
رواية قناص قلبي الفصل السادس 6 بقلم نانسي عاشور
الحلم الذي بدأ يتذكر
لم تكن باريس نائمة عندما عاد ظافر…
لكن داخله كان صامتًا بشكل غريب.
السيارة السوداء توقفت أمام مقر الكتيبة، مبنى رمادي بلا اسم، بلا لافتة، بلا أي شيء يدل على ما يحدث داخله. مكان يشبه الرجال الذين يعملون فيه… بلا ملامح.
نزل ببطء، خطواته ثابتة كما اعتاد دائمًا.
كل شيء كان طبيعيًا… إلا رأسه.
دخل الممر الطويل، حيّا الحراس بإيماءة خفيفة، ثم اتجه إلى غرفته.
أغلق الباب خلفه.
الصمت.
خلع سترته ووضعها على الكرسي، فك ربطة عنقه، ثم جلس على حافة السرير.
بقي هكذا… دون أن يتحرك.
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن يفكر في مهمة.
ولا في هدف.
ولا في خطة.
كان يفكر… في فتاة.
زفر ببطء، وكأنه يوبّخ نفسه على الفكرة.
“سخيف…”
لكن الصورة لم تختفِ.
فتاة تقف تحت ضوء الحديقة.
شعرها يتحرك مع الهواء.
عيناها الزرقاوان… الهادئتان بشكل لا يناسب عالمه إطلاقًا.
تذكّر اللحظة التي انحنت فيها نحو الوردة.
الطريقة التي أغمضت بها عينيها وهي تستنشق عبيرها.
وكأن العالم كله توقف… ليترك لها تلك اللحظة فقط.
تذكّر صوتها الخافت وهي تهمس للزهرة:
أنها أجمل شيء في الدنيا.
شدّ قبضته دون وعي.
لماذا تذكّر هذا تحديدًا؟
لماذا بقيت هذه التفصيلة الصغيرة داخل رأسه وكأنها حدث عظيم؟
مرر يده في شعره بضيق.
قام، أطفأ الضوء، وتمدد على السرير.
أغمض عينيه…
وسقط في النوم سريعًا كمن هرب إليه.
في الحلم…
كان صغيرًا.
أصغر بكثير مما يودّ أن يتذكر.
غرفة ضيقة، جدران باهتة، صوت صراخ رجل يملأ المكان.
قبضة قاسية تمسك بذراعه وتهزه بعنف.
كان الألم حقيقيًا لدرجة جعلت صدره يضيق حتى وهو نائم.
“انهض! أنت بلا فائدة!”
ضربة أخرى.
وقبل أن تهبط الضربة التالية…
ظهر صوت صغير غاضب.
“توقف!”
صمت الرجل لحظة.
التفت ظافر الطفل ببطء… ورآها.
طفلة صغيرة تقف عند الباب، شعرها طويل، عيناها زرقاوان مشتعلة بالغضب.
كانت ترتجف… لكنها لم تتراجع خطوة.
اقتربت وسحبت ذراعه من يد الرجل بقوة طفولية بريئة.
“لا تضربه! هذا خطأ!”
ضحك الرجل بسخرية:
“ومن أنتِ؟”
رفعت ذقنها بعناد:
“صديقته.”
الكلمة سقطت في قلبه الصغير كدفء لم يعرفه من قبل.
أمسكت يده وسحبته خلفها.
ثم التفتت نحوه وهمست:
“لا تخف… أنا هنا.”
استيقظ فجأة.
جلس على السرير وأنفاسه متسارعة.
الغرفة مظلمة… صامتة… فارغة.
وهو ليس طفلًا منذ زمن طويل.
مرر يده على وجهه ببطء.
قلبه ينبض بسرعة غريبة.
“حلم…”
لكن الإحساس كان حقيقيًا أكثر من اللازم.
عاد إلى النوم.
في الليلة التالية…
عاد الحلم.
لكنها لم تكن طفلة هذه المرة.
كانت شابة.
تقف وسط ظلام كثيف، شعرها يتطاير حول وجهها، وعيناها ممتلئتان بالخوف.
تنظر إليه مباشرة.
تمد يدها نحوه.
“أنقذني…”
اقترب خطوة.
صوتها انكسر:
“أنت الوحيد الذي يستطيع… أرجوك.”
مد يده…
وقبل أن يلمسها… استيقظ.
جلس يلهث في الظلام.
ليلة أخرى.
ثم أخرى.
الحلم يتكرر.
المهمات تتوالى.
الرصاص ينطلق.
الأهداف تسقط.
لكن بين كل مهمة وأخرى…
كانت هي تعود.
“أنقذني…”
وبدأ شيء داخله يتغيّر ببطء.
في إحدى الليالي، كان في حفلة رسمية أخرى، في مدينة أخرى، وسط وجوه أخرى.
كلمات… ضحكات… موسيقى.
ثم سمع الاسم.
السفير الفرنسي جاد الدالي.
تجمّد.
سأل بهدوء محسوب:
“هل سيحضر؟”
“نعم، مع عائلته عادة… لكن ابنته سافرت هذا الأسبوع.”
شعر بشيء يهبط في صدره فجأة.
“إلى أين؟”
“كوريا. إجازة مع والدتها.”
كوريا.
كرر الكلمة داخله وكأنها تبعد آلاف الكيلومترات أكثر مما ينبغي.
وقف في الحديقة بعد الحفل بوقت طويل.
ينظر إلى الورود المزروعة على الجانبين.
نفس الورود.
نفس الصمت.
لكنها لم تكن هناك.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر ظافر بشيء يشبه الفراغ الحقيقي.
كأن شيئًا منه…
سافر دون أن يخبره..