رواية جلاب الهوى الفصل الخامس عشر 15بقلم رضوى جاويش

 

رواية جلاب الهوى الفصل الخامس عشر 15 بقلم رضوى جاويش


١٥- عالم آخر 
دخلت زينب غرفة الصالون، حاملة صينية عليها أكواب من الشاي والعصير، وضعتها أمام شريف ونديم، وجلست جوار ناهد، ومدت يدها تسلمها كوب العصير، فى محاولة لتهدئتها، بعد انخراطها في البكاء، ما أن أدركت حقيقة ما يجري. 
رفع نديم رأسه من بين كفيه، وتطلع لزينب وشريف هاتفا في عزم: أنا رايح معاكم.
هتفت زينب في صدمة: رايح معانا فين!  
هتف شريف بدوره: بصراحة يا نديم بعد اللي عرفته ده، معتقدش إن مرواحك النجع، وخاصة فالظروف دي، هيكون قرار صحيح.  
أنتفض نديم صارخا: أومال أسيب أختي بين أيدين البني آدم ده، وأقف اتفرج! 
هتفت ناهد صارخة بحدة: أخويا ميتجالش عليه كِده، أخويا سيد الرچالة، وعارف الأصول، ومش ممكن يضر أختك مهما حصل. 
هتف نديم صارخا: واللي حصل لها ده مش ضرر! لما تقع من طولها و متبقاش بتتكلم م الصدمة، كل ده مش ضرر! عيزانى أسيبها هناك لحد ما يحصل لها إيه تاني! 
هتف شريف فى محاولة لتهدئة الوضع، فقد شعر بالذنب، لأنه سبب إشعال الموقف، بهذا الشكل من الأساس: استهدى بالله كده يا نديم، وفعلا والله اللي هقوله ده شهادة حق هتحاسب عليها قدام ربنا، عفيف بيه بيعامل الدكتورة دلال أحسن معاملة، وعمره ما ضرها، وكل اللي فالنجع عارفين إنها تحت حمايته وفضيافته، ده أولا، ثانيا، صدمة الدكتورة دلال كانت م الظروف اللي اتعرضت لها هناك، لاختلاف الثقافة، وأنا شخصيا فأول لقاء معاها حذرتها من الوضع، بس هى مسمعتنيش للأسف، دلوقتى ظهورك وهى فالحالة دي، ممكن يخلي حالتها أسوء، خاصة إنه أكيد هيحصل بينك وبين عفيف بيه ما لا يحمد عقباه، عشان كده أنا بطلب منك تحكم العقل شوية، واستنى بس لما نسافر أنا والدكتورة زينب، وتتحسن حالة أختك شوية، وأكيد لما الدكتورة زينب ترجع هتقولك على كل حاجة، وخبر ظهورك اللي هتقولهولها الدكتورة زينب أكيد هيفرق في تحسن حالها، ساعتها يا سيدي أبقى أعمل اللى تشوف إن فيه الصالح للكل، تمام!
هتفت زينب مؤيدة: تمام جدا، ده عين العقل يا حضرة الظابط. 
ابتسم شريف في سعادة منتشيا لاستحسانها رأيه، وكاد أن يلق بأحد تعليقاته المرحة،  إلا أنه توقف في اللحظة الأخيرة، مدركا حساسية الموقف. 
تنهد نديم ولم يعقب على رأي شريف، وكذا ناهد التي ألتزمت الصمت، وما جفت دموع عينيها. 
لتستطرد زينب موجهة حديثها لنديم، في محاولة لأخذ وعد منه بعدم التهور في إتخاذ القرار: نديم، اللي عملته دلال كله كان عشان خاطر تحميك، متجيش تضيع كل ده بقرار متهور، أرجوك، أصبر بس لحد ما أرجع من عندها، وأقولك الأخبار بنفسي، وبعدها قرر. 
تنهد نديم من جديد، وهمس في نبرة تحمل وجع وانكسارلا يستهان بهما: طيب. 
هتف شريف مبتهجا: أهو ده الكلام. 
هتفت زينب فى ارتياح: تمام، بس أنتوا قاعدين فين! أوعوا تفكروا تروحوا ناحية شقتكم يا نديم! 
هتف نديم محرجا: والله فكرت يا زينب، أصل مكنش في طريق تاني غير كده، بس ربنا هدى تفكيري إني أجيلك. 
هتفت زينب معاتبة: أحسن قرار خدته، وده بيتك، ومش هتمشي من هنا.  
هتف نديم ممتنا: والله ما عارف أقولك إيه يا زينب! 
تنحنح شريف، لا يعرف لما شعر بوخز من غيرة لهذه الحميمية، و هتف متعجلا إياها: طب مش ياللاه يا دكتورة، خلينا نستعجل، إحنا أصلا ضيعنا القطر بتاعنا، وهناخد اللي بعده.  
هتفت زينب: حاضر، حالا هجهز، وأنت يا نديم، باتوا مع ماما أنت وناهد النهاردة، أهو هبقى مطمنة عليها، إنها معاكم، ومش هتبات لوحدها، هى فى زيارة لواحدة قريبتنا فأول الشارع وزمانها على وصول، هبلغها الموضوع وانت عارف هى بتعزك أنت ودلال قد إيه، و بإذن الله من بكرة، هخليها تجيب واحدة تنضف الشقة اللى جنبنا وتقعدوا فيها، ده فعلا آمن مكان ليكم، لان زي ما انت عارف البيت كله بتناعنا، ولا حد هيطلع ولا ينزل إلا بمعرفتنا. 
هتف نديم: كتر خيرك يا زينب، بس كده كتير. 
نهضت زينب متوجهة لخارج الصالون متعجلة، هاتفة فى عتاب: متقلش كده يا نديم، إحنا أهل، وبإذن الله خير. 
ساد الصمت عندما غادرت زينب الغرفة، حتى هتف شريف موجها حديثه لنديم: تخيل! أنا مفتكرتكش أول ما شفتك، رغم إني شفتك مرتين كده فالنجع، بس من بعيد، كان وقت ما كنت بتنزل عشان مواعيد شغلك وكده. 
هز نديم رأسه مؤكدا: وأنا كمان مكنتش أعرف حضرتك.
استنتج شريف هاتفا: يمكن عشان كل واحد فينا لسه منقول للنجع جديد مبقلهوش كام شهر، ومحصلش احتكاك أو تعامل.
أكد نديم: فعلا، عندك حق. استطرد شريف مبتسما: أنا كنت بسمع عنك فالنجع كل خير، انا بس مستعجب إني مخدتش بالي من تشابه الأسماء بينك وبين الدكتورة دلال، أنا شكلي بقى وحش أوي الصراحة، زمانكم بتقولوا ده ظابط إيه ده! 
اكد نديم مبتسما: لا العفو يا شريف بيه، أنت كان هايجي على بالك إزاي الحدوتة دي!
أكد شريف: الصراحة متجيش على بال حد، وعفيف بيه بيعامل الدكتورة دلال معاملة محترمة جدا، ومديها صلاحيات كبيرة، وعمر ما حد يشك إن فيه عداوة بينهم من أي نوع، يعني، بخصوص موضوعك أنت والآنسة، أقصد مدام ناهد. 
اصطبغ وجه ناهد بلون احمر قان خجلا، ولم يعقب نديم، إلا أن شريف استطرد مؤكدا: بس الشهادة لله، أنت والدكتورة دلال ناس محترمة وأخلاقكم عالية. 
هتف نديم: ربنا يحفظك يا حضرة الظابط. 
هتفت زينب أخيرا، قاطعة استرسال حديثهما: ياللاه يا حضرة الظابط. 
انتفض شريف مندفعا خارج الصالون، لاحقا إياها، تاركي نديم و ناهد، يلفهما صمت صاخب.  
            ★ ★ ★ ★
طرق باب حجرته، فانفرج الباب عن محيا الخالة وسيلة، التي كانت تتثاءب، هامسة بنعاس: خير يا عفيف بيه! 
همس عفيف محرجا: معلش يا خالة جومتك من نومتك، بس في اوراج مهمة فخزنة الدولاب، كنت فاكر إني حاططهم فالمكتب، طلعوا هنا فالخزنة، وأنا محتاچهم ضروري، عشان هطلع بيهم مشوار من بعد الفچر. 
مد كفه بمفاتيح الخزينة، مخرجا إياها من قلب جيب جلبابه مستطردا: خدي افتحيها، وهاتي الظ... 
قاطعته  وسيلة هاتفة: وأني إيه دراني بالحاچات دي!  أدخل چيب حاچتك يا ولدي. 

هتف متعجبا باضطراب:- أدخل! أدخل فين! 
هتفت وسيلة ببساطة: أدخل أوضتك، چيب حاچتك، وإن كان ع الداكتورة، أهي نايمة مش دريانة بحاچة يا ولداه، بتغيب بعد الأدوية اللي الدكاترة كتبينهالها، وأديني واچفة أها لحد ما تخلص أمورك.
تنحنح عفيف، وكأن دلال مستيقظة وتسمعه يستأذن للدخول، فعلها بعفوية، وانطلق في إتجاه خزانة ملابسه، فتح ضلفتيها وانحنى يعبث بأزرار خزينة الأوراق بكف مرتعش، حتى فتحها وجذب منها ملفه المطلوب، وما أن هم بالاندفاع في طريقه تاركا الغرفة، حتى سمع همهماتها، فتوقف متسمرا موضعه، كانت تهزي بأسم اخيها الغائب، تردده ببطء أوجعه، ورغم ذلك جاهد حتى لا يرفع ناظريه إليها، كان كمن علقت أقدامه ببركة من وحل، لا يعرف ما دهاه، ولم لا يتحرك مبتعدا! تطلع لموضع الخالة وسيلة، فوجدها قد غادرت الغرفة، فتذكر أنه سمع صوت مناع بالأسفل يناديها، ويبدو أنها ذهبت لتلبية مطلبه، ما أن وعى هذه الحقيقة، حتى اضطربت دواخله، وهم بالاندفاع خارج الغرفة، تقدم خطوتين حتى أصبح على أعتابها للخارج، لتتسمر قدماه من جديد ما ان تناهى لمسامعه همسها باسمه، كانت تنطق اسمه مجردا دون ألقاب، وكم كان رائعا ومبهرا، حين خرج منغما بهذا الشكل الخطر، من بين شفتيها.
أهتزت أركان روحه، وتقوضت دعائم ثباته، وما عاد قادرًا على البقاء لحظة آخرى من هذا الاضطراب الحلو حد الوجع، فاندفع مبتعدا، مع وصول الخالة وسيلة، والتي سألته: خدت أوراجك يا ولدي!
هز رأسه في إيجاب، يسربله التيه، وهرب من أمامها هابطا الدرج في عجالة، وقد نقله ندائها الأخير باسمه، لعالم آخر.            
            ★ ★ ★ ★           
ساد الصمت بينهما لبرهة، قطعه شريف هامسا: عجيب قوي اللي بيحصل ده! 
همست زينب دون أن تلتفت إليه، متطلعة من نافذة القطارعلى المشاهد التي تتوالى أمام ناظريها، والقطار يجري فى اتجاه وجهتهما المنشودة: أيوه فعلا عجيب. 
همس مازحا: أول مرة توافقيني على حاجة. 
تطلعت إليه ولم تعقب، ليستطرد هو مؤكدا: لا الصراحة دي تاني مرة، المرة الأولى لما وافقتي على كلامي وأنا بقنع نديم بوجهة نظري. 
همست بتهور: واضح إنك مركز معايا يا حضرة الظابط. 
أكد مازحا: ده أنا مركز تركيز، لو كنت ركزت نصه فالثانوية العامة، كنت طلعت م الأوائل ع الجمهورية. 
كادت أن تنفجر ضاحكة، إلإ أنها ابتلعت ضحكاتها، ووجهت بناظريها باتجاه النافذة من جديد، ليهتف هو فى محاولة منه لتبادل أطراف الحديث معها: بس سبحان الله، بقى نديم يجي م القاهرة يشتغل فالنجع، عشان يشوف ناهد أخت عفيف، ويحبها ويهرب معاها، خايفين من أخوها، اللي ياخد أخت نديم رهن عنده، عشان يخليه يظهر وينتقم منهم! دي حكاية ولا فالأفلام. 
هتفت زينب: أنا كنت زيك كده أول ما جت دلال وحكت لي، و حاولت أمنعها إنها تروح مع عفيف ده، بس دلال تعمل أي حاجة فالدنيا عشان خاطر نديم. 
أكد شريف متنهدا: فعلا الحب بيعمل المعجزات. 
أكدت زينب هامسة: أيوه، حب دلال لأخوها نديم ممكن يخليها ترمى نفسها فالنار، مش بس مع حد زي عفيف ده. 
هتف شريف متعجبا: دلال ونديم إيه! أنا بتكلم على حب نديم لناهد، معقول حبها للدرجة اللي خلته يغامر بالشكل ده! 
أكدت زينب في تعقل: أنا على الرغم من معزتي لنديم، إلا إني شايفة إن ده مش حب، ده إنتحار، جنان رسمي. 
أكد شريف حالما: وهو الحب إيه إلا جنان، رسمي بقى، ولا فهمي، المهم إنك تتجنن، أحلى حاجة فالحب جنانه.
هتفت ساخرة، لتداري وجيب قلبها الذى تضاعف، وهو يصف الحب بهذا الشكل: واضح إنك خبير يا فندم. 
انتفض مستديرا نحوها، يقسم فى صدق: والله ما حصل، أقصد إنه حصل، أقصد إنه لسه حاصل.
كانت تداري ضحكاتها، هاتف فى سخرية: صادق، صادق.
زم هو ما بين حاجبيه متصنعا الغضب، لتبتسم هي معاودة النظر من النافذة، تحاول استيضاح بعض من معالم الطريق، الذي بدأت العتمة في إخفائها شيئا فشيئا. 
             ★ ★ ★ ★
كان كلاهما يتجنب النظر حرجا ووجعا، حتى دخلت عليهما ماجدة هاتفة: إيه يا ولاد، هو انتوا هتفضلوا قاعدين عندكم كده فالصالون زي الضيوف! 
وتوجهت بحديثها لنديم معاتبة: إيه يا نديم! طب ناهد ومعذورة، ولسه متعودتش علينا، أنت بقى إيه حجتك فالقاعدة ددي هو ده مش بيتك ولا إيه يا حبيبي!  
انتفض نديم مؤكدا: طبعا يا طنط، وربنا يعلم أنا بعتبرك زي أمي الله يرحمها. 
هتفت ماجدة فى أسف: الله يرحمها، كانت ونعم الأخت. 
واستطردت بعد برهة: ياللاه قوم أنت ومراتك، أنا جهزت لكم الأوضة جو، أدخلوا ارتاحوا لحد ما أجهز لكم العشا. 
انتفضت ناهد عند ذكر الغرفة، هاتفة في اضطراب: أنا چاية أساعدك يا طنط، ممكن! 
أكدت ماجدة: طبعا يا حبيبتي، بس انا مش عايزة أتعبك. 
أكدت ناهد فى ود: أنا مش تعبانة والله، اسمحيلى أساعدك.
هزت ماجدة رأسها إيجابا، وسارت أمامهما لتقف عند باب إحدى الغرف مشيرة: أوضتكم أهي يا نديم، خش يا حبيبي أرتاح، ولما نخلص العشا هناديك. 
هتف نديم: تسلمي يا طنط.
ابتسم نديم، ودلف للغرفة وهو ما يزال يتحاشى النظر إلى تلك التي تتجاهله بدورها، والتي تبعت ماجدة للمطبخ، دون أن تلق نظرة واحدة تجاهه. 
دخل إلى الغرفة يغلي غضبا من رد فعلها، ماذا كانت تتوقع منه بعد أن علم ما فعله أخوها بأخته، التي اضطرت أن تضع نفسها في مهب الريح لإنقاذه، وهي التي لا ناقة لها ولا جمل في الأمر برمته. 
تمدد على الفراش متنهدا في وجع، يشعر بعجز وقلة حيلة تهلكه، كبريائه تئن في ألم صامت، يستشعره ينخر روحه. 
وقفت ناهد بذهن غائب تساعد ماجدة، التي أخذت فى تبادل الحديث معها، على أمل إخراجها من عزلتها، التى استشعرتها كأم، لكن إجابات ناهد كلها كانت مقتضبة توحي بحزن دفين. 
تم إعداد العشاء، ووضع أطباقه على المائدة، فهتفت ماجدة: روحي بقى يا ناهد نادي جوزك. 
كانت تحاول أن تتحاشى التعامل معه، لكن الظروف دوما ما تضطرها لفعل الأشياء مجبرة. 
اومأت في هدوء وتوجهت نحو الغرفة، فكرت في طرق الباب، لكنها تراجعت، فماذا ستظن ماجدة إذا ما فعلت! دلفت للحجرة في سرعة، تغض البصر قدر إمكانها، هاتفة: العشا چاهز. 
لم تتلق ردا، فرفعت رأسها في حذّر متطلعة للغرفة بنظرة سريعة، حتى وقع ناظرها على الفراش، الذي يتمدد عليه بملابسه، التي لم يخلعها حتى، موليا ظهره لها. توجهت قبالته، لتكتشف أنه قد راح في نوم عميق، وقد ارتخت ملامحه المتشنجة، بسبب ما علمه عن أخته، هى لا تلمه، هى تلوم الظروف التي وضعتهما وجها لوجه مع تحدي من الواضح أنه أكبر من إمكاناتهما، تنهدت في يأس، وهمست باسمه في ههدوء، لكنه لم يحرك ساكنا، فيبدو أن الإنهاك بلغ منه مبلغا كبيرا، جعله يغرق في النوم بهذا العمق. 
عادت لطاولة العشاء، هاتفة لماجدة: الظاهر نديم م التعب نام.
هتفت ماجدة في إشفاق: نوم العافية، تعالي أنتِ بقى كليلك لقمة ونسيني. 
كان بودها أن تعتذر، لكنها لم تستطع أن تترك ماجدة تتناول عشاءها وحيدة، دقائق واستأذنت عائدة للعرفة، طالعها جسده، الذي ما يزال على حاله مسجيا بطول الفراش بكامل ملابسه. تطلعت حولها لا تعلم أين يمكنها النوم، ولا يوجد حتى أريكة صغيرة كالفندق، يمكن أن تتمدد عليها حتى الصباح. 
شعرت أنها على حافة الانهيار، فكل الأحداث السابقة، ظهرت فجأة مطلة برأسها كأحد الوحوش المرعبة، التي تثير مخاوفها وذعرها مما هو آت..ط  
جلست على المقعد الوحيد الموجود بالغرفة، والذي كان مواجها لموضع نومه، وتطلعت نحوه تتساءل، كيف لها أن تحبه! كيف ومتى حدث هذا! إنه زوجها وليس كذلك، وهو حبيبها، وليس من المفترض عليها ذلك، وعلى الرغم من اجتماعهما، إلا إنهما في هذه اللحظة، أبعد ما يكون عن بعضهما، سالت دمعاتها وهتفت لنفسها في ضيق: فوجي يا ناهد، محدش عارف أخرت اللى بيحصل ده إيه! وأنتِ تجوليلى حب! باينك أتچنيتي يا بت النعماني!  
هزت رأسها مؤيدة لحديث نفسها، وأشاحت بناظريها بعيدا عن ذاك القابع هناك، على الفراش وحيدا دونها.
           ★ ★ ★ ★ 
للمرة الأولي بحياته، يستشعر هذا القدر من السعادة، فقد غلبها النعاس، ومال رأسها الصغير الصلب تجاه كتفه في حميمية أسعدته، ولم يتحرك قيد أنملة خوفا من إيقاظها. وعلى الرغم من عضلات كتفيه التي تيبست، إلا أنه كان منتشيا، لا لشيء إلا لاعتقاده أن شعورها بالأمان، هو الذي دفعها لتغرق في النوم وهي إلى جواره.
حبس أنفاسه الآن، وهو يسمع تنهداتها الرخيمة، وقد بدأت فى تعديل موضع رأسها، فى محاولة لإراحة رقبتها، التي بدأت تتيبس بدورها، فهو خبير بساعات السفر الطويلة في القطار، ويعلم ما تفعل بفقرات الرقبة والظهر. 
تغير موضع رأسها بهذا الشكل، جعل ملامح وجهها الدقيق تحت مجهرعينيه الشغوفة للمعرفة، تطلع إلى تفاصيل ذاك الوجه المليح الدقيق التقاسيم، واستمتع في نشوة برحلة عبر كل تفصيلة، حتى توقفت نظراته على بوابات الثغر الخطرة، فتنهد رغما عنه مضطربا، ما جعلها تنتفض مستيقظة في الذهول، لا تدرك أين هى بالضبط! تصنع النعاس في سرعة ومهارة، حتى لا يشعرها بالحرج، وأدرك منها شهقة مكتومة، حين أدركت أن رأسها قد وجد ملجأ له على كتفه، وسمعها كذلك تهمس فى اطمئنان: الحمد لله، طلع نايم .. 
كاد أن يبتسم رغما عنه، وفكر أن يشاكسها بالرد عليها، لكنه ظل يتطلع إليها مثل ذئاب الجبل بنصف عين، ليراها تعدل من هندام حجابها أمام مرآة صغيرة، أخرجتها من حقيبتها، فابتسم وما عاد قادرًا علي التظاهر بالنوم، وهو فى حضرة هذا الجمال.
تنحنح هامسا، مدعيا استيقاظه لتوه: صباح الخير يا دكتورة. 
همست وهي تحاول أن لا تدع عينيها تسقط على كتفه، التى كانت ملاذها منذ دقائق: صباح النور. 
قرر مشاكستها، فهمس بلهجة متسائلة، تحمل بعض من خبث: يا ترى نمتي كويس! ولا الخدمة معجبتش حضرتك. 
أكدت مضطربة: آه، الحمد لله.
مر العامل المخصص لجلب المشروبات والأطعمة لمسافري القطار، ليسألها شريف في أريحية: نفطر بقى! لحسن الواحد ميت م الجوع. 
ابتسمت هامسة: بالهنا والشفا، أنا مبفطرش.  
انتفض معاتبا: مبتفطريش إيه! ده غلط على صحتك، لازم تفطري كويس.
وضعت كفها على فمها، تمنع قهقة عالية، كانت فى سبيلها للانطلاق بحرية، وأخيرا هتفت: مالك قلبت على ماما كده ليه يا سيادة النقيب! هي عشان وصتك عليا، يبقى تاخد مكانها!
قهقه في أريحية مؤكدا:  طبعا، أنا بنفذ الأوامر كما أُنزلت، أنتِ عيزاها تغضب عليا، وتزرفني دعوتين يجبوني الأرض، حرام عليكِ يا دكتورة، ده إحنا ماششين بالستر. 
كتمت ضحكاتها، وشريف  يطلب من العامل إفطار لشخصين، وكوبين من الشاي، لتعاجله زينب مؤكدة: خليه نسكافيه عشان بجد عايزة أفوق. 
أكد شريف للعامل: خليهم اتنين نسكافيه. 
ناولها شريف كوبها، الذي بدأت فى ارتشافه، ليمتعض هامسا متقمصا دور أمها:  الفطار الأول يا بنتي، أقول للعريس اللى هايجي يتجوزك إيه! بتشرب النسكافيه على معدة فاضية! يا دى الفضايح!
كادت أن تغص برشفة النسكافيه، التي ابتلعتها في صعوبة، واضعة الكوب جانبا، هامسة وعلى شفتيها ابتسامة: لا، أنت كفاياك كده دور ماما ده، و الله لو أمي أصلا شافتك وأنت بتقلدها كده، والله ما تدخلك بيتنا تاني. 
هتف مذعورا: لا خلاص، كله إلا كده، ده أنا عايش على أمل إني أدخل بيتكم، تاني و تالت ورابع كمان. 
اضطربت، وغابت ابتسامتها، وأزاحت بناظريها إلى النافذة من جديد، في محاولة لتجنب نظراته التي تسرق راحة بالها، وتدفع بها إلي دنيا جديدة، ما وطأت عتباتها كما كانت تعتقد يوما.
            ★ ★ ★ ★
بعد عدة طرقات على الباب، انفرج عن محيا صاحب الدار، والذي بادره صفوت مرحبا: مرحب يا ود عمي، كيفك!
ـ يا مرحب يا صفوت، اتفضل.
أفسح محروس صاحب الدار الطريق مشيراً نحو غرفة الضيوف، ليدخل صفوت ومرافقه، يعقبهما محروس والذي جلس مرحباً من جديد طالبا الشاي، وتجهيز الغداء بصوت جهوري، ليهتف صفوت مؤكدا:
ـ ملوش عازة يا محروس، خلّينا فاللي جايين عشانه، سؤال ورد غطاه، ونجوم عشان نلحق طريحنا.
هتف محروس معترضًا ببرود: ودي تاجي يا واد عمي، والله ما يحصل أبدًا، خد واچبك وروح مطرح ما بدالك، بس إيه فيه؟
هتف صفوت متسائلًا: هي ناهد أخت عفيف النعماني، هنا!
تطلع له محروس متعجبًا: ولك فإيه تعرف إن كانت هنا ولا لاه!.. هو إيه الحكاية؟ مترسيني ع الجصة يا صفوت!
هتف مرافقه: لاه.. مفيش حكاوي ولا حاچة، هو موال كده بين صفوت وعفيف، بس يعني هي هنا!
أكد محروس: كانت هنا! بس طلعت على اسكندرية من يومين.
انتفض صفوت مستفسرًا: كانت هنا!
أكد محروس: معلوم، مالك مستغرب ليه!
تنبه صفوت لانتفاضته غير المحسوبة، مؤكدًا في عجالة: لاه وهستغرب ليه، إني بس بجول راحت فين ولمين ف اسكندرية!
أكد محروس في لامبالاة: معرفش، أني مليش اسأل، لما جعدت، اتشالت فوج الراس، جالت ماشية رايحة اسكندرية، جلنا ماشي وصلناها للمحطة، إحنا بنفذ اللي هي عايزاه، وواخدة إذن أخوها فيه، ملناش صالح.
هز مرافق صفوت رأسه متفهمًا، مشيرًا لصفوت أن ينهض للمغادرة، تخلصا من محروس في صعوبة، وغادرا، وما إن أصبحا خارج البناية، حتى هتف مرافق صفوت في حنق:
منك لله يا صفوت، جلنا بلاها الموال ده، جلت لي عايزك شاهد على عفيف، وإنه بيداري على أخته وهي مش عند جرايبها ف المنصورة! طب أهااا.. جينا المنصورة وسمعت الراچل بودنك بيجول إنها كانت هنا، يارب تكون ارتحت، وتطلع العفريت اللي فراسك ده، يا بلاها الچوازة دي من أساسه.
لم ينبس صفوت بحرف، بل سار جوار مرافقه، عينيه على البناية التي غادراها لتوهما، وقد خاب أمله في تحقيق ما يرغب.
دخلت زوجة محروس، تربت على كتف زوجها، الذي كان ينظر من خلف خصاص النافذة، يتأكد من رحيل صفوت وشريكه، متسائلة في لهجة يغلبها القلق: هو إيه الحكاية؟ من مدة عفيف يكون هنا، ويطلب منك أي حد من النجع يسأل عن ناهد أخته تجول كانت عندك وسافرت، ايه في!.. الموضوع شكله كبير يا محروس، ولا إيه!
هز محروس رأسه مؤكدا على حديث زوجته:
صح.. الموضوع باينه كبير، بس اللي لينا عملناه واللي طلبه عفيف النعماني نفذناه، وخلصنا  ذمتنا.
هزت رأسها موافقة:
على جولك.
             ★ ★ ★ ★
خرجا من محطة القطار، وكان باستقبالهما أحد العساكر بالعربة الميري، والذي أمره شريف بالبقاء فى صندوق السيارة مع  حقائبهما، بينما اتخذ هو موضعه أمام عجلة القيادة، وهي  لجواره. 
همس شريف مازحا، محاولا تقليد اللهجة الصعيدية: يا مرحب بكِ ف الصَعيد يا داكتورة، الصَعيد نور.
ابتسمت هاتفة: منور بناسه. 
اتخذا وجهتهما صوب نجع النعماني،  وقد شملهما الصمت، حتى سألت زينب:  هو صحيح اللي أنت قولته عن اللي اسمه عفيف ده! ولا كان مجرد كلام بتهدي به نديم!  
أكد شريف: صحيح يا دكتورة، هو فعلا بيعامل الدكتورة دلال معاملة خاصة، وبجد مهتم بيها أوي، لدرجة إني شكيت إنه.. 
صمته عند هذه النقطة، جعلها توجهه نظراتها إليه، متسائلة: إنه إيه! 
هتف فى جدية غير معتادة: بصي، أنا مش عايز أديكِ أحكام مسبقة تبني عليها رأي، شوفي أنتِ بنفسك وأحكمي. 
ساد الصمت من جديد، حتى وصلا لمشارف النجع، فهتف: استعدي يا دكتورة، إحنا داخلين ع النجع أهو.
شعرت بالاضطراب، وانتفضت على صوت نفير العربة، الذي أطلقه شريف ما أن وصلا لبوابة البيت الحديدية، تطلع مناع للعربة الميري في تعجب، ولم يفتح ضلفتي البوابة، الا عندما أمره عفيف، الذي ظهر على الدرج الخارجي. 
ترجل شريف من العربة، واتجه يفتح الباب لزينب، على مرأى من عفيف، الذي توقف يتطلع نحوهما في تعجب، وزينب تستطلع ما حولها بنظرة سريعة.
هتف عفيف بكل ذوق: حمد الله بالسلامة يا شريف بيه، ويا مرحب بضيوفك، شرفتونا.
هتف شريف كعادته مازحا:  دي مش ضيفتي يا عفيف بيه، دي ضيفة سعادتك. 
تطلع إليه عفيف في تعجب، لكنه هتف في لهجة مرحبة: على عينا وراسنا أي غريب يدخل النعمانية، بيت النعماني يبجى بيته يا شريف بيه. 
ابتسم شريف هاتفا: أد القول يا عفيف بيه، وأنا كنت وعدتك أجيب اللي يخرج الدكتورة دلال من حالتها، وأديني وفيت بالوعد.
تطلع إليه عفيف في اهتمام بالغ، منتظرا أن يكمل شريف حديثه، و الذي استطرد هاتفا:  الدكتورة زينب تبقى صاحبة الدكتورة دلال. 
هتفت زينب، بعد صمتها الطويل، في صرامة: أنا مش بس صاحبتها، أنا أختها يا عفيف بيه.
تنحنح عفيف، هاتفا في هدوء:  الداكتورة دلال، وكل اللي يخصها على روسنا من فوج،  شرفتينا يا داكتورة زينب. 
هتفت زينب، بنفس اللهجة الحازمة: متشكرة، بس فين دلال! أنا عايزة أشوفها. 
هز عفيف رأسه هاتفا:  معلوم  يا داكتورة، اتفضلي. 
واشار بكفه صوب الحديقة الخلفية، فاتجهت إليها زينب مندفعة، باحثة عن صديقة عمرها، بينما ظل عفيف يقف متطلعا إلى شريف، الذي أمر العسكري بوضع حقائب زينب جانبا. 
هتف عفيف، في غيرة يشوبها بعض من فضول: أنت تعرف صحاب الداكتورة دلال من فين، يا حضرة الظابط!
هتف شريف مبتسما: ما ده الجميل اللي عملته فيا الدكتورة، وبحاول أرده يا عفيف بيه.
هتف عفيف متعجبا: كيف يعني!
هتف شريف: الدكتورة زينب هي اللي عالجت أمي فمرضها، بسبب توصية من الدكتورة دلال.
هتف عفيف: تمام. 
وصلت زينب لموضع جلوس دلال، لتجدها تجلس ساهمة متطلعة للأفق في تيه، اقتربت منها في سعادة، هاتفة باسمها:  دلال، دلال. 
ظلت دلال على شرودها، ما صدم زينب، التي كانت تتوقع أنها ستقفز فرحا ما أن تراها، دمعت عيناها، وهي تتطلع إلى صديقتها في غضب وقهر، واندفعت باتجاه موضع شريف وعفيف، هاتفة بغضب في وجه الأخير: أنت عملت فيها إيه! دلال اتبدلت، مش هى دي دلال اللي سبتها تروح معاك، ويا ريتني ما سبتها.
تقبل عفيف انفعالها في صمت مطبق، بينما هتف شريف مهدئا: إهدي يا دكتورة، إحنا جبناكِ هنا عشان تتحسن حالتها فوجودك، وبإذن الله ده يحصل. 
تطلعت زينب في غيظ لعفيف، واندفعت عائدة لموضع دلال، بينما هتف شريف معتذرا بالنيابة عن زينب: معلش يا عفيف بيه، هي زعلانة على صاحبتها، حضرتك أكيد مقدر الموقف. 
هز عفيف رأسه في تفهم، وأخيرا هتف بصوت متحشرج، وهو يندفع خارج البوابة، مغادرا البيت الكبير: البيت بيتك يا سيادة النقيب, معلش عندي مشاغل، ولازما أمشي دلوجت. 
هز شريف رأسه متفهما بدوره، وهو يتجه إلى عربته الميري: طبعا يا عفيف بيه اتفضل، وأنا كمان هروح أشوف مشاغلي، سلام عليكم. 
رحل شريف، وتبعه عفيف للخارج، لكنه توقف قبل أن يتجاوز البوابة، متطلعا حيث تقبع مصدر سهاده ووجيعته، ألقي لموضعها نظرة تشي بالكثير، ثم رحل في عجالة. 



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة