
١٧- قطر الندى
اصبحت الشقة بالفعل على حال آخر مغاير، تنهد كل منهما وهو يلقي بجسده المنهك على أحد المقاعد غير قادر على التفوه بكلمة.
تطلع نديم لناهد المنهكة، فهتف يستحثها: قومي بقى خدي دش محترم عشان ترتاحي، أنتِ تعبتي أوي النهاردة.
ابتسمت في وهن هامسة: لاه، أدخل أنت الأول، عشان أنا لسه هدعك الحمام.
هتف معاتبا: حمام إيه! كفاياكِ النهاردة، الدنيا مش هطير.
وبلا وعي منه نهض وامسك بكفها جاذبا إياها لتنهض، تطلعت لكفه التي تحتضن كفها في أريحية، ومن ثم تطلعت نحوه، تنبه هو لفعلته فترك كفها في بطء، ساحبا كفه مبتعدا، وتساءل، لما أصبح يتباسط معها بهذا الشكل! لم أضحى يعاملها وكأنها بالفعل زوجته!
ساد جو مشحون، إلا إنه كان المبادر لتحويل مسار خواطرهما، هاتفا وهو يشير إلى إحدى الغرف: أنا هاخد الأوضة دي.
هتفت تشاكسه: اشمعنى بقى! لا أنا اللي هاخدها، أنا بحب أوضتي يبقى فيها بلكونة، زي أوضتي فالنعمان...
لم تكمل جملتها، لكنه وعاها ولم يعقب، كانت تحن إلى أي شيء من شأنه تذكيرها بما خلفته وراءها ورحلت، إنه الحنين الذي يجرفنا في نوبات مده وجزره، لنصبح اشبه بقطعة خشب تطفو علي أمواجه، تتلاعب بها كيفما ووقتما شاءت.
تنحنح ونهض في عجالة، هاتفا: أنا داخل أخد دش، ومش هتأخر عليكِ.
تطلعت حولها للشقة، احتضنت الحوائط بناظريها، ودمعت عيناها رغما عنها وهى تتذكر النعمانية وكل من فيها، والآن تشتاق لروائح العصاري القادمة من الغيطان البعيدة، ورائحة الجبل الشامخ قبالة بيت جدها النعماني، تشتاق رائحة مخبوزات الخالة وسيلة، وأحضانها الدافئة، وبوح بين ذراعيها، يزيح عنها ثقل ماعادت قادرة على حمله.
تطلع نديم إليها، هاتفا محاولا إخراجها من شرودها الشجي: أنا خلصت، تقدري تتفضلي.
انتفضت متطلعة إليه ساهمة لثوان، وأخيرا هزت رأسها إيجابا هاتفة: أه، هدخل حالا أهو.
اندفعت صوب الحمام، يتبعها بنظراته، مكتشفا أنها كانت تبكي في صمت، ما أثار داخله نوبة من وجع، جعلته يتنهد بدوره في قلة حيلة.
غفى من شدة الإرهاق، أثناء انتظارها لتناول الغذاء، لكنه انتفض متطلعا حوله في ذعر، أثر صرخة قوية، وأنين صادر من جهة الحمام، استعاد كامل وعيه، هاتفا باسمها وهو يندفع مهرولا في اضطراب، كاد أن يدفع الباب، إلا أنه توقف باللحظة الأخيرة، يطرق الباب مناديا باسمها، لم يجبه إلا الأنين، الذي انقطع، ما جعله يدفع الباب، ليجدها ممددة فاقدة الوعي على الأرض المبتلة، التي خاضها بحذر، منحنيا حاملا إياها، حتى أقرب غرفة، مددها علي الفراش وما أن أبعد كفه، حتى اكتشف أن بها أثر لدماء، شعر بالذعر، وهتف باسمها من جديد، لكنها لم تجب .. اندفع لحقيبة ملابسه بالحجرة الآخرى، وتناول منها قنينة العطر خاصته، واضعا بعضا على كفه، مقربا إياه من أنفها في محاولة لإفاقتها، استعادت وعيها متأوهة، همس لطمأنتها: متقلقيش بسيطة، ثواني وراجع لك.
اندفع طارقا باب شقة ماجدة، هاتفا في لهفة: معلش يا طنط عندك قطن ومطهر، ناهد وقعت فالحمام ومتعورة.
شهقت ماجدة هاتفة: يا خبر، حاضر.
تناول من كفها ما طلب، عائدا لشقته وماجدة بأعقابه.
دلف للغرفة متوجها بلهفة لموضعها، وقد أعتقد أنها فقدت وعيها من جديد، همس باسمها في ترقب، وتنهد ما أن ففتحت عينيها في وهن.
رفع رأسها عن الوسادة، باحثا عن موضع الإصابة بكف مرتعش، كانت رأسها بأحضانه عندما لمست أصابعه في حذّر جرحها، فندت منها أهة، جعلته ينتفض موضعه هامسا: معلش، خلاص أهو.
أبعد خصلات شعرها عن الجرح مطهرا إياه في رقة، واضعا ضمادة خفيفة على موضع الإصابة، معيدا رأسها موضعها على الوسادة، غاضا البصر عن ذاك القميص الحريري، الذي ترفل فيه، جاعلا إياها، كتلة مجسدة من الفتنة.
جذب غطاء الفراش في سرعة، ملقيا اياه على جسدها، فى نفس اللحظة التي دلفت فيها ماجدة، متسائلة عن حالها، فتحت ناهد عينيها في إعياء هامسة: أنا بردانة يا نديم، بردانة.
همست ماجدة في أسف: يا حبيبتي يا بنتي، إزاي نسيت اديلكم بطاطين!
همست ناهد من جديد بأحرف مرتعشة: بردانة، يا نديم.
جذبها إلى صدره بلا وعي، ضاما إياها بين ذراعيه، يحاول أن يبث الدفء بأوصالها، هامسا في عشق: أنا هنا يا ناهد، أنا جنبك.
عادت ماجدة حاملة الأغطية الصوفية، لينثر أحدها مدثرا إياها، لتصطدم كفه بقدمها، والتي ظهرت متورمة، ما أن أزاح عنها الغطاء مستطلعا، فنهض متوجها للخارج، هاتفا لماجدة: أنا نازل أجيب دكتور يا طنط، خليكي جنبها، وساعديها تلبس عباية.
وافقته ماجدة، في انتظار عودته.
★ ★ ★ ★
توجهتا الى السيارة التي كانت بانتظار زينب خارج بوابة البيت الكبير، كان عفيف ينتظر قربها يحادث مناع في امر ما، والذي هتف في مودة، ما أن طالع محياهما: شرفتينا يا داكتورة، ومچيتك چات بالخير.
ابتسمت زينب في دبلوماسية: تسلم يا عفيف بيه، دلال دي أختي.
ابتسم عفيف هاتفا: ربنا يديم المعروف، وتشرفي النعمانية فأي وچت.
هتفت دلال معاتبة: كنتِ خليكي يومين تاني يا زينب!
همت زينب بالإجابة، إلا أن ظهور شريف المفاجيء، والذي ترجل من سيارته، هاتفا بلهجة مطمئنة، مندفعا نحو زينب: الحمد لله لحقتك، كنت فاكرك سافرتي.
تنبه انه تجاهل الجميع، فهتف مستدركا: السلام عليكم أولا.
وتوجه بحديثه لعفيف: أنا بستأذنك يا عفيف بيه هسافر بالدكتورة زينب أوصلها بنفسي، معلش، والدتها امنتني عليها، زي ما جت معايا ترجع معايا.
ابتسم عفيف مؤكدا: وماله يا حضرة الظابط، العربية ومناع تحت أمرك، تروح مع الداكتورة وتوصلوها بالسلامة، وترجع مناع.
ابتسم شريف منشرحا، وهو يشير إليها لتصعد العربة، استدارت تحتضن دلال في محبة، هامسة: لو في أي حاجة ابعتيلي مع البوسطجي.
امسكت دلال قهقهاتها، وهمست بدورها: حاضر، وأبقي طمنينى ع الحبايب.
اومأت زينب في تفهم، واندفعت باتجاه العربة، لتجد مناع مندفعا باتجاه مؤخرة السيارة، يضع عدد من الصناديق الكرتونية، فتساءلت زينب في تعجب: إيه ده يا عفيف بيه!
ابتسم عفيف: دي حاچة بسيطة يا داكتورة، هدية للوالدة، بالهنا والشفا.
ابتسمت زينب ممتنة :- هدية مقبولة يا عفيف بيه، كلك ذوق.
ابتعدت السيارة، وظلت دلال موضعها حتى غابت العربة خلف غبار الطريق، ليهمس عفيف مشيرا للبيت الكبير: اتفضلي يا داكتورة.
هزت رأسها في سكينة، ولم تنبس بحرف واحد، كان يدرك غربتها، وتمنى لو كان قادرًا على إذهاب وحشتها.
★ ★ ★ ★
تمايلت وتمايلت في إغواء، ونظرات عينيه التي تضج بالشهوة تتبعها هنا وهناك حتى توقفت عن رقصها أخيرا، ما أن استشعرت بحسها المدرب على أنها قد استطاعت أسر حواسه كلها، حتى اقتربت منه تسقط بدلال بين ذراعيه، ليهتف في صوت نبراته تحمل قدر لا يستهان به من الرغبة: واه يا لواحظ! كنك چنية بترجص ع الدخان.
أطلقت ضحكة ممجوجة، هامسة باغواء: عچبتك يا سي صفوت!
هتف في حماسة: يوه، دِه أنتِ تعچبي الباشا.
همست بالقرب من مسامعه، ترغب في المزيد من التأثير عليه، حتى يكون طوع بنانها في تنفيذ رغبتها: ولسه هعچبك كمان وكمان، لما أجولك كيف تخلص من عفيف، وتبجى أنت سيد النعمانية وكبيرها.
انتفض متطلعا إليها، هاتفا في لهفة: كيف!
مالت عليه تهمس بخطتها، وبدأ هو في الإيماءة برأسه في موافقة، وقد ارتسمت على محياه القبيح ابتسامة صفراء، تحمل خبثا ودناءة غير مسبوقة.
★ ★ ★ ★
مد نديم كفه للطبيب يتناول وصفته الطبية، وعاد حاملا المواء، هلت أم زينب من داخل غرفة ناهد هاتفة: الحمد لله إنها بخير، هروح أسخن لكم الأكل، عشان الدكتور قال لازم تتغذى.
هتف نديم ممتنا: تسلمي يا طنط.
استدركت ماجدة: تصدق مسألتش الدكتور على حمل مراتك! يا رب الوقعة متكنش أثرت عليه.
ابتسم نديم مؤكدا: متقلقيش يا طنط، هو مفيش حمل من اصلا، إحنا لقيناكِ مصدقة قلنا نهزر معاكِ شوية.
هتفت فى راحة: طب الحمد لله، ربنا يديكم يا حبيبي.
ابتسم ولم يعقب، وما أن رحلت، حتى تنحنح في تأدب، ودخل لناهد هاتفا: أخبارك إيه دلوقتي!
همست بصوت واهن: الحمد لله.
رفع ناظريه تجاهها، وقد هزه نبرة الوهن بصوتها، فوجد رأسها معصوب بالشاش، وقدمها تظهر من أسفل غطاء الفراش حولها أحد الأربطة الضاغطة، أقترب حتى أصبح قبالة الفراش، ووضع الدواء بالقرب منها هاتفا: ألف سلامة، الدكتور قال لازم ترتاحي وتتغذي كويس.
دخلت ماجدة حاملة صينية الطعام، ليتقدم نحوها نديم مسرعا متناولا منها الصينية هاتفا: عنك يا طنط.
هتفت ماجدة: ياللاه أقعد كل وأكل مراتك، عشان تاخد دواها، وأنا فشقتي لو احتجتوا حاجة، ياللاه تصبحوا علي خير، وألف سلامة يا ناهد يا بنتي.
هتفت ناهد ممتنة: ربنا يخليكي يا طنط.
عادت ماجدة لشقتها، ليعاود نديم النظر إليها هاتفا: ياللاه بقى عشان تاكلي.
حمل صينية الطعام، ليضعها من الجهة الاخرى للفراش، لتهمس هى بنبرة مرهقة: بجد مليش نفس، أنا حاسة إني دايخة أوي وعايزة أنام.
اكد نديم: لازم تاكلي الأول عشان تخدي الدوا، ياللاه.
هتف بكلمته الأخيرة، وهو يمد لها كفا بقطعة صغيرة من اللحم: خدي كلي بقى لآني هموت م الجوع ولو مكلتيش واالله ما أنا دايقه.
تنبهت أنه اختار القطعة المفضلة لها، هل هى مصادفة! وجاءت الإجابة عندما هتف: ياللاه كلي، ده أنا مديكي الحتة اللي بتحبيها.
تطلعت إليه في تيه، هل اصبح يدرك ما تحب وما تكره!.. ولم! كانت تتهرب من الإجابة، فلا رغبة فالتعلق بوهم كاذب، لا أمل في تحقيقه.
★ ★ ★ ★
مر الوقت لم يقطعه أحدهم، حتى مد شريف كفه محاولا ضبط مرآة العربة التي في اتجاهه حتى يتسنى له رؤيتها من موضعها خلفه، إلا أن مناع هتف مشيرا إلى المرآة: ظبط المراية اللي چارك دي يا شريف بيه.
هتف شريف ممتعضا، وقد بدأ لتوه في التمعن بصورتها، قبل ان يعم الظلام قريبا: ما هى معدولة أهى يا مناع، والطريق هادي وزي الفل، توكل على الله.
استشعر مناع بما لديه من خبرة عاطفية، أن هناك شرارات بين زينب وشريف فهتف مقترحا: بجولك يا بيه! أفتح لكم مزيكا!
هتف شريف مستحسنا: الله عليك يا مناع، سمعنا يا سيدي، بس أوعي تسمعنا الرعد فالآخر.
امسكت زينب ضحكاتها بالخلف، بينما انفجر مناع مقهقها بصوت جهوري، ليهتف شريف مدعيا الفزع: أديك سمعتنا اللي ألعن من الرعد، العربية بتترج، استر يا رب.
قهقه مناع من جديد، ومد كفه يفتح مشغل الأغاني، لتصدح كوكب الشرق مترنمة:
ياما الحب نده على قلبي ما ردش قلبي جواب..
ياما الشوق حاول يحايلني وأقول له روح يا عذاب..
ليهتف شريف مؤكدا كلام الأغنية: والنعمة صح، الست دي بتقول أحلى كلام.
لتستطرد ام كلثوم صادحة:
ياما عيون شاغلوني، لكن ولا شغلوني..
إلا عُيونك إنت، دول بس اللي خدوني وبحُبك أمروني..
تطلع شريف إلى عينيها عن طريق مرآة السيارة، وتنهد في شوق مسندا عضده على حافة نافذة السيارة، ليتيقن مناع أن شريف غارقا في حب تلك الطبيبة التي تجلس بالخلف، تحاول أن تتظاهر بالامبالاة، فمد كفه ليرفع من صوت الغناء قليلا، وكلمات الاغنية تسري عبر أجواء الغروب، التي تصاحبهم على طول الطريق.
★ ★ ★ ★
كان عائدا من أحد اجتماعات فض المنازعات، رأسه تعج بالكثير، يتمنى أن ينال بعض الراحة بعد ذاك اليوم المنهك.
كان يسير الهوينى بعربته، يعب من هواء المغارب النقي، لعله يريح بعض مما يعتريه من ضيق، فقد كانت الفترة الأخيرة خانقة بحق، إلحاح صفوت على عودة ناهد التي لا يعرف لها طريقا، بجانب ما حدث للدكتورة دلال، وعلى ذكرها، جذب لجام الفرس، لتتوقف متطلعا إلى تلك السائرة هناك وحيدة، تحمل حقيبتها وتمشي شاردة، حتى أنها لم تنتبه لصوت العربة المميز على الطريق.
اندفع مترجلا من العربة، وقت ما أن أصبح بمحازاتها: السلام عليكم يا داكتورة.
انتفضت من شرودها، وردت التحية في اقتضاب: وعليكم السلام.
تساءل متعجبا: ليه ماشية لحالك يا داكتورة، مطلبتيش الكارتة ليه!
أكدت وهى تسير بطريقها غيرعابئة بالتطلع إليه: ملهاش لازمة يا عفيف بيه، أنا حبيت أتمشى شوية.
كانت تسرع الخطى، وكأنها تهرب من أمر ما، أو ربما شخص ما! شخص له قدرة على قلب ثباتها رأسا على عقب، فمنذ محادثتها مع زينب، وتعريتها لحقيقة مشاعرها، باتت تتحاشاه.
هتف معاتبا: هاتفضلى تچري كِده وأنا أچري وراكِ يا داكتورة! طب حتى أوجفي كلميني زي الناس.
توقفت فجأة، تستدير متطلعة إليه، هاتفة فى ضيق: خير يا عفيف بيه!
توقف فجأة بدوره، متقهقرا خطوتين للخلف، و تنحنح هاتفا: خير طبعا، بس أنتِ فيه حاچة مزعلاكِ!
هزت رأسها نفيا في عجالة، ليهتف مستطردا: طب أنا بجول يعني تتفضلي ع الكارتة، المسافة للبيت الكبير لساتها بعيدة، وأنتِ أكيد تعبانة وعايزة تستريحي، اتفضلي..
أشار للعربة التي تركاها خلفهما على مسافة لا بأس بها، فتنهدت في استسلام، ليبتسم في نشوة المنتصر، ما أن صعدا العربة.
ساد الصمت العربة، وخواطره ثائرة، كانت بارعة في عقابه بالتباعد، الذي لا تدرك كم كان قاسيا عليه.
بدأت جحافل العتمة فى الانتشار، وبدأت لتوها تشعر أن كل عضلة من عضلات جسدها متشنجة، فلقد أنقذت لتوها، أما وجنينها من موت محقق، بعد مجهود مضنِ، استغرق النهار بطوله، ما أشعرها بالسعادة، تعويضا عن حزنها لفراق زينب. تنهدت فى ارتياح جذب انتباهه، ليتطلع إليها بطرف لحظ حاول أن يغضه عنها، لكن كيف له أن يفعل وكل ما فيه يناديها، منأمرا عليه وذاك الدرب الذى بدأت شمسه فى المغيب، مخلفه ورائها شفق ذهبى مخلوط بالحمرة، أورث الأجواء نوعا من السحر لا يمكن مقاومته.
نساءلت دلال، فتنبه بمجمل حواسه: إيه الصوت ده يا عفيف بيه!
تساءل بدوره في اهتمام: صوت إيه!
ارهفت السمع هامسة: انا سامعة صوت غنا، ده صحيح ولا بيتهيء لي!
ابتسم فى رزانة مجيبا: صحيح يا داكتورة.
أدار العربة قليلا لتسلك طريقا فرعيا ضيقا، اشرف بهما على تلة، من قمتها كان ذاك االسهل المنخفض، رأت فيه بعض من خيام، وشادر منصوب.
نظرت دلال لعفيف فى تعجب هامسة: إيه ده!
رد هامسا بدوره: دى خيام الحلب.
هتفت مفسرة: آه، قصدك الغجر، مش كده!
ابتسم مؤكدا: ايوه يا داكتورة صح، بجيتى خبيرة أها.
ابتسمت في خجل: افتكرت كلام خالة وسيلة عليهم ساعة موضوع خفاجي وبنته.
نزلت من الكارتة مشدوهة، مأخوذة تماما بذاك الغناء الذي بدأ من جديد.
وقفت تتطلع من موضعها، على ذاك الصخب الدائر بالأسفل، وتناهى لمسامعها أهازيج الغجر، ورقص فتياتهم، ومشاعلهم المستعرة بأركان المكان بالأسفل، تضفى عليه جوا أسطوريا خلب لبها.
كان عفيف بالعربة متطلعا إليها فى تيه مسحورا كليا بصورتها، التى تتراقص اللحظة أمام ناظريه على انعكاس اللهب القادم من البعد، قطع تأثره، مترجلا بدوره، سائرا في حذّر، حتى وقف جوارها، محاولا ألا يقطع ذاك السحر الذي شملهما.
تناهى لمسامعهما الكلمات المرددة بالأسفل:
يا حنة، يا حنة، يا حنة، يا قطر الندى..
يا شباك حبيبي يا عيني، چلاب الهوى ..
همست دلال مسحورة: الله، بحب الاغنية دي أوي.
تنحنح محاولا أن يجلي صوته هامسا: أغاني عن حكاوي جديمة، والأغنية دي بالذات، عن حكاية جديمة جوي وكلها وچع.
تنبهت لحديثه، فتطلعت إليه متسائلة في شغف للمعرفة: قديمة من أمتى! وليه كلها وجع!
ابتسم لفضولها: من أيّام الدولة الطولونية.
هتفت متعجبة: ياه، فعلا قديمة أوي، بس واضح انها حكاية مش عادية، عشان تعيش كل ده!
أكد هامسا، وهو يوميء برأسه، متطلعا لمضارب الغجر: أكيد مش عادية، حكاية عن فرحة وحزن متعشجين فبعض زي الآرابيسك.
هتفت فى حيرة: إزاي!
همس يحكي، وأهازيج الغجر عن الحكاية تكمل تلك الخلفية الخلابة: دي حكاية الأميرة قطرالندى بنت خمارويه، وحفيدة أحمد بن طولون.. كانت شابة فغاية الچمال وكان أبوها بيحبها چدا، بس للأسف حبه ممنعهوش إنه يتاچربيها.
هتفت دلال في فضول: إزاي!
أكد عفيف متنهدا: للأسف كان فى مشاكل وصراعات كبيرة بين أبوها حاكم مصر وبين الخليفة العباسي المعتضد، وشاف الاتنين أن أنسب وسيلة عشان ينهوا الخلاف ده هى چواز قطر الندى من ابن الخليفة.
أكدت دلال: طب تمام الخلاف هيخلص أهو، ولا هى بتحب حد تاني!
هتف عفيف: لا أبدا، هى كانت سعيدة بالچوازة دي لأنها فمصلحة أبوها، وفعلا تم تچهيزها بچهاز في قافلة أولها فالعراق وآخرها فمصر، وكان فيها من عچايب الدنيا اللى عمر ما حد شافه.
همست دلال فى فضول: وبعدين!
ابتسم مستطردا: بيجولوا إن أبوها بنى لها قصور على طول الطريج من مصر لبغداد تستريح فيهم، لكن زي ما بيجولوا، تأتى الرياح بما لا تشتهي السفن.
هتف تتعجله فى فضول: ليه! إيه اللى حصل يا ترى!
قهقه لحماستها مستطردا: حصل اللي مكنش ع البال، شافها الخليفة المعتضد، فبهرته بچمالها، فتچوزها هو بدل ابنه.
شهقت دلال فى صدمة هاتفة: يا عيني، ضاعت فرحتها.
أكد عفيف في رزانة، متطلعا لملامح وجهها المليحة، والمتقلبة التعابير، كما وجوه الاطفال عند قَص الحكايا: بالظبط، بس هى ملهاش إنها ترفض للأسف، ده چواز سياسى م الاساس، عشان كِده جلت لك، رغم مظاهر البذخ والفشخرة اللى أتعمل بيها الزفاف، والأربعين ليلة حنة اللي جام فيها الفرح، واللي بيتغنوا بيها لحد دلوجت، إلا إنها مكنتش سعيدة أبدا.
همست دلال فى شجن: أكيد مكنتش سعيدة، ععمرها راح فصفقة سياسة، بدل ما تعيشه مع حد بتحبه.
صمت عفيف ولم يعقب، متطلعا إليها في وله، ركزت هي مع الغناء بالأسفل من جديد، مر القليل، حتى استدارت تصعد الكارتة، تبعها عفيف، عائدا للطريق الرئيسى مرة آخرى، لتدير دلال رأسها متطلعة خلفها لمضارب الغجر، وغناءهم يتناهى لمسامعها، بكلمات أوصلها الريح، والعربة تندفع مبتعدة:
استنى، واستنى، لما تفوت على بستانا ..
وتصبح وتمسى، تطلب مفتاح الچنة..
وأهديك شال الأفراح، مليان ورد وتفاح..
والفرحة الكبيرة نقسمها سوا ..
وأتوه بين حبيبى يا عينى، والليل و الهوى.