
١٣- بين ذراعيه
أحكمت ضم شال أمها حول كتفيها، وتحركت باتجاه الطريق الترابي الضيق الذي ينحدر لقلب النعمانية، كانت تشعر أن السير قليلا قد يساعد في تخفيف وطأة ذاك الشعورالداخلي الخانق، والذي لا تعلم له سببا محددا. تركت قدميها للطريق بلا هدى، وقررت أن تستمتع فقط بعبق ريح العصاري، المحملة بأريج الغيطان البعيدة، المختلطة بثرى الجبل العتيق هناك.
كانت تشعر برغبة ملحة في البقاء وحيدة، فلا طاقة لديها للحديث مع أي من كان، لكن صوت هتاف باسمها، جعلها تتوقف مرغمة، تطلعت حولها في تيه، حتى وقع ناظرها على الدكتور طارق طبيب الوحدة الصحية ..
ابتسمت في رسمية، متجهة إلى حيث يقف عند مدخل الوحدة، والذي هتف مرحبا، ما أن كانت على بعد خطوات: أهلًا يا دكتورة، مالك!
هتفت متعجبة: هو أنا باين عليا أوي كده!
ابتسم طارق مجيبا، وهو يضبط منظاره الطبي: مش أوي متقلقيش، بس خير! واستدرك متنحنا: ده لو جاز ليا إني اتحشر وأسأل، لو مكنش يضايقك!
ابتسمت في شجن: لا أبدا يا دكتور، بس حاسة إن الأمور مش ماشية تمام.
اشار لها لتجلس بداخل الوحدة، على أحد أرائك انتظار المرضى.
هتف متسائلا: أمور إيه اللي مش ماشية تمام! أمور شخصية!
أعادت الحوار لمساره الأول، بعيدا عن الخوض في أي تفاصيل خاصة، مفسرة: الأمور هنا فالنجع، لسه الجواز العرفي عشان التحايل على شهادة التسنين شغال، ولسه الختان، رغم توضيح ضراره، في إصرار عليه، وفيه وفيه، اللستة لسه طويلة للأسف، ده كله هيتغير أمتى! وإزاي! إذا كان أصحاب الشأن نفسهم مقتنعين بصحة اللي ببيعملوه!
وقصت له ما حدث مع نادية، وبراءة، وزيارتها لأم حبشي.
تبسم طارق هاتفا: كل ده يا دكتورة، وبتقولي مش حاسة إنك بتعملي حاجة! صدقينى أنتِ بتهزي تقاليد وعادات، أرسخ من الجبل اللي أنت شيفاه ده.
وأشار للجبل الغربي على مرمى البصر، مستطردا::وده عايز وقت ومجهود، وأنتِ قدها يا دكتورة.
ابتسمت في امتنان، ونهضت مودعة: متشكرة يا دكتور، أنا شكلي كنت محتاجة أتكلم مع زميل، يدرك حجم المعاناة اليومية، اللي بعيشها مع الستات، عشان أقنعهم بالمناسب والأصح عشانهم.
ابتسم طارق بدوره: تحت أمرك يا دكتورة، وفأي وقت، واعتبريني صديق مش مجرد زميل، دي حاجة هتسعدني جدا.
هزت رأسها في تفهم، وانسحبت بهدوء لخارج الوحدة.
تناهى لمسامعها صوت عربة عفيف، فتوقفت للحظات متوقعة ظهوره، إلا إنها أدركت، أن العربة تبتعد، وأن عفيف قد مر من هنا.
هل رأها يا ترى! الإجابة كانت لديه هو، فقد رأها بالفعل، منذ خروجها من البيت الكبير، وعندما رأها تقف مع طارق جن جنونه، لكنه لم يستطع ان يحرك ساكنا، فلقد اكتفى من أفعالها، وما عاد قادرًا على كبح جماح انطلاقها، فهى كالفراشة، ولكم تمنى لو كان ذاك اللهب، الذي تقربه متلهفة، لكنها للأسف فراشة عمياء، تتجه للعتمة متجاهلة دفء الضي وحرارته، غاضة الطرف عن وهجه.
★ ★ ★ ★
أخذ يجوب المشفى باحثا عنها، يود رؤيتها قبل عودته الى النجع، بعد إنتهاء إجازته.
لمح طيفها وهى تدلف إلى إحدى الحجرات، فاندفع خلفها في رعونة هاتفا: دكتورة زينب!
توقفت مصدومة من رؤيته، وعلا وجهها علامات الجدية، وهى تهتف في قلق: خير يا حضرة الظابط! الوالدة بخير!
أكد هاتفا، والابتسامة تكلل محياه: أه يا دكتورة الحمد لله بخير، دي حتى بتسلم عليكِ وبتقولك تسلم أيدك، قلبها دلوقتي لا بيقدم ولا يأخر، دقاته مظبوطة زي الساعة.
ابتسمت رغما عنها، ونكست رأسها تحاول مداراة تلك الابتسامة، وأخيرا هتفت: طب الحمد لله، يا رب دايما بخير، عن إذنك.
هتف معاتبا: عن إذنك إيه! يعني أنا جاي لكِ مخصوص، يبقى ده كرم الضيافة بتاع الدكاترة!
هتفت زينب في حنق: بقولك إيه يا حضرة الظابط، واضح إنك مش لاقي حاجة تتسلى بيها فاجازتك،.. بس للأسف أنا مش تسلية، ولا عندي وقت أسلي سعادتك، عن إذنك.
همت بالاندفاع مبتعدة، إلا أنه هتف متحسرا: طب مع السلامة، أصل مسافر دلوقتي النجع، تحبي أوصل حاجة للدكتورة دلال!
استدارت زينب تواجهه من جديد، هاتفة في تساؤل: أنت مسافر دلوقت!
اومأ برأسه ايجابا، فهتفت أمرة: طب اتفضل معايا، أديك جواب لدلال.
همس شريف في سعادة: ربنا يخليلنا الدكتورة دلال، اللي خلتك ترضي عنا.
هتفت متسائلة: حضرتك بتقول حاجة!
رد في عجالة: بقول كويس إنك هتبعتي معايا جواب للدكتورة، تلاقيها وحشتك.
وهمس لنفسه: عقبالي يا رب. دلف خلفها للحجرة، لتندمج هى في كتابة خطابها ويتيه هو متأملا محياها، تحاول ذاكرته تشرب تفاصيل تلك الملامح المليحة.
ناولته الرسالة داخل أحد مظاريف المشفى، مد كفه يلتقطه فى مرح، هاتفا: من يد ما نعدمها.
ونهض مستطردا: أشوف وشك بخير بقى.
هتفت في نبرة محايدة: مع السلامة يا سيادة النقيب.
هتف مازحا، قبل أن يغلق الباب خلفه مودعا: أهو أنا كنت جاي عشان أسمع الكلمتين دول.
أغلق الباب في هدوء، ليتركها نهبا للأفكار، حول ذاك الذي ظهر في غفلة من الزمن.
★ ★ ★ ★
كانت تقف هناك، لا علم لدلال، كيف أتت وحدها! تتطلع بأعين مستديرة صغيرة كعين الدمى، منتبهة لكل ما يدور حولها، نظراتها تتركز على كمال ومجلسه اليومي، وكل الألعاب التي كان يحضرها له عفبف حتى لا يشعر بالملل مع انشغال الجميع عنه طوال ساعات النهار، تنبه كمال لوجودها، وكذا دلال التي كانت تودع آخر مريضة لهذا اليوم، ما جعلها تشير إليها لتسير نحوها على استحياء، مغلف بابتسامة امتنان لا سبب لها، مدت دلال لها يدها مرحبة، فردت براءة التحية، وعيونها تقع ما بين لحظة وأخرى على ألعاب كمال، الذي توقف عن اللعب، مستطلعًا ما يحدث، جذبت دلال براءة، تعرف عليها كمال، الذي هز رأسه في تهذيب وابتسامة هادئة على شفتيه، اقترحت دلال: إيه رأيك تلعبي مع كمال؟
حادت دلال بناظرها نحو كمال مقترحة:
إيه رأيك يا بطل!
هز رأسه مرحبًا، لتتسع ابتسامة براءة الممتنة، وجلست في لهفة على الحصير الموضوع أرضًا، المنتشر عليه الألعاب، لتبدأ بسؤال كمال عن كل كبيرة وصغيرة تعكس ذكاء فطري، وكمال يجيبها في حماسة، مستمتعًا بنظرات الانبهار التي تطل من عينيها السمراوتين، عندما يجيب بمعلومات هي ما سمعت عنه يومًا، كانت دلال تتطلع نحوهما، ونظرات الإشفاق على حال براءة ومثيلاتها من الفتيات، تختلق في قلبها غصة قبل أن تنهض براءة في تردد، كأنها تضغط على نفسها، ليسألها كمال متعجبًا: على فين؟ إيه هي اللعب معجبتكيش!
أكدت في عجالة: لاه، دي حلوة جوي.
واستطردت بنبرة متحسرة: بس أنا لازما أروح، ستي لو عرفت إني بره الدار، هيجتلني.
أكد كمال: طب خلاص روحي، بس هتاچي بكرة!..
أكدت وهي تندفع راكضة صوب الباب الخلفي، تهز رأسها إيجابًا، لم تعقب دلال بكلمة، وبدأت تلوح لها مودعة.
★ ★ ★ ★
لا يعلم منذ متى بدأ ذاك المستور بأعماقه في الظهور من مكمنه، مشرأبا برأسه من بين حنايا روحه، إلا عندما أدركه واقعا لا يمكن تجاهله، تنحنح، لا ليسترعي انتباهها، بل لإخراج نفسه من أتون خواطره، والتي اصبحت ذات منحنى خطر في الآونة الأخيرة، هاتفا بصوت يكسوه المرح المصطنع: إيه رأيكِ فخروجه وتمشية ع البحر!
هتفت في سعادة: يا ريت، بس لحسن تتعب، أنت لسه طالع من دور برد شديد.
هتف مؤكدا: لا متقلقيش، أنا كويس، وبيني وبينك، أنا زهقت أوي م الرقدة، والحبسة فالأوضة دي.
هتفت توافقه: عندك حق.
أكد هاتفا: طب ياللاه بينا.
توجها نحو أحد مراكز الإتصال، طلب رقم بيت أبيه، وانتظر بفارغ الصبر أن ترفع دلال سماعة الهاتف حتى يطمئن قلبه، إلا أنه كما المرة السابقة لم ترد، زفر في ضيق، ما أن غادر الكابينة، لتسأله: برضو مردتش عليك!
اومأ برأسه مؤكدا، وهتف في حنق: مش عادتها إنها تبقى بره البيت لفترات طويلة كده! أنا قلقان فعلا عليها.
هتفت تطمئنه: يمكن عشان أنت بعيد عنها، بجت بتشتغل فترات أطول!
هز رأسه غير مقتنع بتلك الحجة: احتمال.
هتفت ناهد مستوضحة: طب هى ملهاش أصحاب، أو ليكم جرايب تسأل عندهم!
هتف نديم مؤكدا: ملناش قرايب، لكن ممكن تكون عند زينب، دي صاحبة عمرها، ووالدتها زي ياما وقفت جنبنا بعد وفاة أمي .. بس أنا نسيت رقم بيتهم للأسف.
تنهد في خيبة، محاولا اعتصار ذاكرته، لكنه لم يفلح.
تحركا صوب البحر، واستنشقا عبق ريحه الفريدة، المحملة بعشق الحرية، ساد الصمت فلم ينبس أحدهما بحرف واحد، حتي همست ناهد في تردد متسائلة: يا ترى عفيف عامل إيه فالمصيبة اللي وقعناه فيها دي! ويا ترى ممكن يسامحني !؟..
انسابت العبرات السخينة على خدها، مناقضة لنسمات البحر الباردة.
تطلع نديم إليها، وهمس متحيرا: مش عارف، أنتِ اللي تقدري تجاوبي ع السؤال ده، لأنك أخته، وأكتر واحدة تعرف تتوقع ردود أفعاله.
همست ساخرة في مرارة: ردود أفعاله! أنا مبقتش عارفة أحدد أي حاچة، بس بعد اللي عملناه ده، عفيف لو شافنا جدامه دلوجت، هتكون نهايتنا چتت مرمية ف البحر ده، في أمور عفيف مبيتفاهمش فيها، برغم إنه متعلم، إلا إن الطبع غلاب وأمور الشرف دي بالذات، مفيش فيها نقاش من أساسه.
تنهد نديم هاتفا: عنده حق.
هتفت متعجبة: عنده حج! أنت اللي بتجول كده!
أكد هاتفا بحنق: أه أنا اللي بقول كده.
هتفت في ضيق: أومال ليه!
قاطعها هاتفا في ضيق مماثل: عشان مكنش فيه حل تاني، كان قدامنا حل غيره! هااا!
هزت رأسها نفيا، ولم تنبس بحرف، لكن دمعاتها أجابت عنها، ليسود الصمت من جديد، وأخيرا زفر نديم، في محاولة لتهدئة الأجواء المحتدمة: إيه رأيك فأكلة سمك جامدة!
نظرت إليه، وهى تمسح أثر دموعها من على وجنتيها: بس الفلوس!
هتف متعللا: ميهمكيش، خربانة خربانة، خلينا ناكل أكلة ترم عضمنا، الواحد معدته تعبت من أكل الجبنة، وبعدين ده أنا لسه خارج من عيا، وعايز أتقوت.
ابتسمت هامسة: صح، أنت لازم تتغذى كويس.
هتف متحمسا: طب ياللاه بينا على أقرب محل سمك، نفرتك القرشين اللي معانا قبل ما نمشي.
هتفت متعجبة: نمشى نروح فين!
أمسك كفها فى أريحية، وهما يعبرا الطريق فاضطربت، وما أن وصلا للجانب الآخر من الطريق، واستأنفا طريقهما، حتى هتف مفسرا: لازم نرجع القاهرة يا ناهد، أنا هنا معرفش حد، ولازم أشوف لي شغلانة، ليا أصحاب هناك، ممكن يساعدوني فالموضوع ده.
هزت رأسها في تفهم، وأكملا طريقهما، ولم يلحظ أنه ما يزال ممسكا، بل متشبثا بكفها، التي شعرت بالراحة في أحضان كفه.
. ★ ★ ★ ★
ترجل شريف من عربته المبري، مندفعا تجاه مناع، ملقيا التحية فى مودة: سلام عليكم يا مناع، الدكتورة دلال مموجودة!
نظر إليه مناع في تعجب، هاتفا: حضرتك عايز الداكتورة! ولا تجصد عفيف بيه!
هتف شريف مؤكدا: أنا بسأل ع الدكتورة يا مناع، موجودة!
أكد مناع هازا رأسه ايجابا، وبداخله رغبة دفينة في نفي وجودها، لكنه أشار له بالدخول: موچودة يا بيه، أتفضل، هديها خبر.
اتجه شريف الى الحديقة، وتطلع حوله منتظرا ظهور دلال، التي اندفعت خارج باب المندرة، مرحبة في مودة: حمدالله بالسلامة، وصلت أمتى م القاهرة!
مد شريف كفه مرحبا، وهتف في بشاشة: الله يسلمك يا دكتورة، أنا لسه واصل حالا والله.
هتفت دلال متسائلة: وإيه أخبار الوالدة! يا رب الصحة تكون عال دلوقت!
أكد شريف ممتنا: أنا مش عارف أشكرك إزاي والله! بصراحة الدكتورة زينب قامت بالواجب وزيادة، و الحاجة صحتها جت على علاجها.
وهمس بصوت كان مسموع لها: عقبال صحتي أنا كمان.
ابتسمت دلال ولم تعلق، ليستطرد هو هاتفا: بقولك إيه يا دكتورة! هى الدكتورة زينب يعني، مرتبطة! أو متكلمين عليها!
قهقهت دلال هاتفة: أه متكلمين عليها.
هتف منتفضا: إيه!
استطردت، وهى ما تزل تضحك: أيوه قايلين عليها كل خير.
نظر إليها عاتبا: وقعتي قلبي يا دكتورة، أه صحيح..
أخرج من جيبه خطاب زينب هاتفا: اتفضلي جواب م الدكتورة زينب، مستعجل بعلم الوصول.
ابتسمت دلال شاكرة، ومدت كفها متناولة الخطاب، ليستئذن راحلا، وهو لا يعلم أن هناك نظرات حادة تتابعه، ولو أن النظرات تقتل، لأردته قتيلا من فوره.
اندفعت لداخل المندرة وهى تتطلع للرسالة التي بكفها، والتي قد تحمل أخبار عن أخيها الغائب، قد تشفي غليلها وشوقها لمعرفة مكانه، كانت تهرول لتصل لغرفتها لتفض الرسالة، إلا أنها اصطدمت به، وهو قادم من باب المطبخ مسرعا، أرتدت للوراء خطوة، وصدرعنها شهقة صدمة، تسمر متحفزا، ونظرات عينيه تنطق بأمور خطرة، تمنت لو جهلت قراءتها مجسدة بهذا الوضوح.
سقطت رسالة زينب مستقرة بينهما أرضا، ما أشعرها برغبة عارمة في الهروب من أمامه فى التو واللحظة، لم تعي إلا وهى تنحني لتلتقط الرسالة، مهرولة باتجاه الدرج، إلا أنه هتف بصوت يحمل مؤشرات ثورة عارمة، يحاول وأدها داخله، تهدد بحرق الأخضر واليابس، إذا ما أعلنت عن نفسها: يا داكتورة!
تسمرت موضعها كتمثال على أولى درجات الدرج، ولم تجرؤ على الالتفات لتواجهه، وهو يهتف متسائلا: ممكن أعرف إيه اللي بيحصل بالظبط!
أضطرت لمواجهته، هاتفة في هدوء مصطنع: إيه اللي بيحصل يا عفيف بيه! لو قصدك على حضرة الظابط، أعتبره ضيف جالي واستقبلته، واحتراما لحضرتك استقبلته خارج المندرة، فالجنينة، ولمدة ربع ساعة، ومتهيء لي ده أفضل أفضل من إني أقف أكلمه بره البيت، زي ما حضرتك لفت نظري، عشان كلام الناس و لا إيه!
هتف ساخرا، جازا على اسنانه: وهو ياچيكِ ليه م الاساس، سوا كضيف ولا عفريت أزرج!
تجاهلت نبرة السخرية، التي اتشح بها صوته، وهتفت في هدوء متسائلة: مكنتش أعرف إنه مش من حقي استقبال ضيوفى يا عفيف بيه، لمجرد إني ضيفة عند حضرتك!
حاول ضبط نفسه عن الصراخ، وهى تجادله بهذا المنطق السليم، وبحجة دامغة لا يملك أمامها مبررا واحدا مقنعا، هاتفا: مش الجصد يا داكتورة، أنا كل اللي أجصده، إني مستعچب، إيه اللي بينك وبين حضرة الظابط الهُمام، يخليه ياچي لحدك، ويبجى في بينكم چوابات ومراسيل!
كان هذا هو لب الموضوع، وبيت القصيد، ذاك الخطاب الذي رأها تتناوله من بين يديه في لهفة، ماذا يحمل يا ترى! يكاد يجن كي ينتزعه من بين كفيها، ليفضه حتى يشفي غليله.
غضبها فاق الحد، فهتفت في ثورة: أنا مقبلش نبرة الإتهام الموجهة ليا فسؤالك! ومعتقدش كوني ضيفة عند حضرتك، يديك الحق في أسئلتك دي، ولا أنا مطالبة إني أبرر أفعالي لحضرتك أو لغيرك، عن إذنك.
قالت كلمتها الأخيرة، وانطلقت كالسهم تعتلي الدرج في عجالة، تاركة إياه يكاد أن يمسك السماء بيديه غضبا، حتى أنه ما استطاع السيطرة على انفعاله أكثر، فطوح عصاه، لتسقط مزهرية زجاجية عن موضعها، مهمشة في دوي صاخب، ومتناثرة شظايا، كشظايا رشده، الذي سلبته إياه.
دخلت حجرتها مغلقة بابها خلفها فى عنف، ينم عما بداخلها من غضب، كيف يجرؤ! حاولت أن تهديء من روعها، ففضت خطاب زينب، الذي ما زادها إلا هما، حين أدركت ا أنن ما من أخبار تخص نديم، مؤكدة على إرسال أي معلومة مع حضرة الضابط المجنون، والذي على ما يبدو، سيكون له مع زينب شأنا خاصا.
★ ★ ★ ★
دفع جسدها عنه في غيظ، حينما مالت إليه، لتمارس بعض من فنون إغوائها، هاتفا بغل: أعمل إيه فيك يا عفيف، لجل ما أكسر نفسك وأذلك! وأخذ يضرب بقبضة يده اليمنى، باطن كفه اليسرى، في حقد واضح، مستطردا: مش هيرتاح لي بال، إلا وهو مطاطي راسه ومكسور جدام النعمانية كلها.
اقتربت منه رفيقته اللعوب، هاتفة في دلال ممجوج: واه يا سي صفوت، ودِه وجته برضك! يولع عفيف وسيرته اللي تكدر سيد الرچالة.
تنبه اليها بكل حواسه هاتفا :-جوليلي أعمل إيه تاني! دِه أني وجفت جدامه أطلب يد أخته والنعمانية كلها كانت جاعدة، ومردش على طلبي، ولا حد منيهم جدر يجوله كلمة واحدة فحجي.
اقتربت مرافقته في إغواء، هامسة بالقرب من أذنه كالحية: دلوجت أنت معاي أني، يبجى تنسى عفيف دِه واللي خلفوه كمان، وبعدين نبجوا نفكروا كيف تخليه ينخ ويطاطي، وما يرفع عينه فعينيك طول ما هو عايش، بس سيب دِه على لواحظ.
وجذبته إليها من جديد، وقد انصاع لها، وهي تطلق ضحكة ماجنة، ليكون طوع بنانها، منفذا كل ما تصبه في رأسه من سموم.
★ ★ ★ ★
على غير العادة، جاءتها إحدى النساء، في حالة طارئة بعد العصر بقليل، انشغلت معها لفترة ليست بالقصيرة، وقامت باللازم، وما أن انتهت، حتى باغتتها كف صغيرة، تربت في عجالة على ظهرها، انتفضت لتكتشف هذه الفتاة الصغيرة، التي التقطت أنفاسها في تتابع، هاتفة في ذعر، وهي تشير للخارج: إلحجيها يا داكتورة، إلحجيها لچل النبي، هيدبحوها.
تنحت دلال بالطفلة جانبا، تهديء من روعها، هامسة: إهدي يا حبيبتي وفهميني بالراحة، هي مين دي! ومين دول اللي هيدبحوها!
هتفت الفتاة السمراء الصغيرة، وهى تلتقط أنفاسها في لهاث، ينم عن سوء تغذية واضح: أختي براءة يا داكتورة، أمي اللي جالت لي اچيلك بس مجولش لحد، محدش غيرك اللي هيجدر ينچدها من يد أم حبشي.
انتفضت دلال، ما أن سمعت اسم أم حبشي، نازعة عنها معطفها الطبي الأبيض، واعتذرت من المريضة، التي بدأت حالتها تستقر، وستغادر بعد قليل، مندفعة في اتجاه بوابة البيت الكبير، تمسك يد الطفلة، باحثة عن مناع حتى يحضرالعربة ليسرع بهما حتى بيت براءة، إلا أن مناع لم يكن بموضعه المعتاد، جوار البوابة الحديدية، فعلمت أنه بصحبة سيده بالخارج، ذاك الذي كانت تتحاشى لقاءه منذ آخر خلاف نشب بينهما، بسبب زيارة شريف.
اندفعت مهرولة مع الفتاة الصغيرة في أتجاه بيتها، تكاد أن تركض، في مشهد أثار فضول الجميع.
على أعتاب بيت براءة، دفعت الصغيرة الباب، ودلفت للداخل مسرعة تختبيء، لتنجو من عقاب جدتها القاسية.
اندفعت دلال لداخل الدار، ووقفت في منتصف باحته الضيقة المعتمة، تتطلع حولها في تيه، سمعت بعض الأصوات القادمة من باب جانبي، في ركن متطرف من الدار، فاندفعت نحوه، في نفس ذات اللحظة، التي دوت فيها صرخة، شقت صدرها رعبا، هرولت دافعة الباب الخشبي المهتريء، لتجد نفسها وجها لوجه مع أم حبشي القابلة، وجدة براءة، وأمها المغلوبة على أمرها كان جسد براءة الممدد هناك على الفراش جثة هامدة بلا حراك، وأمها تولول وتلطم خديها في حسرة.
اندفعت دلال مبعدة بتلك القابلة الحقيرة مبعدة إياها عن الفراش، حيث ترقد براءة، لعلها تستطيع انقاذها قبل فوات الأوان.
حاولت ان تعيد لون الحياة، لذاك الوجه الشاحب، لكن الفتاة كانت غارقة في نزفها، وما عاد باستطاعة إنسان، أن يتدخل فى أحكام القدر.
فتحت براءة عينيها الكحيلتين لثانية واحدة، وما أن طالعت وجه دلال، حتى ابتسمت لها في وهن، هامسة بنبرة عاتية: دبحوني يا داكتورة، وأنتِ ملحجتنيش.
أغلقت عيونها، ورحلت في هدوء.
صرخت دلال، هاتفة: براءة، أنا هنا متخافيش، أنا قلت إني مش هخليهم يضروكِ، سامحيني، فوقي عشان خاطري.
صرخة آخرى دوت، من صدر الأم المكلومة على طفلتها، ساد بعدها صمت، أحد وطأة من صمت القبور.
★ ★ ★ ★
اندفعت الخالة وسيلة لأستطلاع حجرة الكشف، التي كانت هادئة على غير العادة، متعجبة من عدم وجود دلال، لتخبرها المريضة التي كانت على وشك المغادرة، أنها شاهدت أخت براءة، تصطحب دلال معها للخارج.
هرولت وسيلة في ذعر، صوب عفيف، الذى دخل لتوه إلى البيت الكبير، هاتفة في اضطراب: إلحج الداكتورة دلال، يا عفيف بيه.
انتفض عفيف، هاتفا في قلق: مالها يا خالة، إيه في!
أكدت وسيلة: أخت براءة چت خدتها، ومحدش يعرف إيه اللي بيچرى!
اندفع عفيف خارج الدار في اتجاه العربة، مستقلا إياها على عجالة، باتجاه بيت براءة، الذي ما أن وصله، حتى اندفع مهرولا لجوف الدار، عندما نعالت الصرخة المدوية، المنطلقة من الداخل، تعات الصرخات من جديد، ووجد دلال تطوق جثمان براءة المسجي باكية، ليندفع نحوها، مطوقا كتفيها بذراعه، جاذبا إياها بعيدا عن الفراش، محاولا أن يخفف تشبثها بالفتاة المتوفاة.
تنبهت لوجوده، ناظرة إليه، نظرات باكية كلها تيه وقهر، هاتفة بصوت متحشرج: أنا وعدتها إن محدش هيقدر يضرها، أنا قلت لهم إنها ضعيفة، ومش هتستحمل، أنا خذلتها.
رفعت كفها الغارق في دماء الفتاة، متطلعة إليه مستطردة في هزيان: خذلتها ومعرفتش أحميها، ودمها فرقبتي، وهيفضل فرقبتي.
نظرت لأهل الفتاة، الذين تجمعوا بالغرفة منكسي الرؤس منتحبين، صارخة في قهر، مشيرة إليهم بيد مرتعشة، ونبرة مقهورة: يا رب تكونوا استريحتوا، دبحتوها كلكم.
ورفعت كفيها، صارخة من جديد: دمها فرقبتنا كلنا.
كان عفيف يشد من ضم كتفيها نحوه، محتملا ثقل جسدها المتخاذل بذراعه، وقد همس مهدئا، بصوت متحشرج يكسوه تأثر، لا يمكن إغفاله: إهدي يا داكتورة، إنا لله وإنا إليه راچعون.
تنبهت إلى وجوده من جديد، فرفعت نظراتها الملتاعة إليه هامسة: براءة ماتت يا عفيف، براءة ماتت.
ودون سابق إنذار، حررت نفسها من قبضة ذراعه، واندفعت لخارج الغرفة، ومنها لخارج الدار.
كان هو باعقابها يحاول اللحاق بها، وقد لاحظ وصول الشرطة و الدكتور طارق طبيب الوحدة، كان من الصعب عليه، تحديد أي الطرق اتخذت مسارا لها، بين ذاك الزحام الكائن أمام بيت براءة، بسبب صرخات أمها، التي جمعت الجيران.
اندفع يستقل عربته، باحثا بناظريه عنها بكل اتجاه، وجدها تقف بمفترق طرق تبحث حولها عن شئ لا تدركه، كانت تائهة لا طريقا تسلكه، اندفع في اتجاهها بالعربة وما أن هم بالوصول إليها، حتى ظهرت زفة نادية بالطبول والمزامير، تاهت عن عينيه بين زحامها وزغاريدها، فترجل من العربة، مندفعا بين بحر البشر، سابحا بين أمواجه، محاولا العثور عليها.
انتهت الزفة أخيرا، ليجدها تقف موضعها بنفس التيه، لكنها تضع كفيها على أذنيها، تحاول أن تصم سمعها عن تلك الطبول والمزامير الناعقة، المنذرة بالشؤم، والتي تنبيء بحدوث جريمة جديدة، في حق فتاة آخرى، ربما تلقى نفس مصير براءة يوما ما.
مد ذراعه بطولها، مطوقا كتفيها، هامسا بالقرب منها: تعالي نرچعوا البيت يا داكتورة.
بنظرات مضطربة، ووجه صبغته الدموع، هزت رأسها، لا يعرف إيجابا أم رفضا، أم تشوشا، وما أن همت بالتحرك بصحبته، إلا وخذلتها قدماها وأغلقت الدنيا أنوارها أمام ناظريها، شاع لون الحزن، وتجلت العتمة، فتهاوت بين ذراعيه، ليتلقفها صارخا باسمها في لوعة.