظة ثم قال أخيرا: هقولك مين هما، بس الموضوع ده بره عني، لو أي ريحة خرجت منك، او اريك او سليم عرفوا، ساعتها معرفش.

مد عماد يده بثبات: اتفقنا.

ثم سأله وهو يراقبه: طب وإنت عايزهم في إيه؟

ابتسم عماد ابتسامة غامضة: لما يحصل هتعرف.

ابتسم الرجل بسخرية خفيفة، وهو يضيق عينيه قائلا: العيلة الفترة دي شكلها واقعة على الآخر، فيه حد زعلان منها، وعمال يرزع فيها بلاقوي.

لم تتغير ملامح عماد، لكن ابتسامة جانبية خفيفة ظهرت على شفتيه، وهو يجيب بهدوء محسوب: بالظبط، وعلشان ضربتي تبقى ضربة معلم ومايبانش إني وراها، هخليها تدخل من النص، كأن فيه طرف تالت.

ضحك الرجل بخفة، ثم مال بجسده للأمام قليلا، وكأنه يستعيد ذكرى قديمة: نمس، زي المرة إللي فاتت، لما برشط على فكرة رشدي؟ 

أومأ عماد برأسه بهدوء، عينه لا تفارق الرجل، بالظبط زي المرة إللي فاتت.

توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة حاسمة:عايز كل حاجة تتقفل النهاردة.

ابتسم الرجل أخيرا، ابتسامة واثقة هذه المرة، وهو يعود إلى مقعده: تمام يا حبيبنا... فلوسك وأقولك مين هما.

ساد صمت قصير، لم يكسره سوى صوت الموج أسفل اليخت، بينما كانت الصفقة تحسم في هدوء... يشبه الهدوء الذي يسبق الانفجار.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل

في الفيلا التي كان يقيم بها مصطفى،10مساء

كانت سيارة مكي متوقفة أمام البوابة منذ فترة، بينما جلست عائشة وسلوى في الداخل بصمت ثقيل، في انتظار وصول سليم.

أما مكي، فكان يقف خارج السيارة بين الحين والآخر، ينظر إلى ساعته بتوتر واضح، ثم يعود ليتكئ على السيارة منتظرا

وبعد دقائق، ظهرت أخيرا سيارة سليم، تتبعها سيارة الحراس وعرفان.

ما إن رآهم مكي حتى ابتسم براحة، ثم تحرك سريعا إلى سيارته بعدما أشار له سليم.

وبالفعل، بدأت السيارات تتحرك تباعا، تعبر البوابات الحديدية الضخمة إلى داخل الفيلا.

توقفت السيارات أخيرا في الساحة الواسعة أمام الفيلا.

وفي تلك اللحظة، ألتفت مصطفى إلى آلاء، وأخذ يمسح على خدها برفق وهو يقول بهدوء: يلا يا آلاء… خلينا ننزل.

رفعت رأسها ببطء، ونظرت حولها وكأنها انتبهت أخيرا للمكان الذي جاءت إليه.

 أهتز جسدها فجاه بعنف، وهزت رأسها برفض وانهيار، ثم صاحت بخوف: لا… لا! أنا مش هقعد هنا!

مصمم متعجبا: في ايه؟!

نظر إليها باستغراب وقلق، لكنها صرخت بإنهيار أكبر:
 لا! لا! مش هقعد هنا، أنا عايزة أمشي من هنا مشيني من هنا أرجوك…

تبادل إيهاب وسليم النظرات باستغراب، قبل أن يلتفتا سريعا نحوها، وقد انعقدت ملامحهما بعدم فهم لما يحدث معها.

في أحد المناطق الشعبية10مساء.

دخل عماد إلى العمارة في ذلك الحي الشعبي صعد الدرج حتى وصل إلى باب خشبي متواضع طرق الباب بهدوء، وبعد لحظات، فتحت له امرأة..

سألته بفضول: حضرتك مين؟ عاوز إيه؟

أجابها بهدوء: أنا عاوز تمساح، ممكن تقوليله إن فيه واحد عايز يقابله.

ابتسمت، ودخلت لتناديه بعد لحظة، خرج تمساح من الداخل، نظر إلى عماد من أعلى لأسفل: نعم، إنت مين

رد بثقة: أنا مصباح علاء الدين يا تمساح.
تفتكروا إيه هايحصل
استوووووووب 
رجاء ماحدش ينسى يضغط لايك تساعدوا الرواية تنشهر



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة