
١٤- تعويذة
اندفع حاملا إياها فى ذعر حقيقي لداخل البيت الكبير، ولم يتنبه إلا وهو يضعها على فراشه في عجالة، و الخالة وسيلة تندفع مهرولة خلفه فى ذعر مماثل، هاتفة فى لوعة: إيه في! الداكتورة مالها بعيد الشر!
هتف عفيف بدوره في اضطراب: معرفش يا خالة، معرفش، وجعت من طولها بعد ما براءة ماتت جدام عنيها.
هتفت الخالة وسيلة مفجوعة للخبر، ضاربة بكفها على صدرها: براءة ماتت! عيني عليكي يا بتي، وعلى اللي نابك.
تحرك عفيف في سرعة فى اتجاه طاولة الزينة، جالبا زجاجة من عط، اسقط بعض منها على كفه، مقربا إياها لأنفها، في محاولة لإفاقتها، لكن بلا فائدة، فضرب بخفة على خدها، هامسا باسمها في اضطراب: دلال، دلال.
تنبه أنها المرة الأولى التي ينطق اسمها مجردا، حتى ولو بينه وبين نفسه، كان يهاب فعل ذلك، وكأنه كان يدرك، أنه لو فعل، فسيكون كمن ألقى تعويذة ما على قلبه، حتى أنه لن يعود قادرًا على ذكر امرأة سواها ما حيا، لكنه فعل فى غفلة منه، ليشعر برجفة خفيفة بأوصاله، وارتجافه بفؤاده، ما دفعه ليعيد الكرة، يناديها متجنبا ذكر اسمها: يا داكتورة!
كاد أن يصرخ هلعا، فما من طريقة أفلحت في إفاقتها، فاندفع للخارج بحثا عن طبيب، ليصطدم بالدكتور طارق، الذي رأى حالتها حين خرجت مهرولة من بيت براءة، فجاء مسرعا بدوره للاطمئنان عليها.
هتف عفيف به، كغريق عثر على طوق نجاة: چيت فوجتك يا داكتور، الداكتورة فوج تعبانة جوي.
اندفع طارق للأعلى، وتبعه عفيف يرشده الطريق، متسمرا خارج أعتاب الغرفة، يقسم أنه يموت قهرا من شدة انفصامه، يتصارع داخله شعورين شديدي الحمق، تتآكله الغيرة المرة، وينهكه القلق على حالها، وهو بينهما تائه، خائر الغيرة، موفور القلق.
ظهر طارق من الداخل، فتنفس الصعداء مندفعا إليه، متسائلا: خير يا داكتور، إيه في!
هتف طارق متنهدا: زي ما اتوقعت يا عفيف بيه، للأسف صدمة عصبية.
هتف عفيف في اضطراب: صدمة عصبية!
أكد طارق: أيوه، الموقف اللي اتعرضت له مكنش بسيط عليها، وبرغم إننا دكاترة وبنشوف ياما، لكن واضح أن البنت دي لها معزة خاصة عندها، وكانت أديتها وعد محدش هيقدر يضرها، كانت حكيالي موضوعها، بس هى مقدرتش تمنع ده للأسف، فعندها إحساس رهيب بالذنب، وإن لها يد فاللي حصل لبراءة، وكانت تقدر تمنع اللى حصلها.
هتف عفيف فى ضيق: لا حول و لا قوة إلا بالله، طب والعمل يا داكتور!
أكد طارق: متقلقش يا عفيف بيه، فترة وهتعدي بإذن الله، بس أهم حاجة الهدوء والراحة، وإن محدش ينقل لها أخبار مش كويسة، والدكتورة دلال مؤمنة، وعارفة إن لكل أجل كتاب.
همس عفيف: ونعم بالله، تعبناك يا داكتور.
تحرك طارق نحو الدرج راحلا: أنا فالخدمة فأي وقت يا عفيف بيه، أبعت لى مناع بس، هتلاقيني هنا لو جد أي جديد.
هتف عفيف ممتنا: متشكرين يا داكتور.
هتف طارق: العفو على إيه، الدكتورة عزيزة علينا كلنا، ربنا يقومها بالسلامة.
تنحنح عفيف محاولا أن يسيطر على انفعالاته، حتى تكون تحت السيطرة بعد تصريح طارق العادي في فحواه، والغير عادي على الإطلاق بالنسبة لعفيف، الذي هتف بلهجة تبدلت للرسمية فجأة: متشكرين يا داكتور، كلك ذوج ..
هبط طارق الدرج، هاتفا: أروح أشوف إيه اللي تم فموضوع براءة، أنا سبت شريف باشا بيعمل اللازم مع أهلها، وجيت عشان اطمن ع الدكتورة.
لم يكد يكمل طارق جملته، حتى ظهر النقيب شريف، على أعتاب البيت هاتفا في قلق: الدكتورة دلال عاملة إيه دلوقت!
طفح الكيل، فقد كان عفيف بموضعه أعلى الدرج، يلجم لسانه، غير قادر على التفوه بحرف واحد، حتى لا يحرق الجميع، فهتف طارق لشريف: الحمد لله، هى كويسة، بس صدمة بسيطة، وبإذن الله هتعدي على خير.
هتف شريف: طب الحمد لله، بس هى فايقة! يعني أنا ممكن أشوفها!
هم طارق بالإجابة، إلا أن عفيف خرج عن طوره، هاتفا بصوت هادر: ما جلنا إنها بخير يا حضرة الظابط! إيه، هنغنوها ع الربابة، هي كويسة، مكدب الداكتور يعني! ما جال حاچة بسيطة، وبعدين متهيء لي في حاچات تانية مهمة برضك محتاچاك يا حضرة الظابط!
لم ينفعل شريف كالعادة، بل ابتسم فى هدوء: يا عفيف بيه ما أنا كنت بسأل عشان لو فايقة كان ممكن أخد منها كلمتين عن اللي تعرفه فموضوع براءة،ع العموم تمام يا عفيف بيه، المهم إنها بخير.
شعر عفيف بالندم لتسرعه في الرد بهذا الشكل، وأقسم أن ذاك الشعور الأحمق، الذي يتملكه تجاه أي ذكر يقترب منها، سيورده يوما ما مورد التهلكة، تنبه على صوت شريف مسئذنا: هروح أنا بقى، وأي حاجة أنا فالخدمة يا عفيف بيه.
هتف شريف بدوره: خدني معاك يا دكتور طارق.
انصرفا أخيرا، ليزفر عفيف فى ضيق، فقد ضاق ذرعا بلهفتهما على تلك الراقدة بالأعلى، والتى يرى، أن لا حق لأحد غيره في القلق.
★ ★ ★ ★
همس نديم متسائلا: لميتي كل حاجة لينا هنا!
ابتسمت رغما عنها، هاتفة تشاكسه: ده على أساس إن لينا سنين هنا! ده إحنا لابسين كل اللي حيلتنا تقريبا، والنص الباجي فالشنطة.
قهقه لقولها، لتستطرد وقد شمل صوتها نبرة مضطربة: لسه ناوي ع االقاهرة!
اكد نديم، وهو يفتح باب الغرفة، مفسحا المجال لها لتمر: مش عارف، سبيها على الله، يمكن أول ما نوصل المحطة أغير رأيي، خلينا نشوف الدنيا هتروح بينا على فين.
اومأت برأسها ايجابا، وانتظرته حتى أغلق الغرفة، وتبعته في صمت إلى اللامكان.
★ ★ ★ ★
طرق باب غرفته، لتطل الخالة وسيلة برأسها من خلف الباب، مستفسرة: خير يا ولدي! الداكتور جالك إيه!
همس عفيف في هدوء: جال كل خير يا خالة، بجولك! ناوليني چلبية أنام فيها من چوه.
هتفت وسيلة، وكأنها تنبهت فجأة: واه، دِه جنابك چبت الداكتورة على أوضتك!
هتف عفيف بنبرة صوت منهكة: محصلش حاچة، ناوليني بس چلبية من عندك، وهنام أنا فأي مطرح، همّي يا خالة.
هتفت وسيلة، وقد عادت لقلب للغرفة بالفعل: حاضر، حلاً أهاا.
وقعت عيناه على جسدها المسجي، إنها تحتل فراشه، كما أحتلت روحه، شيء ما تحرك داخله، جعله يغض الطرف عنها، فقد كان يكفيه نظرة واحدة، مجرد نظرة. ظهرت وسيلة، حاملة جلبابه، مصرة على راحته، هاتفة في عزم: هتنام فين!
أكد عفيف: هنام ف أي اوضة، الأوض كتير، متشغليش بالك أنتِ، خليكِ بس چنب الداكتورة.
اندفعت وسيلة حاملة أغراضه، متجهة لإحدى الغرف، و دفعت بابها هاتفة: يبجى خليك فأوضة ناهد، أنا عنضفها يوماتي من يوم ما..
قطعت وسيلة استرسالها في الكلام، وتطلعت إلى وجهه الذي انقلبت سحنته، إلا أنه لم يعقب، بل على العكس دفع باب الغرفة ودلفها، لتتبعه وسيلة في صمت، واضعة أغراضه جانبا، ثم رحلت في هدوء، لتتركه يكتر ذكريات مضت، ذكريات تنكأ جرحا ما يزال حيّا.
★ ★ ★ ★
هتفت ماجدة أم زينب، تحاول استثارة فضول ابنتها لتبادلها الحديث، بدلا من تلك الأوراق التي تدفن بها رأسها: أنتِ عارفة مين اللي كلمني النهاردة!
هتفت زينب بلا اهتمام، في محاولة لمجاراة حديث امها: مين يا ماما!
هتفت ماجدة في سعادة: الحجة شريفة، أم حضرة الظابط، اللي قبلته يوم ما كنت عندك فالمستشفى.
انتفضت زينب، وبدا عليها الاهتمام أخيرا، ما جلب الابتسام لشفتي امها، لتسأل زينب في توجس: أتصلت ليه يا ماما! وجابت نمرتنا منين!
أكدت ماجدة: قالت لي إن دلال اديتها لحضرة الظابط، وهي احتفظت بيها، عشان لو تعبت تاني، تعرف توصل لك.
تساءلت زينب من جديد: تمام يا ماما، بس برضو اتصلت ليه!
هتفت ماجدة: وحياتك يا بنتي ما أعرف، شوية تحيات على سلامات، وخلاص.
نظرت زينب إلى أمها نظرة متوجسة، تشبه نظرة المفتش شارلوك هولمز، وهو في سبيله لحل لغز عويص: ماما، قري وأعترفي، أم حضرة الظابط كلمتك ليه!
هتفت ماجدة في اضطراب: يوووه بقى، والله ما قالت حاجة، غير بس...
قاطعتها زينب هاتفة تتعجلها: أيوه، غير بس إيه بقى!
هتفت ماجدة, معترفة بفشلها في الاحتفاظ بأي سر: غير إنها بتدعيلك دايما لتعبك معاها فالمستشفى، وأخلاقك، وإنك زي القمر، وأي واحدة تتمناكِ لأبنها، واستغربت إزاي لسه متجوزتيش لحد دلوقتي!
انتفضت زينب صارخة: وأنتِ قولتلها إيه!
انتفضت ماجدة بدورها: والله يا بنتي ما قلت لها أي حاجة، قلت لها النصيب لسه مجاش، يعني هقول إيه غير كده!
تنهدت زينب في راحة، وعادت لتجلس موضعها، لكن ما ان رأت الوجوم يرتسم على ملامح أمها، حتى نهضت من جديد، وانحنت تقبل هامتها هامسة: كله بأوانه يا ماما.
همست ماجدة باكية: بقالك سنين بتقوليلي كده، سنين مش قادرة ت...
قاطعتها زينب دامعة: عشان خاطري يا ماما بلاش السيرة دي، بلاش.
همست ماجدة، وهى تجذبها لأحضانها: خلاص يا حبيبة أمك، خلاص، بلاها أي حاجة تزعلك.
انكمشت زينب بأحضان أمها، راغبة في الهروب، من ذكرى بعيدة، موجعة.
★ ★ ★ ★
كان يتطلع إليها الآن، بعد أن أمر وسيلة بإخراجها من عزلتها، رغبة منه في انتزاعها من حالة التيه والخرس، التي تملكتها.
كان شعوره بالذنب تجاهها يتضاعف كلما رأها على هذه الحالة، فقد كان هو السبب فى جلبها من الأساس، ليته ما دفعها للقدوم إلى هنا، فهنا ليس مكانها المناسب على أي حال، عادات وتقاليد النجع لا تناسبها، وافكار أهله لم تعتدها، ويبدو أنها لن تستطع التأقلم يوما على طريقة التفكير، أو أسلوب التعامل ما حيت، فهى من بيئة مختلفة شكلا وموضوعا.
تنهد في حزن، وهو يراها تجلس بصحبة صمتها الذى يقتله قهرا عليها، ولا حيلة لديه، فقد أحضر بدلا عن الطبيب، ثلاثة أطباء، وكلهم أجمعوا، أن حالتها نتيجة صدمة قوية تعرضت لها، و أن إحساس الذنب يكبلها عن التعاطي مع العالم الخارجي الذي ترفضه.
تقدم منها بخطوات متمهلة، حتى جلس مجاورا لها، على تلك الأريكة المنعزلة نوعا ما في أحد جوانب الحديقة، وتنحنح محاولا اجلاء صوته المتحشرج تأثرا، وهمس في حنو: إزيك دلوجت يا داكتورة!
لم تجبه بالطبع، وظلت على شرودها، ليستطرد هو بنبرة يكسوها الشجن: أنا عارف إنك سمعاني، بس مش عايزة تردي، مخاصمه الكل وأولهم أنا، معلوم مش أني اللي چبتك على هنا، وبسببي شوفتي اللي شوفتيه ده، بس أنا عايز أجولك كلمة يا داكتورة، متحمليش نفسك فوج طاجتها، أنتِ عملتي اللي عليكِ، وأنا أشهد لك بكِده، أنتِ روحتى للولية الفجرية أم حبشي، وحاولتي تچريها لسكتك، و تكفي الحريم أذاها، ومن جبلها حاولتي تخلي أبو براءة وأمها يراچعوا نفسهم، وجلتي إن البت ضعيفة، ومش هاتستحمل، وكان عندك حج، ولما أختها الصغيرة چات لك عشان تلحجي أختها مترددتيش لحظة، وأنا شفتك هناك بتحاولي تلحجيها، ولو كنتِ تجدري ساعتها تديها من روحك، مكنتيش أتأخرتي.
تنهد ولم يطرف لها جفنا لكلماته، ليكمل مؤكدا: اللي بجوله دِه شهادة حج يا داكتورة، مش عشان أنتِ تعبانة، ربنا العالم إنك تستاهلي أكتر من الكلام دِه مليون مرة، واللي حصل لبراءة دِه مكتوب، مهما كانت الأسباب، وأنتِ انسانة مؤمنة بجضا ربنا، ولا إيه!
كان يتمنى أن ترد عليه بأي كلمة، أن تصرخ، أن تلعن حتى ذاك اليوم الذي رأته فيه عند باب شقتها باحثا عن اخيها الهارب، لكنها لم ترد إلا بصمت تام، كان يمزق روحه.
انتفض من موضعه جوارها، عندما تنبه لدخول أحدهم بوابة البيت الكبير، كان حضرة الضابط شريف، حاول أن يتمالك أعصابه التالفة من الأساس، وهو يهتف بلهجة رسمية: خير يا حضرة االظابط، تحت أمرك.
ابتسم شريف فى أريحية، متجها إليه هاتفا: خير أكيد يا عفيف بيه، أنا نازل اجازة، وقلت أجي اطمن ع الدكتورة قبل ما أنزل.
هتف عفيف، وهو يضرب باطن كفه اليمنى، على ظهر كفه اليسرى، الممسكة بعصاه المستند عليها: فيك الخير يا شريف بيه.
هتف شريف، متجاهلا نبرة عفيف المبطنة بالغضب: على إيه يا عفيف بيه، الدكتورة عزيزة علينا، وده أقل واجب.
هتف عفيف بنفس اللهجة، التى بدأت تمتزج بالسخرية: لاااه والحجيجة يا شريف بيه، أنت جايم بالواچب وزيادة الصراحة.
قهقه شريف هاتفا: ولسه يا عفيف بيه، الواجب الحقيقي مع الدكتورة متعملش.
زم عفيف ما بين حاجبيه، هاتفا في تعجب: جصدك إيه! واچب إيه اللي متعملش!
ابتسم شريف، هاتفا في نبرة غامضة: الدكتورة ليها جميل فرقبتي، ولازم أرده، وهحاول أعمل ده فالاجازة دي بإذن الله.
هتف عفيف فى ضيق: إيه الفوازير دي يا حضرة الظابط! چَميل إيه! وترده كيف!
أكد شريف هاتفا: أنا هساعد الدكتورة تخرج من حالتها دي.
تنبه عفيف، وتساؤل متحيرا: كيف يعني!
نظر شريف لساعة يده، وهتف في عجالة: هتعرف لو قدرت أعمل كده فعلا، أشوف وشك بخير يا عفيف بيه اتأخرت جدا على ميعاد القطر.
اندفع شريف مبتعدا، قبل أن يرضي عفيف فضوله لمعرفة ما الذي يمكن ان يخرج دلال من حالتها تلك، ويقصده ذاك الأخرق، وهو لا يعلم به.
وأنار بعقله هاجس ما، هل كان حضرة الضابط يقصد أخيها! لمعت عيناه في جزل، وتمنى من صميم قلبه أن يكون الأمر كذلك، وساعتها سينتهي هذا الوضع برمته، وسيكون ذاك الضابط الأحمق، قد أسدى له خدمة العمر بحق.
لحظات، وعدل عفيف عن هذا الخاطر، فمن يعلم فالنعمانية كلها، أن الدكتورة لها أخا من الأساس، وأن أخاها ذاك، هو نفسه مهندس الري، الذي كان يزور النجع، في أوقات متفرقة!
عليه الانتظار إذن حتى عودة شريف من إجازته، وسيدرك ساعتها ماذا كان يقصد شريف، برد الجميل!
★ ★ ★ ★
جلس على أحد المقاعد أمام غرفة الأطباء في انتظار قدومها، وما هي إلا دقائق، حتى كانت ماثلة أمام باب الغرفة، دفعته ودخلت، انتظر شريف حتى هدأ وجيب قلبه لرؤيتها بعد غياب، لم يكن يعتقد أن ذلك سيكون حاله عند رؤيتها، ماذا فعلت هذه المرأة بقلبه! فما أن يلمح محياها، حتى تبدأ كل موازينه فى الاختلال!
طرق الباب وسمحت له بالدخول، ليفتح الباب في هوادة، مطلا برأسه هاتفا فى نبرة مرحة، رغبة فى مدارة ذاك الاضطراب الذى يعتريه في حضرتها: السلام عليكم يا أعظم دكتورة قلوب فبر مصر كله.
انتفضت داخليا، محاولة استجماع شتاتها، ما أن وصلتها نبرات صوته المميزة، كادت أن تبتسم لمرأه، لكنها جاهدت حتى تتصنع الجدية كعادتها فى حضرته، وردت تحيته: و عليكم السلام يا كابتن، حمد الله بالسلامة، رجعت م النجع أمتى! أكيد معاك جواب من دلال.
تقدم لداخل الغرفة، ما أثر على أعصابها كليا، وجلس قبالتها وابتسامته تلك تفعل بقلبها ما لم تخبره يوما، وهتف مؤنبا: هو انا مقدرش أجي أزورك إلا لما يكون معايا جواب من صاحبتك!
لم ترد على سؤاله، ما دفعه ليهتف في تردد: ع العموم، المرة دي مفيش جواب.
انتفضت داخليا، وهتفت فى قلق: ليه! هو حصل حاجة!
تنحنح فى محاولة لتوصيل الأحداث، بشكل يقلل من وطأة صعوبتها، وبدأ فى شرح الملابسات، وما ألت إليه حالة دلال.
انتفضت من موضعها، هاتفة في عزم: أنا لازم أروح لها، مش ممكن أسبها هناك مع الراجل المتوحش، هى ملهاش ذنب إن..
توقفت عن متابعة كلامها، الذى يفضح أمر ما لا يعرفه، فتطلع إليها فى تعجب متسائلا: ملهاش ذنب فإيه بالظبط! هو إيه الحكاية!
تحججت أن موعد فحوصاتها قد حان، وهتفت مؤكدة: أنا أتاخرت أوي ع المرضى بتوعي، ع العموم، أنا مش هسبها وهروح لها، حضرتك راجع أمتى النجع!
هتف شريف في لهفة: بعد يومين، بس لو حابة أقطع الاجازة ونسافر حالا.
أكدت: لا، يا دوب أجهز نفسي، وأقنع والدتي، ونتفق عشان طبعا مش هعرف أوصل النجع لوحدي.
أكد فى سعادة: أكيد طبعا، هكلمك ونتفق.
اومأت زينب فى هدوء، وألقت التحية على عجالة، تاركة شريف وراءها، لا تساعه الفرحة، لأن الفرصة واتته ليكون رفيق سفرها.
★ ★ ★ ★
زفرت فى ضيق، حين تناهى لمسامعها طرقات على باب شقتها، وهى غير مؤهلة حاليا لأى زوار، من شأنهم تعطيلها عن حزم أمتعتها.
اندفعت للباب تفتح في عجالة، وما أن رأت الطارق، حتى شهقت فى تعجب، هاتفة بصدمة: نديم!
ابتسم نديم، هاتفا في حرج: السلام عليكم يا دكتورة، معلش، أنا عارف إني جيت فجأة، ومن غير ما أكلمك، بس أعذريني، اصل...
قاطعته زينب موبخة، مفسحة له الطريق ليدخل: أنت بتقول إيه يا نديم! ده بيتك وبيت دلال، أنت تيجي فأي وقت، اتفضل.
هتف مضطربا: أنا مش لوحدي، أنا...
هتفت زينب في هدوء، وهى تتطلع إلى حيث يشير، وقد وقعت عيناها على ناهد: طبعا عارفة، مراتك معاك، اتفضلوا.
دلف نديم، وخلفه ناهد على استحياء، ليتساءل متعجبا: أنتِ عرفتي منين إني أتجوزت!
اضطربت زينب، ولم تعلم كيف توضح له الأمر، لكنه عاجلها بسؤال آخر، اعتقدت أنه أنقذها من إجابة الاول، فإذا به يورطها أكثر: هي دلال فين يا زينب! برن عليها تليفون البيت كتير مش بترد، ده انا قلت هلاقيها عندك!
هتفت في مراوغة، مرحبة من جديد، وهى تشير للصالون: طب اتفضلوا، هو إحنا هنقف نتكلم كده ع الباب!
دخل نديم غرفة الصالون، وتبعته ناهد، التي لم تنطق بحرف واحد، جلسا فى صمت، حتى هتف نديم متسائلا: مقلتيش يا زينب، هي فين دلال!
اضطربت زينب، وساد الصمت، ليهتف نديم في قلق: إيه! معقول دلال مرجعتش لسه من السفرية اللى راحتها دي!
ساد الصمت مجددا، ينتفض هاتفا في حدة، فقد بات واضحا أن زينب تخفي شيئا ما: في إيه يا زينب ! ما تفهميني! دلال جرالها حاجة!
انتفضت زينب على رنين باب الشقة، فاتخذته ذريعة، مبتعدة لاستطلاع الطارق ..
فتحت زينب الباب لتشهق للمرة الثانية خلال الدقائق القليلة الماضية، هاتفة فى دهشة: حضرة الظابط! هو مش ميعادنا على محطة القطر! إيه...
هتف شريف مقاطعا: الصراحة، قلت أجي أخدك بنفسي، عشان أضمن إنك مسافرة معايا، صاحبتك محتاجاكِ جدا، ومعتقدش إنك هتتأخري عليها.
هتفت زينب في اضطراب: أيوه طبعا، أكيد، مش ممكن أتأخر، بس..
كانت زينب تتطلع لباب حجرة الصالون، الذي كان مفتوحا، ما بين لحظة وآخرى، لكن شريف هتف من جديد: الدكتورة دلال لو تعرف بس إنك رايحة لها، هتخف من قبل ما توصلي، دي...
اندفع نديم من الصالون، هاتفا فى ذعر: هي دلال فين بالظبط! هي مالها، عيانة! حد يفهمني في إيه!
صرخ بجملته الأخيرة، فلجم كل من زينب وشريف عن النطق للحظات، وأخيرا هتف شريف متعجبا: حضرتك مين بالظبط! شكلك مش غريب عليا!
وضعت زينب كفها الذى يرتعش على فمها في صدمة، فقد انكشف المستور، وزاد الطين بلة، عندما اندفعت ناهد من داخل الصالون على صراخ نديم مستفهمة، ليتطلع إليها شريف مشدوها، وقد زم ما بين حاجبيه، متسائلا في دهشة: آنسة ناهد االنعماني! حضرتك بتعملي إيه هنا!