
رواية المجنونه والمقبرة الفصل الثامن 8 بقلم صباح البغدادي
أكتشاف السر»
ركب الطبيب خالد سيارته، وكان نرمر إلى جواره، يراقب الطريق بدهشة وفضول. أمامهم انطلقت سيارة الفتيات، يقودها سائق العائلة، بينما ضحكاتهن تتعالى، ومريم كالعادة تتصدر المشهد بلسانها السليط الذي لا يهدأ.
لم تمر سوى دقائق حتى توقفت السيارتان أمام منزل عريق في قلب مدينة الأقصر، منزل يزهو بهاؤه بطراز شرقي قديم، له بهو واسع ونوافذ خشبية مزينة بالمشربيات، وتغمره لمسات التاريخ في كل زاوية.
فتحت باب المنزل امرأة في الخمسين من عمرها، بملامح مصرية أصيلة، تبدو عليها ملامح الوقار والجدية، لكنها مع ذلك تهتم بمظهرها جيدًا، وكأنها تُخفي وراء أناقتها سنوات عمرها الطويلة.
وقبل أن تنطق المرأة بكلمة، دوّى صوت مريم عاليًا من داخل السيارة، وهي تلوّح بيدها بمرح وجرأة:
— "أهلا، أهلا، أهلا يا عمتي! عاملة أكل إيه؟! إحنا جايين جعانين!"
رفعت العمة حاجبها، ونظرت إليها بحدة خفيفة، قبل أن تردّ عليها بلهجة حادة لكنها لا تخلو من الدفء:
— "يا سلام! اسألي عليّ الأول يا حيوانة، مش على الأكل! بطنك دي بقت ماسورة صرف! لا قعر ولا نهاية!"
وقفت مريم تتصنّع الصدمة، واضعة يديها على صدرها كأنها قد سُمّرت في الأرض، ثم أردفت بمرح وسخرية، وهي تشير للحاضرين:
— "عادي، عادي يا جماعة، اتفضلوا… متخضوش! عمتي دي لازم تدلعني كل يوم… دي عادة يومية كده، ما ينفعش يوم يعدي من غير شوية قصف جبهة! ست كبيرة وعلى الله حكايتها، وقريب أهو، هنقدم لها طلب رسمي ونبعته لدار المسنين، ترتاح ونرتاح."
ضحك الجميع من طريقة حديثها، حتى الطبيب خالد نفسه لم يستطع كتم ضحكته، وقد بدأ يتيقن أن التعامل مع هذه الفتاة لن يكون بالأمر السهل.
دخلوا جميعًا إلى المنزل، وجلسوا في صالة واسعة تفوح منها رائحة القهوة والبهارات، يزين جدرانها بعض الصور القديمة، وكانت مريم تتحرك داخل المنزل كأنها صاحبته، بل إنها راحت تمدّ يدها إلى صحن الفاكهة بلا خجل.
همس خالد لريم وهو يراقبها بدهشة:
— "هي بتتصرف كأنها عايشة هنا من زمان!"
ابتسمت العمة، وقد سمعت تعليقه، فأجابت وهي تضع الصينية على الطاولة:
— "ما هي فعلًا عايشة هنا من سنة… من يوم ما أمها وأختها سافروا الحج واستقروا هناك مع خالها الكبير، وسابوها هنا معايا… وأنا يا عيني اللي ادبست ومش قادرة أرجعها."
قهقهت مريم، وقالت بكل فخر:
— "آه طبعًا! أنا دلوقتي هنا الرئيسة…
ابتسم نرمر في حيرة، يحاول فهم حديثهم الغريب، بينما ناميسا تراقبهم بدهشة صامتة.
وبعدما هدأت الأجواء، اجتمع الجميع في الصالة، وجلس نرمر وناميسا وسطهم، وبدأ الحديث يتجه نحو الجدّ، حيث سألهم خالد بنبرة جادة:
— "عايزين نفهم بقى… أنتم مين بالضبط؟ وإيه اللي جابكم هنا؟"
تنحنح نرمر، ثم اعتدل في جلسته، كأنما يتأهب لإلقاء خطاب رسمي، وقال بنبرة مهيبة:
— "نحن لم نأتِ عبثًا… لقد جئنا نحمل رسالة، وواجبًا خطيرًا."
استمع الجميع باهتمام بالغ، بينما أخذ نرمر يسرد قصته، يحكي عن زمنه، عن سحر مقبرة توت عنخ آمون، عن التعاويذ التي تحمي العالم من قوى لا يمكن لبشر تصورها.
كان حديثه مليئًا بالرهبة والعظمة، وكيف أن السحر في عصره لم يكن مجرد وهم، بل كان علمًا حقيقيًا، يُستخدم لحماية الممالك والأرواح.
قال بنبرة عميقة:
— "في زمننا، السحر لم يكن مزحة… كان علمًا قائمًا على قواعد دقيقة، كنا نحمي به أنفسنا من الأفاعي والعقارب، وكنا نحفظ به أرواحنا من اللعنات."
سألت ريم بدهشة، وهي تميل بجسدها للأمام:
— "يعني كنتوا بتستخدموا التعاويذ فعلًا؟!"
أجابها بثقة، وعيناه تلمعان:
— "ليس فقط لحمايتنا، بل للسيطرة… كنا نتحكم في الكائنات التي تزحف تحت الأرض… السحر كان سر قوتنا، وكنزنا الأعظم."
وعندما تحدّث عن تعويذات الحماية، خصوصًا تلك التي تحمي المقابر من لصوصها، بدأت ملامح الدهشة ترتسم على وجوه الحاضرين جميعًا، حتى العمة التي ظنّوا أنها لا تهتم، جلست تنصت بدهشة خفية.
كانت مريم تهمّ بفتح فمها كعادتها لإلقاء تعليقها اللاذع، لكن نظرة واحدة من ريم، تلاها تحذير صامت من خالد، جعلتها تكتفي بحركة بيدها وضغط شفتيها كأنها قُيّدت عن الكلام، لكنها قالت في سرها بتهكم:
— "ماشي، سكتوني أنتو، بس والله أنا مخزنة تعليق، وهطلعه في وقته… يا أنا يا السحر ده في الأخر!"
لاحظ نرمر ما حدث، ولم تخفَ عليه حركات مريم المتحفزة، لكنه قرر التغاضي عن ذلك مؤقتًا، وأكمل حديثه بجديّة شديدة:
— "السبب الحقيقي لقدومي… أن هناك خطرًا عظيمًا قادم. هناك من يحفرون حول الهرم الأكبر، يوشكون على فتح البوابة المحرمة… بوابة العالم السفلي… لو نجحوا، سينقلب العالم رأسًا على عقب."
ساد الصمت فجأة، وبدت كلمات نرمر كأنها خنجر يخترق الصدور، والكل متسمر في مكانه، يحدق به وكأنه يرى مشهدًا سينمائيًا يتجسد أمامه حيًّا.
تنهد نرمر ببطء، وختم كلماته بنبرة ثقيلة:
— "جئت… لأوقف هذا الجنون… قبل أن يبتلع هذا العالم...!
كان نرمر يتحدث كثيرًا عن السحر واستخدامه فعليًا، بينما كان الجميع يهتم بحديثه. وعندما انتبه لهم بتركيز، رأى معالم وجوههم مملوءة بالاستغراب.
"ما بكم؟ هل أصابتكم اللعنة؟!"
"عارف، مش أنت جدو؟! بس دمك خفيف، أكيد أنا من سلالتك..."
انفجرت ضحكة من فم ناميسا عندما تذكرت ديمون.
نظرت لها مريم مستفهمة:
"لماذا الضحك؟"
"لا، لا، لا! أبدًا! تذكرت أحد الأشخاص، فهو مثلك تمامًا، أكيد من سلالته، ليس سلالة أخي نرمر..."
"بمن تذكرتِ؟!"
"ديمون!"
صدحت ضحكة عالية من مريم عند سماعها الاسم:
"هل عندكم في عالمكم تيمون وبومبا؟!"
نظرت لها ناميسا باستغراب: ما هذا الاسم؟ وما علاقته بأخيها ديمون؟
"اللعنة عليكِ! أنا قلت ديمون، من هو تيمون؟!"
نظر لها خالد بملل، كاد أن ينفجر من أسلوبها:
"أنتِ مش عارفة تسكتي ثانية واحدة بدون إزعاج؟!"
قبل أن تتفوه بكلمة أخرى، دخلت العمة عليهم وبيدها صينية بها شاي وبسكوت وقطع من الكيك:
"هي دي مريم، مش هتتغير!" ثم تابعت حديثها:
"أنا سيبتكم تدخلوا وتقعدوا، بس عرفوني عليكم الأول، لحسن في ناس مبتعرفش الأدب..."
ثم نظرت لمريم.
مريم بصدمة مصطنعة:
"لأ، متقوليش إنك بتتكلمي عليا! ازعل!"
أعادت العمة ماجدة حديثها ببساطة شديدة:
"ازعلي!"
تعالت علامات الاستغراب على وجوه الموجودين، وعلموا أن هناك مصيبة ستحدث، فمريم لم تمرر الكلمة بهدوء.
وأخيرًا، صوت نور ظهر متحدثًا:
"خلاص بقى يا مريم، وحضرتك يا عمتي، دول ناس سائحين، اتعرفنا عليهم وإحنا بنزور المعابد، وناميسا باحثة في الآثار، نفس مجالنا يعني..."
مريم ونور وريم أصدقاء منذ الصغر، فأهاليهم يعرفون بعضهم. بعد وفاة والد مريم، قررت أن تعيش في بيت العائلة في الأقصر وتستقر هناك مع نور وريم.
اتفقوا على يوم لزيارة المقبرة التي نقلت نرمر وناميسا من عالمهم إلى هنا.
"اليومين اللي قاعدين معانا فيهم، اتكلموا بطريقتنا بما أنكم عارفينها..."
كانت ريم تخبرهم أن يتحدثوا باللغة المصرية المعتادة على هذه البلدة لعدم حدوث أي شكوك حول جنسيتهم...!
«لعنة المقبرة»
وجاء اليومُ الذي طالما انتظروه، يوم زيارة المقبرة الغامضة، تلك التي تحمل في أعماقها أسرارًا ضائعة وحكاياتٍ لم تُروَ بعد.
لم يكن أحدهم يدرك أن ما ينتظرهم خلف هذا الباب الصخري، أكبر مما تخيّلت عقولهم.
دخلوا المقبرة، خطواتهم مترددة فوق أرضٍ باردةٍ قاسية، والجدران من حولهم تزداد ضيقًا كلما تعمّقوا داخلها، وكأنها تبتلعهم ببطءٍ متعمد.
فجأة، وبدون سابق إنذار…
دووووووم!
ارتجّت الأرض من تحتهم، وأُغلقت بوابة المقبرة خلفهم بعنف، حتى كاد الهواء أن يُسحق في صدورهم.
صاح "نرمر" بصوتٍ يملؤه الغضب والرعب:
"اللعنة عليكم! ماذا حدث؟!"
ولم يكن هناك من يردُّ عليه سوى صاحبة التعليقات الحاضرة دائمًا، مريم، والتي وضعت يديها على خصرها، وصاحت بلا تردد وبملامح غيظ:
"اللعنة عليك إنتَ، يا وش البوم! أكيد منك، يا مغناطيس البلاوي والمصايب! ما شفناش يوم عدل من ساعة ما قابلناك!"
كان وجه "نرمر" يتوهج غضبًا، عيناه تقدحان شررًا، وكأن النار اشتعلت داخله، لكنّ اللحظة لم تكن تسمح بالمشاجرات، فقد كانت الرهبة تخنقهم جميعًا.
تدخل "خالد" بسرعة، محاولًا كتم انفجارهما قبل أن يشتعل المكان أكثر:
"بس بقى، انتوا الاتنين! هو وقته ده؟! إحنا محبوسين في مصيبة، وعايزين نعرف هنخرج منها إزاي بدل ما نقطع بعض!"
لكن المشهد ازداد ظلمةً حين صدح صوت "نور"، صوتٌ مرتجف غارق بالدموع، خرج من بين شهقاتها المتتالية:
"نفسي… نفسي أخرج من هنا! أنا مش قادرة… أي مكان… حتى لو كان في آخر الدنيا، بس خرجوني من هنا!"
حينها، وعلى الرغم من التوتر والذعر الذي عمّ المكان، إلا أن نرمر كان في عالمٍ آخر، يتأمل دموع "نور" التي تلألأت تحت ضوء المشاعل الخافتة، وهمس في داخله، بصوت لم يسمعه سواه:
"عيناكِ… كأنهما لؤلؤتان تلمعان وسط هذا الظلام… يا لَسذاجتي! أي دموع تلك؟! إنها ضوءٌ خالص ينير لي الطريق… دعيني أسبح في بحرهما، عساني أجد مخرجي من متاهة قلبي قبل هذه المقبرة..."
لكنّه لم يُخرج كلماته، ظلّ صامتًا، كأن صدره ضاق بسرٍ عجز عن حمله.
في تلك اللحظة، تقدمت مريم بسرعة، تضم "نور" بين ذراعيها بحنانٍ حاد، تهزّها برفق وتهمس لها بصوتٍ مرتجف:
"خلاص بقى يا نور يعني إيه اتحبستي لوحدك في المكان الملعون ده؟! إحنا معاكِ، إحنا في البلاوي سوا يا حبيبتي!"
لكنها لم تكمل جملتها، إذ تجمّدت الكلمات في حلقها، حين رأت شخصًا قادمًا من عمق الممر، خطواته مهيبة، وصوته يسبق حضوره.
رجلٌ يرتدي ملابس فرعونية فخمة، يكسو جسده وشاحٌ ملكي مزين بالذهب والجواهر، يحمل في يده سيفًا يلمع كوميض البرق، وعيناه تحملان نظرة ملوكٍ لا يعرفون سوى الأمر والنهي.
وقف أمامهم، شامخًا كأنما يخرج من لوحة حجرية، وصاح بصوتٍ جهوري أرعد جدران المقبرة:
"من أنتم؟! وماذا تفعلون في مملكتي؟!"
تسمروا جميعًا في أماكنهم، لم يتحرك منهم أحد، وقد سُلبت الكلمات من ألسنتهم.
لكن "نرمر" فقط، هو من عرف ذلك الوجه، ذهل حتى كادت ركبتاه تخونانه، ثم انحنى برأسه قليلًا، وهتف بذهولٍ ممزوج بعبق التاريخ:
"إنه أنت يا حابي ملك النيل العظيم… أنا أنا نرمر ابن أرض كمت!"
تسمرت مريم في مكانها لحظة رؤيتها للرجل ذي الثياب الفرعونية، وقد ارتسمت على وجهها علامات الدهشة والذهول، قبل أن تضع يديها على رأسها، وتهمس بذهولٍ فاضح، وهي تنظر إلى نرمر:
"حابي؟! حابي بجد؟! خط العتبة! يا نهار اللعنات! ده إحنا داخلين على أيام فُلّة هنا، أنا حاسة بكده، !"
لم تحتمل "ناميسا" تعليقها، فضحكت بخفوت، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، وقاطعتها بنبرة متشددة، وقد اتخذت وقفة رسمية:
"انتِبهي، أيتها الفتاة، وأنتِ تتحدثين مع وزير ملك كمت! احترمي مقامه!"
رفعت مريم حاجبها ببراءة مصطنعة، وردّت بتهكم وهي تضحك:
"أه؟ هو أنا قلت حاجة يا ناموسة؟!"
احمرّ وجه ناميسا من الغيظ، وهي تزم شفتيها بقوة:
"يا بنت، كفي عن مناداتي بـ'ناموسة'! اسمي ناميسا! احترمي نفسك شوية!"
لم تهتم مريم بردها، بل زادها الأمر رغبة في استفزازها، فابتسمت بخبث قائلة:
"إنتِ بتتعصبي عليّ ولا ده من تأثير الجو العام؟!"
صرخت ناميسا، وقد فقدت أعصابها تمامًا:
"أوووووف! مش هنخلص بقى؟ اسكتي شوية يا شيخة!"
وضعت مريم يدها على صدرها، وقد تظاهرت بالدهشة:
"إيه ده؟! هو الكل بقى يتعصب فجأة؟! إيه الجو المشحون ده؟!"
أما "خالد"، فقد نظر إليها نظرة مميتة، وهو يكاد ينفجر من ضيق صدره، وقال مهددًا بنبرة ساخرة:
"كلمة زيادة يا مريم، وهسيب نرمر يعلّق عليكِ أحداثيات القلادة الجديدة، وهتروحي عصر الأندلسي، وتقعدي تغني 'أمان يا لالالي… أمان'، وتعيشي هناك مدى الحياة!"
ضحك الجميع، بينما كان "حابي" يراقبهم بدهشة واضحة، وقد عقد حاجبيه متعجبًا، وقال بصوتٍ عميق:
"ما هذه اللغة الغريبة التي تتحدثون بها؟ ومن أين أتيتم؟! وما علاقتكم بملك كمت، نرمر؟!"
انتبه "نرمر" إلى تساؤله، وقد بدت علامات الارتباك على وجهه، لكنّه سرعان ما تمالك نفسه وقال بجدية:
"سوف أشرح لك كل شيء، أخي… تعال بنا إلى القصر أولًا، هناك نتحدث."
لكن "حابي" لم يُرد أن ينتظر، فاستوقفه بنظرة حادة:
"أتعرفني عن سر اختفائك فجأة؟!"
تنهد "نرمر"، وقد شعر بثقلٍ في صدره:
"نعم، نعم، يا أخي، سأحدثك بكل شيء… ولكن، بعد قليل… أنا الآن متعب للغاية."
أشار "حابي" برأسه ببطء، وقد بدا أنه أدرك أن الوقت لم يحن بعد:
"وماذا عن هؤلاء المرافقين لك؟ من أين جاءوا؟!"
أجاب "نرمر" بتنهيدة طويلة:
"سوف أحكي لك عنهم أيضًا… لا تستعجل الأمور، ستعرف كل شيء في حينه."
ضحك "حابي" ضحكة قصيرة، كأنه رأى أمثالهم من قبل، ثم تركهم لينصرف مع حراسه، موقنًا أن الأيام القادمة تحمل بين طياتها الكثير.
وفي جناح القصر، دخلت مريم وهي تدور بعينيها حول المكان بدهشة طفولية، تصفق بيديها قائلة بسخرية:
"بت يا ناموسة… هو إيه الحلويات دي؟! كل ده أوض نوم؟! إيه القصر اللي يجنن ده؟!"
ردت ناميسا ببرودٍ وهي تضيق عينيها بتهديد خافت:
"عارفة، يا مريم؟ طول ما انتِ مصرة على كلمة 'ناموسة' دي، أنا مش هخرجكِ من هنا أبدًا… وإنتِ وشطارتك بقى."
ضحكت "نور" و"ريم" عليهما بشدة، وقد اعتادوا تلك المعركة الدائمة بين مريم وناميسا، فالكل يعلم أن مريم دائمًا تفوز باستفزاز الجميع.
لكن "ريم"، التي غلبها الفضول، تسللت بهدوء خارج الغرفة، تتجول في أرجاء القصر بحثًا عن أسراره.
فجأة، سمعت صوتًا خلفها، فاستدارت لتجد "خالد" يقف متكئًا على جدار رخامي، ينظر إليها بريبة:
"رايحة فين؟!"
ابتسمت بهدوء، وأجابت ببرود:
"ولا حاجة، بتفرج… بحاول أتفحص المكان، يمكن ألاقي حاجة مفيدة."
هز رأسه متسائلًا:
"لوحدك؟ مش خايفة من المكان الغريب ده؟!"
ابتسمت بثقة وقالت:
"لأ، هيحصل إيه يعني؟ المكان شكله هادي جدًا."
لكنها لم تكمل عبارتها، إذ اخترق السكون صوت صراخٍ مرعب، تلاه دويُّ أقدامٍ تركض بقوة.
شهقت "ريم" واتسعت عيناها، حين رأت مريم تهرول بأقصى ما تملك، يلاحقها حيوان ضخم، يكاد يفترسها، وهي تصرخ بأعلى صوتها:
"الحيوانات احتلت البلد! أجروا! الحيوانات احتلت البلد! لا، لا، سوري! دي مش حيوانات أصلًا! دول كائنات أغرب من الخيال! دول أطول من البشر… أجرواااا!"
سقطت ريم على الأرض من كثرة الضحك، غير قادرة على التقاط أنفاسها.
في تلك اللحظة، انفتحت أبواب الحراسة فجأة، ودخلت الكائنات العملاقة في طوابير منظمة، يركبها المحاربون، وقد بدأوا تدريباتٍ قاسية على الرماية وركوب الخيول، مستخدمين السحر وكأنهم في ساحة معركة حقيقية.
وفي خضم هذا الهرج والمرج، اندفع "حابي" بسرعة، وأمسك بيد مريم ليُجنّبها مخالب أحد الكائنات الهائجة، ثم أبعدها عن الخطر.
نظرت إليه مريم بعفويتها المعتادة، وقالت وهي تلهث:
"تسلم، نردها لك في الأفراح!"
حدق فيها "حابي" بعدم فهم، وقد بدا الذهول على ملامحه:
"تحدثي بلغة أفهمها! ما الذي قلته؟!"
ارتبكت مريم، وقد اكتشفت أنها تورطت من جديد، فابتسمت بارتباك وقالت بخفوت:
"عذرًا، عذرًا… لم أقل شيئًا مهمًا!"
ثم أفلتت يدها بسرعة، وركضت هاربة من نظراته المندهشة، تاركة خلفها ضحكات مكتومة ودهشة لا تنتهي....