رواية المجنونه والمقبرة الفصل الخامس 5 بقلم صباح البغدادي


رواية المجنونه والمقبرة الفصل الخامس 5 بقلم صباح البغدادي


ظهور المجهولة» 

في لحظة من الصدق النادر، كانت مريم تحاول أن تعيد نبرة الجد إلى الجلسة، فتنحنحت قليلًا وقالت، وقد عادت الجدية لملامحها:


– "نتكلم جد بقى، إحنا بكرة بإذن الله..."


لكنها لم تكمل جملتها. توقفت فجأة، حين لاحظت نظرات نور التائهة، تلك النظرات التي لم تخطئها يومًا، وكأن عقلها غرق في دوامة لا مخرج منها. عيناها كانتا مثقلتين بأفكار بعيدة، تحدق في الفراغ كأنها ترى شيئًا لا تراه الأخريات.


رفعت مريم حاجبيها بقلق، وسألت بنبرة متوجسة:


– "مالك يا نور؟ سرحتي في إيه؟"


انتفضت نور فجأة، كأنها عادت إلى الواقع من غيبوبة قصيرة، تداركت نفسها سريعًا وقالت بارتباك:


– "ها؟ ولا حاجة يا مريم… كنتِ بتقولي إيه؟"


لكن مريم لم تنخدع بسهولة. نظراتها اخترقت وجه نور، وكأنها تقرأ أعماقها، ثم همست بصوت منخفض، يحمل في طياته يقينًا غريبًا:


– "نفس الحلم؟!"


اتسعت عينا ريم، وقد ارتسمت على وجهها علامات الحيرة، وسألت باستغراب:


– "حلم؟! أنتم بتتكلموا عن إيه؟!"


تنهدت نور، وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال، ثم بعد لحظة صمت قصيرة، قالت بصوت منخفض ومرتبك:


– "أنا… حلمت بنفس الرجل تاني. ضخم، ووشه جامد، وعينه… عينه فيها رهبة غريبة، كان بيتكلم بلغة مصرية قديمة… وكان بيقول: أنتِ نور العتمة… أنتِ الضوء اللي هيفتح أبواب الظلام… أنتِ آخر شعاع أمل للبلاد."


ساد الصمت، وعمّت الغرفة رهبة خفية. لثوانٍ، لم يتحرك أحد.


لكن مريم قطعت الصمت فجأة، بسخرية لاذعة، وهي ترفع يديها بحركة درامية ساخرة:


– "هاميس، ارجعي لأخيكِ أتون!"


انفجرت ريم ضاحكة، ضحكة عالية حتى كادت تقع أرضًا من شدة الضحك. أما نور، فاكتفت بنظرة هادئة نحو مريم، ثم أكملت بجديّة غريبة، غير مكترثة بسخريتهن:


– "بس تعرفوا إن في كتاب عن ديانات مصر القديمة بيقول إنهم أكتر الشعوب تدينًا؟!"


لم تفوّت مريم الفرصة، وضربت جبهتها بيدها بحركة مبالغ فيها، ثم صرخت مستنكرة:


– "خلاص! خلصنا من محاضرات دكتور إيهاب الهباب، دخلنا دلوقتي  في محاضرات الآنسة نور؟! مصر القديمة وأسرارها!"


ضحكت ريم، لكن نور استمرت ببرودها، تُكمل كلامها بثقة غريبة:


– "هيرودوت نفسه قال إن المصريين القدماء كانوا أكتر الشعوب تدينًا، واحتفالاتهم كلها دينية، والأسبوع، والأربعين، وحتى الأكل… كلها عادات ما زالت موجودة، من أيامهم."


مريم، التي لم تفوّت فرصة للسخرية، صرخت فجأة، وكأنها تكتشف أعظم الأسرار:


– "طب تعرفوا كلمة (إيوحة) معناها إيه؟!"


نظرت نور وريم إليها بدهشة مصحوبة بالضحك، متأكدتين أنها ستقول شيئًا أغرب من الحلم ذاته.


قالت ريم بسخرية، وهي تتمايل ضاحكة:


– "اتحفينا يا عبقرية عصرك، عرفينا بالثقافة الفرعونية العظيمة!"


ابتسمت مريم بخبث، وأجابت بجدية مسرحية:


– "إيوحة هو اسم أم الملك أحمس… اللي طرد الهكسوس… ومعناه: افرحي، افرحي!"


ساد الصمت لثوانٍ، وارتسم الذهول على وجهيهما، قبل أن تتبادلا نظرات غريبة، وكأنهما تبحثان عن باب للهرب من هذا الجدال الفارغ.


وبهدوء شديد، نهضتا من مكانهما، وأدارتا ظهريهما لمريم، تمشيان ببطء، بينما مريم تصرخ خلفهما بانفعال مضحك:


– "إيه؟! خدتوا المعلومة ومشيتوا؟! تبا لكم! أنتم مينفعش معاكم خير!"


وقبل أن تزيد من سخريتها، صاحت ريم من بعيد، وهي تلوح بيدها بطريقة درامية:


– "تبا لكِ أنتِ وأمثالك! دي معلومة الأطفال بيحفظوها في ابتدائي!"


ضحكت مريم من عمق قلبها، لكنها فجأة تجمدت، مع لمحة ألم ظهرت في عينيها، وقد همست بصوت خافت لا يسمعه غير قلبها:


"كنت بحاول أضحك… مش أكتر… كنت بهرب."


لكن ريم ونور أدركتا الحقيقة، فأسرعتا نحوها، توقفتا أمامها مباشرة، ونظرت نور في عينيها بصدق:


– "استني، مريم… إحنا كنا بنهزر معاكي، عشان تضحكي، وتنسي ولو شوية… إحنا معاكِ، مش هنسيبكِ لوحدك."


رفعت مريم رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بدموع حُبست طويلًا، وهمست بصوت مرتعش:


– "عارفة… بس مش قادرة أتخطى موت بابا… والله مش قادرة. فجأة لقيت نفسي وحيدة… فجأة مبقاش ليا حد."


ساد الصمت للحظات، كان صمتًا ثقيلًا، أكثر صدقًا من أي كلمات.


وفجأة، بدافع غريزي، حاولت مريم كسر هذا الجو الخانق، فرفعت حاجبها وقالت بتهكم باكٍ:


– "قصدي… مبقاش ليا حد غيركم، غيركم والله! إيه النظرات دي؟! أنتم ليه فجأة شكلُكم عامل زي الزومبي؟!"


همّت نور بالرد، لكنها تجمدت فجأة، وعيناها متسعتان بالرعب.


شهقت ريم بصوت مرتعش، وهي تهمس:


– "يا بنات… أنتم شايفين اللي أنا شايفاه؟!"


استدار الجميع ببطء، وأُسقط في أيديهن…


كانت فتاة غريبة تقف أمامهن، كأنها خرجت من كتاب تاريخ.


ثوب فرعوني ناصع البياض، مطرز بخيوط ذهبية، وتاج لامع يزين رأسها، وعيناها سوداوان غامضتان، ينعكس عليهما ضوء القمر، وتبدو وكأنها لا تنتمي لهذا الزمن.


همست ريم بذهول:


– "دي واقفة على البحر… ولا طايرة؟! هو إحنا بنتخيل ولا إيه؟!"


صرخت مريم بحدة:


– "بتسألينا إحنا؟! على أساس يعني إننا نعرفها من أيام الكلية؟!"


لكن قبل أن ينطقن بحرف، أشارت الفتاة الغريبة بيدها، وقالت بصوت هادئ، لكن يحمل رهبة غريبة:


– "مرحبًا…"


وانتشر هواء بارد في المكان… وكأن التاريخ نفسه استيقظ...! 


كانت المفاجأة أكبر من أن تُستوعب بسهولة. مريم حاولت أن تتماسك، لكنها لم تجد في عقلها سوى سؤال غريب، خرج منها دون وعي، وكأنها تحاول أن تجد تفسيرًا منطقيًا لما تراه:


– "إنتِ بجد... ولا جرافيك؟!"


لم تستطع ريم ولا نور تمالك نفسيهما، فانفجرتا ضاحكتين رغم الموقف المشحون بالتوتر. ضحكة عصبية، خليط بين الرعب والكوميديا، كمن يضحك عند حافة الهاوية.


لكن الضحك لم يدم طويلًا، فقد نطقت الفتاة الغريبة بصوت ثابت بارد، يحمل في نبرته شيئًا من الرهبة:


– "لا أفهم حديثكِ، أرجوكِ تحدثي بلغة أفهمها."


صمتت ريم للحظة، ثم تمتمت بدهشة، وهي تلتفت إلى نور باستغراب شديد:


– "يعني هي مفهمتش جملة مريم، بس هتفهم كلامك إنتِ؟!"


قبل أن تجيبها نور، قاطعتهم الفتاة بنفاد صبر واضح، وقد بدأت ملامح الضيق ترتسم على وجهها:


– "أرجوكم، كفوا عن حديثكم، لم أفهم شيئًا."


ابتلعت نور ريقها، وهمست بخوف حقيقي، وهي تشير برأسها نحو الفتاة:


– "يا بنات، لو اللي بيدور في دماغي حقيقي... يبقى ينهــــار أبيض! اللعنة بجد حلت علينا!"


لكن الفتاة التفتت إليهن ببطء، ونظرت إلى نور مباشرة بنظراتها الهادئة الثابتة، ثم قالت:


– "ما اسمكِ؟"


ترددت نور للحظات، وقد بدا على وجهها التردد والقلق، لكن تحت وطأة تلك النظرة الغامضة المهيبة، نطقت بصوت مبحوح:


– "نور... وإنتِ؟"


قالت الفتاة بهدوء:


– "ناميسا."


ساد الصمت كأن الزمن تجمد. الاسم وحده كان كافيًا لتثبيتهن في أماكنهن.


تبادلت الفتيات النظرات، وعلامات الذهول تكسو وجوههن... ما هذا الاسم؟! وأي زمن تنتمي إليه هذه الفتاة؟!


لكن "ناميسا" لم تترك لهن فرصة لالتقاط أنفاسهن، إذ تابعت بجدية، بنبرة من يعلن بدء مهمة مقدسة:


– "جئت من أجل أخي..."


ارتفع التوتر في المكان فجأة، وتبادل الجميع النظرات المرتبكة، لكن "ناميسا" لم تتوقف، بل أكملت بتركيز شديد، وكأنها لا تلاحظ حالتهن:


– "لم يعد إلينا منذ العام الماضي. بحثت عنه في كل مكان، وعندما استشرنا الحكيم حابي، أخبرنا أنه قد احتُجز في عصركم هذا... فتم اختياري لأجده وأعيده إلى عالمه."


خيم صمت ثقيل، وكأن الهواء أصبح أثقل من أن يُتنفس.


ثم فجأة، قاطعتها ريم وهي تلوح بيديها بعصبية، تحاول لملمة أفكارها المبعثرة:


– "استني استني استني... إنتِ قلتي إيه؟! الحكيم مين؟!"


ردّت "ناميسا" بجدية خالية من أي تردد:


– "الحكيم حابي."


وهنا… انفجر الضحك فجأة من جديد! ضحك عصبي، قهقهة تكسر الصمت، وكأن الموقف تحول فجأة إلى نكتة.


مريم صاحت وسط الضحك، وهي تمسك بطنها:


– "عذرًا، عذرًا! هو الحكيم اسمه حابي؟! يا نهار أبيض! إحنا في كوكب تاني ولا إيه؟!"


لكن ملامح "ناميسا" لم تهتز، بل زمت شفتيها بصرامة، وقالت بحدة وهي ترفع إصبعها تحذيرًا:


– "تأدبي يا فتاة عندما تذكرين اسم الحكيم."


سكت الجميع، وابتلعن ضحكتهن خوفًا من نظراتها الحازمة. غير أن نور، التي بدأت علامات الهلع تغزو ملامحها، همست بخوف حقيقي:


– "ينهار أبيض… إحنا في ورطة حقيقية… بجد!"


ثم أشارت إلى ريم، وقالت بنبرة متهكمة رغم التوتر:


– "هيييي! مالها دي؟! داخلة تمثّل ولا إيه؟!"


لوحت ريم بيديها بعصبية قائلة:


– "اصبري يا نور! إحنا دخلنا في مسلسل تاريخي ولا إيه؟! أيام كلها عك في عك!"


ضحكت مريم بسخرية، قبل أن تهمس بجدية:


– "هو إحنا لسه بنحلم جماعي ولا إيه؟! يعني كلنا هنصحى نقول: يااه، حلمت إني كنت قاعدة مع بنت لابسة لبس فرعوني واسمها ناميسا؟!"


بينما الفتيات يتجادلن، كانت "ناميسا" واقفة بهدوء، تتابعهن بعينين خاليتين من الانفعال، لكنها في داخلها كانت تتمعن في ملامحهن جيدًا، تبحث عن علامات معينة.


كانت تتذكر جيدًا تلك اللحظة حين وضعت دمها على "شجرة العصور"، تلك الشجرة المقدسة في معبدهم القديم، والتي تمتلك القدرة على عبور الزمن لمن يملك "قلادة الأبعاد".


قالت نور بجدية:


– "بصوا، كفاية هزار… مبدئيًا إحنا لازم نفهم مين دي؟ وجات هنا إزاي؟!"


أضافت ريم بحذر وهي تنظر للفتاة بريبة:


– "فعلاً… إحنا عايزين نعرف إنتِ جاية منين؟ وليه؟!"


لكن "ناميسا" لم تجب عن السؤال مباشرة، بل نظرت حولها بذهول، ثم أشارت إلى سيارة مسرعة تمر بالطريق:


– "ما هذه المرتفعات؟! وما هذه العجلات التي تتسابق بهذا الجنون؟!"


ابتسمت مريم ابتسامة ساخرة، وكأنها وجدت فجأة ضالتها للتهكم:


– "دي سيارات… وسيلة مواصلات حديثة يا هانم، مش مركبات حربية ولا عجلات فرعونية!"


وقبل أن يتطور الموقف، اقتربت ريم فجأة من مريم، وهمست لها بسرعة:


– "يلا يا جماعة! نلعبها بذكاء… ده عرض مسرحي عظيم عن الملكة نفرتاري! يا رب تكونوا استمتعتوا بالعرض!"


ضحكت نور بخفة وهي تحاول كتمان توترها، ثم أمسكت بذراع "ناميسا" محاولة تهدئة الوضع.


لكن "ناميسا" كانت أذكى مما توقعن، إذ قالت ببرود مريب:


– "أتعلمون؟ أنتم تحاولون الهروب من الحقيقة… ولكنني لا أبحث عن مسرحياتكم، بل عن أخي."


سألَتها نور، بجدية وقد بدأ قلبها يدق بسرعة:


– "إسمه إيه… أخوكي ده؟!"


لكن قبل أن تجيب، رفعت "ناميسا" يدها محذرة:


– "لكن… احذرن! لا أريد سماع أي ضحك على اسمه كما فعلتن مع اسمي."


نظرت الفتيات لبعضهنّ بخوف، وقد بدأن يستوعبن أن الوضع خرج عن نطاق السيطرة.


قالت "ناميسا" بنبرة صارمة:


– "إسمه… نَرمر."


ساد صمت، عيونهن اتسعت، وكأن رياحًا باردة ضربت المكان.


لم تستطع ريم تمالك نفسها، فقفزت باندهاش، وهي تهمس لمريم:


– "يا ستير… نرمر؟! يعني مش بس ناميسا… كمان نرمر! إحنا هنقلبها أيام حلوة هنا ولا إيه؟!"


لم تستطع مريم كتم ضحكتها، لكنها تداركت الموقف بسرعة وهي تغيّر نبرة صوتها:


– "بقول لكِ إيه يا أخت ناموسة… إنتِ…"


قاطعتها "ناميسا" فجأة، وعيناها تقدحان بالغضب:


– "أصمتي! أيتها الفتاة الوقحة… لقد أطلقتِ عليّ اسمًا مهينًا، وسخرتِ من اسمي واسم أخي! اللعنة عليكِ!"


اتسعت عيون الفتيات من الذهول… هل فهمت عليهم؟! كيف التقطت هذه الإهانة؟! ولماذا بدأت تشعر بالغضب فجأة؟


همست نور بذهول:


– "يا بنات! هي… هي فهمت كلمة ناموسة؟! ده شكلها متفرجة علينا من الأول!"


صرخت "ناميسا" بغضب، وهي تحدق في مريم بشراسة:


– "ما معنى كلمة ناموسة؟! ماذا تعني؟!"


ابتلعت مريم ريقها بارتباك، قبل أن تهمس لنور، محاولة تبرير الأمر:


– "يا بنتي… أنا بتهيألي كلمة ناموسة دي عندنا حاجة، وعندها حاجة تانية خالص!"


لكن نور، وهي تحاول تهدئة الأجواء، قالت بسرعة:


– "اسكتي يا مريم شوية! خلينا نفهم منها الأول… جات هنا ليه؟ وقصة نرمر ده إيه؟!"


تمتمت مريم بسخرية مريرة:


– "خلصنا من ناميسا عشان نخش في نرمر… إحنا مش هنشوف أيام غير المرار هنا!"


لكن رغم التهكم، جلسن أخيرًا بجدية، ينصتن بذهول لقصة "ناميسا"، التي بدأت تحكيها بنبرة باردة، كأنها تسرد حكاية من كتاب مغلق منذ آلاف السنين.


كل كلمة تنطق بها كانت تغوص بهنّ أكثر داخل لغز غامض، أشبه بلعنة قديمة تعود للحياة أمام أعينهن.


لقد بدأ اللغز... وما زالت خيوطه تتشابك أكثر فأكثر.....


                   الفصل السادس من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة