
١٦- عفويته
ثلاث ليال مرت، منذ قدمت للنعمانية، ولا جديد في حالة دلال، تنهدت زينب وهي تتطلع إليها في حزن لما آلت إليه الأمور، وسدت على ظهرها في محبة، هامسة لها: دلال، أنا زينب يا دلال، أنا هنا.
تحشرج صوتها، واختنق بالعبرات، ممسكة كف صديقتها البارد، وضمته بين كفيها، خامسة: دلال، أنا عارفة إنك سمعاني، وعايزة أقولك حاجة مهمة.
ساد الصمت قليلا، وزينب تتطلع حولها في رهبة، قبل أن تقترب من دلال هامسة، كما اعتادت الأيام الماضية: نديم وناهد عندي.
انتظرت زينب أي انفعال، لعل رد فعلها اليوم يخالف سابقيه، لكن لا مردود بذكر.
ظهر شريف، قادم نحوهما، ألقى النحية، ثم هتف معتذرا في حرج: أنا آسف والله، مش عارف راحت عن بالي إزاي دي!
أخرج من جيبه، سلاسل للمفاتيح، قدمه لزينب مؤكدا: ده كان نديم اداهولي، قالي يمكن دلال لما تشوفه، تعرف فعلا إني بخير.
هتفت زينب في حنق: طب ودي بذمتك حاجة تتنسي يا حضرة الظابط!
أكد في اضطراب: عندك حق، بس الأحداث كلها ورا بعض، وهو ادهالي وإحنا نازلين، وفضلت ناسيها فجيبي، معلش، استئذنكم بقى، أروح اشوف شغلي.
شعرت زينب أنها أثقلت في لومها، وظلت تتبعه حتى غاب، لتقترب من جديد، صوب موضع دلال، مؤكدة: والله العظيم يا دلال، نديم وناهد موجودين عندي فبيتي، وبصي، هو اللي أدانا سلسلة المفاتيح دي.
رفعت سلسال المفانيح أمام ناظري دلال، مستطردة: قال يمكن لما دلال تشوفها ت..
توقفت زينب عند الحكي، عندما رفعت دلال كفها نحو سلسال المفانيح، هامسة بصوت متحشرج: نديم.
هتفت زينب في فرحة: ايوه، بتاعت نديم والله، أقسم بالله هو كويس، وعندي فالبيت.
همست دلال بصوتها المتحشرج في أحرف متقطعة: إحفي إنه بخير.
جثت زينب بالقرب من ركبتي دلال، هاتفة في حماسة: ورحمة أبويا اللي أنتِ عارفة غلاوته، نديم بخير، وجالي إمبارح بعد ما أتنقل فكذا مكان هو وناهد، وسبتهم بايتين مع ماما، وهديله الشقة المقفولة فبيتنا، يقعدوا فيها لحد ما ربنا يسهل.
تطلعت إليها دلال بنظرات جوفاء، هامسة من جديد: يعني هو بخير!
هتفت زينب مؤكدة: أقسم بالله بخير، وزي الفل.
ساد الصمت للحظات، قطعها انفجاردلال باكية، بكاء دامِ، وكأنما كان هناك سدا منيعا يقف أمام عبراتها، والآن فقط انهار، وانهارت معه لامبالاتها.
ضمتها زينب في تعاطف ممزوج بفرحة، فها قد عادت دلال، كانت تعلم ان معرفتها بأي أخبار عن نديم من شأنها إعادتها لدلال التي تعرفها والتي تفعل المستحيل من أجل أخيها.
رفعت دلال رأسها من بين أحضان زينب، متسائلة من جديد في لوعة: بجد أنتِ شفتيه يا زينب! صحته كويسة يعني! أصله وحشني أوي.
دمعت عينا زينب، وهتفت تحاول السيطرة على عبراتها، متصنعة المزاح هاتفة: والله زي القرد، وكان عايز يجي معانا كمان.
انتفضت دلال موضعها، هاتفة فى ذعر: لا، يجي فين! هو أنا جيت هنا عشان أبقى أنا الطعم اللي يصطاده بيه فعلا! أوعي تطاوعيه يا زينب عشان خاطري.
هتف زينب تطمئنها: وهو أنا عبيطة أخليه يبوظ الدنيا، متقلقيش، هطمنك عليه، وأخليه يبعت لك جواب المرة الجاية مع حضرة الظابط.
هتفت دلال متسائلة: هو سيادة النقيب عرف الموضوع!
هزت زينب رأسها إيجابا، وقصت عليها ما حدث، ما دفعهم لإخباره الحقيقة كاملة.
هتفت دلال في هدوء: حضرة الظابط راجل محترم و..
قاطعتها زينب: ومجنون، و عنده كام ربع ضارب فنفوخه.
انفجرت دلال ضاحكة على صديقتها وتعليقاتها على شريف، و ما ان همت بالدفاع عنه، حتى هتف صوت عميق النبرات من خلفهما، مطلا عليهما بقامته السامقة مستحسنا: ما شاء الله، سرك باتع يا داكتورة زينب، كنتِ فين من زمن!
وتطلع إلى دلال في شوق، محاولا غض بصره هاتفا بنبرة تحمل أهازيج الفرحة: حمدا لله ع السلامة يا داكتورة.
هزت دلال رأسها، فما كان لها القدرة على التطلع إليه، أو الحديث في حضرته.
هتفت زينب لعفيف في حزم: طب يا عفيف بيه إحنا متشكرين لك حسن الضيافة، بس أنا بقول أرجع وأخد دلال معايا.
انتفض عفيف داخليا لمجرد ذكر رحيلها بعيدا، لكنه ظل على ثباته الظاهري، ولم يعقب بحرف واحد، متطلعا إلى دلال منتظرا منها الموافقة أو الرفض، فهمست دلال أخيرا، بعد فترة من الصمت هلكته: لا، مش هرجع يا زينب، أنا هقعد هنا.
لا يعرف ما دهاه لحظة ان نطقت بكلماتها تلك، فكأنما نطقت ببراءته من حكم جائر بالفراق، ابتسم رغما عنه واستأذن في عجالة، مندفعا يبتعد كى لا يلحظ احدهم سعادته الطاغية تلك، أما زينب فهتفت فى دلال بحنق: تاني، هتقعدي هنا يا دلال، مش كفاية اللي حصل لك! وأدينا اطمنا على نديم.
هتفت دلال، مفسرة سبب رغبتها في البقاء: مينفعش يا زينب، ده عشان أنا اطمنت على نديم مينفعش أرجع، لأن لو رجعت عفيف هايبعت حد يبقى ورايا على طول، وده هيخلي احتمالية اكتشاف عفيف لمكان نديم و ناهد كبيرة، خليني هنا، وخليه فاكر إن نديم هيرجع على هنا أول ما يعرف بوجودي، وإني لسه الطعم اللي هيصطاد بيه نديم وأخته.
واستطردت هاتفة: بمناسبة أخته! شفتيها طبعا يا زينب، إيه رأيك فيها!
قهقهت زينب هاتفة: إيه يا دولي، إحنا هنبدأ شغل الحموات ولا إيه!
ابتسمت دلال ولم تعقب، لتستطرد زينب مؤكدة: اطمنى يا ستي، نديم وقع واقف، البنت زي القمر.
هتفت دلال: أنا مش بسأل على جمالها يا زينب، أنا..
قاطعتها زينب مؤكدة: أطمني، شكلها بنت حلال وطيبة والله، دي قضت القاعدة كلها عياط، لما عرفت إن عفيف جابك على هنا، شكلها حاسس بالذنب أوي.
همست دلال: غلطتهم كبيرة أوي يا زينب، إزاي نديم يعمل كده! وإزاي طاوعها ولا هى طاوعته ف اللي عملوه ده! مية سؤال فدماغي ومفيش إجابة واحدة تريحني.
سمعا جلبة قادمة من ناحية بوابة البيت الكبير، كان مناع قد دخل البيت، ساحبا بهيمة عفية، وقد أمره عفيف، هاتفا فى سعادة: أدبح يا مناع وفرج ع الغلابة كلهم، ومدخلش من الدبيحة حاچة للبيت، كله لله.
سحب مناع البهيمة حتى أطراف البيت، بينما اتجه عفيف صوب دلال وزينب، هاتفا في سعادة: دي حلاوة جيامك بالسلامة يا داكتورة.
همست دلال ممتنة: متشكرة يا عفيف بيه، ولولا إنها لله، كنت قلت لك ملوش لزوم، بس أهو ربنا خلانا سبب لفرحة الغلابة.
ابتسم عفيف هاتفا: ربنا يچعلك دايما سبب للفرحة يا داكتورة.
شعر بالحرج مع كلماته العفوية تلك، والتي خرجت بتلقائية شديدة أربكته هو شخصيا، ما دفعه ليتنحنح مستأذنا: عن إذنكم لما أشوف زحمة الناس اللي ع الباب.
صاحبته نظرات دلال وهو يستدير راحلا، وكذا نظرات زينب التي تطلعت إليه في تعجب، وتحولت نظراتها إلى صديقتها، ليزداد تعجبها أضعافا، وقد شعرت أن شيئا ما يدور ها هنا، شيء رغم أنه مستتر عن الأعين، لكنه أكثر وضوحا من شمس في كبد سماء صيفية.
★ ★ ★ ★
انتفض متطلعا حوله، باحثا عنها على ضوء ذاك المصباح الخافت، فوجدها تنام متكومة على نفسها على ذاك المقعد الضيق.
شعر بالذنب لوضعها ذاك، فنهض في هدوء مقتربا منها، وانحنى هامسا باسمها، فاستيقظت مذعورة منتفضة من موضعها، وكادت أن تسقط أرضا لنهوضها المفاجيء، لحق بها يحاول مساعدتها على التوازن، فتطلعت نحوه للحظة، كانت كفيلة لجعل قلبه ينتفض بصدره، كانت نظرة تحمل عتابا صامتا مزق فؤاده كخرقة بالية.
توجهت مبتعدة عنه لطرف الفراش البعيد، ليهمس هو بصوت متحشرج: خدي راحتك ونامي، أنا آسآ، نمت ومسبتش السرير ليكِ، عن إذنك.
اندفع خارجا من الغرفة، تطلعت هي نحو موضع رحيله في تيه، وأخيرا تمددت على الفراش، ليأخذها النعاس في لحظات إلى دنياه، بعد ليلة قضتها مؤرقة.
★ ★ ★ ★
خرجتا من الباب الخلفي للبيت الكبير، منحدرتان التلة المقام عليها في اتجاه قلب النعمانية، هتفت دلال في حماس: هفرجك ع النعمانية كلها بقى، أنا حفظتها من كتر ما رحت وجيت فيها بالكارتة.
هتفت زينب في تخابث: واضح إنك حبيتي النعمانية أوي، كنت فاكرة إنك كرهاها ومش مستحملة تفضلي هنا!
ابتسمت دلال هاتفة: أنا مش كارهة المكان يا زينب، أنا كارهة عادات بتشوه جماله، وأفكار للأسف بتدمر بنات ملهاش ذنب غير فقر أهاليهم، وهم اللي بيدفعوا تمنها من عمرهم، وبراءة مكنتش إلا مثل على مليون براءة بتغتالها تقاليد عمية ملهاش قلب، وأهل طاحنهم العوز.
تنهدت زينب هامسة: صدقتي.
ساد الصمت، ثم هتفت دلال تخرج من جو الحديث المشحون بالشجن، ممسكة بكف زينب مؤكدة: تعالي بس أفرجك على مناظر عمرك ما هتنسيها.
سارتا معا بين الحقول واتجهتا للمعدية، حاولت دلال أن تقنع زينب بتجربتها، إلا أن زينب أبت خوفا، فعادتا مرة أخرى للطريق الترابي. صوت مكابح عربة أثار انتباههما، ترجل شريف من عربته الميري، متوجها في حماس باتجاهما هاتفا: إيه النور ده! وأنا أقول النعمانية الفولت زايد فيها اليومين دول ليه!
قهقهت دلال، بينما أمسكت زينب ضحكاتها كالعادة، ليهتف شريف فى نبرة تشتعل هياما: إزيك يا دكتورة زينب! يا رب تكوني مرتاحة هنا!
اومأت برأسها إيجابا، هامسة: الحمد لله.
تنبه جمعهم لصوت كارتة عفيف القادمة من البعد، والتي توقفت خلال لحظات بالقرب من موضع وقوفهما، هتف ملقيا السلام، دون أن يترجل، رد الجميع التحية ليتساءل عفيف: خير يا داكتورة! إيه اللي موجفكم كده!
أكدت دلال: خرجنا نتمشى أنا وزينب شوية، وأفرجها ع النعمانية، بس الصراحة تعبت.
هتف شريف متحينا الفرصة، حتى يكون برفقة زينب: تعالوا أوصلكم.
امتعض عفيف، وكاد أن يلق تعليقا لاذعا كعادته، إلا أن دلال كانت الأسبق، لتهتف مؤكدة: أنا هروح مع عفيف بيه، وأنتِ يا زينب خلي حضرة الظابط يفرجك ع النعمانية، أنتِ ملحقتيش تتفرجي عليها.
همت زينب بالرفض، وهى تتطلع إلي دلال بنظرة عاتبة، تخالف نظرة الفرحة التى اعترت شريف، وهو يجزل الدعاء لدلال، على إتاحتها هذه الفرصة.
اندفعت دلال في اتجاه الكارتة، ليمد عفيف يده لا إراديا تجاهها، لتقبلها هى بشكل غريزي، تلاقت الأكف بعد طول اشتياق، استقرت جواره بالكارتة ليشعر أن جزء غال من روحه، قد عاد لموضعه الأصلي.
لوحت لزينب والكارتة تندفع راحلة، ليهتف شريف في نشوة: اتفضلي يا دكتورة زينب، ده أنا حصل لي الانشراح النهاردة.
صعدت العربة، وهى تقسم أن تقتص من دلال على فعلتها، بينما سمعت همس ذاك المخبول جوارها: والله نيتك صافية يا شرشر وأمك داعية لك.
أمسكت ضحكاتها، وهتفت فى تعجب: إيه يا حضرة الظابط! هو إحنا هنقضيها هنا ولا إيه!
هتف متعجبا بدوره: ها، أنتِ قصدك إيه!
هتفت زينب ساخرة: حضرتك متحركتش بالعربية، إحنا محلك سر على فكرة.
تنبه شريف أنه أدار محرك العربة، لكنه لم يبرح موضعه بالفعل، فقهقه هاتفا بلهجة نسائية متقنة: استري عليا بقى، أصل الفكر مبهدلني.
قهقهت زينب هاتفة: لا خير، اتفضل بقى ربنا ، جعل لك فكل خطوة سلامة.
همس ممتعضا: سلامة مين! قولي ربنا يجعلي فكل خطوة زينب.
ابتلعت ابتسامتها، مُشيحة بوجهها في اتجاه نافذة السيارة، وهو ينطلق بها أخيرا.
★ ★ ★ ★
نهضت من موضعها في اتجاه الباب، ليتناهى صوته لمسامعها وهو يدلف للشقة من الخارج، هاتفا لماجدة أم زينب: جبت لك شوية فطار يا طنط إنما إيه! هتكلي صوابعك وراه.
هتفت ماجدة: يا بني ليه تكلف نفسك! م الأكل موجود أهو.
ظهرت على أعتاب الردهة، لتطالعها ماجدة هاتفة في سعادة: أهلًا بعروستنا، ياللاه تعالي، جوزك جاب فطار سخن.
اتجهت ماجدة للمطبخ، لتجلس للمائدة، ليضع هو أصناف الطعام أمامها، متسائلا: يا رب تكوني نمتي كويس!
هزت رأسها مؤكدة دون أن تنطق بحرف واحد، هم بالحديث من جديد، إلا أن ماجدة ظهرت على أعتاب الردهة قادمة إليهما.
كانت عيناه تحاول أن تتجاهل حضورها الطاغ، لكنها لم تستطع إلا التطلع إليها خلسة ما بين لحظة وأخرى، أما هى فقد كانت تحاول أن توطد نفسها على تجاهل حضوره الذي يربك مشاعرها، ويغمر روحها بوهج من بهجة، ما استشعرتها يوما، كانت تجاهد حتى تتغلب على ذاك الشعور المتنامي تجاهه، والذي يتغلب على أي محاولة من قبلها، لتعود ناهد القديمة، التي ما كانت تقيم لأمور القلب وزنا، ولا تعترف بالعشق مذهبا.
هتفت ماجدة، تجذب كلاهما من براثن خواطرهما الدامية: أنا هتفق لكم مع حد يجي ينضف الشقة اللي جنبنا دي، عشان تقعدوا فيها براحتكم.
هتفت ناهد في حماسة: مفيش داعي يا طنط، أنا هقوم انضفها، أهو أتسلى بدل جعدتي دي.
هتفت ماجدة في اعتراض: تنضفيها ده إيه! ده أنتِ عروسة جديدة، والشقة عايزة شغل جامد، دي مقفولة من فترة طويلة، هتتعبي يا حبيبتي.
ابتسمت ناهد مؤكدة: مفيش تعب ولا حاچة.
ازعنت ماجدة لمطلب ناهد هاتفة: طيب يا حبيبتي اللي يريحك، هقوم أجيب لك المفتاح.
أختفت ماجدة، فهمس نديم في حنو: طب كلي كويس، أنتِ مكلتيش حاجة.
أكدت وهي تنظر لطبقها، الذي كان تقريبا على حاله، هامسة بدورها: كلت الحمد لله.
ظهرت ماجدة بالمفتاح، لتتناوله ناهد، التي نهضت مستأذنة في اتجاه الشقة المقابلة، ليهتف نديم بدوره خلفها: استني أنا جاي معاكِ.
لم تشأ أن تجادله أمام ماجدة ففضلت الصمت، تناول منها المفتاح وسبقها لفتح باب الشقة، والذي أخذ يعالج به الباب لفترة، حتي انفرج أخيرا.
تمتم نديم بالبسملة في وجل، وأستطاع أن يجد وصلات الكهرباء، وينيرالردهة، قبل أن يتوجه للنوافذ ليفتحها بعد محاولات عدة، كانت الشقة تحتاج إلى مجهود جبار بالفعل، حتى تصبح موضع صالح للمعيشة.
هتف متسائلا: ها، هنبدأ منين!
تطلعت إليه للحظة، ثم هتفت في تعجب: هنيدأ! هو أنت هتشتغل معايا!
هتف بدوره متعجبا: آه، ليه! عندك مانع!
أكدت في اصرار: طبعا عندي، أنا عايزة اشتغل لوحدي.
أشار للشقة: لوحدك إزاي! الشقة كبيرة، وفعلا محتاجة مجهود فوق العادي، أنا هساعد عشان ننجز، ونعرف نبات ف الشقة، بدل الأوضة فالشقة الثانية.
اعترفت أنه على حق، فلم تجادل، وعادت من جديد لشقة ماجدة، لتبدل ملابسها بملابس تصلح للتنظيف، و جمعت شعرها تحت غطاء محكم للشعر، وعادت لتجده قد خلع قميصه ووضعه جانبا، وثنى أطراف بنطاله حتى ما دون ركبتيه، ممسكا بعصا المكنسة متكئا عليها هاتفا: استعنا ع الشقا بالله، نبدأ منين يا حلاوتهم!
تطلعت إليه، هاتفة في زمجرة: حلاوتهم!
هتف مازحا: والله ده أنا مجاملك، بشكلك ده أخرك ست أبوها.
زمجرت من جديد، ليهتف مشاكسا: يا منجي، أهو العرق الصعيدي هيطلع، وهدفن هنا، لا من شاف، ولا من دري.
علا صوت قهقهاتها، لتجذبه كما الفراشة للضي، ليتعلق ناظره بها في وله، اخفضت ناظريها حياء، وهتفت في محاولة لقطع استرسال تلك النظرات، التي تذهب باستقرار نفسها: هنبدأ ننضف أوضة، أوضة.
هز رأسه متفهما، وسار خلفها للحجرة الأولى، ليتوجه لفتح النافذة، بينما عادت هي لحمل دلو المياه باتجاه الغرفة، ليعود هو أدراجه باحثا عنها فكاد أن يصطدم بها، تناول منها الدلو معاتبا: متشيليش حاجة تقيلة تاني، ناديني وأنا اشيلها.
كانت ماجدة تقف على باب الشقة الذي تركاه مشرعا، حاملة صينية عليها أكواب من الشاي، لتهتف في سعادة: أنتِ حامل يا ناهد! ألف مبروك يا ولاد، يتربى فعزكم يا رب.
بهت كل من ناهد ونديم، ولم يجرؤ أحدهما على التفوه بحرف لتكذيب الخبر، لتستطرد في سعادة: طب بلاش بقى تنضيف، ده مش هايبقى حلو على صحتك، ولا ع البيبي.
هتف نديم مازحا: لا متقلقيش يا طنط، ما أنا هساعدها أهو.
هتفت ماجدة مازحة: وأنا اللي قلت نديم جدع ورايح يساعد مراته، أتاريك عارف اللي فيها، وخايف على ولي العهد، يا ستار عليكم يا رجالة، محدش فيكم يعمل حاجة لله أبدا!
قهقه نديم، و قد أعجبته المزحة، فاستمر بها هاتفا في مشاكسة: لا عملنا لله يا طنط، اتجوزناكم.
قهقهت ماجدة هاتفة: شايفة يا ناهد جوزك!
أطرقت ناهد برأسها خجلا، ولم تستطع التفوه بحرف، فقد كانت تحاول أن تحيد بناظريها عن محياه، تكاد أن تصرخ غيظا، لأن كل من عقلها وقلبها وعينيها قد تأمروا جميعا ضدها، لا يشغلهم إلا سؤال واحد، كيف سيكون شكل أطفالها، إذا كان هو أبوهم بالفعل!
ارتجفت داخليا للخاطر اللذيذ، وأضحى ذاك هاجسها طول فترة ما بعد الظهيرة، وهما يعملان جنبا إلى جنب فى حماسة.
★ ★ ★ ★
تمايلت العربة، تمشي الهوينى على ذاك الطريق الترابي، المؤدي لتلة البيت الكبير. كانت دلال شاردة في الأفق البعيد، وهو شاردا فيها، كان كل منهما مشغول بِما يأسره، كان السلام والسكينة يعما الأجواء، ويسربلا الطريق كأنما هو الطريق للجنة، ذاك الأخضر الذي ينتشر على جانبي الدرب، والذي مال لونه للبرتقالي، مصبوغاً بأشعة الشمس المائلة للغروب، وصوت ذاك الناي الذي كان يأتيهما من البعد، يطفي على العالم من حولهما سحر معتق.
توقفت العربة فجأة، وانتظرها أن تسأل عن السبب، لكنها كانت مأخوذة تماما بذاك الجو الخرافي، تناهى لمسامعهما صوت أحد الفلاحين، ينشد بصوت عذب مصاحبا لذاك الناي:
يا بايعين الصبر، الصبر فين ألاجيه!
حبيبي غاب ما عاود، دلوني فين أراضيه!
لو يطلب العين ما تغلا، جلولي كيف أراضيه!
دِه كل جلب لجي خله، وأنا خلي الروح فيه..
عاشج يا بوي، وما لاجي للعشج مداوي..
وأنا يا خال، ما كنت غاوي عشج و لا ناوي..
وكان مالي أنا يا ناس، ما كنت ع
البر معداوي.
أخذ المنشد في الاسترسال في مواله الشجي، حتى تنبهت هى أخيرا لتوقف العربة، فتطلعت إلى عفيف في تعجب، ثم ابتسمت في تفهم، عندما أدركت أنه أوقفها لاستشعاره رغبتها في الاستمتاع بذاك الشدو المتهادي من ذاك الغيط القريب، تحرك عفيف بالعربة لتتهادى مرة أخرى على الطريق، حتى وصلا للبيت الكبير.
ترجلت مسرعة قبل أن يترجل هو، ويمد لها كفا لا قبل لها على رفض عطيتها، واندفعت مبتعدة عن محياه، شاكرة إياه في عجالة.
وصلت لغرفتها لتدلف إليها، فوجدت زينب متمددة على الفراش في انتظارها، وما أن طالعتها حتى هتفت في حنق: كنتِ فين بقى! ها! وبعدين ده مقلب تعمليه فيا برضو يا دولي!
قهقهت دلال هاتفة: مقلب إيه! والله الراجل كان هيجراله حاجة لو مكنش وصلك، قلت أعمل فيه جميل.
هتفت زينب حانقة: تعملي جمايل على حسابي، وبعدين كان هيجراله إيه يعني! ده منخوليا ع الآخر!
علت ضحكات دلال: متنكريش إن دمه خفيف، أنا راقبتك وشوفتك كذا مرة وأنتِ بتكتمي ضحكك على كلامه، و بعدين والله شريف غرضه شريف.
هتفت زينب مصدومة: غرضه شريف إزاي!
أكدت دلال متخابثة: سألني عنك، إذا مرتبطة أو حد متكلم عليكِ.
هتفت زينب في شجن: ها وأنتِ قولتيله إيه! أوعي يا دلال تكوني قولتيله حاجة!
هتفت دلال في شجن مماثل: هقوله إيه بس يا زينب! دي حاجة تخصك، وأنتِ بس اللي ليكِ الحق تقوليله ولا لأ.
ساد الصمت بينهما للحظات، وأخيرا هتفت دلال تشاكسها: وبعدين هو أنتِ هتتجوزي المجنون ده برضو!
هتفت زينب متنهدة بحسرة: أيوه صح، مجنون ودمه خفيف، وابن حلال، وبيحب أمه أوي وأمي كمان حبته أوي، بس ياللاه.
عاجلتها دلال، هاتفة في مرح: ياه ده إحنا عرفنا عنه كل حاجة أهو، ع العموم أنا قلت له إنك مش مرتبطة، ولا حد أتكلم عليكِ، وإنك قربتي تعنسي، وهيكسب فيك ثواب لو لحقك قبل ما تروح عليكِ.
انتفضت زينب في غيظ، تضرب دلال بالوسادة، لترتفع قهقهاتها، التي خرست فجأة، ما أن تناهى لمسامعها صوت موسيقى قادم من غرفة المكتب المجاورة.
هتفت زينب هامسة: عفيف بيه!
اكدت دلال بايماءة من رأسها، لتستطرد زينب متعجبة: الراجل ده عجيب أوي، أول مرة أشوف التركيبة دي، راجل متعرفيش إن كان قاسي ولا حنين، دماغه متحجرة ولا متحضر، عادل ولا ظالم! تركيبة تحير.
همست دلال في شرود: هو ده عفيف، تناقضات عجيبة معجونة فراجل، والغريب إن كل تناقض له اللي يبرره، والأغرب إنك تشوفي ده وتصدقيه.
أكملت زينب في وله: وتحبيه!
انتفضت دلال كالمصعوقة، هاتفة في صدمة: أحب مين! أنتِ بتقولي إيه يا زينب! إحنا أعداء، بينا مصيبة ممكن تنتهي على مصيبة أكبر، أنا وهو طرفين نقيض، مش ممكن حاجة تجمعنا، وأنا كل اللي بدعيه دلوقتي، إن الموضوع بتاع نديم ده يعدي على خير، إزاي! معرفش، ربنا هو اللي يدبرها من عنده، لكن حب! لاهو بتاع الكلام ده، ولا اللي بينا يسمح بده يا زينب.
ثم استطردت في لهجة مرحة: خلينا فحضرة الضابط شريف اللطيف أبو دم خفيف.
قهقهت زينب، لتعاجلها دلال هاتفة: ياللاه بينا بقى على تحت نساعد الخالة وسيلة فتحضير العشا.
خرجتا من الغرفة في اتجاه الأسفل، يصحبها على طول الردهة موسيقاه الشجية.