
١٨- أسف
ترجلت زينب من السيارة قبالة بيتها، وتبعها شريف هاتفا: حمدالله بالسلامة يا دكتورة.
ابتسمت زينب: الله يسلمك يا سيادة النقيب، هطلع انا بقى لماما.
هتف مناع: هحصلك بالزيارة اللي ف شنطة العربية يا داكتورة.
ابتسمت في مودة: تسلم يا مناع.
همس شريف بقربها: يسلم إيه بس! أنتِ ناسية الناس اللي عندك!
وضعت كفها على فمها، مانعة شهقة قوية، ليهتف شريف أمرا: سبهم يا مناع أنا هطلعهم.
استنكر مناع: ودي تيجي يا شريف بيه! ميصحش برضك.
همس شريف لزينب: اطلعي بسرعة نبهي ع اللي فوق.
اومأت برأسها موافقة شريف، واندفعت للداخل، وشريف يتعقبها بناظريه، وما أن هم بالعودة لمناع، الذي كان على وشك إخراج رأسه من صندوق السيارة، التي كان منحنيا داخلها، حتى شاهد نديم، فأشار إليه بطرف خفي، فتوارى نديم عن أعين مناع، الذي ترك مسؤولية حمل الصناديق الكرتونية لشريف، لاعتقاده أنه يتحجج للبقاء فترة أطول بقرب الدكتورة زينب.
اندفع شريف بالصناديق، حتى أعتاب شقة زينب طارقا بابها، لتطل زينب، وتهتف ماجدة ممتنة: تعبناك يا بني.
أكد شريف مبتسما: العفو يا طنط، وبعدين أنا بنفذ الأوامر، سلم واستلم.
قهقهت ماجدة هاتفة: أد القول يا حبيبي.
هتفت زينب في حنق: إيه سلم واستلم دي، هو أنا طرد!
هتف شريف مشاكسا، وهو يندفع ليهبط الدرج في عجالة: طب اقولكم سلام عليكم بقى، بدل ما أنا اللي أخد طرد، وكمان عشان نديم تحت، وهمشي أنا ومناع عشان يعرف يطلع بقى.
قهقه ماجدة، وهتفت زينب: طب بسرعة احسن مناع يشوفه.
لحظات، وظهر نديم على عتبة الباب، لتهتف زينب موجهة حديثها لنديم: عارفة أنت عايز تسأل على إيه! والله دلال بقت كويسة جدا، وأدي جواب منها عشان تصدقني.
اختطف نديم الخطاب في لهفة، وما أن هم بالخروج تجاه شقته، حتى هتفت ماجدة تستوقفه: استنى يا نديم خد من الزيارة اللي بعتها أخو مراتك، خليها تفرح بحاجة من ريحة بلدها.
أخذها نديم، ممتنا: تسلمي يا طنط، كلك ذوق.
★ ★ ★ ★
تسمرت موضعها فى صدمة، وتوقفت عن هرولتها، وكلل محياها الخجل عندما اكتشفت أن هناك ضيف بالبيت الكبير، يجلس بأريحية في بهو الدار، نهض بجرأة متوجها إليها هاتفا: أهلًا.
مد كفه مصافحا: أنا تامر الضمراني شريك عفيف بيه، حضرتك أخته!
مدت كفها تبادله التحية، لكنها شعرت بالضيق من جراء ضغطه الموح لكفها، فجذبتها في ضيق، وما أن همت بالإجابة، حتى كان عفيف الأسبق، وهو يهتف مهرولا هابطا الدرج وبكفه بعض الاوراق، مؤكدا: الداكتورة دلال المصري، موچودة لمتابعة الحريم هنا ف النچع.
وأشار لباب المطبخ محدثا إياها: الخالة وسيلة كانت بتسأل عنك يا داكتورة.
هزت رأسها تفهما، واندفعت باتجاه المطبخ، لتعاجلها وسيلة متسائلة: ها، مرت عوض ولدت بالسلامة! ربنا چاب إيه!
أكدت دلال وهى شاردة: الحمد لله، جابت ولدين.
هللت وسيلة: الله أكبر، دِه عوض هيعمل لك مجام يا داكتورة، ولدين بعد تلت بنات، تلاجيه ماسك السما بيديه م الفرحة.
اندفع عفيف للمطبخ، هاتفا فى ضيق: خبر إيه يا خالة! فين الغدا! خلينا نخلصوا م الأخ الثجيل اللي بره دِه.
هتفت وسيلة بفضول: مين دِه! أول مرة أوعاله.
هتف عفيف مفسرا ببساطة: دِه واد الضمراني بيه شريكي فالمشروع اللي جلت لك عليه يا خالة، أبوه بعته بداله يعاين أرض المشروع، بلانا بيه، معرفش مجاش هو ليه، بدل العيل الفجري دِه!
هتفت وسيلة متسائلة: هو هيبيت! ولا هياخد واچبه ويطرجنا!
أكد عفيف: سمعته بيحول لأبوه إنه هيعاين الأرض ويرچع طوالي، لكن من دجيجتين جالي انه هيبيت، وكان بيسأل عن مكان.
تساءلت وسيلة: وجلت له إيه!
هتف عفيف متعجبا: واه يا خالة! من ميتا حد بياچي بيت النعماني ويبيت براه!
شهقت وسيلة: الداكتورة بالمندرة، قصدك هيبيت ف البيت االكبير! دي محصلتش جبل سابج.
هتف عفيف بنبرة حازمة: الداكتورة فالمُندرة يا خالة، يبجى يجعد هنا.
اومأت وسيلة متفهمة ولم تعلق بحرف، بينما هتف عفيف من جديد وهو يستدير مغادرا المطبخ: همي يا خالة إن شالله يخليكي، خلونا نخلصوا.
ما أن غادر عفيف، حتى تطلعت وسيلة إلى دلال، التي كانت منزوية بأحد اركان المطبخ، ولم تفه بحرف منذ دخول عفيف حتى غادر، وهتفت بنبرة متخابثة: أول مرة يجعد ضيف فالبيت الكَبير، وكله عشان خاطر عيونك.
هتفت دلال متعجبة:عشان خاطر عيوني أنا!
قهقهت وسيلة مازحة: لاه، عشان خاطر عيوني أني.
اضطربت دلال لتلميح الخالة وسيلة، الذي جعلها تحمل الأطباق مسرعة لتجهز المائدة من أجل اطعام ذاك الضيف، الذي يقتحم خصوصية بيت النعماني، في سابقة هى الأولى من نوعها على الإطلاق.
★ ★ ★ ★
اندفع لشقته حاملا الزيارة والخطاب، متوجها صوب حجرتها، طرق بابها في هدوء، هاتفا ما أن دعته للدخول: السلام عليكم، إيه أخبارك دلوقتي! أحسن!
اومأت ببطء إيجابا، ليقترب من الفراش واضعا حمله: بصي يا ستي، طنط ماجدة بعتت لك إيه!
هتفت في وهن هامسة: إيه ده!
أكد مبتسما: دي زيادة من بلدكم، بعتها عفيف أخوكِ مع زينب.
طلت داخل الحقيبة، ثم أبعدت ناظريها عنها، صمتت لبرهة، وانفجرت بالبكاء رغما عنها.
هتف نديم في شجن: أنا آسف، كنت فاكر إن الحاجات دي هتبسطك.
ومد كفه لإبعاد الحاجيات، لكنها استوقفته، هامسة بصوت موجوع النبرات: هى بسطتني فعلا، بس..
لم تستطع أن تستطرد في وصف مشاعرها أكثر، لكنه استشعر كل ما كانت تود البوح به، فأومأ برأسه متفهما، وهمس بدوره: حاسس بيكِ، وعارف أنتِ عاوزة تقولي إيه!
وغير الموضوع بسرعة هاتفا: بالمناسبة، أنا جالي جواب من دلال، هقراه وأقولك الأخبار.
هتفت في حياء مترددة: لو فيه أخبار عن عفيف، بلغني.
اكد في ثقة: أكيد طبعا، وهديكِ الجواب تقريه كمان.
ابتسمت وهي تمسح دمعاتها: لاه مش للدرچة دي، كفاية عليا أطمن عليه.
هز رأسه موافقا وأنصرف يخلو بالخطاب، لتمد كفها لداخل الحقيبة البلاستيكية، مخرجة رغيف من الخبز (الشمسي) المصنوع بيد الخالة وسيلة، قربته من أنفها تتلمس فيه رائحتها التي تشتاقها، وعبق أرضها التي تفتقدها حد الوجع.
★ ★ ★ ★
جلس عفيف يتوسط مجلس النعمانية المنعقد لمناقشة بعض الامور الطارئة، إلا أن صفوت، بلا أي مقدمات، نهض هاتفا في غضب: معدش فيها سكات يا واد عمتي، خلاص، المستخبي كله انكشف.
على الرغم من أن كلام صفوت زلزل عفيف داخليا، إلا أنه تظاهر بالثبات، هاتفا في لامبالاة:مستخبي إيه يا صفوت، إيه الختاريف دي!
هتف صفوت حانقا: طلبي يد أختك يا عفيف بيه، اعتبره كنه ما كان، وأني اللي ميشرفنيش نسبكم.
انتفض عفيف مندفعا باتجاه صفوت، ممسكا بتلابيه، صارخا في صوت كالرعد هز المكان برمته: أنت واعي لحديتك يا عويل!
هتف صفوت في غل: عارف وواعي، وأختك اللي حفيت عشان اتچوزها، أني اللي بجولك دلوجت إنها متلزمنيش.
ترك عفيف صفوت لبرهة، دافعا إياه، مخرجا سلاحه، زاعقا في غضب: والله يا صفوت ما ليك إلا دِه عندي، بعد الكلمتين اللي جولتهم دوول.
اندفع صفوت متحاميا في رجال النعمانية، هاتفا في صوت هادر بدوره: لو أني كداب، جول لرچالة النعمانية أختك فين يا كببرهم!
هم عفيف بالرد، ليعاجله صفوت صارخا: ومتجوليش عند بت خالتها فالمنصورة، لأني نزلت المنصورة بنفسي، وأختك معتبتش هناك من أساسه، ومخطتش المنصورة من سنين يا عفيف بيه، جولهم بجى اختك فين يا زين الرچال!
انتفض عفيف يحاول الوصول لصفوت ليخنقه بكلتا يديه، إلا أن رجال النعمانية وقفوا حائلا بين عفيف وبين الوصول لصفوت، الذي هتف من جديد: طب أني كداب! لو أنت صادج وهى هناك، روح چيبها، ولو رچعت بيها يبجى احكموا عليّ الحكم اللي تشوفوه، وأني راضي.
هتف أحد الرجال مؤيدا: صح يا عفيف بيه، اجطع لسان الكل وروح چيب أختك.
هتف آخر: ايوه هو دِه الكلام يا عفيف بيه، ولو حد غيرك فالمطرح دِه، كنت أنت نفسيك حكمت عليه بكِده.
هز عفيف رأسه في ثبات يحسد عليه، هاتفا: هروح أچيبها، بس لو رچعت بيها يا صفوت، جول على روحك يا رحمن يا رحيم، خوضك فعرض النعماني ميمحهوش إلا الدم، وأنت اللي حكمت.
هتف صفوت ساخرا: وماله يا واد خالي، أني راضي.
هز عفيف رأسه مجددا في كبرياء، واندفع خارج المجلس، مهرولا باتجاه البيت الكبير.
★ ★ ★ ★
تناهى لمسامعه صوتا يجاهد للوصول لموضع ما، ألقى ناظره تجاه بباها، لتظهر هى على أعتابه ووجهها يتصبب عرقا، انتفض مندفعا إليها، معاتبا: إيه اللى قومك من مكانك بس! نادي وأنا أجيب لك اللي أنتِ عوزاه.
ابتسمت في وهن: هتچيب لي الحمام إزاي!
ابتسم هاتفا: لا صعب ده يتجاب، بس سهل إننا نروح له.
اقترب منها يسندها، محتضنا كفها الذي لم يمانع في البقاء بأحضان كفه، ضاما كتفيها بعرض ذراعه، خطوتان، وما عاد هذا كافيا، وبلا وعى منه، انحدرت كفه من أعلى كتفها، لتستقر حول خصرها، تضمه بقوة لكى تستطيع الاتكاء عليه، ولا تحمل ثقل جسدها على قدمها المصابة، حتى تصل للحمام.
تنهد في راحة، ما أن خرج مغلقا باب الحمام خلفه، كان يرتجف، نعم يرتجف، كان قربها داميا ومهلكا، كانت كالجمر المستعر، وكان هو حطبا جافا قابلا للاشتعال، ازدرد ريقه الجاف بصعوبة، مستعيدا رباطة جأشه، حتى ظهرت من جديد علي أعتاب الحمام، ليهتز ثباته مجددا، معترفا، أن لا قدرة لديه إعادة التجربة السابقة، فتناهى لخاطره فكرة، قرر تجربتها فورا، اتقاء لموجة احتراق جديدة، اندفع جاذبا لمقعد واضعا إياه أمامها أمرا: أقعدي.
نظرت إلى المقعد متعجبة، لكنها أطاعته وجلست في تؤدة، فأعاد ظهر المقعد للخلف قليلا، حتى أصبح على قوائمه الخلفية فقط، ودفع به في اتجاه غرفتها، قهقهت هى رغما عنها هاتفة: دي توصيلة تمام التمام.
هتف ما أن أوصلها جوار فراشها: فيوم دلال انكسرت رجلها، وحلفت عليا ما اشيلها، كانت خايفة على ضهري، رغم إنها خف الريشة، بس هى كده طول عمرها بتخاف عليا م الهوا الطاير.
تنهد مكملا، بنبرة تحمل شجن لا يمكن إغفاله، وصل لشغاف قلبها قبل أذنيها، فتطلعت إليه، وإلى ملامح وجهه المتقلبة، وهى تستند لتجلس على طرف الفراش: ساعتها، اخترعت لها حكاية الكرسي دي، وهى رايحة أو جاية، أذقها ع الكرسي، لدرجة إننا أخدناها لعبة بعد ما خفت.
قهقه للذكرى، حتى أنها لمحت بريق لأدمع عزيزة بمآقيه، ما جعله يهتف مسرعا: عن إذنك، هروح أحضر العشا.
واندفع مبتعدا لخارج الغرفة، تتعقبه نظراتها العاشقة.
★ ★ ★ ★
دفعت باب حجرة المكتب، ما أن تأكدت أن لا أحد بالداخل، ضبطت حجابها على رأسها، وشدت مئزرها حول جسدها، وتقدمت لرف الروايات، تعيد ما أنهت قراءته، باحثة عن المزيد، استشعرت حركة بالقرب من باب المكتب، فاندفعت تختبيء خلف أحد الأعمدة، لا تعرف ما الذي دفعها لذلك، لكن حدسها يؤكد أن القادم ليس بعفيف، وقد صدق حدسها، كان ذاك الضيف السمج، يتسلل في خفة للداخل، متجها لمكتب عفيف يعبث هنا وهناك ببعض الأوراق والملفات، ويحاول فتح بعض الأدراج عنوة.
استشعرت الخطر، وحاولت إخفاء وجودها قدر الإمكان، لكن للأسف حركتها البسيطة تلك، اسقطت أحد الكتب، ما استرع انتباه تامر، لينظر تجاه موضعها متعجبا، وما أن تبين وجودها، حتى توجه صوبها، مبتسما في سماجة: أهلًا، اختفيتي فين من بعد الغدا يا دكتورة!
ابتعدت عنه، ما أن دنا منها، محاولة الفرار، مندفعة للباب الجانبي للمكتب، ومنه لحجرتها، إلا أنه كان الأسبق معترضا طريقها، هامسا بنبرة أرجفتها: على فين يا دكتورة! ما تخليكِ معايا شوية، وصدقيني مش هاتندمي.
قال كلماته الأخيرة، وهو يقترب في صفاقة، فاضطرت للتقهقر حتى اصطدم ظهرها بالمكتبة، أصبحت الآن محاصرة بينها وبين ذراعيه، اللذين وضعهما موازيين لوجهها، مقربا وجهه من وجهها، هامسا بصوت كالفحيح: اسمك دلال، وأنا متأكد إني هشوف الدلال كله.
دفعته عنها بقوة، مهرولة للخروج من باب المكتبة المفضي للبيت الكبير، إلا أنه جذبها بقوة، وحاصرها مرة آخرى، فشعرت بيد باردة تعتصر معدتها، ورغبة في إفراغ محتوياتها، لقربه منها بهذا الشكل، لم تستطع منه فكاكا، ولا تعي أين ذهب صوتها، الذي حاولت إخراجه عدة مرات! همت بالصراخ أخيرا، إلا إنه كان الأسبق، واضعها كفه على فمها، مانعا صوتها من الخروج، هامسا بحقارة: لا، ليه كده! أنا قلت أنتِ عاقلة، هو في عاقلين يفضحوا نفسهم كدا!
منحها الله القوة، لتعض كفه التي كانت تطبق على فمها، ليطاوعها صوتها صارخا في تضرع باسمه: عفيف، عفيف.
كان عفيف في تلك اللحظة، يصعد الدرج قادما من الخارج، يحمل هم الدنيا على كتفيه بعد مواجهة صفوت أمام رجال النعمانية جميعهم، فمن أين له بناهد! وأين يمكنه أن يجدها، محضرا إياها إلى هنا، انقاذا لشرف النعمانية، في غضون ساعات!
انتفض عندما وصله ندائها المجرد باسمه بهذا الشكل الذي هز أركان روحه، ألقى عصاه جانبا، وأزاح عنه عباءته، وهو يندفع في اتجاه مكتبه.
دفع الباب ليتسمر للحظة موضعه، وفجأة انقض على ذاك الخسيس المدعو تامر، جاذبا إياه مبعده عنها، مسددا له اللكمات المتتابعة بلا توقف، اندفعت هى تنزوي بأحد الأركان، تشهق غير قادرة على البكاء صدمة، بينما كان عفيف مستمرا فى تلقين ذاك الحقير ما يستحق، وأخيرا ألقى به جانبا، مندفعا نحوها، هاتفا في لهفة، ما أن وقف قبالتها، يلتقط انفاسه في تتابع لاهثا: أنتِ بخير يا داكتورة!
رفعت نظراتها إليه، وهى ترتجف ذعرا، وأخيرا انفجرت في بكاء دامِ، أوجع قلبه المفطور لأجلها، كان يقف ضاما كفيه في غضب، وصدره يهبط ويصعد في اضطراب لمرأها بهذا الشكل، غير قادر على ضمها إليه، وبثها الطمأنينة التي تحتاج، ما دفعه ليعود مرة آخرى لذاك القذر تامر، هاتفا به في غيظ: والله أنت ما تستاهل تعيش بعد اللي عملته دجيجة واحدة.
شهقت دلال من بين دموعها، وانتفض تامر موضعه غير قادر على الهرب، وعفيف يخرج سلاحه من صدر جلبابه، جاذبا أجزاءه، موجها إياه لتامر هاتفا: دِه اللي تستاهله يا نچس، عشان تعرف يعني إيه حرمة بيت النعماني.
اندفعت دلال فى ذعر حقيقي صارخة: لا يا عفيف بيه، بلاش دم.
لكن عفيف لم يكن بوعيه لحظتها، فمنظر حصار تامر لها، مذعورة غير قادرة على الإفلات منه، جعل براكين من الغضب والثورة تستعر بشرايينه، فلا يستمع لصوت العقل، انطلقت الرصاصة من موضعها بالفعل، مصحوبة بصراخ دلال، الصادر من أعماق مقهورة.
★ ★ ★ ★
ابتسمت شريفة لولدها، ما أن طالعها محياه، وهى تفتح باب شقتها: شريف! بقيت بتاع مفاجآت، المرة اللي فاتت لما وصلت الدكتورة زينب، ودلوقتي!
انحنى شريف مقبلا جبينها: أعمل ا إيه بس يا حجوج! مبقتش أقدر أبعد عنك، يا مدوبة القلوب أنت.
قهقت شريفة، هاتفة خلف ولدها، الذي اندفع لحجرته، يخلع عنه بدلته الميري: أنا برضو، ولا دكتورة االقلوب!
هتف شريف مبتسما: هو أنا باين عليا أوي كده!
هزت أمه رأسها إيجابا، ممازحة: يوووه، أوي، جدا، خالص.
هتف هو في حنق: أومال هى مش واخدة بالها ليه!
أكدت أمه: يا حبيبي دي بنت ناس، وعمرها ما هتبين إنها واخدة بالها، طالما أنت متقدمتش خطوة في اتجاه حاجة رسمية، ساعتها بس ممكن تعرف هى فعلا عايزاك، ولا لأ.
ساد الصمت لحظات، ليهتف شريف بعدها: طب أنا رايح لها.
تساءلت أمه معاتبة: ليه بقى! مش حلو يا بني كل شوية تنط لها كده.
أكد شريف: أنا هوديلها جواب من الدكتورة دلال صاحبتها و ..
هتفت شريفة في فضول: وإيه!
ابتسم شريف مؤكدا: وهاخد خطوة، و استأذن أمها فإننا نزورهم.
احتضنته أمه هاتفة: أيوه كده، فرحني بعيالك قبل ما أموت.
انتفض شريفا محتضنا إياها: بعد الشر عنك يا ست الكل، ربنا يديك الصحة و..
صمت يتطلع إليها في تخابث، لتتعجله: وإيه!
هتف مازحا: وأجوزك وأفرح بيكِ أنت كمان يا حجوج.
قهقهت أمه، فهتف يشاكسها: سامعك وأنتِ بتقولي يا ريت. علت ضحكاتها من جديد، هاتفة: طب ياللاه أجري، روح للدكتورة بتاعتك.
تأكد أن خطاب دلال بجيب سترته، فربت عليه في سعادة منتشيا، مقررا الذهاب إليها، ولن يعود إلا بتحديد موعد لسعادة قلبه.
★ ★ ★ ★
اندفع مناع بذعر لداخل البيت الكبير، أثر سماعه لصوت إطلاق النار، وصل لباب مكتب عفيف، صارخا في ذعر: خبر إيه يا عفيف بيه! إيه صوت الرصَاص ده!
كان عفيف يقف بمنتصف الحجرة، شاهرا سلاحه، وبالقرب منه الدكتورة دلال باكية، وعلى الأرض يتمدد تامر الضمراني بوجه مخضب بالدماء، لم يجب عفيف على اسئلة مناع، الذي ظل على أعتاب الحجرة لم يحرك ساكنا، بينما هتفت دلال في ذعر: بلاش دم يا عفيف بيه، مش عايزة حد يموت بسببي.
هتف عفيف صارخا: دِه ميستاهلش إلا الحرج.
ركل عفيف تامر في غضب قاهر، وهو يستعد مرة آخرى لتوجيه سلاحه صوبه، بعد أن طاشت رصاصته الأولى، جراء تدخل دلال ممسكة بكفه مبعدة إياه، إلا أنه قرر إعادة الكرة، ما دفعها لتهمس بقربه في تضرع: عشان خاطري يا عفيف بيه، أنا عايزة أخرج م البلد دي بسمعتي، أرجوك، كفاية أوى لحد كده.
نظر عفيف لكفها المرتجفة على ظهر كفه الحاملة لسلاحه، ولأجل خاطرها، أنزل كفه الحاملة للسلاح جانبا، حتى يتخلص من تأثير لمساتها على قلبه، وتوجه بناظريه لمناع أمرا: خد النچس دِه، وأرميه بره النچع، لأجرب مكان يجدر ياخد منِه حاچة توصله مصر.
وتطلع لتامر، الذي جذبه مناع من موضعه أرضا: والله لولا الداكتورة وشفاعتها فيك، لكنت مدفون مطرحك يا خسيس، ابجى سلملي على أبوك، وجوله كل اللي ما بينا لاغي، غور.
صرخ عفيف بكلمته الأخيرة، ليهرول مناع جاذبا تامر خارج المكتب.
استدار عفيف لدلال، التي كانت دموعها أنهار متدفقة، فغض الطرف حتى يستطيع ان ينطق بما عزم عليه، هاتفا فى حزم: كفاية جوى لحد كده، أنتِ صح يا داكتورة، أنتِ صح، حضري حالك عشان من بعد الفچر، مناع هيخدك يرچعك لدنيتك، ولحياتك اللي خدناكِ منِها، عن إذنك.
هم بالاندفاع مبتعدا، إلا أن دلال استوقفته هاتفة: عفيف بيه!
توقف عفيف، لكنه لم يستدر لملاقاة نظراتها، التي ما عاد له القدرة على التطلع إليها، دون أن يشعر بشئ ما يتصدع داخله، وهتف في صرامة: أني محجوج لك يا داكتورة، وآسف إني جبتك لهنا، وآسف أكتر إني مجدرتش أحميكِ من حاچات كَتير، مع السلامة.
اندفع لخارج المكتب كمن تلاحقه آثامه التي لطالما أنكرها، ليتركها موضعها تشعر أن الارض قد خلت من ساكنيها، وأن روحها قد غادرتها، وهي تراه يبتعد عنها موليا بلا رجعة.
★ ★ ★ ★
جرت أقدامها جرا من موضعها الذي تسمرت به بعد مغادرته إياها، وصلت لجوار فراشها وانهار جسدها، لتجلس على أطرافه متطلعة إلى الفراغ أمامها، لا تعلم كم مر من وقت وهى على حالها ذاك، وتناهى لمسامعها صوت همهمات بحجرة المكتب، جعلتها تنهض من جديد مقتربة من بابه، تلتصق به ترهف السمع لمناجاة بصوت اشتاقته قبل ان تغادر صاحبه، الذي قرر رحيلها عنه بعد عدة ساعات، كان يهمهم بتضرع ما جعل فؤادها يترنح كالذبيح، تضرعه أعاد الدمع لأجفانها من جديد، لتسيل سخينة على خديها، وصوته يعلو دون وعي منه، يؤكد على وجع بحجم الكون وهو يبتهل:
لبِستُ ثوب الرَّجا والناس قد رقدوا
وَقمِتُّ أشكوا إلى مولاي ما أجدُ
وقُلتُ يا أمَلي في كلِّ نائبة
ومَن عليه لكشف الضُّرِّ اعتمد
أشكو إليك أموراً أنت تعلمها
ما لي على حملها صبرٌ ولا جلدُ
وقد مدَدْتُ يدِي بالذُّلِّ مبتهلاً
إليك يا خير من مُدَّتْ إليه يدُ
فلا ترُدَّنها يا ربِّ خائبةً
فبَحْرُ جودِكَ يروي كل منْ يَرِد
كادت أن ترتفع شهقات بكائها، فعادت لغرفتها، ومدت كفها لقلم وبعض الأوراق، وبدأت تكتب كل ما كان يجول بخاطرها، انتهت ووضعت الخطاب داخل إحدى الروايات، وقد قررت تركه له على مكتبه عند مغادرتها صباحا، نهضت من موضعها في اتجاه النافذة، التي نسيت سحب ستائرها، عندما حلت العتمة، لتكتشف أن السماء تشاطرها حزنها بماء منهمر من أعين فاضت حين فاض الحزن عن الحد، كانت دموع السماء تهطل بغزارة غير مسبوقة، تنبهت من خلف زجاج النافذة لمناع، الذي كان يتجه لداخل البيت الكبير مهرولا، مناديا على عفيف بلهفة، ونبرة مذعورة، استشعرت بحدسها أن الأمر جلل. فهبطت الدرج في عجالة، صوب المطبخ ووقفت خلف بابه المشرع، لتفهم سر اندفاع مناع، الذي كان يلهث من فرط انفعاله، أتم عفيف ضبط عمامته على رأسه، واندفع مع مناع لخارج البيت الكبير، لم تعِ حتى اللحظة ما يحدث، لكنها أدركت من ذعر عفيف، الذي ما كان يهتز ولو اهتزت الارض تحت قدميه، أن الأمر تخطى حدود اللامعقول، وأن الوضع جد خطير.