
رواية جمعية حب الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم شمس محمد بكري
|| كلماته سلاحٌ ذو حديْنِ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ "نسمة" ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
ما هو أقسى ما يمرُ على المرء؟..
رُبما الحرمان، التيه، الضياع، رُبما الفراق، وقد يكون الفقد لأشياءٍ كانت تُمثل الروح له، كلها مشاعر قاسية قد يواجهها المرء بجهلٍ منه في مواجهتها الضارية عليه.
لكن لا شك أن الأقسى والأقوى يكون حين يُغربك موطنك بعد أن كنت آمنًا به، حين تقسو عليك حدود موطنك وتعاملك معاملة الخائن بعدما كنت محاربًا عظيمًا لأجلها، الأقسى حقًا أن تُطرد من جحيمٍ ضحيت بجنتك لأجلهِ..
أتعرف معنى أن يخونك موطنك وأنتَ كنت تفديه بروحك؟
أتعرف مقصد أن يبيعك الطريق للمارة وأنتَ أفنيت عُمرك في حماية مساحته؟.
<"لم أجد بلدًا تأويني، أتيتُك بغربتي لأجدك غُربةً تعتريني">
دومًا الصفعة الأولى هي التي تترك الأثر الأقوىٰ..
بعدها قد تعتاد الألم، وربما تُرافق التعود، وقد تألف الفعل حتى تُصادق في النهاية تخدل الوجنتين من كثرة الصفعات، وحدها فقط المرة الأولى هي التي تملك كل الصعوبة، وما بعدها يكون اعتياديًا؛ أو قد تكون اعتدته أنتَ.
ولج "سُليمان" وطالت النظرات بينهما، فكان "سالم" يجلس فوق الفراش بعجزٍ ورأسه منكسة للأسفلِ، وشقيقه يقف على أقدامه كأنه يخشى الاقتراب منه..
نبس اسمه بخوفٍ وترددٍ كأنه يرتاب أخذ هذه الخطوة، يخشى أن يفعلها فلا يجد إلا الرد المعتاد منذ أشهر، بينما الآخر فرفع عينيه نحو مُلتقى عيني شقيقه لكن نظرته لن يستطع "سُليمان" أن ينساها ما دام عاش فوق الأرضِ، لقد رمقه بنظرة انكسارٍ وهوانٍ قتلته آلاف المرات، نظرة غريبة يراها للمرةِ الأولى كأنه يطعنه بخنجرٍ…
وقد كان "سالم" لا يتذكر شيئًا إلا المشهد الأخير له قبل أن يضيع في غياهب الليل السرمدي وتُصبح حالته شبه ميؤوسٍ منها، كان يتذكر الليلة التي كانت بها بين أحضانه وبكل أسفٍ تهزي وتهمس باسم شقيقه هو، حين كانت معه فقط بالهيئةِ والشكل والجسد، لكن الروح والقلب والمشاعر كانت تنادي باسم رجلٍ غيره، ومن هُنا انقلبت الأحوال رأسًا على عقبٍ..
وهو لا يُدرك موضعه في تلك القصة تحديدًا، كأنه بحارٌ شاردٌ بسفينته وسط البحرِ.
همسها باسم شقيقه ليلتها لن ينساه هو، الطريقة بذاتها جعلته يشعر بالإشمئزاز منها ومن قُربها منه، وقتها ترك الفراش وغادره ثم خطفها بعنفٍ من ذراعها وهدر في وجهها بصراخٍ:
_سليمان !! أنتِ نايمة جنبي وبتنادي أخويا؟ أنتِ واعية لنفسك؟.
ارتعدت فرائضها وأجفلت من صرخاته وقد دَّب الذُعر في أوصالها، حيثُ كان يهزها بعنفٍ في قبضتهِ وهي تشعر أن روحها تنسحب بالبطيء من أمامه، ولم تجد مفرًا غير المفر بذاته من بين براثنه، أو التبجح كأنها تعالجه بالصدمةِ، لذا دفعته بحدةٍ مقصودة وهي تصرخ باهتياجٍ أشبه باهتياج الأمواج:
_أوعى بقى، آه واعية وواعية أوي كمان، هتعمل نفسك مش واعي يعني؟ مش باين عليا إني بحبه؟ مش باين إني مش طايقاك ومش طايقة قُربك مني حتى؟.
في الحقيقة هو لم يدرك قسوة مشاعر بمثل ما أدرك لتوهِ، فرغ فاهه وتدلىٰ فكهُ بصدمةٍ، عيناه أصبحتا مجوفتين وفارغتين من كل معنىٰ، الوجع صرخ من عينيه كي يتحرر ويُعلن عن نفسه، كفاه لهذا الحد أن يبقى وجعه مكبوتًا ومحصورًا خلف أهدابه، طال النظر بينه وبينها فوجدها تُدلك موضع يده فوق مرفقها وقالت بصوتٍ مملوء بالكُره والنفور:
_خلاص مش قادرة أتحملك أكتر من كدا، مش طايقاك تقرب مني، مش طايقة أعيش معاك تاني، ماحبيتكش ومش بحبك ومش هحبك، أنا بحبه هو، ونفسي أكون معاه هو، وهفضل كل مرة أتخيله هو، سيبني بقى لو عندك دم، سيبني يا أخي.
مع كل كلمةٍ كانت تطعنه في قلبه بخنجر كلماتها، تدمي قلبه دون أن تشعر بمَّ يُعانيه رجلٌ مثله في مثل هذا الموقف، كان يشعر كأن موطنه يضعه في أسرٍ بغير عودةٍ ولا حُريةٍ، يخفيه خلف الغمامِ دون أن يرى بعينيهِ شعاع نورٍ، لذا هجم عليها يمسك ذقنها بقبضةٍ من حديدٍ فولاذي وهدر في وجهها:
_ليكِ عين تتكلمي يا فاجرة؟ أنتِ عارفة وصفك إيه؟ أنتِ الزبالة أنضف منك، وحاضر هطلقك، بس أقسم بالله زي ما رفعتك وعملتلك قيمة قدام الناس وكبرتك، لأطلقك قدام الكل بعدما أرميكِ لأهلك اللي ضحكوا علينا وخلونا نعمل قيمة لواحدة **** زيك.
دفعها من يده وهو يرميها بسهام عينيه الحادتينِ، يُرشقها بنظرةٍ حادة وياليتها النظرات تقتل، ياليت عيناه تفعلها كما فعلتها هي وظلت تطعنه في رجولته وكرامته، التفت يسحب حقيبة كبيرة الحجم بغضبٍ أعمى، يتحرك كما الإعصار يقتلع الثوابت من جذورها، يتنفس بصعوبةٍ بالغة وعقله يرسم له مئات الخيالات عن سهولة قتلها.
دفع الحقيبة فوق الفراش وظل يخطف كل شيءٍ يخصها، يُلملم حاجاتها وبذلك يُلملم بعثرة نفسه التي ضربتها هي بكتل رياحها العصيبة، ظل يدفع كل شيءٍ وهو يتعجب من قوته الغريبة في أفعاله، يتحرك بنشاطٍ واندفاعٍ كما الثور المنطلق في حلبة رقصٍ، تعجب حتى من رغبات جسده في الإندفاع والقوةِ، شعر بضربات قلبه تزداد أكثر، الأرض تميد به، النفس يضيق كأنه في قبرٍ والتُراب يُرمى عليه بداخلهِ، جبينه تندى والظلام يزداد حوله، لم يعد يسمع كما كان، طنينٌ أصاب أذنه ثم غاب..
أُطبِقَت جفونهُ فوق بعضها وغابت نظراته حيث سقط فوق الفراش وغاب عن الوعي، ارتمى وهو يشعر أنه على بُعد خطٍ رفيعٍ من الموتِ، وقتها هو مات فعلًا، تردى قتيلًا بيد من عاش يأويها ويحميها، منذ هذا الحين وهو لم يعِ لشيءٍ قط، حتى لم يعِ لما حدث بعد ذلك التوقيت، لكنه ما استفاق في المرةِ الثانية؛ تذكر، تذكر وياليت الذاكرة ما لم تفعلها، لقد عاد عقله ووعيه ورُشده لتكون الذكرى بمثابة خنجرٍ في روحه..
خرج من شروده على همس شقيقه باسمه، رفع عينيه نحوه ولأول مرةٍ تكون المواجهة صريحة بهذا الشكل بينهما، مواجهة بين شيئين نقيضين لبعضهما، حيث اللهفة والقلق نظير الخذلان والخجل، كان "سالم" يشعر بالهزيمة والانكسار أمام شقيقه، لكنه جاهد نفسه كي يكون ثابتًا:
_إزيك يا سليمان؟ وحشتني.
حينها اندفع "سُليمان" واحتضنه بقوةٍ، يحضتنه كي يُبرهن لنفسه أن ضياعه لم يحن بعد، يؤكد لنفسه أن ظهره لازال مستقيمًا دون أن ينحني، لازال كما هو يجد الجدار الذي يتكيء عليه، وقد جاهد الآخر كي يضمه لكنه لم يستطع، شعر بتضاربٍ في مشاعره حيث الضياع والتيه، كأن هناك جدارٌ بقوةٍ متينة يفصل بينهما، عقله يسأله عن سبب حبها وهوسها بشقيقه، فيرد القلب مدافعًا عن أبكر الأبناء حيثُ يقول بلهفةٍ له
"أن هذا هو الابن الأول له ولن يخون الابن أباه"
ابتعد عنه "سُليمان" حين استشعر جموده وصلدته معه، عاد للخلف يفصل العناق ثم سأله بنبرةٍ مرتابة من مجرد السؤال:
_أنتَ كويس؟ حاسس بحاجة طيب؟.
لم ينطق الآخر ولم يرد، فقط نكس رأسه للأسفلِ وهرب بعينيه كأنه خائنٌ يخشى المواجهةِ بالنظرِ، تمامًا كما لو كان من خائني المقاومة الشريفة لينضم للطرف الثاني، تابعه "سُليمان" بضياعٍ وغامت عيناه بنظراتٍ غير مُفسرة؛ لكنها مضطربة، وقد ولجت "ثُريه" تهرول لابنها الذي ما إن لمحها دفن نفسه في عناقها، تشبث بها بطريقةٍ غريبة، بكت وهي تحتضنه، هذا العناق الذي حُرِمت منه رُغمًا عنها وعنه، كأنه طفلٌ ضاع وسط قبيلةٍ قامت الحرب فجأةً وانتشرت بها الصرخات، وضاع الصغير من أمهِ في غيابة الجُبِّ..
تعجب "سُليمان" من عناقه لأمه وعدم فعلها معه، شيءٌ ما أنذره بهول الأمر وخطورته، بقوة الصدمة والخذلان الذي في طريقهما إليه، ترك عينيه تسبحان في الفراغ لحين يهتدي عقله، وقد كان "سالم" في عناقِ أمه وهي تبكي ثم ابتعد عنها ولثَّم جبينها وهو يكتم انفجار عبراته، ثم همس لها بشوقٍ جارفٍ:
_وحشتيني يا أم سالم.
_وأنتَ يا روح قلب أم سالم، وحشتني أوي، وحشني صوتك وحضنك وعيونك ووجودك، ربنا ما يوجع قلبي عليك يا رب.
ضمته لعناقها فارتمى فيه كما يرتمي المحارب العظيم فوق تراب موطنه بعد عودته سالمًا من حربٍ دامية أشبه بحروب طروادة، لكن كلفه الأمر الكثير من العناء، الويلات، العذاب، ضياع النفس، غربة الحال، تيه الرُشد، مجرد كلمة وافق بها على أمرٍ يتلقى بها العذاب عمرًا، ظل "سُليمان" يراقب مشهدهما سويًا ثم التفّت فوجد "رحمة" أمامه تطالعه بحزنٍ والذنب منطوقٌ من عينيها.
ضاق المكان عليه وشعر بأنفاسه تختنق، نظرات الاثنين غير مُفسرةٍ، لم يفهم مقصدها الرائي أهي نظرات خوف، أم حزن، أم مجرد وهجٍ وانطفأ، لكن الأكيد أن الأعين لم تعد كما كانت لامعة، كلٌ منهم يبكي على ليلاه وكلٌ منهم قلبه يعرف حقيقة واحدة لم يجرؤ على تخبئتها، أنه خُذل، منهم من خذلته نفسه، ومنهم من خذله القريب، ومنهم ومن خذله موطنه حين اعتبره خائنًا لأراضيه..
____________________________________
<"لمَّ الحياة هكذا قاسية مع الحنون؟">
يقولون أن الدنيا هذه هي جنة الكافر..
ملاذ الأبله، حُرية للا مبُالي بالحياةِ، أمَّا الواعي الذي يُدرك جحيمها فهو يعيش في عذابٍ، تُقلبه النيران على جانبيه وتعقد سعيرها في صدرهِ، وتتركه برمادهِ يحاول ترميم نفسه..
لكن منذ متى والرماد عاد من جديد لسابق عهده قبل الاحتراق؟.
كان "آدم" في مطعمه ساهرًا لبعد منتصف الليل، يقف بثباتٍ وهو يعمل بكل طاقته ونشاطه، اليوم لديه حفلٌ في غاية الأهمية، حيثٌ الحفل المُقام بمطعمه لواحدٍ يتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع، وهو يسعى كي يكون الأفضل دومًا، ينتهز كل فرصةٍ كي يثأر في وجه العالم لنفسه، مشاعر الرفض التي تعرض لها جعلته يتمنى أن يعرفه العالم بأكمله ويعرف من هو..
وقد أنهي الحفل أخيرًا وهو يتقاضى الإعجاب والإطراء نظير خدماته المميزة، المعاملة الحسنة مع العملاء، الخدمات الفائقة التي يُقدمها بأفضل الأسعار والأساليب، فانتهى يومه بنهاية يرضاها لنفسه، وقد جلس يُلملم بعثرة المطبخ الكبير ويعاون طاقم العمل، ثم قدم لهم الطعام الموجود في المكان.
نادىٰ طاقم العمل كي يتناولون الطعام قبل الرحيل وهم يتضرعون للخالق مبتهلين لأجله هو، وقد تركهم وانسحب يخرج هاتفه ثم طلب رقم أخيه، جاوبه "أدهـم" على الفورِ وهو يقول بحماسٍ:
_حبيب قلبي، وحشتني أوي طمني عليك أنتَ بخير؟.
وصله الحنان عبر الهاتف وكأن "أدهـم" ترك لمشاعره السيطرة، لذا ابتسم الآخر وقال بثباتٍ:
_بخير والله، أنتَ كمان وحشتني، بقولك إيه ما تيجي تقعد معايا واعشيك عشوة حلوة وأظبطك وأرُم عضمك، أنتَ راجل داخل على جواز وكلها أيام وتبقى عريس، تعالى وأنا قاعد مستنيك.
_ماشي يا عم، هخلص بس بيعة كدا وأجيلك مسافة السكة.
وبالفعل أنهى عمله ثم قصد الطريق نحو وجهته لمطعم أخيه، كان يشتاق لرؤيته وأحاديثه والاطمئنان عليه، يشعر أنه ينتمي له بالفعلِ دون أي مُزايداتٍ أو أكاذيبٍ أو زيفٍ في حقيقة انتماءه له، يركض نحوه لأنه يعلم أنه الحقيقة الوحيدة في عالم الخداعِ والكذب، وبمجرد أن ولج المطعم وقصد مطبخه لمحه بعينيه يجلس بعيدًا عن الكلِ، الهاتف بجوارهِ ومن المؤكد يستمع لكتابٍ يُقرأ، أو أحد الموشحات الأندلسية.
اقترب وجلس بجواره ثم حاوط كتفه بكفهِ اليسرى وجلس بجواره وحينها ضمه "آدم" يعلن الترحيب به حين يندثر في عناقه، ضمه "أدهـم" مُربتًا فوق ظهره ثم ابتعد عنه ومازحه بضحكةٍ واسعة شقت الطريق نحو ملامحه:
_حسدوا الأخوات على لمتهم جت عُـلا وفرقتهم.
ضحك "آدم" بصوتٍ عالٍ حتى جلجلت ضحكته عاليًا في المكان، ثم ابتعد عن أخيه وأشار له كي يتبعه، حينها تحرك والآخر خلفه يتبعه في المكان حتى وصل عند طاولة بالخارج في الطابق الثاني، جلس "أدهـم" بينما شقيقه بدل ثيابه ثم أتى له بالطعام ودعاه يتناوله، والآخر حقًا قد اشتاق لهذا المذاق المميز، جلس يتناول الطعام وحده والآخر يراقبه وهو يبتسم حينما كان يحتسي قهوته في صمتٍ، إلا من موسيقى هادئة في الخلف جعلت "أدهـم" يسأله بتعجبٍ:
_أنتَ مش هتاكل معايا؟ يلا يابني.
_ما أنتَ عارف لما بيكون ورايا يوم مهم مش بعرف آكل، كُل بس وقولي إيه رأيك؟ اللحمة دي عاملها بطريقة مختلفة، هبقى أعملهالك ليلة فرحك علشان ماتقولش عيلة العروسة بخلانة عليك بحاجة، إحنا ناس عينيها مليانة.
مازحه بهذا القول فجلجلت ضحكات الآخر عاليًا، ضحكا سويًا مع بعضهما يمازح كلاهما الآخر وقد ساد الصمت مُجددًا بينهما، لكن لم يُخفَ على "أدهـم" محاولة "آدم" البائسة في التحدث وفتح الكلامِ، فترك الطعام وأطلق تنهيدة قوية ثم باشره هو بالكلامِ في محاولةٍ منه لسبر أغواره:
_أنتَ ليه عاوز تقول حاجة وبترجع فيها؟ ما تقول يا "آدم" لازمته إيه اللف والدوران علشان تنطق؟.
نطق كلماته والآخر لم يتعجب من الحديثِ، هو يعلم أن الآخر يفهمه ويعرف أدق تفاصيله، يفهمه من نظرةٍ واحدة يُلاقي بها عينيه في دروب التيه ليرشده حيث عقله ووعيه، وقد كان الأمر كذلك حيث تخلى "آدم" عن توتره واضطرابه ثم بدأ الحديث بقوله الذي أتى رزينًا بهدوءٍ وثباتٍ:
_طب بص من غير لف ودوران علشان دي مش سكتك ومش سكتّي، محدش فينا غاوي لف ودوران، أنا عاوز منك رد واضح ومنطقي في حال لو جدك عرف بحوار جوازك من عُـلا أختي، وقتها العمل إيه؟.
أنهى الحديث دفعةً واحدة كأنه طالبٌ يُنهي آخر كلمات الاختبار حتى يذهب ويستمتع باجازته وعطلته، يركض مهرولًا غير مكترثٍ بنتيجةٍ؛ كأن ما يهمهُ فقط أن تتعطل الدراسة وتنتهي الاختبارات، وهكذا هو لم يُبال بأي نتائج غير فقط أن يُخرج هوجاء أفكاره واضطراب خواطره.
وعلى النقيض كانت نظرات "أدهـم" المتحفزة، نظرات حادة لكن رغم ذلك تائهة، عيناه تكتمان شيئًا لم يجرؤ هو على إفصاحه، كأنه يخفي وجعًا، لكنه تنهد بقوةٍ ثم أخبره مباشرةً:
_دي أول مرة أحس إنك بقى فارقلك حد غيري في حياتك، كل مرة بيكون همك أنا وبس أيًا كان الموقف يعني، أفرض يا سيدي قولتلك مش هقدر أعمل حاجة وأقف قصاده، هتعمل إيه؟.
شعر "آدم" أنه بين مطرقة وسندانٍ، حبيسٌ بين نارين ولا يعلم أيهما أقل فتكًا وهلاكًا على جسدهِ، لكنه ترك موضعه وسحب المقعد وجلس بقرب أخيه وقال بلهفةٍ يستجديه:
_اسمعني بس، قبل ما تفهمني غلط أنا يهمني أنتَ وهي، تفتكر يعني لو فكر يقرب منك أنا هسكت؟ مستحيل طبعًا أعمل كدا، بالنسبة ليا أنتَ وهي عيلتي كلها، وعاوزك تقدر موقفي، زي ما في يوم كنت أنا أمانة في رقبتك، جه اليوم اللي هي تكون فيه أمانة في رقبتي، أنتَ قصرت معايا علشان تتخيل إني أقصر معاها؟.
مشاعر كلاهما متضاربة، كلاهما يسعى لأجل توفير الأمان للآخرين، فتنهد "أدهـم" ثم مسح كفيه واعتدل بظهره يستقيم للخلفِ ثم قال بثباتٍ وهدوءٍ:
_مش عاوزك تقصر معاها، ولا عاوزك تشيل همها طالما هبقى أنا الراجل بتاعها، وزي ما وقفت في وشه علشانك أنتَ، مستعد أقف في وشه تاني وتالت علشانها هي، هنروح بعيد ليه؟ فرحي على أختك آخر الأسبوع دا وجهزوا نفسكم، أنا عن نفسي جاهز ومستعد كمان.
عقد "آدم" حاجبيه وكرر خلفه الموعد مستنكرًا، فابتسم الثاني بزهوٍ وكأنه يُجيد صيد فريسته وقتما يُتاح له الوقت الذي يجعله رابحًا من كل حدبٍ وصوبٍ، ثم مال للأمام وقال بهدوءٍ:
_هكلمك راجل لراجل من غير حسبة النسب والأخوة اللي بينا دي، أنا راجل مسيري يوم هتجوز، فطرتي كدا وأنا مش هترهبن، ومسيري يوم ما أدور هدور على بنت حلال وأصول تشيل اسمي، مايبقاش حظي في واحدة طماعة، ولا واحدة قليلة أصل، وأنا بصفتي ابن سوق وتاجر بيفهم، أحب أقولك إن أختك بنت أصول، واللي عملته قدام ابن عمها وهي بتكبرني، يخليني أكتب عليها دلوقتي قبل بكرة.
حديث أخيه أثلج روحه الملتهبة بين جنبات النيران، هدأت عواصف أفكاره الهوجاء وساد الصمت في رأسه بعد أن توقفت حرب السيوف داخل رأسه، لكنه أفصح عن السؤال بقوله:
_طب لو جدك رفضها؟ هتعمل إيه؟ هتسيبها؟.
_والله في الحالة دي بقى هيبان مين الشاري ومين البايع، تفتكر يعني لو جدي أجبرني أسيبها هسيبها؟ يبقى أنا من الأول مش شاري وداخلها لعب عيال، لكن الراجل الشاري بجد مايفرقش معاه غير إنه ياخد اللي بيحبها، بعدين هو أنا عيل صغير علشان جدي يمنعني ويحبسني والهبل دا؟ أنا راجل ليا وزني وكلمتي، وكلمتي قصاد كلمته.
كان التحدي يسود عينيه، نظراته تنطق بما ينتوي عليه لأجلها هي في حربه مع جده، دون أن يقول نظراته أفصحت، ودون أن يفعل عيناه أوضحت، تلك المرة الحرب بينه وبين جده ستكون أكثر شراسةً، كأنه صراع الفريسة مع الضارية، لكن بعد أن أصبحت تلك الفريسة ضارية هي الأخرى.
وفي بيت الشيمي…
بالشقة تحديدًا التي تجلس فيها "عُـلا" كانت تجلس بمللٍ وهي تتابع التلفاز الذي لم يستحوذ قط على اهتمامها، ظلت تتحرك هنا وهناك وتبحث في الشقة حتى وجدت غرفة مغلقة في نهاية الرواق الثالث، عقدت حاجبيها ووقفت أمام باب الغرفة الرمادي وظلت تفكر في تلك الغرفة، فضولها يدفعها، واحترامها للخصوصيةِ يمنعها، وبين السلاحين تركت عقلها.
تغلب عليها فضولها ففتحت الغُرفة وولجتها بهدوءٍ، فتحت الضوء لتجدها غرفة كبيرة الحجم، بها خزانة ملابس ضخمة بواجهة زجاجية مُضاءة، ثم فراش كبير مخملي باللون الرمادي وكذلك الأريكة وشاشة التلفاز الكُبرى، تعجبت من الغرفة وحجمها والمرحاض الموجود فيها ثم الشُرفة الواسعة التي رأت فيها الزرع الأخضر ووجدت فيها بيتًا لسلحفاة صغيرة الحجم..
عقدت حاجبيها وظلت تتجول في الغرفة حتى لمحت صورته وسط مجموعة سيارات فارهة، كانت الصورة باللون الأبيض والأسود معًا، لكنها أظهرت القوة والشموخ فيها، صورة أخرى له بجوار كلبه، ثم صورة أخرى مع "آدم" في حفل تخرجه، ثم صورة له مع والده في صغره، ووجدت خلفها جدارًا يحمل العديد من صور الحيوانات المفترسة ملتصقة فوق أوراق الجرائد التي لازال يقرأها هو..
لاحظت اهتمامه الكبير بالحيوانات بمختلف أنواعها، كما أنها عرفت صدفةً من وسط أحاديث عمته عنه أن قناته المفضلة في التلفاز هي قناة "ناشيونال جيوجرافيك" التي تجعله على داريةٍ كافية بعالم الفريسة والضواري، ابتسمت لأجل تلك الكوكبة التي تتمتع بها شخصيته، ولم تغفل عن حنوهِ وأمانه أيضًا، كان ولازال هو المسؤول عن ذكرى الأمس ومواقف اليوم، كأنه امتلك حياتها لتكون باسمه هو فقط.
كأن قلبها يُخبرها أن الضائع حين يعود
يجد بيتًا دافئًا ليأويه بين جدرانه،
وهي وجدت بيتها وسكنها فيه
منذ أن عادت ووجدت في عينيه موطنها،
لتقول دومًا فيما بعد أن عينيه موطنٌ وهي شريدة بين الأوطان.
____________________________________
<"من لم يَعد وحده للأسكندرية، سوف تجذّبهُ شواطئها">
كل البُلدان في غاية القسوة،
وكل الحدود في غاية الصعوبة،
ورُغم اكتظاظ العالم بالبشرِ إلا أن بداخل كلٍ منّا فراغٌ ووحدةٌ لم تُسَّد فجواتها، تترك ثقوبًا فينا تجعلنا نبحث عن أجوبةٍ والأغرب أننا لم نعرف ما هي الأسئلةِ التي نبحث عن أجوبةٍ لها..
لكن يبدو أن الفراغ هو الذي يسود؛ فيقود.
صباحًا في مدينة الاسكندرية تحديدًا بمنطقة "المكس"..
حيث الأصل بذاته لتلك المنطقة، من بين المباني الخشبية والمراكب الصغيرة، والبيوت المتهالكة التي تحمل عبق التاريخ بأكمله فوق جُدرانها وكأن الماضي غزَّل خطوطه بنفسه؛ فيكون الأثر واضحًا لعين الرائي أن تلك الحكاية لم تمر فحسب..
وكذلك بعض العقول لا تترك لنفسها ثأرًا، تنبش في كل الصخور كما القط العالق بين نتوء الجبال والهضاب ويلهث كي يصل للقمةِ، لكنه يغفل أن الطريق للقمةِ قد يُنهي عليه لطالما كانت الوسيلة غير متزنة، بل هي مختلة من عقلٍ مختل.
كان "مأمـون" يجلس بجوار أبيه الذي كان يتحرك بمركبه بعد أن اصطاد السمك اليوم، كانت ملامحه واجمة ويشعر بالضيق ممن هُم حوله، بالأخص سلبية أبيه أمام تجبر أخوته، لذا حين قفز من المركب عند المرسى وقف يضع كلا كفيه في جيبه، بينما والده تحرك يجلس فوق المقعد وناداه يجاوره بقوله:
_أفرد وشك وتعالى أشرب كوباية شاي تدفيك.
اقترب منه بتمهلٍ وبخطى وئيدة كأنه يخشى الاقتراب ثم جلس بقربه وتنهد وقال بضجر:
_مش عاوز أشرب حاجة، ماليش نفس.
راقبه أبوه يستبين غبطة ملامحه وضيق حاله البائن فوق قسمات وجهه؛ ثم ابتسم بسخريةٍ وتشدق باستهتارٍ:
_هتفضل مالكش نفس كدا لحد إمتى؟ من ساعة ما رجعت من عند المحروسة بنت عمك وأنتَ قالب بوزك في بوزنا كلنا، قال يعني الحب كان مقطع بعضه بينكم، أومال لو مش أمك اللي خاطبهالك بقى؟ عليا برضه يا مأمـون الكلام دا؟.
_لأ يا سيدي مش عليك، بس أنا لحد دلوقتي مش فاهم كان لازمته إيه اللي حصل دا كله من الأول؟ البيت واتباع من وراها وخدته نصيبها فيه، والورق بتاع ياقوت اللي كان معاها خدتوه والمعاش وكل فلوسها بقت في إيديكم، كان لازمتها من الأول إيه بقى لما البت كانت عاوزة تعيش وخلاص؟ فكرك يعني هلاقي واحدة ترضى بظروفي دي تاني؟.
أنهى الحديث بضجرٍ وضيق حالٍ ظهر في كل كلمةٍ صدرت منه، وقد صدحت ضحكات والده بصوتٍ عالٍ جعله يندهش حتى سعل والده وتوقفت ضحكاته ثم جاهد كي ينطق من بين ضحكاته:
_يخيبك يا واد، قول كدا بقى إنك كنت عاوز تتجوز وتخلص، مش علشان سواد عيونها هي يعني، وأنا اللي قولت الواد خاب وهيخيبنا، بس على العموم اتطمن، البلد مليانة عرايس، وأنا حاطط قرشين على جنب مع اللي معاك ولما تنوي تتجوز عينيا ليك، بس بلاش بنت عمك هي مش ناقصة مشاكل، عمتك مش هتسكت ومرات عمك مش عاوزاها، وأمك لو عاوزة البت معاها فدا علشان تذلها بس، سيبك منها خالص.
تبدلت ملامحه وهو يشعر بحجم خسارته لها، لقد ضاعت من بين كما الكنز النفيس ولم يدرك قيمته إلا حينما وجد غيره يتمتع به بل ويُناضل لأجله، لذا إذا كان هذا الكنز حقه فعليه أن يحارب كي يعود له من جديد.
وفي نفس المنطقةِ ببيتٍ كبير الحجم يرجع لعائلة "المُشير" التي تعمل في صناعة المراكب بكل مستلزماتها، كان يجلس فوق الأريكة رجلًا، غطى الشيب رأسه وظهرت التجاعيد فوق ملامحه فنافست قوته لتظهر مرور العمر به، كان يجلس وبجواره نرجيلة فحمية ينفث الهواء منها خارج رئتيه ثم يعود ويدخل غيره ليتوازى نيران الخارج مع حرائق قلبه بالداخلِ..
صدح صوت بوابة البيت الخارجي ثم صوت دبيب خطواتٍ تسير على عجالةٍ فصدح صوت الرجل يجذب نظر صاحب الخطوات الذي أتاه ووقف أمامه ورحب به مُظهرًا تبجيله واحترامه، بينما الرجل فترك النرجيلة ثم أنزل كلتا ساقيه واستفسر بقوله:
_ها عملت إيه؟ مفيش أخبار برضه؟.
_مفيش زفت، الراجل قالي إنه ماعرفش مكانها، هاتروح مني فين يعني؟ وربنا المعبود اللي ما عمري حَلَفت بيه كدب، هجيبها وأسيح دمها بأيدي وقدام المكس كله، علشان يعرفوا إن مش رجالة بيت المُشير اللي بت تضحك عليهم وتلبسهم العمة، حتى لو كانت من دمهم.
نظر والده في وجهه بحدةٍ وقد غامت عيناه بنظراتٍ مفترسة، يود أن يراها أمامه كي يفتك بها بأسنانه ويديه، لو كان الأمر بيده لكان قام بذبحها أمام العالم أجمع بعد أن لطخت سيرتهم باللوثِ، لقد كانت الخيانة الكبرى منها هي حين رحلت وتركت العالم خلفها يحترق، حرقت بنيرانها سُمعة أخوتها وأبيها وكل رجلٍ في العائلةِ حتى أصغر صبي بها، جميعهم دفعوا الثمن جراء فعلها وهروبها، وجميعهم أقسموا أن القدر حين يوقعها في طريقهم لن تعرف كيف تكون الرحمة، سوف تكون "رحمة" لكنها مجردة من كل معنىٰ.
تحرك الشاب نحو غرفته ثم خلع ثيابه ورماها بطول ذراعه، فاقتربت زوجته تطالعه بنظراتٍ تهكمية ثم قالت بسخريةٍ:
_خلينا بقى نفضل ندور ونروح ونيجي كل يوم ونوقف حالنا علشان خاطر الست رحمة، ما خلاص بقى يا ربيع وسيبكم منها، شوف يا أخويا بيتك وعيالك وبطل كل ما واحد مالهوش لازمة يضحك عليك ويقولك هجيبهالك تجري تدفع وفي الآخر كل دا على فاشوش، أعمل زي "رزق" أخوك وخليك في بيتك وعيالك.
لم يعجبه حديثها وكلماتها، لم يستسغ مذاق الكلمات وبالتالي جاء الرد منه مقتضبًا وهو يخلع ثيابه:
_"رزق" دا خايب وماشي ورا شورتها، جوز الست زيه زي عمه بالظبط، الاتنين مفيش منهم رجا، لكن والله ما هيهدالي بال غير لما تقع في أيدي وأدبحها وأغسل عاري، علشان بسببها بقينا لبانة في بوء الكل، وكل اللي عليهم إن بيت المُشير فيه بنت هربت منه قبل الجواز علشان تدور على حل شعرها، وكتر خيرها بنت عمتها لمت الموقف واتجوزته علشان الفرح ما يبوظش.
قلبوا الحقائق وزيفوها حتى أخفوا شعاعها خلف الغمامِ..
لم يكترثوا بالبريئةِ التي نهش الذئب قلبها وإنما اهتموا بنظافة الوادي من الدماء التي قد تلوثه، حولوا الضحية إلى مجرد جاني، وقاموا بالتصفيق لأجل لصٍ سرق دور البطولة ليكون في عين الناس مجرد ضحية، ولأن الكُثرة تغلب الشجاعة، فهي أيضًا حين تكون منبع زيفٍ، تغلب الحقيقة وتخفي صوت الحق..
ولازال البحث مستمرًا عن "رحمة"
ويكأن القلوب لا تعرف إلا القسوةِ
فكأنها كما شوارع الاسكندرية خلت من ظهور رحمة..
____________________________________
<"لا تُصفق لأهل الباطل حتى لو الباطل بذاته صفق لك">
الحق أحيانًا قد لا يُسترد بالقوةِ..
فربُما تحتاج للتحايل والتلاعب كي تسترده، قد يتوجب عليك أن تستخدم بعض الطرق الملتوية كي تنل حقًا هو لك منذ البداية، أن تكون الثعلب حين تمكر على اللص كي تسترد حقك من بين أنيابه.
عصرًا وقت الهدوء السائد في منتصف اليوم بعد أن خرج "حلمي" من المسجد وعاد لمعرضه كان الوقت في غاية الهدوء عليه، كانت الأجواء تملؤها السكينة والهدوء الرائق من أي عكرٍ، خاصةً حين تبدلت معاملة زوجته بالكليةِ معه ووجدها أهدأ من السابق، تصفو له كما تصفو الدنيا بشمسها بعد أمطارٍ غزيرة، كان يشعر بالاسترخاء حين تذكر كيف قضت معه اليوم في المعرض وظلت تعرض عليه بعض الأفكار التي اندهش هو من قوتها، وأخذها في حيز التنفيذ.
لكن هذا الصفو لم يدم طويلًا؛ حيث ظهر أبوه عند مقدمة مكتبه فتحولت نظرات "حلمي" من الهدوء إلى الطوفان الأهوج، لم يكن غاضبًا فحسب، وإنما ما كان فيه أكبر وأشمل من مجرد الغضب، كان اهتياجًا، ظهور والده أمامه يُهيج الأمواج الغاضبة فيه، لذا ترك هاتفه وزفر استعدادًا للقادم، فباشره والده بقوله:
_أنا طول عمري بقول عليك عيل خايب تمشي ورا أي ست يبقى ليها كلمة عليك، ماتقدرش يبقى ليك كلمة من دماغك وصوتك، ومش هتتغير خلاص، دا طبع فيك.
فرد الآخر ظهره للخلف حيث أصبحت نظراته تهكمية وأقرب للسخرية ثم نطق خلفه بذات التهكم والسخرية:
_يا شيخ !! دا أنا برضه؟.
ضحك والده بعد جملته مستهزءًا به ثم قال بنبرةٍ ذات طابعٍ أقوى:
_ما هو لمَّا تجيب الست بتاعتك تيجي البيت تهزأ فينا وتغلط وتعلي صوتها على أبوك ومراته يبقى اللي بتمشيك ست، وبتقل بيك قدام الناس كمان، وأنا قولتلك البت دي هتخسرك كتير، آخرهم هتخليك تخسر نفسك واللي وراك واللي قدامك، وعقلك في راسك تعرف خلاصك.
عقد حاجبيه وانتفض فورما أنهى أبوه الحديث ثم سأله بلهفةٍ قلقة وبنبرةٍ بدت مضطربة أخرج حروفه:
_ست مين اللي جت تهزأكم؟ ومراتي مالها ومالكم أصلًا؟ بعدين لما تجيب سيرتها لازم تحترم وجودي وغيابها، مش مسموحلك تغلط فيها بأي شكل، وفي غيابها قبل وجودها كمان.
أنهى الحديث بصوتٍ قاتمٍ وغاضبٍ فزادت حدة نظرات والده وهو يقول بثباتٍ أكبر وقوة أكثر كأنه يناقش خصمًا في ساحة الجدال:
_ماهو اللي موديك في داهية إنك ماشي تدافع عنها في كل اللي هي بتعمله، مراتك يا حلمي بيه جت البيت ونطحت فينا كلنا وغلطت فيا وفي مراتي علشانك، وهددتنا إني لو زعلتك تاني هي هتتصرف، أول مرة أشوف راجل رايح يعيط لمراته ويشكيلها، طول عمري أعرف إنه العكس.
قبل أن يتزحزح قيد أنملةٍ من مكانه اقترب يقف "حلمي" في مواجهته ثم أخرج هاتفه من جيب سترته وطلب رقم زوجته، وما إن جاوبت على المخابرة الخلوية فتح مكبر الصوت وقال بثباتٍ:
_لمار هو أنتِ روحتي البيت عندنا وحصل حاجة هناك بينك وبين حد فيهم؟ ولو دا حصل أنا ليه ماعرفتش وماقولتيش؟.
سأل بحدةٍ اصطبغت بها كلماته وقد بدر لذهنها أن والده قد يكون حاضرًا معه، وإلا لو عرف كان قد أتاها بالفعلِ؛ لذا قالت بهدوءٍ حقًا تُحسّد عليه:
_ماكنتش عاوزة أقولك علشان خوفت عليك تضايق، هو موقف مكانش مستاهل بصراحة، روحت عندهم علشان كنت هدخل أوضة مامتك أرتبها علشان عارفة إنك بتفرح لما بعمل كدا، ولما جيت أدخل لاقيت "أشجان" بتضايقني، بصراحة كنت هسكت بس ماقدرتش وأنتَ عارف مش بقدر أسكت لحد، يوم ما نزلت وجيتلك المعرض كنت جاية من هناك، وطبعًا خوفت باباك يكدبني علشان كدا مارضيتش أقولك وأضايقك.
رفع عينيه يستقر بهما على وجه والده الذي احتقنت دماؤه وشعر بالنيران تتغلغل لداخل قلبه كأنه يبيت في حضن الموقدِ، بينما "حلمي" أنهى المكالمة بينهما ثم واجه والده بعينيه فابتسم الآخر بسخريةٍ آلمت الآخر وكأنه خيب أمله فيه، ومن ثم تشدق بنزقٍ يرميه بأحجار كلماته:
_طبعًا صدقتها يا جوز الست، وتلاقيك زي خيبتها هتروح تسألها وتعتذر ليها عن اللي حصل، عمومًا براحتك، أنا زهقت منك وخلاص مش باقي عليك، خليها تنفعك بس ماتبقاش ترجع تعيط زي خيبتها في الآخر.
أنهى الحديث ورحل، رحل وترك ابنه خلفه النيران تحرقه..
كأنه سحبه من يده ورماه في طوفانٍ عاصفٍ، أو كأنما وضعه بين حربٍ طاحنة للأفكار تعصف به، شعر بالحرائق تشتعل في قلبه ولم يجد ما يُطفيء تلك النيران فيه، لكن ما أشعل اللهب أكثر هو أن الذي أشعل النيران لم يكن سوىٰ من يتوجب عليه أن يُطفئها، والأغرب أنه ينتظر رماد حريقه كي يُرثيه.
خرج "حلمي" وترك المعرض وتوجه يجلس على المقهى التي يلوذ فيها بالفرارِ كُلما ضاقت به الأحوال حوله، ولج المقهى وجلس فوق مقعدٍ يرتكن به في زاويةٍ ما وقد أخرج عُلبة سجائره يُدخن منها بشراهةٍ، كأنه صام وقابل مائدة طعام شهية بكل ما لذَّ وطَّاب، وضع كل همه في أنفاسه التي يتبادلها مع دخان سيجاره حتى ظهر "أدهـم" فجأةً أمامه يجلس فوق المقعد الآخر المقابل له.
تأهبت حواسه وظل يرمقه بعينيه وهو يتذكر تلك الأيام البعيدة التي كان يركض له مهرولًا كيف يقف في صفهِ، لكن بأي وجهٍ يفعلها ويعود للمياه بعد أن تسبب في تعكيرها، لقد حُرِم من وجود الرفيق ودفع صداقته معه ثمنًا لشيءٍ كان يرغب فيه بكل حياته، وحين تقابلت الأعين معًا؛ طالت النظرات بينهما، كلاهما يُطالع الآخر وعيناه تستقران فوق ملامحه، كلاهما يبحث عن شيءٍ في الأعين ولم يجد، كلاهما يبحث عن صديقه القديم لكنه لم يجده.
فتدور الأيام وتمر
والصديق الذي اعتاد قربه لم يعد هُنا..
كأن المرء أصبح وحده صريع الديار،
والنديم الذي رافقه في حربه؛
أصبح يُحارب لأجل نفسه وفقط لم يهمه غير ذاته والـ "أنا".
____________________________________
<"أسعى لكِ بالسبعين خطوة معًا، لا تبخلين بالنظرة الواحدة">
في لحظاتٍ ما بين اضطراب الليالي وتيهها قد لا يحتاج المرء أكثر من أن يرى بعينيه الحرب تقوم لأجله هو، أن يكون هو الغاية المقصودة من وسائل أحدهم كي يصل له، أن يرى بعينيه اندلاع الحرب وإسقاط الرايات والحصون فقط كي يكون المقابل نظرة من عينيهِ..
مع غروب الشمس أنهى ارتداء ثيابه، وقف يُهندم السُترة السوداء وصفف خصلات شعره البُني، ثم هندم الهيئة الخارجية وتجاهل أمر البعثرة الداخلية، ابتسم لنفسه بهدوءٍ ثم ارتدى ساعة معصمه ونثر عطره كأنه يتقدم للخطبة منذ البداية، التفت حين صدح صوت هاتفه برقم مندوب التوصيل فخرج من غرفته وهو يتواصل مع الشاب إبان نزوله الدرج بسرعةٍ..
كانت "رئيفة" تجلس قرب الحديقة المنزلية ثم لمحت ابنها يخرج عند الباب بهذه اللهفة فأصاب القلق قلبها، تحركت خلفه فوجدته يحمل باقة زهور وعُلبة حلوى ذي ماركة تجارية شهيرة، فافتر ثغرها ببسمةٍ ساخرة وهي تسأله:
_أنتَ رايح تتقدم من أول وجديد ولا إيه؟ ولما دا شكلك دلوقتي يوم كتب الكتاب والفرح هتكون عامل إزاي؟ زي القمر يا سوسة أنتَ.
ضحك لها ثم ترك الأشياء التي كان يحملها واقترب يقف أمامها وقال بنبرةٍ هادئة:
_رايح أحدد مع أمها وأعمامها ميعاد كتب الكتاب وعلشان أبدأ من جديد بالطريقة اللي حاسس إنها تليق بيا وبيها، بغض النظر عن العك اللي كان في الأول دا بس يهمني أحط النقط على الحروف، وبصراحة مش ضامن اللي ممكن يحصل بعد كدا.
صرح لها بمكنون مشاعره فتنهدت هي تعبر عن ثقل روحها حين أدركت أن الحديث يخص والدها، بينما هو فاقترب منها يسألها بنبرةٍ تبدلت كُليًا:
_حقك عليا كان نفسي استني لحد ما بابا يرجع من المأمورية دي بس دي لسه فيها أسبوعين، أنا خدت رأيه وهو موافق ماعترضش وقال أعمل اللي شايفه صح، وأنا شايف إن دا الصح، علشانها هي، وقبل ما تسأليني والله العظيم ما عارف أنا ليه بعمل كدا علشانها، بس أنا عاوزها تكون مبسوطة.
ابتسمت أمه له بحنانها وربتت فوق وجنته كأنها تفهم ما يقصده هو قبل أن يتحدث، وفي هذه اللحظة سألها بمَّ لم تتوقعه هي:
_هي أختك فيروز الله يرحمها لما ماتت محدش حبس أبوكِ ليه؟.
توسعت عيناها وكأن الحديث ألجمها، لقد باشرها بالسؤالِ بغير تمهيدٍ أو كلامٍ افتتاحي، لم تستعب مقصده إلا حين تلاقت الأعين ببعضها، ووقتها تنهدت بثقلٍ ثم قالت:
_للأسف محدش قدر يثبت إنها ماتت نتيجة الضرب، اتقال إنها ماتت نتيجة سكتة قلبية علشان منصبه وقتها وعلاقاته، الدنيا مشيت ومحدش قدر يكذبه، الله يرحمها بقى ويغفرلها، ربنا رحمها من العيشة معاه، الله أعلم كان مصيرها إيه.
_هي ماتت إزاي؟.
سألها السؤال الذي لم يتجرأ من ذي قبل ويسأله، لكنه أخيرًا تجرأ وفعلها وأخرج ما في جبعته، وقد طافت هي بعينيها ثم ازدردت ريقها فوجدته يضيف بلهفةٍ:
_أنا آسف لو بضايقك، بس دي أول مرة أتصدم فيها مع أبوكِ وش لوش، ودي أول مرة أحس فعلًا إنه جبروت وعادي يقتل حد عزيز عليه حتى لو بنته، فبدأت أشوفه بصورة تانية، لو الموضوع مضايقك قفلي عليه.
أنهى الحديث وكاد أن يتحرك ويرحل فوجدها تقول بصوتٍ غطته لمحات الماضي الحزين حيث اهتزت وتيرة صوتها:
_حبت، قتلها علشان حبت، كانت في ثانوي وحبت جارنا اللي كان في الكلية، كان بيذاكر ليها مع أخته وكان بيشجعها تكمل وتدخل طب زيه علشان تثبت نفسها، وغصب عنها زي أي بنت مالقيتش الحنية في بيت أهلها وقعت في حبه، وهو كمان حبها ولما راح يطلبها من جدك رفض ومانع، وساعتها هي تعبت وصممت تتجوزه، كانت متأكدة إن حياتها معاه هتكون أفضل من العيشة مع جدك، بس وقتها جدك كان صعب أوي، كان في عز قوته وجبروته، وفي مرة خرجت تقابله برة وهو عرف بالصدفة، ولما رجعت مسكها وحبسها، نزل فيها ضرب لحد ما ماتت في أيده، وساعتها اتقال إنها ماتت بالسكتة القلبية والموضوع خلص على كدا.
ظهر الاشمئزاز فوق ملامحه وبان أثر كرهه ونفوره في عينيه، ياليته ما سأل واستفسر عن الموضوعِ حتى لا يحزن كل هذا الحزن، اقترب من أمه يُلثم جبينها ثم لثم كفها كأنه يعتذر عن شيءٍ اقترفته يداه وهو لم يفعلها ولم يكن حتى حاضرًا في هذا العالم.
تركها ورحل بعد أن أخبرته بأمر ذهابها لـ "رباب" كي يتم الاتفاق على تفاصيل عُرس "أدهـم" و "عُـلا" سويًا، وبعد أن قاد سيارته وذهب لهناك حيث بيت "نـوف" وللأسف في حضور أفراد العائلة الرجال بالكامل، وبمجرد أن طرق الباب فتحت له فتاةٌ لم يعرفها فعقد حاجبيه ليجدها تقول بضحكةٍ بشوشة:
_هو البيت أنتَ صح، أنا آلاء صاحبة نوف.
ابتسم لها ورحب برأسه ثم ولج حيث مجلس الرجال، ترك الحلوان وظلت الباقة في يديه يحملها وهو يصافح الرجال ببرودٍ وكأنهم يكرهون تواجده، لكنه لم يكترث وذهب يُحيي والدتها التي ابتسمت له ورحبت به، وقد جلس بجوار الرجال في صمتٍ مملٍ، صمت لم يقطعه إلا بعض الأحاديث الجانبية في الأوضاع السياسية والاجتماعية وبعض القضايا الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، ظل ينتظرها بضجرٍ حتى مل تلك الجلسة وتمنى حضور "داغـر" كي يقضي عليهم وياليته لو ينتحر بعدها.
في الداخل ارتدت الفستان النبيذي القاتم ووضعت زينة عينيها ترسم وسعيهما بشكلٍ مبهرٍ يجعل الناظر لها في حالة تيهٍ وانشداهٍ، كانت تعلم أن عينيها رغم بساطة ملامحها لكنها مميزة، مميزة برسمتها، بنظرتها بكل ما فيها من جمالٍ، التفّت لأختها وصديقتها فبدت علامات الإنبهار واضحةً، ضحكت لها "آلاء" واقتربت تقول بلهفةٍ:
_عاوزاكِ تطلعي برة تعيشي عليهم الدور، كأنك مش عاوزة غيره واللي يقول عليه توافقي، أوعي تعترضي وتخلي العرر اللي برة دول يشوفوا نفسهم عليه، لازم يكون موقفك من موقفه.
استمعت لنصيحة الصديقة ثم أومأت موافقةً وخرجت ترحب به أمام الجميع فوجدته يقدم باقة الزهور لها، ابتسمت بخجلٍ وهي تأخذها منه ثم أخفت عينيها عنه، لكن الغريب أن عينيها لم تُخفِ عنه أي أسرارٍ، فضحت كل شيءٍ حيث بهجتها وفرحتها بقدومه بتلك الزهور، وقد جلست بجوار أمها التي ربتت فوق ظهرها..
بينما هو بادر الحديث مباشرةً حين قال بثباتٍ أمام معشر رجال عائلتها قبل أن يبادر أحدهم بالنطق فيؤخذ عليه أي شيءٍ:
_طب يا عمي أنا جيت علشان أقول لحضرتك إني الحمدلله جهزت نفسي وبأمر الله الخطوبة وكتب الكتاب مع بعض بعد أسبوعين، وبالنسبة لموضوع شغلي وسفري فأنا مستقر حاليًا هنا ومكمل شغلي من مصر، موضوع سفري دا كان متوقف على موضوعي أنا و"نـوف" مع بعض، وطبعًا أنا مش هقدر آخرها وأسافر دلوقتي خالص، وشقتي موجودة بس لسه محتاجة تتوضب، حضرتك عندك أي أسئلة؟ أو أي حد عمومًا؟.
دارت النظرات بين رجال العائلة في سؤالٍ غير منطوقٍ إلا عن طريق الأعين التي تفوهت هي بدلًا عن الألسنةِ، وقد نطق عمها الأكبر منهيًا الحوار بقوله:
_اللي تشوفه صح أعمله، بس خليك فاكر إن برضه كتب الكتاب مش هيمنع إن هي وراها رجالة في ضهرها، لما والدك يرجع نبقى نتكلم في التفاصيل مع بعض، هو كلمنا برضه وطلب إننا نقابلك ونحدد الميعاد، ولولا مكالمته لينا ماكنتش وافقت إنك تيجي لوحدك أبدًا.
رفع "غسـان" حاجبه يتحدى الآخر بعينيه لكنه تذكر أمرها هي، تذكر أن هذه العائلة بأكملها لا يخصه منها سواها هي، كأنها غريبٌ في وطنٍ لا يعرف فيه غير خيمة اللجوء التي تأويه في الليل، وقد طالت نظراته نظراتها فتشبث بعينيها ليجد الأمل محفوفًا في عينيها هي..
وقد صدق القول الذي قال
"المُحب يشبه المُحارب؛ وسوف يصل للطريق ولو كان يسير بين الغابات، حتى لو احترق في الطريق، سوف تُرممه لحظة الوصول".
____________________________________
<"قد تكون الكارثة في عدم رؤيتك للكارثة بذاتها">
حين يعمي الإنسان عينيه عن رؤية الجانب الآخر سوف تلتهب النيران ويصل سعيرها لقعر القلوب لأنه فقط لم يُحرك نظراته للجانب الآخر كي يرى الجانب الأكثر ظلامًا، وقد يكون الأمر في بداية ظُلمته مما يُسهل عليه التحرك، لكنه حين يرى الموقف من المنظور الواحد فقط، سوف يساعد النيران كي تتصاعد ألسنتها وتُلهبه هو قبل الآخرين..
على شاطيء البحر كانت تجلس وهي تتحدث في الهاتف مع أخيها، أخبرها بتحديد موعد زفاف ابن عمها ثم موعد عقد قران رفيقه، وقد ضحكت "ورد" بسعادةٍ وقالت بلهفةٍ حماسية:
_إيه الأخبار التحفة دي؟ عقبالك يا حبيبي يا رب، معلش بقى قول لـ عُـلا حقها عليا مش معاها في الفترة دي، بس هي الدنيا كدا بتيجي كلها ورا بعضها، يا تبقى فاضية كلها مرة واحدة، بس النهاردة بليل هنتحرك ونيجي علشان نكون معاكم.
كان "منتصر" يجاورها وهي تتحدث في الهاتف وحينها سألها أخوها بعجبٍ في الأمر:
_مش قولتوا هتقعدوا يومين كمان؟ جايين بدري كدا ليه؟.
لوت فمها وقالت بصوتٍ هامسٍ:
_حكم القوي على الضعيف.
فهم مقصد حديثها فقال بسخريةٍ:
_قصدك حكم "خيرية" على الموكوس ابنها.
حينها قالت بلهفةٍ وهي تلتفت قبل أن يسمعها زوجها:
_لأ مش المرة دي، عمو "مُرسي" عنده معاد آشعة وإحنا نسيناه خالص والدكتورة كلمتني وبصراحة أنا علشان خاطر عمو عندي استعداد أعمل أي حاجة، أنا مابحبش غيره في البيت دا أصلًا هو وابنه بصراحة يعني.
أغلق معها "آدم" بعدما ضحك وأخبرها أن تُطمئن قلبه قبل التحرك، بينما هي تحركت تجلس بجوار زوجها فوق الرمال فوجدتها شاردًا بصمتٍ، مدت يدها تحاوط كفه ثم همست اسمه لينتبه لها، وحينها تنهد هو بثقلٍ ثم ابتسم لها ونطق بقلة حيلة:
_كان نفسي نقعد تاني بصراحة، الجو هنا حلو والأيام معاكِ بعيد عن الكل حلوة وشايفك هنا مبسوطة، بس على العموم لما نروح نبقى نشوف حوار الأفراح اللي هلت علينا دي، مع إني شايف إن العروسة اللي معايا أحق، ما تيجي نحتفل.
تبدلت نبرته كُليًا للعبثِ المُطلق فضربته هي في كتفهِ وحينها تبدلت ملامحه بشرٍ فركضت هي بخوفٍ من رد فعله وقد لحق هو بها وركض خلفها، كانت تركض وهي تضحك وترجوه أن يكف ويبتعد عنها، ما ساعدها على الركضِ أن المكان كان فارغًا بسبب برودة الأجواء في المدينة، توسلته ضاحكةً أن يبتعد عنها لكنه لحق بها ثم خطفها من خصرها..
توقفت بأنفاسٍ لاهثة في قبضتهِ فوجدته يبتعد ويرى شعاع الشمس يحتضن عينيها، يرى موطنه من بعد غربته وكأنه لا ينتمي لأي شبرٍ في الأرضِ إلا لها هي، تبتسم بعينيها والخجل يسود الموقف بينهما خاصةً حين مال نحو وجنتها وسرق منها قُبلة جعلتها تخضع له، كفت عن الركض والحِراك وهي تستقر من تيهها وألمها حين عانقها بعينيه قبل ذراعيه..
ضمها وكأن الموعد قد حان للحبيبين كي يلتقيا..
فمن جديد تتوحد الحدود
وتصبح غربة المُدن سرابًا
العناق الذي كان مستحيلًا أصبح ممكنًا
والشوق الذي أكل القلوب تبدل بالأمانِ.
*******
حين يدرك المرء حقيقة الانتماء قد يملك جناحينِ..
سوف يطير هُنا وهناك ويملأ الحياة بالحريةِ التي لم يضاهيها إلا حُرية الطير وحده، وحين يستشعر بثقله في قلب أحدهم؛ تجد روحه بثقل صخرةٍ تحتاج للإنفجار كي تتلاشى..
منذ الأمس وهو يخفي عينيه عنه، يهرب من اللقاء كُلما سنحت الفرصة لذلك، استعاد عافيته وصحته وعانق صغيريه لكنه لازال يهرب من لقاء شقيقه، ولأن "سُليمان" لم يكن صاحب الطابع الذي يتسم بالصبرِ والهدوء، وإنما هو كما النيران الموقدة لا يهدأ إلا حين تخمدها موجة مياه.
ولج الغرفة حين حلَّ الليلِ فوجد "سالم" يضم الصغيرين النائمين في عناقهِ ، وقف يراقبه فوجد الآخر يتصنع النوم وهو يهرب منه، لكنه لم يقبل هذا الوضع، رفض أن يكون هو المُسير، لذَّا اقترب وأمسك يده بهدوءٍ وأجبر عينيه على التلاقي مع نظراته، اهتزت حدقتا الآخر فسأله هو باندفاعٍ واضطرابٍ:
_أنتَ ليه بتعاملني كدا يا سالم؟ من ساعة ما فوقت وأنتَ مش عاوز تبصلي، بتكلم الكل وأنا حتى الكلمة مش بتردها عليا، حضنت أمك وعيالك وطمنتهم عليك وسايبني أنا محتاج أتطمن في حضنك، عملتلك إيه أنا؟ مش شايف إني استاهل حتى تطمني زيهم.
لأول مرةٍ يتحدث بهذا الضعفِ، يُفصح عن مضمون مشاعره ويخبر شخصًا غيره عن الذي في نفسه، طالت النظرات بينهما وكلٌ منهما يتحدث بعينيه عن مشاعره المكلومة، نظرات الانكسار والخذلان من "سالم" نظير نظرات الحزن والقلق من "سُليمان" وحين فشل كلاهما في كتم سره كان لا بُد من الإفصاح، لذا بادر "سُليمان" بسؤاله الموجوع:
_ليه يا "سالم" أنا عملتلك إيه؟ ريحني يا أخي.
_طب ما تريحني أنتَ يا "سليمان" وقولي إيه اللي يخلي مراتي وهي في حضني تنادي عليك وتهمس باسمك أنتَ؟.
تحدث وياليته ما فعلها، كلماته أتت مدمرة كما الإعصار الذي لا يرحم، إعصار لا يكترث بالفقير أو الغني، مجرد مشاعر شكلها هو في هيئة كلماتٍ طعنته هو قبل الآخرين، وكأن الكلمات بحديْنِ، حدٌ يطعنه هو فيدمي قلبه، وحدٌ يطعن الماثل أمامه فهودي بحياته للموت القاتم.
#يُتَبَع...
الفصل السادس والعشرون من هنا