
رواية فتاة الإشارة الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم اسماعيل موسى
بدأت عجلة الإنتاج تدور داخل الشركة بصورة لم تحدث منذ شهور طويلة وكانت الماكينات التى ظلت صامتة لفترة تعود لتصرخ من جديد داخل المصانع بينما الشاحنات تتحرك بلا توقف والمخازن تُفتح حتى منتصف الليل والعمال يعملون بحماس مختلف بعدما بدأت الحوافز تصل إليهم فعلًا كما وعدتهم تالا
حتى المديرون الذين عارضوا تالا فى البداية بدأوا يعترفون بصمت أن الشركة استعادت جزءًا من قوتها المفقودة وأن الفوضى التى كادت تبتلع كل شيء بدأت تنحسر تدريجيًا
أما تالا فكانت تتحرك بين الأقسام كأنها لا تنام أصلًا حيث تراجع الأرقام والتقارير صباحًا ثم تمر على المصانع وخطوط الإنتاج ظهرًا وتعود ليلًا إلى مكتب يامان لتظل حتى الفجر تراجع العقود وخطط التوريد الجديدة وكأنها تحاول أن تعوض غياب شخص كامل وحدها
ولأول مرة منذ اختفاء يامان بدأت المؤشرات الداخلية تتحسن فعلًا وبدأ الموظفون يشعرون أن الشركة يمكن أن تقف على قدميها من جديد
لكن تلك الراحة لم تستمر طويلًا
فى أحد الصباحات دخل مدير المبيعات إلى مكتب تالا بوجه شاحب وعينين مرتبكتين ثم وضع عدة ملفات فوق المكتب دون أن ينطق بكلمة واحدة
رفعت تالا عينيها إليه باستغراب قبل أن تسحب أول ملف وتفتحه بسرعة لتجد بداخله خطاب اعتذار رسمى من أحد كبار المستوردين يعلن فيه إيقاف التعامل مؤقتًا مع الشركة
شعرت بانقباض خفيف داخل صدرها لكنها فتحت الملف الثانى ثم الثالث ثم الرابع لتكتشف أن جميعهم يحملون نفس المضمون اعتذارات وانسحابات وتجميد تعاقدات بصورة مفاجئة وكأن الجميع اتخذ القرار نفسه فى نفس الوقت
شعرت تالا ببرودة تسير داخل أطرافها وهى تقلب الأوراق بسرعة أكبر ثم رفعت رأسها وسألت بحدة ماذا يحدث بالضبط
رد مدير المبيعات بتوتر أن العملاء بدأوا يتراجعون منذ أيام وأن عددًا كبيرًا منهم اتجه لشركة أخرى تعرض نفس المنتجات بأسعار أقل من السوق بصورة تكاد تكون مستحيلة
سكت الرجل لحظة قبل أن يذكر الاسم الذى كانت تالا تتوقعه بالفعل وهو شركة صقر المرشدى
ساد الصمت داخل المكتب للحظات طويلة قبل أن تطلب تالا جميع تقارير السوق فورًا وبعد ساعات مرهقة من المراجعة بدأت الصورة تتكشف أمامها بصورة مرعبة
صقر المرشدى لم يكن يحارب للفوز فقط بل كان يحارب لسحق شركة يامان بالكامل حيث بدأ يبيع المنتجات بأقل من سعر السوق بشكل متعمد حتى لو تحمل خسائر مؤقتة فقط من أجل سحب العملاء والمستوردين من تحت أقدامهم
لكن الأمر الأخطر بالنسبة لتالا لم يكن صقر نفسه بل بسنت التى كانت تدير الملف بالكامل لأنها تعرف العملاء ونقاط ضعف الشركة وخطوط التوريد وتعرف بالضبط أين تضرب ومتى تضغط حتى تجعل النزيف أكبر
ومع مرور الأيام بدأت الأزمة تتفاقم بصورة أسرع مما توقعت تالا حيث تحولت البضائع التى أنتجتها الشركة بكميات ضخمة إلى عبء ثقيل بعدما بدأت تتكدس داخل المخازن دون تصريف
امتلأ المخزن الشرقى بالكامل ثم تبعه المخزن الرئيسى وحتى ساحات التحميل نفسها بدأت تتحول إلى صفوف طويلة من البضائع المغلقة التى لا تجد طريقها إلى السوق
كانت الشاحنات تقف بلا حركة بينما العمال يراقبون المشهد بقلق متزايد بعدما بدأت الأسئلة تنتشر بينهم عن مستقبل الشركة وما إذا كانت ستنهار فعلًا هذه المرة
وفى أحد الأيام دخل الحاج عبده إلى مكتب تالا وهو يحمل تقرير المخازن بيد مرتجفة ثم قال بصوت منخفض إنهم إذا استمروا بهذا الشكل شهرًا آخر فلن يجدوا سيولة تكفى لدفع المرتبات
أغمضت تالا عينيها للحظة طويلة وهى تشعر أن الحرب الحقيقية بدأت الآن لأن الأزمة السابقة كانت أزمة قانونية يمكن مواجهتها بالأوراق والمحامين أما هذه فكانت حرب استنزاف قذرة هدفها خنق الشركة ببطء حتى تتوقف عن التنفس
وفى تلك الليلة نزلت تالا بنفسها إلى المخازن وسارت بين صفوف البضائع المتكدسة فى صمت بينما الأضواء البيضاء الباردة تنعكس فوق الصناديق المعدنية الضخمة وكانت الكميات هائلة بصورة مخيفة منتجات جاهزة تكلفت ملايين لكن لا يوجد من يشتريها
وقفت تالا فى منتصف المخزن تحدق طويلًا فى البضائع ثم همست لنفسها بصوت منخفض أن صقر لا يريد الربح الآن بل يريد خنقهم حتى يتوقف النفس الأخير
وفى تلك اللحظة فقط أدركت تالا أن الحرب لم تعد على الصفقات ولا العقود بل أصبحت حربًا على بقاء الشركة نفسها حية من الأساس
داخل المكتب الزجاجى الفخم فى أعلى برج شركة صقر المرشدى كانت بسنت تجلس فوق ساقيه بثقة كاملة بينما يده تتحرك ببطء فوق ذراع المقعد الجلدى وعيناه تتابعان أضواء المدينة الممتدة خلف الزجاج العريض وكان الليل هادئًا فى الخارج بصورة تخدع أى شخص يراه لكن داخل ذلك المكتب كانت الحرب تُرسم بالتفصيل
ألقى صقر الملف فوق المكتب بضيق واضح ثم قال إن الخطة الأولى كان يجب أن تنتهى بسقوط شركة يامان بالكامل وإنه لا يفهم حتى الآن كيف استطاعوا الخروج من أزمة الشرط الجزائى فى اللحظة الأخيرة بعدما كانت الشركة على حافة الانهيار الكامل
ابتسمت بسنت بهدوء وهى تشعل سيجارة ثم همست أن المشكلة لم تكن فى يامان نفسه بل فى تلك الفتاة التى ظهرت فجأة داخل الشركة وغيرت كل شيء
ضيق صقر عينيه وسألها إن كانت تقصد تالا فهزت رأسها ببطء وقالت إنها راقبت كل ما حدث داخل الشركة القديمة وإن تالا منذ ظهورها بدأت تغيّر مسار الأمور بطريقة لم يتوقعها أحد
سألها صقر باهتمام إن كانت خطيرة إلى هذه الدرجة فضحكت بسنت بسخرية خفيفة وقالت إن المشكلة الحقيقية فى تالا أنها لا تعرف حدودها وإنها تدخل فى أشياء أكبر منها دون خوف وكأنها لا تدرك حجم الأشخاص الذين تواجههم
ثم أضافت وهى تنفث دخان سيجارتها ببطء أن تالا هى من أعادت بناء موقف الشركة القانونى وهى من أقنعت المحامين بطريقة التفاوض الجديدة التى أفسدت عليهم خطة الاستيلاء على شركة يامان بالكامل
ظل صقر صامتًا للحظات قبل أن يسألها عن الحل هذه المرة فاقتربت بسنت أكثر وهمست بهدوء أن شركة يامان خرجت من الأزمة لكنها دفعت جزءًا ضخمًا من الشرط الجزائى بالفعل وإن السيولة داخل الشركة لم تعد كما كانت أبدًا
ثم مدت يدها نحو الملفات الموضوعة على المكتب وفتحت مجموعة من التقارير المالية وقالت إن الشركة الآن تتحرك بطاقة إنتاجية مرتفعة وتحاول تعويض خسائرها بسرعة وهذا معناه شيئًا واحدًا فقط
رفع صقر حاجبه وسألها ماذا تعنى فابتسمت بسنت ابتسامة باردة وقالت إنهم لا يستطيعون تحمل حرب أسعار طويلة لأن الشركة تحتاج كل جنيه حتى تستمر فى دفع المرتبات وتحريك خطوط الإنتاج
سألها صقر إن كانت تقصد تخفيض الأسعار فهزت رأسها بثقة وبدأت تشرح فكرتها بالتفصيل وقالت إنهم سيطرحون المنتجات فى السوق بأسعار أقل من سعر السوق نفسه حتى لو تحملوا خسائر مؤقتة وإن الهدف الحقيقى ليس الربح الآن بل سحب العملاء والمستوردين من شركة يامان بالكامل
وأضافت أن شركة يامان فى وضعها الحالى لن تستطيع الدخول فى منافسة خاسرة لأنها بالكاد تحاول البقاء واقفة بعدما استنزفت أموالها فى الشرط الجزائى وإعادة تشغيل المصانع
ثم نظرت إليه بثبات وقالت إنهم إذا خنقوا المبيعات الآن فالمخازن ستبدأ فى الامتلاء والبضائع ستتكدس والسيولة ستختفى تدريجيًا حتى تسقط الشركة وحدها دون الحاجة لأى قضايا أو محاكم أو معارك قانونية جديدة
ابتسم صقر ببطء بينما بدأ يستوعب الخطة كاملة ثم سألها إن كانت متأكدة أن العملاء سيتحركون بهذه السرعة فضحكت بسنت بثقة وقالت إنها تعرف السوق أكثر من أى شخص آخر وإن كبار العملاء لا يعرفون الولاء عندما تظهر الأسعار الأرخص أمامهم
ثم مالت نحوه أكثر وهمست أن نصف العملاء الحاليين كانوا عملاء يامان أصلًا وهى تعرف جيدًا كيف تفكر إداراتهم وما الذى يغريهم وكيف تجعلهم يتركونه دون تردد
سألها صقر بعدها إن كانت تشعر بأى ذنب تجاه يامان بعدما قضت سنوات طويلة تعمل معه فاختفت الابتسامة من وجه بسنت للحظة قصيرة قبل أن تقول ببرود إن يامان لم يخسر بسببها بل بسبب نفسه
وأضافت أنه كان يظن أن الجميع سيبقون حوله للأبد بينما يتعامل معهم كأنهم أدوات داخل شركته لا بشر لهم قيمة أو مشاعر
ثم أكملت وهى تنظر نحو المدينة خلف الزجاج أن الاحترام الذى لم يمنحه لهم سيجبر الآن على دفع ثمنه كاملًا
وقف صقر بعدها واتجه نحو النافذة بينما يضع يديه خلف ظهره ثم قال بهدوء إن السوق لا يرحم الضعفاء وإن يامان انتهى بالفعل حتى لو لم يعترف بذلك بعد
أما بسنت فاكتفت بإخراج ملف جديد من الحقيبة الجلدية أمامها ثم قالت إن المرحلة القادمة ليست إسقاط يامان فقط بل جعل الجميع ينسون أن شركته كانت يومًا الأقوى فى السوق
وفى تلك الليلة بدأت شركة صقر المرشدى تنفيذ أكبر حملة حرق أسعار شهدها السوق منذ سنوات بينما كانت مخازن شركة يامان تمتلئ ببطء ببضائع لا تجد من يشتريها
بدأت مبيعات شركة يامان تنهار بصورة بطيئة لكنها مرعبة وكأن الشركة لا تسقط دفعة واحدة بل تُسحب نحو القاع خطوة بعد خطوة دون أن يملك أحد القدرة على إيقاف ذلك
فى البداية ظن الجميع أن الأزمة مؤقتة وأن العملاء سيعودون بمجرد انتهاء موجة التخفيضات المجنونة التى أطلقها صقر المرشدى لكن الأيام مرت والوضع ازداد سوءًا بدل أن يتحسن
المخازن كانت تمتلئ أسرع من خروج البضائع منها والشاحنات تقف بالساعات دون تحميل وخطوط الإنتاج الجديدة التى شغلتها تالا بكل جهد بدأت تتحول إلى عبء ثقيل يلتهم ما تبقى من السيولة داخل الشركة
كل صباح كانت التقارير تصل أسوأ من اليوم الذى قبله وكانت الطلبات تؤجل والعملاء يعتذرون والمستوردون يطلبون تخفيضات مستحيلة والأسواق كلها تتحدث عن أسعار شركة صقر التى كسرت السوق بصورة جعلت المنافسة أقرب إلى الانتحار
كانت تالا تجلس داخل مكتب يامان حتى ساعات الفجر تراجع الأرقام بعينين مرهقتين وتحاول إيجاد أى مخرج لكن بسنت كانت قد أغلقت كل الأبواب تقريبًا وكأنها تعرف مسبقًا كل خطوة ستحاول الشركة القيام بها
كل عميل تتواصل معه الشركة كانت تجد أن صقر سبقهم إليه وكل موزع حاولت التفاوض معه كان قد حصل بالفعل على عروض أقل وحتى الأسواق الجديدة التى حاولت تالا الدخول إليها اكتشفت أن شركة صقر بدأت تتحرك داخلها قبلهم بأسابيع كاملة
وفى أحد الاجتماعات وقفت تالا أمام لوحة الأرقام الكبيرة داخل قاعة الإدارة بينما الصمت يسيطر على الجميع ثم قالت بصوت منخفض إنهم مضطرون لإيقاف جزء من خطوط الإنتاج الجديدة مؤقتًا حتى لا تغرق الشركة بالكامل
ساد الصمت داخل القاعة كأن أحدًا تلقى صفعة مباشرة وبعض المديرين خفضوا رؤوسهم بينما نظر آخرون إليها بغضب مكتوم وكأنها تعلن هزيمتهم رسميًا أمام الجميع
لكن تالا لم تكن تملك رفاهية العناد لأنها كانت ترى الأرقام بوضوح مخيف وكانت تعرف أن الشركة تنتج أكثر مما تبيع وأن كل يوم تعمل فيه الماكينات بهذه الوتيرة يعنى نزيفًا جديدًا للأموال
بدأت أوامر الإيقاف تصدر تدريجيًا فتوقف خط إنتاج ثم آخر ثم أُلغيت ورديات كاملة حتى أصوات الماكينات داخل المصانع بدأت تخفت شيئًا فشيئًا بعدما كانت تصرخ طوال الليل
وكان أصعب ما فى الأمر بالنسبة لتالا هو مرورها على العمال وهم ينظرون إليها بقلق وأسئلة صامتة لا تملك لها إجابة واضحة وكانت تشعر مع كل نظرة أن الحمل فوق كتفيها يزداد أكثر
حاولت بكل الطرق تفريغ المخازن فأرسلت عروضًا جديدة وتواصلت مع شركات خارجية وفتحت باب التفاوض مع تجار صغار بعدما كانوا يتعاملون فقط مع كبار المستوردين لكن بسنت كانت تسبقها دائمًا بخطوة وكأنها تعرف كل حركة ستقوم بها قبل أن تحدث
وفى ليلة متأخرة كانت تالا جالسة داخل المكتب وسط عشرات الملفات وتقارير الخسائر بينما الحاج عبده يقف أمامها بوجه شاحب يحمل آخر كشف للحسابات
مدت تالا يدها وأخذت التقرير بصمت ثم راحت تقلب الصفحات بسرعة قبل أن تتوقف فجأة وتغلق الملف بعنف ثم همست بصوت مرهق لو بعنا بنفس أسعارهم هنفلس
سكتت لحظة ثم رفعت عينيها نحو الحاج عبده وأكملت بمرارة ولو مبعناش بنفس أسعارهم مفيش حد مضطر يشترى مننا
تنهد الحاج عبده وجلس أمامها وهو يمسح وجهه بتعب بينما قالت تالا بصوت يكاد يختنق السيولة فى الشركة قربت تبقى خمسة عشر فى الميه
اتسعت عينا الحاج عبده بخوف حقيقى لكنه لم يجد ما يقوله بينما كان المكتب نفسه يبدو خانقًا بصورة غريبة والدخان يملأ الجو والأوراق فوق المكتب كأنها جبال والتليفونات لا تتوقف وأصوات الموظفين فى الخارج تحمل توترًا يكفى لإشعال المكان
حتى الهواء بدا ثقيلًا على صدرها وكأن الجدران نفسها تضيق حولها ببطء
أسندت تالا رأسها للخلف وأغمضت عينيها للحظات طويلة وشعرت فجأة برغبة حقيقية فى الهرب من المكتب ومن الشركة ومن كل تلك الحرب التى ابتلعتها دون أن تشعر
ولأول مرة منذ اختفاء يامان شعرت أن الشركة لا تنهار وحدها بل هى أيضًا تنهار معها ببطء دون أن يلاحظ أحد
فى تلك الليلة عادت تالا إلى غرفتها وكأنها تحمل فوق كتفيها مدينة كاملة لا شركة فقط وكانت خطواتها بطيئة ومرهقة حتى إنها حين أغلقت باب غرفتها خلفها شعرت للحظة أن العالم كله أصبح بعيدًا عنها
ألقت حقيبتها فوق المقعد ثم جلست على طرف السرير بصمت طويل بينما عيناها معلقتان بالسقف دون أن تراه فعلًا وكان عقلها مزدحمًا بصورة مرعبة بالأرقام والديون والمخازن الممتلئة والعمال الذين ينتظرون المرتبات والمديرين الخائفين وشركة كاملة تقف فوق حافة الانهيار بينما صاحبها الحقيقى اختفى كأنه لم يكن موجودًا أصلًا
مررت يدها داخل شعرها بعنف ثم همست لنفسها بتعب شديد دى مش شركتى
قالتها وكأنها تحاول إقناع نفسها بذلك بعدما بدأت الشركة تبتلع عمرها وأعصابها يومًا بعد يوم حتى أصبحت تستيقظ على المشاكل وتنام فوق الخوف دون أن تجد لحظة راحة حقيقية
نهضت من مكانها وبدأت تدور داخل الغرفة بلا هدف واضح بينما الأفكار تنهش رأسها بلا رحمة وكانت كلما حاولت التفكير بهدوء يعود اسم يامان إلى عقلها من جديد
يامان هرب وببساطة ترك كل شيء فوق رأسها واختفى وكأن الشركة لا تعنيه وكأن العمال والموظفين والمصانع وكل تلك الفوضى ليست مسؤوليته من الأساس
حتى بعدما أنقذت الشركة من الشرط الجزائى وحتى بعدما وقفت أمام المحامين والمديرين والشريك الأجنبى وحتى بعدما أعادت تشغيل المصانع وخاضت الحرب وحدها لم يظهر ولم يتصل ولم يسأل حتى إن كانت الشركة لا تزال واقفة أم سقطت بالفعل
شعرت بغضب مفاجئ يشتعل داخل صدرها فدفعت بعض الملفات الملقاة فوق مكتبها حتى تناثرت على الأرض ثم جلست فوق الكرسى وهى تضم رأسها بين يديها وكأنها تحاول منع عقلها من الانفجار
كانت مرهقة بصورة لم تعترف بها أمام أحد وحتى الحاج عبده لم يكن يعرف حجم الضغط الذى تعيشه كل يوم لأن الجميع ينظر إليها وكأنها الحل الأخير والفرصة الأخيرة لإنقاذ الشركة
القصه بقلم اسماعيل موسى
العمال ينتظرونها والموظفون يراقبونها والمديرون يطلبون قراراتها وحتى الشركة نفسها أصبحت تنظر إليها كأنها مطالبة بإنقاذها مهما حدث
لكنها فى النهاية مجرد فتاة كانت تقف فى إشارة المرور تبيع المناديل منذ شهور قليلة فقط
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة وهى تنظر نحو الفراغ ثم همست بسخرية مريرة هو أنا إزاى وصلت لهنا أصلًا؟
اقتربت من النافذة ووقفت أمامها طويلًا تراقب أضواء المدينة البعيدة بينما عقلها يعود إلى يامان رغمًا عنها فتذكرت صوته وعصبيته وطريقته المستفزة فى الكلام وحتى نظرته الباردة التى كانت تستفزها دائمًا
ورغم كل ذلك كانت تتمنى فجأة أن يفتح باب الشركة ويدخل من جديد ويتولى كل شيء بنفسه ليس لأنها ضعيفة بل لأنها تعبت فعلًا
تعبت من حمل لا يخصها ومن حرب لم تبدأها أصلًا ومن شركة تنهار فوق كتفيها بينما صاحبها الحقيقى اختار الهروب
أغمضت عينيها للحظة ثم همست بصوت مختنق ارجع يا يامان حتى لو هتزعق وحتى لو هتخرب الدنيا بس ارجع وخد شركتك
ساد الصمت داخل الغرفة للحظات طويلة قبل أن يهتز هاتفها فجأة بعنف فوق المكتب فنظرت إليه بضيق فى البداية ثم التقطته ببطء لكنها ما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى جاءها صوت الحاج عبده صارخًا بصورة أفزعتها
الحقى يا بنتى المخزن الشرقى بيولع !!!.