رواية جمعية حب الفصل السادس والعشرون 26 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل السادس والعشرون 26 بقلم شمس محمد بكري



|| حرب أهلية ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

كُل مُدن العالم تُغربنيّ إلا مُدن عينيك وحدها تأوينيّ..
أضيعُ في كلِ العالمِ رُفاتًا إلا عندكِ أجدني صحيحًا وكأنكِ بنظرةٍ فقط تُحييني، لا شك عزيزتي أن العالم لازال فاسدًا، لكنك وحدك برهانٌ أن العالم لازال فيه بعضٌ من الصالحين، وأنتِ وحدك من رأيتُ فيها صلاحي وإصلاحي، كأنكِ ميدانٌ لحُريتي والعالم من غير تواجدي معك سجنٌ يؤيذيني…
عزيزتي أنا إن ضِعت في الطريق، 
أجدك وحدك طريقًا يُلهمني ويُهديني.

   <"لستُ بجبانٍ أمام خصمي، لكن خصمي هذا مني">

لكل حربٍ قاعدة
ولكل قاعدة شواذ، 
وتلك الشواذ لها الاستثناءات الخاصة بها..
أن تكون في ساحة النزالِ وسيفك بيدك والخصم أمامك يناظرك ويُبارزك فتختار أنتَ أن تُخبيء سيفك عنه وتتركه يطعنك، تتركه يربح النزال عليك، لأنك تستثنيه هو في حربك، وهو يراك قائد الحرب ضده.

بعض الكلمات كالجمرِ تُصيب القلب بنيرانٍ موصدة، نيرانٌ لا تهدأ ألسنتها عن التصاعد، نيرانٌ تطول كل شيءٍ في وجهتها وتضرب ما تستطع ضربه، دون أن تلقي بالًا بمن يحترق في الخلفِ، وهذه الكلمات كما طعنة تُخلف أثرها ندبة قاسية فوق الجلدِ الناعمِ، مهما قسّى الجلد وكبر تظل هي أقسىٰ بأثرها ووشمها عليه..

_ليه يا "سالم" أنا عملتلك إيه؟ ريحني يا أخي.

_طب ما تريحني أنتَ يا "سليمان" وقولي إيه اللي يخلي مراتي وهي في حضني تنادي عليك وتهمس باسمك أنتَ؟.

حين سأل كان الجواب حاضرًا، توقع عدم الرد، رُبما الجدال، رُبما الكذب، لكنه لم يتوقع أن يرد شقيقه بتلك السُرعة البالغة ليفتح باب حربٍ عليهما، نظرات "سُليمان" لن تكذب وكأنه تلقى طعنةً، ونظرات "سالم" لن تُنكر أنه رجلٌ ومجروحٌ في قلبه ورجولته وكبرياء طباعه من أنثاه هو..

طالت النظرات كأنها دهرٌ مرَّ عليهما ولسان حال الاثنين يقول:
"ما خانك أمينٌ، لكنك آمنت للخائنِ، 
ما طعنك الشريف، لكنك وثقت بقاتلٍ"

_معنى كلامك إيه يا سالم؟ مش فاهم.

يستنكر ويرفض ويُنكر لأنه يخشى التصديق، يخشى أن يكون شقيقه يصدق جُرمه في حقه بذنبٍ لم تقترفه يداه، يخشى أن يكون في عينيه جانيًا وهو لم يجنِ سوى على نفسهِ فقط، وقد لمح "سالم" الألم مرسومًا في عيني شقيقه فقال بلهفةٍ مُسرعًا:

_كلامي مش معناه إني بتهمك بحاجة، أنا أشك في نفسي وماشكش فيك أنتَ، بس غصب عني أنا راجل مكسور، مراتي دبحتني في كرامتي وكل ما هبصلك مش هقدر أحط عيني في عينك، هفضل افتكر كلامك وأنتَ رافض الجوازة دي وأنا اللي ماسمعتش منك وكملت برضه ، غصب عني يا "سليمان" عيني هتفضل في الأرض حتى قدام نفسي.

حديثه يحمل شقيْن واليقين أكثر صعوبةً على التحمل والاستمرار، في النهاية هو مجرد ذبيحٍ بيد من أحب، كان هو بنفسه يُكابد الحياة ويُصارعها لأجلها هي، وهي في النهاية تنفيه خارج حدودها، توهب البطولة لغيرهِ وتنعته هو بمجرد مستوطن أخذ مكانًا ليس حقه، لن ينسى الطريقة التي كانت تنادي بها شقيقه، لن ينسى كيف فاض الوله منها وهي تتغنى باسمه، لن ينسى كيف واجهها بعجزٍ، فاستغلت عجزه ومدت يدها هي تطعنه.

كان "سُليمان" على درايةٍ بما يشعر به شقيقه، يعلم أن الأمر لم يمر مرور الكرامِ وكأنها صفحة وانطوت من كتاب حياته، لقد كان على يقينٍ أن هذه الصفحة تحديدًا في كتاب الحياة هي صفحة اللغز والحبكة التي لأجلها حدثت القصة بأكملها، اقترب بجسدٍ مشدودٍ كأنه أحجم مشاعره حتى لا تفيض، ومال على شقيقه يطبع قبلة أعلى جبينه ثم تنهد وواجه نظراته بعينيه وقال بعجزٍ هو الآخر:

_حقك عليا، أنا هريحك مني شوية لحد ما تفوق وتستوعب اللي بيحصل، بس لو احتاجت حاجة خليهم يكلموني يا سالم.

أنهى الحديث والتفت على عاقبيهِ يغادر المكان وقد تجاهل نداء شقيقه، تجاهل صوته وهو يناديه ويوقفه، لكنه لم يكن في حاجةٍ كي يستمع للكلمات مجددًا، لقد فهم سبب تغير شقيقه معه حتى وإن لم يكن هو الجاني في حقه، لكنه في كل الأحوال سيبقى في نظرهِ مجرد سبب لتدمير حياته، خرج من المشفى وهو يلتقط أنفاسه الهاربة، ولج سيارته باندفاعٍ وأغلق بابها بعنفٍ وصل صداه في كل خليةٍ بسيارته..

ظل بالسيارةِ صامتًا كأن النيران موقدة بشرايين قلبه، أحس بالغضب يفتك به وهو على مشارف نوبة جنونٍ أعمىٰ، يعلم أن أي مكان يذهب إليه سوف تطوله نيرانه، فما كان أمامه إلا شقة "أدهـم" البعيدة عن الجميع، أغلق هاتفه ثم قاد السيارة لشقة "أدهـم" النائية في منطقةٍ أبعد من التي هو فيها، يحتاج لهدنة مع ذاته، لكن ما باليدِ حيلة في حربٍ مع النفسِ..

في شقة "أدهـم" بالمعادي..
كان قد ولجها كعادته بصمتٍ وهدوءٍ، قام بوضع الطعام الذي أعطاه له أخوه بداخل البراد، وجلس يشرب من العصير الموضوع أمامه، فتح التلفاز على قناته المفضلة وتركها دون أن يُعيرها انتباهه، تذكر حين كان صغيرًا ويركض بعد صلاة الجمعة على التلفاز القديم ويقوم بتشغيل برنامج "عالم الحيوان" الذي كان ركنًا أساسيًا في بيتهم وكل البيوت بعد صلاة الجمعة..

عاد للذكرى التي لا ترحم؛ حيث ذكرى كل أصحابها ماتوا بينما هو وماضيه لم يَمت أيًا منهما، تذكر والدته التي أنجبته وعاشت معه فترة قصيرة تترك خلالها فيه أثرًا كبيرًا ثم ترحل عن حياته بغير رجوعٍ أو عودة، مد يده يفتح الصندوق الخاص بها، صندوقٌ تركته هي قبل أن ترحل وتركت فيه ما يجعلها حية بقلب ابنها، حيث تركت بعض الحُلىٰ والأساور الذهبية، وتركت له صورها معه وصورها منذ صغرها، وتركت له خطابًا خطته بيدها..

بدأت عيناه تسقطان فوق الخط والكلمات وقلبه ينتفض بين جنباته كأنها مرته الأولى في القراءةِ، هذه هي عادته في كل مرةٍ يمسك فيها خطاب أمه، يشعر حقًا بيتمه، يشعر بالشيء الذي حُرِمَّ منه، لكن الأقسى عليه بين كل الأمور أنه اختبر مشاعر يُتمه ثلاث مرات، أول مرةٍ حين ماتت أمه، والمرة الثانية حين ماتت "عايدة" أمه الثانية، والمرة الثالثة حين مات والده ورحل..

_رجلي الصغير وحبيبي "أدهـم"..
ثاني الرجال مُلكًا لقلبي، وأولهم موصولٌ بروحي
لا تعلم يا حبيبي كم عانيْت كي تكون أنتَ بصحبتي، كم واجهت من مساويء وصعاب كي أعيش في كنف والدك وأحيا بحريةٍ في أسرهِ هو، لقد كنت كما الطير الحزين، ينل حُرية كاذبة، يرى الشمس بأمر سجّانه فقط، يفرد جناحيه حين يُؤمر له فقط بذلك، يأكل بأمرٍ، يعيش بأمرٍ، حتى النوم والصحو كان بأمرٍ، كنت صغيرة، صغيرة جدًا على الاحتجاج، كنت صغيرة على الرفضِ، صغيرة حتى على أن يكون لي ذلك الصوت الثائر الرافض، لم أعِش يومًا في حُريةٍ ولم أكن أعرف كيف المرء ينالها، عِشتُ مع أبٍ كان يُسقيني القسوة ويقول أن البنت تجلب المفاسد للبيت، يظنني مجرد عبءٍ عليه وعلى كاهله، لم أفهم مقصده قط، كنت أشعر أن قلبي طيرٌ، والطير لا ينل سعادته دون أن يكون حرًا من كل قيدٍ، وكانت حُريتي في ربيع رجلٍ وجدت نفسي انتمي إليه، عاملني كأنني جنته فوق الأرض، ولجت معه دُنيا العشق وترعرعت معه في جنتها، رجلٌ بقدر ما عشت معه لم يؤلمني يومًا بكلمةٍ، أو بنظرةٍ حتى، كان يحنو عليَّ في حين أقسو أنا على نفسي، رجلٌ يوم أن أدركت حبه أدركت الحُرية، كأنه جعلني حُرة حتى منه، بغير قيودٍ، بدون أغلالٍ، وجدتني أنا بذاتي، وجدت "فريال" التي لم يسبق لي أن أعرف عنها شيئًا، ويوم أن وجدت نفسي معه، وجدت الحب، وجدت الحرية، وجدت الحياة بأكملها، ووجدتك أنتَ، تمنيتك من رب العالمين، أن تكون لي أبًا وأخًا وصديقًا وحبيبًا، وضعتك بأعلى المراتب في قلبي، فلم يسبقك أحد، ولن ينافسك أحد، أنتَ وحدك يا "أدهـم" الذي وصل وتمركز بمكانه، أنتَ وحدك الحبيب الذي لم يسبقه حبيبٌ، وأنتَ الرجل الذي تمنيت أن أكبر معه لأراه جدارًا اتكيء عليه عند ضعفي وحُزني وقلة حيلتي، أنتَ وحدك دُنياي، ولياليت دنيتي بأكملها تكون معك أنتَ وحدك، فنكونا طيرين اختبرا الحُرية معًا، إلى رجلي الصغير "أدهـم" أنا أُحبك.

عند وصوله لنهاية الخطاب نزلت عبراته دون أن يعي هو ذلك أو يُدركه، فاض الدمعُ من عينيه كأمطارٍ اختبأت خلف الغمام، لم يكن يترك لنفسه فرصة واحدة كي يبكي ويُخرج ما فيه من آلامٍ ومشاعر قاسية عليه، اعتاد الجمود حتى مع ذاته، حتى حين خذلته حبيبته الأولى مرر الأمر مرور الكرام، وحين طعنه الصديق في ظهره مرر الأمر أيضًا كذلك، كانت كارثته في أنه كما المُحارب، لكن وطنه لم يستحق محاربته هذه كلها.

قام بطوي الخطاب واشتم رائحة العبق الفائح منه كأن أمه تركت أثرها فوق الورق كما تركته في قلبه، وضع الخطاب وأخرج صورة أمه يُطالعها مبتسمًا بعينيه، كانت جميلة بعينين عسليتين، خصلات شعرها شقراء لامعة، وجهها أبيضٌ مستديرٌ بطابع حسن في ذقنها، رشيقة بقوامٍ يجعل كل زيٍ في العالم لا يناسب غيرها، ضحكتها جميلة، فيها الحياة والروح والحُرية، ضحكة وجد فيها حقًا "فريال".

صدح صوت جرس الباب فتحرك بمللٍ بعدما ترك الصورة بجوار بعض الصور ومسح وجهه، تحرك يفتح الباب لحارس العقار لكنه ذُهل حين وجد "سُليمان" في وجهه، عقد ملامحه وضم حاجبيه فتنهد الآخر بثقلٍ وقال بنفاذٍ لصبره وطاقته:

_جاي أتنيل عندك واستخبا، ينفع ولا أشوف زفت تاني؟.

رفع "أدهـم" حاجبيه واِفتر ثغره ببسمةٍ تهكمية وقال:

_وهو الزفت الأول قالك لأ يعني، أتنيل أدخل.

ولج "سُليمان" الشقة وارتمى على الأريكة يستند بجسده على مرفقه وقد وقعت نظراته على محتويات الصندوق وصورة "فريال" تسرق عين الناظر، ابتسم حين فهم أن رفيقه كان في رحلةٍ مع الذكريات، رفع عينيه تزامنًا مع وصول "أدهـم" ثم التقط صورة أمه وابتسم له وهو يقول بمشاكسةٍ:

_الله يرحمها كانت مزة أوي، أبوك في المرتين وقع واقف.

ابتسم "أدهـم" رُغمًا عنه ثم لملم الذكريات في سردابها يغلق عليها لحين تسنح له الفرصة كي يكون برفقتها مع الذات، لكنه حين كان يفعل لمح بعينيه صورة جعلته يتجمد عن الحراك، صورة كأنها نُذر خير بالقدر في المستقبل، حيث كان "آدم" صغيرًا وهو يحمله فوق ذراعيه ويضحك بحماسٍ، وخلفه مقعدٌ كانت "عُـلا" تقف أعلاه وتضم عنقه وهي تضحك هي الأخرىٰ بنفس الحماسِ..

ابتسم للصورة وشرد فيها وفي ملامحها وهي صغيرة، شرد في تمرد خصلاتها حين كانت تُهيل حول رأسها وتصنع دوامة مستديرة، كانت خصلاتها قصيرة لكنها ناعمة وكثيفة، هل لازالت خصلاتها بنفس قصرها؟ هل لازالت سوداء وساحرة كما التميمة؟ هل هي كما هي تجد أمانها معه هو؟..

_يا بلدينا !! روحت فين يا عمي.

انتبه لصوت "سُليمان" حين انتشله من شروده _كان نسى تواجده_ وحمحم يتصنع الثبات ثم أكمل لملمة الأشياء مسرعًا وجلس بجوار الرفيق يسأله بثباتٍ يناقض بعثرته وسأله بحيرةٍ:

_صحيح جيت دلوقتي ليه؟ حصل حاجة ولا جاي عادي؟.

_جاي قرفان ومش طايق حد، حاسس إني مش بس غضبان أو متضايق، أنا هايج زي الموج كدا، اللي هيخبط فيه هيغرق، زهقت.

نطق بالحقيقة ثم استقام واقفًا وأخرج هاتفيه من جيبه ثم وضعهما فوق الطاولة وقال بثباتٍ وكلمات لا تقبل النقاش:

_حطهم على الشاحن وخليهم مقفولين ماتفتحهمش، ولو حد حاول يوصلي عن طريقك قولهم غار في داهية ماعرفش فين، أي حد مهما كان هو مين، بالله عليك مش هوصيك.

تعجب الرفيق منه ومن حديثه ولاحظ وجوم وجهه وفراغ عينيه، فقال بهدوءٍ يستفسر منه بحيرةٍ:

_مش خلاص سالم فاق ورجع وقولت إنه في وعيه؟ كل حاجة هتتصلح أهيه، مالك بقى عامل كدا ليه؟ وإيه شكلك دا؟.

_بتتصلح !! قصدك بتخرب، بتولع، بيتي وخرب، شغلي ومش طايق أتعامل مع حد وراميه عليك، أهلي ومباقيتش قادر خلاص قدامهم أقف أكتر من كدا، الرياضة وأديني مش برد على حد وفيه بطولات سايبها، إيه اللي اتصلح بالظبط يا أدهـم يمكن أكون أنا جاحد ومش واخد بالي.

جاء الرد مستنكرًا ثم تحول متألمًا حتى استطاع أن يُجيد إخفاء ألم عينيه ونظراته ثم تحرك نحو الداخل حيث الغرفة التي ينام بها ويقضي فيها يومه هربًا من العالم وقبلها يهرب من نفسه، يهرب بداخل هذه الغرفة كي لا يصل أي فردٍ في العالم ويهدم عليه بناء راحته..

بينما "أدهـم" فكان يعلم أن النيران المخبوءة في مقلتي رفيقه تحرق المدن حرقًا بداخل قلبه..
وقد تعجب وأصابه وابلٌ من الحيرة، 
كَون هذا الصديق الذي كان قلبه عامرًا، أمسى الخراب يحتله.
____________________________________

<"ياليت العودة يسيرة كما كان الذهاب، لقد فقدتني بالكلِ">

كانت آفته الكُبرى أنه لا يعلم كيف ينتمي..
لا يعلم كيف يتصف المرء بصفةٍ لا يعرف لها أصلًا، لكن ما إن عادت هي له وهو يشعر أنه وجد المرسىٰ أخيرًا، كأنه عاش عمره بأكمله يبحث عن شيءٍ فوصفوا الناس حاله كمن يبحث عن إبرةٍ في كومة قشٍ..

كان "آدم" يقف في المطبخ ليلًا بعد أن عاد ووجدها نائمة، قرر أن يصنع لنفسه طعامًا خفيفًا بجوار قدح القهوة التي قرر أن يصنعها لنفسه، وقف بشرودٍ وقد ترك الهاتف بجواره يصدح بصوتِ واحدٍ من الموشحات الأندلسية، حالة شجن كانت تُناسب سكون ليله، صوت الكلمات يصدح من قربٍ وهو يشرد في حالة هدوءٍ كأن أمواجه توقفت عن المدَّ والجزرِّ أخيرًا؛ خاصة بعد أن طمأنه أخوه بشأن زواجه من "عُـلا"..

شعر بعبيرها يمر عبر سبيل حاسته فالتفت بنصف جسده ليجدها تقف بجواره وهي تسأله بحيرةٍ وبصوتٍ ناعس:

_محتاج حاجة يا "آدم" دلوقتي؟.

حرك رأسه نفيًا ورسم بسمة صافية طالت عينيه فأتت نظراته حنونة بمجرد رؤيتها معه ثم أضاف قائلًا:

_بعمل ساندويتش خفيف كدا مع فنجان قهوة، أعملك معايا وتونسيني وأنا باكل؟.

لم تجرؤ أن ترفض مطلبه، كأنه غريبٌ ومد يده كي تأويه في كنف روحها الآمنة، رأت فيه صغيرًا يمد يده لأمه كي لا تتركه وحده ليلًا، لذا حركت رأسها موافقةً وظلت تراقبه بحنانٍ فاض من عينيها البراقتين، تفكر كيف لعائلةٍ قاسية مثل أهلها أن يحرمونها منه، كيف تمكنت الجُرأة منهم وفعلوها بقلبها الصغير؟ كيف فصلوا الكل عن الجزء الذي ينتمي له؟.

لاحظ طيلة صمتها وشرودها فتنهد وباشرها في الحديث بقوله:

_على فكرة بكرة إن شاء الله أنا اجازة علشان ننزل نجيب حاجات ليكِ وعمتو هتيجي معانا، هي أكيد هتفيدك أكتر مني، ومش عاوزك تقلقي من حاجة، اللي نفسك فيه كله هاتيه، لو تحبي حتى حاجة تتغير في الشقة "أدهـم" ماعندوش اعتراض على أي حاجة، المهم تكوني مبسوطة بجد، ولآخر مرة هقولك لو حاسة إنك متضايقة أو شايفة إني بظلمك عرفيني، مش عاوزك تحسي إحساس زي دا مني، أنا ما صدقت ربنا ردك لينا من تاني.

ابتسمت له بسمة يقسم أنه يرى فيها ضوء الحياة، كأنها شمسٌ حرة تحررت من خلف الغمامِ لتسكن عينيه هو بآشعتها الوهّاجة، رمقته بحنوٍ ذكره بحنو أمه الراحلة، ثم مدت يدها تبادر بلمس كفه وهي تقول بامتنانٍ لمشاعره لها:

_حتى لو دا تفكيرك، كفاية بس مشاعرك ناحيتي، كفاية إحساسك بيا وبمشاعري وخوفك عليا أنتَ مش ظالم وطلع الفكرة دي من عقلك، وأنا لو شكيت فيك ولو ١% إنك بتظلمني صدقني كنت هسيبك وأمشي، وبرضه "أدهـم" مش وحش ولا هو مستغل، هو صريح وموقفه عمري ما هنسّاه، أنتوا الاتنين عيلتي، وأنا معاكم دلوقتي علشان يمكن وجودي معاكم كان هيخلي الحياة بيا صعبة.

ربتت فوق كفه بعد الحديث بينما هو توسعت بسمته ثم قرد ذراعه اليُسرى كما يفرد الطير الحُر جناحه فيطويها في كنفهِ ، وبمجرد أن اقتربت منه مسح فوق ذراعها ثم لثّم قمة الرأس وأضاف بصدقٍ من قلبه تُبرهن عليه عيناه بالمنطق والشعور:

_بس الحياة من غيرك كانت أصعب والله.

طالت عينيها ضوء عينيه وابتسمت له، فتوسعت بسمته هو الآخر وطلب منها تساعده في تحضير الطعام السريع، وقد تحركت بجواره تخرج المعلبات من البرّاد ثم بدأت تقوم بغرف المكونات وحينها باشرها هو بقوله الهاديء:

_على فكرة أدهـم قالي أسألك لو فيه حاجة معينة عاوزاها، أو لو عندك أي طلب هو ماعندهوش مشكلة في أي طلب ليكِ، شوفي اللي نفسك فيه وصدقيني دي الفرصة الوحيدة للفرح يا عُـلا، أصل الأيام مش كل يوم هتتراضي فيها بحاجة تخليكِ مبسوطة وفي أمان، ربنا بيبعت الرزق وإحنا علينا نرضى ونحمد ربنا، وصدقيني أنا عمري ما تخيلت ولو حتى في أحلامي إنك تكوني مرات أدهـم أخويا، لما تعاشريه ويتقفل عليكم باب واحد وتقربي منه وقتها هتعرفي إن مكانش ينفعك حد غيره.

خجلت من كلماته كثيرًا وأحست بالدماء تفور وتغلي في وجهها وما بيدها حيلة للحديثِ، كلما تخيلت حديثه يتحقق وهي بجوار "أدهـم" أو حتى تشاركه مكانه وغرفته كأنها تموت من الخجلِ، كيف لفتاةٍ بعمرها تشارك رجلًا في غرفته لم تتخطَ مدة تعارفها معه شهرين؟ كارثة حقًا في حقها هي، لذا لم تجد غير أخيها تخبره بمخاوفها حين قالت:

_بص أنا بعتبرك راجلي، ومن ساعة ما جيت شايفاك أبويا مش أخويا بس، ينفع تخلوني في الأوضة بتاعتي زي ما أنا؟ يعني لحد ما اتعود بس وواحدة أبقى في أروح أوضة أدهـم، علشان خاطري فاتحه وقوله على الموضوع دا، أنا بموت من الكسوف لما بس بفكر في الموضوع دا.

ضيق حاجبيه وزوىٰ المسافة بينهما ثم تنهد بغلبٍ على أمرهِ وقال بيأسٍ تمكن من نبرته:

_مع إني مش هقدر طبعًا أقوله حاجة زي دي، بس أنا هخلي عمتو تتكلم معاه هو بيحبها أوي وبيسمع كلامها، المشكلة بس أحسن عمتو هي اللي تعترض على كلامك وساعتها هتبقى مصيبة سودا.

توسعت عيناها بقلقٍ فيما ضحك هو ثم ضمها من جديد أسفل ذراعهِ وظل يمسح فوق ذراعها وهو يبثها أمانًا افتقدته طوال أيام عمرها، أمانٌ افتقدته منذ أن أصدر القاضي حكمه ضدها وضد أمها، ونَّصف عائلتها القاسية عليهما، لذا كلما أتتها الفرصة كي تُعانقه تتشبث به؛ كأنها تُعوض ما فاتها من دونه.
____________________________________

     <"قُلت لك دعك من العالم، وأنا ضد العالم لأجلك">

يقولون الحُب في الأغلب يتحول لساحة حربٍ..
وعلى الطرفين أن يختارا صفوفهما جيدًا، حتى لو أصبحا طرفًا واحدًا ضد العالم، فعلى أحد الطرفين أن يقود الحرب ضد العالم، وعلى الطرف الآخر أن يسكن ويأمن لأن هناك من يقود حربه ضد العالم.

الليل كلما ازداد دُكنةً ازداد وجيف قلبها خوفًا، خاصةً بعد غياب "حلمي" عن البيت وعدم جوابه على مكالماتها، لقد ازداد قلقها عليه ومنه، خشيت أن يكون تصادم مع أبيه فأثار أحدهما غضب الآخر، وخشيت أن يكون والده تسبب في لهيب نيرانه التي خمدت لقليلٍ من الزمن، وقد ظلت تحاول الوصول إليه لكنه لم يجاوب، جلست بضجرٍ تضم كفيها وتهز ساقيها بعنفٍ وقد تشنج جسدها بخوفٍ.

يُثار غضبها بمجرد القلق عليه، كأنها لا تملك غيره في هذا العالم كي يُثير حفيظتها وقلقها، تود لو حفظته في كنفها كما الأم حين تحميّ صغيرها، تود لو تحميّه حقًا من الجميع بقدر ما وجدت معه أمانًا وسكنًا، وقد ولج البيت بتعبٍ ظهر عليه وحينها انتفضت هي بلهفةٍ تسأله بانفعالٍ غير محكمٍ:

_أنتَ فين يا حلمي كل دا؟ يا أخي طب رد عليا وعبرني وقولي إنك هتتأخر، بس متخلينيش كدا قاعدة على أعصابي أضرب أخماس في أسداس من الخوف، قولتلك ١٠٠ مرة أبقى عرفني.

رفع حاجبيه ذاهلًا من اندفاعها الغريب هذا ونظر في وجهها فوجدها تزفر بارتياحٍ أخيرًا ثم مسدت فوق جبينها الندي والتقطت أنفاسها الضائعة ثم لحقتها بقولها:

_كنت فين يا حلمي؟ أنتَ كويس؟.

رفع كفيه باستسلامٍ أمامها ثم قال بسخريةٍ:

_أنا والله مستنيكِ تاخدي نفسك بدل ما تاخديني على ملا وشي كدا، هي أول مرة اتأخر يعني؟ ما طول عمري بتأخر لحد ما السوق كله يقفل، ولا أنتِ خايفة بقى من حاجة مُعينة؟.

نبرته تلونت وتحولت لأخرى أكثر دهاءً وحنكةً كأنه نجح في سبر أغوارها، وقد ارتبكت هي بعينيها أولًا ثم هزت كتفيها تتصنع جهلها بالأمرِ، فيما اِفتر ثغره ببسمةٍ شيطانية وهو يقول بتهكمٍ:

_طالما عينك راحت وجت كدا يبقى عملتيها فعلًا، روحتيلهم ليه يا لمار؟ وبلاش بقى الكلام الخايب بتاع أوضة أمي وكلامي وكلامك دا، أنا حافظ دماغك وعارفها، وحركة زي دي تطلع منك، بس مكانش ليها لزوم على فكرة.

توسعت عيناها حدَّ الجحوظِ وسألته باستنكارٍ تردد خلفه:

_مكانش ليها لزوم ! إني أروح علشان خاطرك دا مكانش ليه لزوم؟ كنت شايف إني أسكت وهما مزعلينك عادي؟ عارفاك ضعيف قصادهم ومش بتحب تبين دا، بس أنا لأ يا حلمي، ماتعودتش أسكت خلاص، اللي بيضايقني بقيراط بضايقه بـ ٢٤ قصاده.

لمح هجومها وآخذها لدور الهجوم بشراشةٍ فهدأ هو من هوجائية مشاعره وقال باضطرابٍ بين الهدوء والإندلاع
 وقد كان اضطرابه أكبر من غضبها فقال:

_بس مش في كل الأوقات والأوضاع، وضع زي دا مش هينفع، كدا بتقلي بيا وبنفسك قدامهم، عارفة جيه وقالي إيه النهاردة؟ قالي جوز الست اللي ممشياك، واتهمني إني عيل صغير رايح لمراتي تجيبلي حقي، وسكتت قدامه علشان مش لاقي حاجة أقولها، بأفعالك أنتِ اللي بترجعينا ورا أهو مش أنا.

من جديد تُلام على شيءٍ تفعله لأجل من تُحب؟ هل هذا هو العدل فوق هذه الأرض؟ إذا كان هذا هو العدل فهي تُفضل أن تكون ظالمة، لذا تنفست بعمقٍ ترتب بعثرة أنفاسها ثم قالت بهدوءٍ اكتسبته رويدًا حين وجدت الأمور تتأزم لهذا الحد بينهما:

_وأنا مش غلطانة، بكرة بنفسك هتعرف إني عملت الصح اللي هما يستاهلوه، وبرضه مش مهم تشوفني غلطانة في حقك أو حقهم؛ علشان كفاية أوي أنا شايفة نفسي عملت حاجة علشانك قصاد كتير عملته أنتَ علشاني، أهمها إنك خاطرت بشغلك وأهلك وعلاقتك بصاحبك علشاني، ومش هنسى موقفك وأنتَ واقف قصاد "داغـر" وتحط راسك براسه برضه علشاني، طالما بقينا مع بعض يبقى لازم واحد فينا يقلبها حرب ضد الدنيا كلها، وأنا عن نفسي مستعدة أحرق أي حد علشانك.

توسعت عيناه وظهرت اللمعة فيهما ببريقٍ لم يستطع إطفاء وهجه أمامها، خاصةً أمام نظرات عينيها وتحديها لكل من يقترب من طريقه، لقد أكلته وحشة الاشتياق لمثل هذه المشاعر، بالتحديد آخر زمانه مع أمه قبل أن ترحل وتختفي من طريقه، لقد كان معها في أمانٍ وهي تُعادي العالم لأجله هو، وقد جاءت زوجته تُعلن خصومتها على العالم فقط لأجله هو.

لمحها تختفي من أمامه بسرعة البرق حتى طيفها ركض كما الشبح، التفت فوجد باب الغرفة يُصفك بقوةٍ فعلم أنه أغضبها، ونوبة غضبها هو أعلم الناس بها، يعلم كيف تنكمش وكيف تبكي وكيف تنام بحزنٍ وينطفي معه بريق عينيها، كأن مدينته تُعلن حالة حدادٍ على نفسها، لذا ولج خلفها بخطواتٍ هادئة وكل ما فكر فيه وجده حقيقة أمام عينيه، تنكمش على طرف الفراش، جسدها يرجف _في الأغلب بسبب البكاء_ تتكور على نفسها كأنها تتفادى ضربات أحدهم.

جلس على عاقبيه مقابلًا لها ومد كفه يُمسد فوق وجنتها فأجفل جسدها من مجرد لمسةٍ منه؛ وفي لحظتها رفعها حتى تواجهه بعينين يحيطهما الجمر المُلتهب، فقال هو بلهفةٍ وهدوءٍ كسىٰ نبرته:

_قومي كلميني بلاش تقفلي على نفسك كدا وتنامي بالمنظر دا، إحنا كنا بنتكلم عادي وبنتناقش، أديني حتى فرصة أقولك وجهة نظري في الموقف ككل.

_مش عاوزة أعرفها يا حلمي، اللي عاوز تقوله باين في عينيك، وخلاص أنا بعد كدا استاهل ضرب الجزم ولا إني اتدخل في حاجة تاني تخص حد، سواء أنتَ بقى أو غيرك.

قاطعته بهذه النبرة القوية المندفعة فالتزم هو الصمت حتى وجدها تعود لسيرتها الأولى وتنام وتغمض جفونها، عقد حاجبيه حائرًا ثم قرر أن يراضيها فهزها بخفةٍ وقال بصرامةٍ كاذبة:

_أنتِ هتنامي ولا إيه؟ قومي أكليني أنا جعان، دي مالهاش علاقة بحاجة تانية، الأكل برة المشاكل والخلافات.

رفعت رأسها بنصف حركةٍ وقالت تعانده بقولها:

_لأ مفيش أكل، أكل نفسك أنتَ بقى، كنت هحضرلك عشوة ملوكي، بس طالما جاي تشخط وتنطر وتعلي صوتك عليا يبقى مفيش أكل يا حلمي، وطول ما أنتَ مزعلني مش هطبخ

_طب قومي استهدي بالله وأكليني علشان أعرف أصالحك.

_مش عاوزاك تصالحني، ماتقربش مني أصلًا.

دفعته بقبتضها بقوةٍ فترنح وكاد أن يسقط للخلفِ لكنه تحامل على نفسه وثبت جسده ورمقها بنظرةٍ حادة جعلتها تُحيد بوجهها عنه للجهةِ الأخرى، وقد قبض هو فوق مرفقها وتحدث بطريقةٍ أقرب للمزاحِ:

_بت !! إيدك ماتتمدش تاني، بعدين مش أبويا اللي هيعكنن علينا يعني، خليكِ عاقلة كدا واسمعي مني، قومي بس خلينا ناكل مع بعض لقمة، يلا يا حبيبتي، يلا ربنا يهديكِ عليا.

تركته يتحدث ثم مدت ذراعها وأغلقت ضوء المصباح المجاور للفراش وحينها انتهز هو فرصته كي يتقتص لنفسه وسُرعان ما قام بخطفها من فوق الفراش حتى التصقت به واستقام واقفًا وهو يحملها وقبل أن تهاجمه ألجمها بموضعها وهو يهمس بخفوتٍ:

_بس بقى عدي ليلتك معايا، بعدين سيبك منهم كلهم وخليكِ معايا أنا وبس، أنا مش عاوز غيرك، وماليش غيرك خلينا لبعض أحسن.

لمحت أمله في عينيه، رجاءه في نبرته، التوسل في يده التي تتمسك بها، كأنه وجد الأمان من بعد الخوفِ، لذا أومأت له بهدوءٍ وعيناها تتبعا عينيه وقد تركها تقف أمامه ثم مال عليها مُلثمًا وجنتها وبمجرد أن اعتدل وجدها تتحرك وتُحضر له الطعام وكأن قسوة قلبها تلاشت، وحلا بموضعها اللين والرفق.
____________________________________

  <"لم أكن أعلم أن تلك العيون هي مقصد الطريق بذاته">

في رحلة العُمر قد يحتاج المرء لمن يفهم لُغته..
يفهم ما يرغب في قوله وشرحه دون أن يستطع هو فعلها لنفسه، قد يحتاج لمن يتولى فك شفرات وحل ألغازه وإن لم تكن واضحة للناسِ، لذا حين تجد من يستطع ترجمة لغتك غير المفهومة، افتح له كتابك كُله؛
لعله يُترجم لك ما فاتك من العمر دون أن تفهمه أنتَ..

صباحًا في اليوم الموالي..
كان "غسان" بغرفتهِ يتابع العمل الخاص به في الخارج، حيث يدير كُبرى المواقع لشركات التسويق والدعاية الإعلانية والتسويقية، وحين طالت فترة قعوده في الغُرفةِ صعدت له أمه التي انتظرته أمسًا ولم يأتِ، طرقت بابه فترك موضعه وتحرك يفتح الباب لها وما إن قابلته قالت بلهفةٍ:

_يا حبيبي فضلت مستنياك طول الليل إمبارح واتأخرت أوي، طمني عملت إيه معاهم؟ اتفقتوا على المعاد ولا مارضيوش؟.

لاحظ لهفتها في السؤال والقلق فابتسم يمُد كفيه يضعهما فوق كتفيها كي يبثها الأمان من خلال جسده وانفعالاته ورسم بسمة زينت مُحياه ووصلت عينيه بقوله:

_الحمدلله عدت على خير بس عمها اللي اسمه رؤوف دا فضل واقفلي بالكلمة ويحط شروط، ورمالي كلمتين كدا إني غلطت علشان رايح من غير أهلي، وعرفته إن بابا في مأمورية وراجع، ولما ييجي يا ستي أخليه يقابلهم، أنا بس عرفت إنهم مضايقين فريدة وبناتها، وكلهم بيرموا كلام عليها وعلى البنات ودا أنا مش حابه يحصل.

لوت فمها بسخطٍ وتلبسها الضيق لكنها آثرت السكوت عن الشيء هذا وقالت ببسمةٍ جاهدت لرسمها فوق ملامحها:

_أنا مش فاهمة بأي وجه حق يتدخلوا كدا في حياته وحياة بناته بعد موته وهو لما كان عايش محدش كان بيشوفهم حتىٰ، دلوقتي جايين يتحكموا ويورثوا ويدوروا؟ المهم يا حبيب ماما تخلي بالك من نفسك لحد ما البنت تبقى مسؤوليتك ووقتها تقف في وشهم وتبقى راجلها، أنا فاهمة كويس أوي هي حاسة بإيه، علشان كدا أتمنى تكون ليها زي ما "طاهر" كان ليا ومعايا.

ابتسم هو حين فهم مقصدها ثم ضمها ومسح فوق رأسها وقد ربتت هي بحنوٍ فوق قلبه، تعلم أنه تربى على يد والده ولن يخون ثقته فيه، كما الطير حين يتربى في مرفأه فيصون صاحبه..

دعته للفطور معها وقد جلسا سويًا في حديقة البيت، فقالت هي إبان تناول الطعام:

_صحيح كتب كتاب "أدهم" ابن خالتك آخر الأسبوع دا والفرح كمان، خليك معاه بقى هو و"آدم" علشان أكيد هيحتاجوك معاهم، عقبالك يا حبيبي ربنا يسعدك ويكمل فرحتك بكل خير.

ابتسم لها "غسان" وأومأ موافقًا، ثم عاد وتذكر هيئة "نوف" بالأمسِ، كم بدت لعينيه جميلة، كم كانت جذّابة كما الفراشة التي تداعب طفلًا وحيدًا بداخل الحديقة، لا يعلم كيف بنظرةٍ تقتحم حصونه لكنه يعلم أن بها براءة لم يرها قط في حياته فيما سبق، لقد عبر حدود تقريبًا خمس دول، تعامل مع ما يُقارب الأربعين فتاة، دار في ضواحي العالم هُنا وهُناك، لكنه لم يجد مدينة مُفضلة أشبه بتلك التي يراها في عينيها هي..

لاحظت أمه شروده فحمحمت تُعيده لوعيهِ فرفع عينيه نحوها وفي البرهة نفس عند تلاقي الأعين قالت بهدوءٍ وهي تبتسم:

_شكلك مش متضايق يعني، أنا قولت هتيجي شايط عليا وغضبان من عيلتها، وقولت كمان هتقول إن لسه بدري ولازم تعرفوا بعض شوية، على حسب ما أنا عارفاك يعني.

حين تحدثت ابتلع طعامه وقال بنبرةٍ هادئة وناعمة:

_يمكن علشان المرة دي عارف أنا عاوز إيه كويس؟ قبل كدا كنت فاتح صدري على ١٠٠ سِكة وطريق، كنت ماشي وبلوش في السِكك كلها، عاوز الشغل والرياضة والبطولات والحب والفلوس والبيت والنجاح، عاوز كله مع بعضه وأنا يادوب متخرج، بعد كدا بقيت أهدا شوية، خطواتي مترتبة أكتر، كفاية أكون كويس مع إنسانة تستاهلني، والأهم إني مرتاح ليها وشايف إنها تستاهل الواحد يعمل علشانها المُستحيل، المرة دي نصيبي جاي مع اللي اتمنيته.

شردت بعد حديثه في ماضٍ جعلها تبتسم، تبتسم للذكرى التي أحيت القلب حين كانت في حاضرها، حيث رزقها الخالق بأكثر الرجال حنوًا وأمانًا، تذكرت يوم أن التقيا سويًا بعد الزواج في البيتِ، حيث أغلقت الأبواب عليهما ودَّب الخوف في قلبها منه، كانت ترجف خوفًا، ترتعد فرائضها، تضغط بأظافرها في لحم كفيها حتى كادت أن تذبح راحتيها، وقتها راقبها "طاهر" من على بعدٍ، لمح كل انفعالات جسدها، تذكر سطوة والده عليه وهو يجبره على الزواج بها، ومن المؤكد كان الحال عندها يُماثل حاله.

مصلحة عملية جمعت الآباء معًا وراح ضحية لها الأبناء، وقتذاك اقترب "طاهر" من الأريكة التي تجلس عليها وتطوي فيها نفسها، حيث تثني جيدها للأمام وتحني رأسها، وتنخر في لحم كفيها وتشُد أعصاب جسدها كأنها ضحية تُرافق جلادها، راقبها هو بعينين غام فيهما الحزن، طفق النفور من كلا الأبوين يظهر على هيئته، سحب مقعدًا خشبيًا فأصدر صوتًا جعلها تجفل، ارتعدت وتعرق وجهها من الخوفِ، لم تملك الجرأة كي ترفع عينيها وتواجهه، لكنها انكمشت حين اقتربت أنفاسه منها، حين وصلها هدير أمواجه كأنها تغرق في عُمق البحرِ، وقد مد يديه يمسك كفيها ثم مسح فوقهما حتى هبطت عبراتها رُغمًا عنها.

وقتها ابتسم "طاهر" ومد إبهامه يُمناه وسألها بحنوٍ:

_خايفة؟.

أومأت بلهفةٍ وهي تعتصر عينيها، وقد كانا متضادين مع بعضهما في هذه اللحظة هي كما النيران المُضرمة وهو كما كتلة الثلج، يصعب اتحادهما دون أن تخفت قوة أحدهما، كانت تخشى القادم معه، تخشى أن يكون نسخة من الرجل الذي تربت في كنفه ومن بعده هو أول رجل تعامله بشكلٍ مباشرٍ، بينما "طاهر" فوجد فيها ما لم يجده في بيته، وجد في عينيها الحنو الذي لم يعرفه، اقترب أكثر ومسح عبراتها ثم تنهد وهمس بصوتٍ مُحشرج:

_أوعدك مش هقرب منك، مش هاجي جنبك حتى في الأوضة دي وهديكِ المفتاح بنفسك تخليه معاكِ لو تحبي تقفلي على نفسك، وأوعدك مش هتخطى أي حدود هنا غير لما تأذنيلي بدا، وفيه حاجة كمان هاقولك عليها يا "رئيفة" ولازم تتأكدي منها، مش معنى إن أبويا مشى كلمته عليا وخلاني اتجوزت فدا معناه إني مش راجل، أنا لو مش ليا مزاج ماكنتش كملت، والأهم إني مش الراجل اللي هسمح حد يبقى ليه كلمة عليا في بيتي غيري أنا، يعني أبوكِ يعمل اللي عاوزه، وأبويا يعمل اللي عاوزه بس بعيد عن حياتي وبيتي، بعيد عن مراتي، حياتنا أنا وأنتِ هنمشيها مع بعض، وزي ما وعدتك قبل كدا، لو حُريتك إنك تبعدي عن مصر كلها وتبعدي عني، أنا هخلص الموضوع وأسفرك وأطلقك، بس تسمعي كلامي وتساعديني علشان أعرف أساعدك.

وقتها أومأت بلهفةٍ ومسحت وجهها، كانت تكره نفسها في هذه الفترة، تكره ضعفها لأنها الصغيرة التي خُلفت لتتمرد، تتمرد على كل شيءٍ وترفض الخنوع، تمامًا كما "فريال" شقيقتها الكُبرى، رفضتا سطوة "داغر" وعنفوانه وتجبره وتكبره، ولأن النصيب هو الغلَّاب دومًا، حين كان نصيبها "طاهر" رضيت به وتركت القصة تكتمل كما كان مكتوبًا لها..

خرجت من رحلة شرودها على تحرك ابنها من أمامها وعلى صوت هاتفها فالتقطت الهاتف لتجد اسمه يزين الشاشة، ابتسمت وهي تجاوبه فوجدته يقول بنبرةٍ لم تتغير مع مرور الزمن:

_وحشتيني يا "رئيفة".

وهذا هو "طاهر" الذي لم يتغير مهما تغير العالم..
لم يخُفِ حُبها ولم يُخبيء عنها مشاعره، يخبرها أنها كل ناسه وأهله وعائلته، يخبرها أنه لم يخف من شيءٍ في هذا العالم إلا رحيلها هي، ظلت تتحدث معه وهو يطمئن على ابنه منها وعلى أحوال زواجه، وحين انتهت من المكالمة عاد "غسان" يجلس أمامها وهو يزفر مُخرجًا ضيقه حين رمى الهاتف فوق الطاولة وقد انتبهت لتبدله فسألته بعجبٍ في أمرهِ:

_مالك؟ مش كنت كويس دلوقتي؟.

_"رؤوف" عم "نوف" كلمني دلوقتي بيقولي آخر النهار هقابلهم يشوفوا الشقة اللي هتتجوز فيها، المفروض أعمل إيه؟.

أخبرها بضجرٍ وبان ذلك في عينيه، لذا قالت بثباتٍ:

_ما ييجوا، يا سلام هي دي حاجة تزعل؟ دي شقة مفيش واحد فيهم يعرف يجيبها، خليهم يروحوا يشوفوها ويشوفوا هما هيناسبوا مين، وعلى فكرة الحركات دي منهم هما علشان يكون نظام تطفيش وخلاص، ماتقلقش، سيبها عليا.

راقب أمه بحيرةٍ ولمح في عينيها لمعة غريبة تزامنًا مع بسمة يراها لمرته الأولى في تلك المُقلِ لكنها دومًا تملك الكثير والجديد، تملك العديد من المُفاجآت التي تجعل الكلِ يتعجب من قدرتها على التحدي وخوض الحرب وهي لا تملك حتى أية آليات للدفاعِ، حتى "طاهر" كان يطلق عليها لقب "مضادة التوقعات" ولا شك أن تلك الشخصية لم تظهر إلا حين وجدت من يحبها فأخرج منها من تُحب.
____________________________________

  <"لو كان الأمر متوقعًا كان مَّر، لكن مُرَّهُ أنه من قريبٍ">

لو أُتيحت للمرءِ فُرصة واحدة كي يتحدث..
سوف يفيض بحر كلماته، 
ويهيج الطوفان الذي بداخله،
 حينها قد قول أن الدرب الذي قطعه لم يكن يستحق كل تلك المُعاناة، سوف ينفجر بكلماتهِ ويقول أن الغنائم لم تلِق يومًا بصعوبة الحروب التي خاضها، والنهاية لم تكن سعيدة كما هو متوقع، حينها من المؤكد سيقول أن الأشياء حتى وإن أتت متأخرة فهي تفقد رونقها وتنطفيء لمعتها.

كان "أدهـم" مستيقظًا وقضى صلاة الضحى ثم صنع لنفسه كوب عصيرٍ من البرتقال المُنكه بالجزرِ الطازج كما اعتاد، وقد افتقد حقًا روتينه اليومي في شقته، افتقد الدفء الذي كان له في كل صباحٍ مع أخيه، اتفقد رؤية "ربـاب" كل صباحٍ ودعواتها تُغدقه، وقد تذكر أمر "سُليمان" الذي ينام في الغرفة البعيدة فتنهد وصنع الفطور له.

وقد راعى نقطة احتساء القهوة صباحًا فحضر صُنعها له، ثم ترك الطعام فوق القطعة الرخامية الخارجية عند المقعد الخشبي المُرتفع ومر حتى وصل عند غرفته وطرق بابها، فتح باب الغرفة فوجده بداخل مرحاض الغرفة، انتظره حتى يخرج وما إن قابله قال بصوتٍ مُحشرجٍ:

_صباح الخير يا "أدهـم" رايح فين كدا؟.

_هنزل بقى أشوف ورايا إيه علشان الفرح اللي كمان كام يوم دا، حضرتلك فطار برة وجهزت القهوة، صلي الأول لحد ما أعملهالك.

كاد أن يتحرك من الغُرفةِ لكن الآخر أوقفه حين نطق كي يمنعه:

_ماتتعبش نفسك أنا مش عاوز أفطر، هي القهوة بس كفاية.

رمقه "أدهـم" باستهتارٍ كأنه لم يكترث به وسبقه للخارج، فرد هو سجادة الصلاة وبدأ فيها متوكلًا على ربه، وقضى الركعتين ثم خرج فلمح "أدهـم" يصنع القهوة له وبمجرد أن جلس قام بصبِّها في الفنجانِ وقدمه وهو يقول بمزاحٍ:

_اتفضل يا سي سليمان، خدامتك أدهم في الخدمة هنا.

ابتسم "سُليمان" رُغمًا عنه والتقط القهوة وبدأ يرشُفها وهو يتمنى أن تحل له كل مشاكله، يشعر أن روحه ثقيلة، كأنه انطفأ وما عاد له ضوءٌ أو نورٌ، تنهد بثقلٍ وقد جاوره "أدهـم" وباشره في الحديث قائلًا:

_أنا سيبتك براحتك إمبارح ومارضيتش أضغط بزيادة عليك، بس دلوقتي مش هعرف أسيبك من غير ما أعرف مالك، حصل إيه يزعلك ويخليك تيجي هربان كدا؟ وقافل موبايلاتك ليه؟ لو فيه حد مضايقك قولي هو مين ومالكش دعوة، عرفني بس.

ابتسم "سُليمان" بسمة مريرة، بسمة أتت بنكهة الوجعِ، بسمة تعبر عن صدعٍ في جدار روحه، كيف يخبره أن الضيق أتاه من شقيقه، كيف يخبره أنه لم يتوقع أن يُجرح بهذه الطريقة؟ تنهد ومال بجسده ينظر أمامه ونطق مدعيًا اللامبالاة:

_ماحصلش حاجة، أنا زهقت واتقفلت من كل حاجة وجيت هنا، معلش يا "أدهـم" هفضل هنا لحد بكرة وأبقى روح طُل على المعرض وشوف مكان السباق والعربيات، أفوق بس يومين وأنزل.

تحدث وأخبره ما يُريد وحينها آثر الآخر الصمت وحين تحرك ليُجمع أشياءه صدح صوت هاتفه برقمٍ غريب، عاد يجاوب على المكالمةِ فوجد صوتًا رقيقًا مرتابًا كأن صاحبته تنبس بقلقٍ:

_مساء الخير يا أستاذ "أدهـم" معلش آسفة على الإزعاج.

عقد حاجبيه وهو يقول بهدوءٍ ولازال تحت وطأة الحيرة:

_لا يا فندم مفيش مشاكل، مين حضرتك؟.

_أنا..أنا "سُعاد" بنت خالة "سليمان" آسفة مرة تانية بس حضرتك تعرف مكانه؟ من الصبح بنحاول نوصله مش عارفين، والمفروض إن "سالم" يعمل النهاردة آشعة وتحاليل مهمة، استأذنك بس لو عرفت توصله تعرفه إن "رحمة" جت هنا وخدت الولاد عندها، ينفع يروح يجيبهم الساعة ٤ من هناك؟.

طاف "أدهـم" بعينيه يُراقب الجالس بصمتٍ ثم زفر بعمقٍ ومسح وجهه بكفه الحُر وقال بصوتٍ كتم فيه اضطرابه:

_حاضر هحاول أوصله وأبلغكم، لو احتاجتوا حاجة كلموني.

أغلق الهاتف معها ثم اقترب منه لكن تلك المرة بملامح جامدة، ملامح راح عنها اللين وقال بصرامةٍ غير معتادة منه، بل بدا كأنه أبٌ غضب من ابنه المُدلل:

_"سُعاد" كلمتني دلوقتي علشان مش عارفين يوصلولك، بتقولك المفروض النهاردة أخوك هيعمل تحاليل وآشعات وهما معاه، عيل أخوك "رحمة" راحت خدتهم بيتها أبقى روح هاتهم الساعة أربعة من هناك، أظن يعني يا "سليمان" دا مش وقته خالص إنك تقف وتعطل وفيه وراك كتير معتمدين عليك، عاوز تفصل وتهرب دا حقك، بس هما لحد دلوقتي ليهم حق عليك، خليك معاهم وأديهم حقهم، على الأقل علشان لما تسيب السكة تبقى عملت اللي عليك وزيادة، ارتاح شوية وأبقى روح شوف ولاد أخوك، هتسيب الغريبة تراعيهم؟.

حديثه جعل "سُليمان" يستفيق من غفوته، تلك اللحظة الفاصلة بين الوعي واللاوعي أتته دون أن ينتبه، استفاق على حديث صديقه وظل يُمرر الحديث في رحاب عقله، يأخذ الأمور بنظرة شمولية أكثر حتى يرى أثر الفعل على كل الأركان، انسحب "أدهـم" من المكان وتركه وحده رفيق حيرته وتخبطه.

في المشفى خرج "سالم" من غرفة الأشعة يجلس على مقعد متحرك وتقوده له "سُعاد" ولازال هو يشعر بالفراغ بسبب غياب "سُليمان" عنه، لام نفسه وعاتبها ووبخها، ياليته ما قال الذي قاله أمسًا، ياليته خبأ الحقيقة عنه كي لا يخسره، الأمر معقد لديه بصورة صعبة، كيف يخبره أنه حزين على نفسه وليس منه هو، كيف يخبره أنه لا يشك بأخلاقه، هو لو كان يشك بشيءٍ فلا يشك بغير نفسه هو.

وصل الغرفة وقد تركته "سُعاد" يجلس عند النافذة الكبرى في الغُرفة ثم سحبت مقعدًا وجلست أمامه تسأله بترقبٍ بعدما لاحظت توتر الأجواء حولها خاصة بين الشقيقين:

_هو حصل حاجة بينك وبين "سليمان" امبارح؟ أصل مش طبيعي الأمور توصل لكدا فجأة، لو حصل حاجة قولي، هو مستحيل يمشي كدا ويسيبنا غير لو حصل حاجة وحاجة كبيرة كمان، كان مشي في اللي فات كله، دا حتى لما طلق "مها" شال زعله على جنب علشانك وعلشان ولادك.

_طلق "مها" !! هو طلقها؟ ليه إيه اللي حصل؟.

سألها مستنكرًا حين بتر حديثها من التكملة فأضافت هي بثباتٍ:

_طلقها علشان ولادك وعلشانك، رفضت تشيل ولادك وتقف جنب مامتك في الأزمة دي وقالتله أنها مش مسؤولة عنكم، ساعتها ماستحملش وطلقها، شاف إنها خدت حق مش حقها وكان واجبها تكون معاكم، "سليمان" ضحى كتير أوي علشانكم، عمل اللي فوق طاقته علشان لما تفوق ماتتهموش بأي تقصير.

حديثه كان ملحًا فوق جراحٍ غير ملتئمة، نزف الجرح أكثر بداخله وجُرمه في عينيه يزيد بشاعةً، كأنه هو الذي خان وهو الذي أجرم وهو الذي أذىٰ، ياليته ما نطق، ياليت لسانه كان الشلل أصابه قبل أن يجرح شقيقه، أغمض عينيه وهو يتمنى لو يجمعه النصيب صدفةً بـ "صابرين" حتى يأخذ حق عائلته منها، لكن ليس المُراد بالتمني، وليست الحقيقة بياليت..

دقت الساعة الرابعة عصرًا..
كان أسفل بنايتها يحاول هندمة نفسه داخليًا، يستعد للقاء القادم معها وهو يعلم أن شخصيتها غير المرنة هي التي تتعامل معه، شخصية المحامية الدقيقة التي تبحث عن كل ثغرةٍ، لذا جاهد كي لا يبدو عليه أي شيءٍ، وصعد متوجهًا لشقتها وما إن طرق الباب فتحته له مديرة البيت التي ابتسمت له وهي ترحب به:

_نورت البيت يا أستاذ "سليمان" اتفضل.

ولج بعدما حياها ببسمةٍ هادئة وقد أشارت له ناحية الجلوس وهي تقول ببشاشة وجهٍ وسماحة الضحكة:

_ثواني وهنادي "رحمة" عن إذنك.

تحركت من أمامه وولجت المطبخ حيث موضع بقاء الأخرى التي كانت تُطعم الصغيرين، كانت تجلس عند الطاولة بقربهما، و"سليم" يسرد عليها بطولات عمه في القيادة ومسابقات السيارات وكم الجوائز التي في بيتهِ، يحكي لها عن مغامراته الشبابية وشقاوته وكيف يأخذ الحياة بمبدأ الجنون، ابتسمت له وظلت تسمعه حتى ولجت لها "فايزة" وهي تحدثها:

_أستاذ "سليمان" برة.

عند ذكر اسمه ركض الصغيران للخارج وسحبت هي حجابًا تغطي رأسها به ثم خرجت له فوجدته يضم أبناء شقيقه لعناقه وهو يجلس بموضعه، اقتربت بتوترٍ ورحبت به. رفع عينيه نحوها وحياها ببسمةٍ باهتة فيما وجهت هي الحديث للصغارِ بقولها الحنون:

_أدخلوا كملوا أكلكم الأول يلا، عمو قاعد مستنيكم، كلي يا سقيي"سدره" بلاش تسيبي طبقك، يا إما محدش منكم هيمشي من هنا.

قفزا في ثانية واحدة وركضا نحو الداخل فيما ابتسمت هي لأثرهما وقد راقب الموقف هو بدهشةٍ، تعجب من أثرها عليهما ومن طوعهما لها، والأغرب أنها فعلت ما لم تفعله زوجته لأجلهما، إذن المشكلة في ضمير المرء، ليس هناك ما يجعل المرء يقسو على صغيرٍ يمُر بظروفٍ قاسية إلا إذا كانت المشكلة في ضميره هو.

خرجت "فايزة" تضع أمامه قدح القهوة وهي تبتسم له، تحركت نحو الداخل بجسدها شبه المُمتليء بينما "رحمة" فتنهدت مُطولًا وراقبت سكونه، صمته، إنحناء ظهره، راقبت التغيير الذي ظهر عليه، وبادرت بالحديث قائلةً:

_أنا آسفة إني خدت الولاد وجيبتهم هنا بس "سعاد" ومامتك كانوا محتاسين جدًا بيهم وبـ باباهم كمان، استغربت بصراحة إنك مش هناك، بس كويس إنك جيت، هما محتاجين لوجودك أوي.

أومأ لها شاردًا وكأن حديثها يتقاطع في النقطة نفسها مع حديث "أدهـم" وكأن الكون بأكملهِ يتفق على نفس الشيء ضده هو، غرق من جديد في الشرود، يشرد بعينين حزينتين، لاحظته هي ولأول مرةٍ تراه بهذه الصورة، تراه بهيئة جديدة عليها كُليًا، تراه بآدميتهِ للمرةِ الأولى، مجرد بشرٍ، إنسان تبدو عليه المشاعر الحزينة، عيناه رغم روعتهما وشدة خضارهما لكنهما حزينتان، يضم كفيه مع بعضهما مُطأطىء الرأسِ لأسفل كأنه يرمي بحملهِ بعيدًا، تراه بغير تجبر، بغير لسانٍ سليطٍ، بغير عنفوان..

رفع رأسه فجأةً فتلاقت الأعين معًا، نظراتهما تقابلت فلمحت لأول مرةٍ الإنكسار باديًا عليه، نظراته تقول شيئًا لم ينطقه هو، لذا زفر مُطولًا وهو يخفي عينيه عنها كي لا ينكشف ضعفه، ذكرها بنفسها حين كانت ضائعة مثله، حين كانت تائهة في أرجاء مدينة لا تعرف عنها غير اسمها، والآن هي تتوه فيه هو ولا تعرف عنه غير اسمه فقط.

أيها الغريب أخبرني..
لمَّ من بين كل الطُرقات التي يضيع المرء فيها
اخترت الطريق الذي ضيعني كي تضيع فيه أنتَ أيضًا؟
هل أغرتك السُبلِ بفراغها،
 أم اشتهيت التيه بعيدًا عن مدينتك؟
____________________________________

      <"كانت العودة هادئة عكس الذهاب الصاخب">

تلك الأيام القصيرة التي يسرقها المرء من الحياة هي التي تدوم وتُعلَّق فوق جدار الذكرىٰ، كصورةٍ احتضنت الذكريات بغير فراقٍ كي تخبرك أنك ذات يومٍ كنت حُرًا هُنا، كنت ضحوكًا من قلبك، لكن بكل أسفٍ هي كانت وستبقى مجرد ذكرىٰ..

عاد للبيت بعد أيام قصيرة قضاها بصحبتها في مدينة الاسكندرية، المدينة الساحلية التي تشتهيها هي كل شتاءٍ، تتمنى لو تترك العالم خلفها وتسكن الاسكندرية التي تُحبها، ولأنه يفهم كل شيءٍ يخصها أتى كي يُحقق الحُلم لها، لذا سوف تغفر للعالم أجمع كل خطاياه في حقها، سوف تُسامح لأجله هو.

ولج الشقة الخاصة بأمهِ التي بدا عليها التبرم والضيق، تلوي فمها بسخطٍ من ابنها ومشاعره وزوجته كونه يُحقق لها كل ما تتمنى وتشتهيه، ترمقه بكل سخطٍ، حتى وهو يقدم لها الحلوات التي اشتراها لأجلها، كانت تفرك قدمها وهي تكتم تأوهها ولاحظها "منتصر" فاقترب يجلس أسفل قدمها وهو يسألها بلهفةٍ:

_مالك يا ماما؟ رجلك واجعاكِ؟.

تبرم تلك المرة والده منها ولاحظت هذا "ورد" التي التزمت الصمت، فيما نطقت والدته وهي تبكي قائلة بتحسرٍ على نفسها:

_صعبان عليا نفسي أوي، الصبح روحت أجيب عيش طازة من الفُرن وقولت أهي لُقمة أبوك ياكلها طرية علشان يعرف يغمس، والناس مش بترحم ولا بيراعوا فرق السن، قربت يا حبيبي من الفُرن وبديله البطاقة فضلوا يزعقوا ويعلوا صوتهم عليا، علشان بديله البطاقة، واحدة منهم جت زقتني وقالتلي دا مش دورك ومش هتاخدي عيش، وقعت على رجلي اتلوت والله يباركله يا رب الواد بتاع القهوة سندني وجابني لهنا.

كانت تبكي وهي تتحدث حتى تألم هو لأجل ألمها، تألم لأنه حين كان يعيش الحياة كانت أمه تُكابد وتُصارع هُنا، وقد ضمها لجسدهِ يأويها في عناقهِ وهي مستمرة على البكاء، وفي هذه اللحظة انطلقت كلمات "مُرسي" الحادة يوجهها لابنه:

_ريح نفسك يا "منتصر" أمك اللي مش بتريح نفسها، قولتلها ١٠٠ مرة بلاها عيش الفرن والوقفة والبهدلة، أي لُقمة فضل من ربنا ونعمة، بس هي غاوية تعب قلب وغُلب، مش قولتلك يا "خيرية" بلاها تنزلي خالص؟ وقولتلك "ورد" الله يباركلها مخلية الفريزر مليان، هي عقدة الخواجة اللي عندك اللي جايبة أبونا ورا.

نطق بنبرةٍ زهوقة وملولة جعلتها تنفجر بصوتٍ باكٍ صارخة:

_أسكت يا "مُرسي" خالص وأبعد عني، أصلك ماشوفتش اللي شوفته وجربته، محسسني إني نازلة اتدلع واتفسح يعني، مش علشان خاطرك وخاطر ابنك، أديني مش هاروح الفرن تاني، ياكش بس تهدا وترتاح وتحل عني.

تدخل "منتصر" يفصل العراك بينهما حين نطق بهدوءٍ:

_خلاص يا جماعة حصل خير، معلش يا بابا هي تعبانة والموقف مضايقها، خلاص يا جماعة أنا هكلم فرن العيش السياحي وأقوله يجيبلكم العيش لحد هنا كل يوم الصبح، على الأقل أخف وأنضف، وعلشان تعرفوا تفطروا كويس، معلش يا "ورد" أبقي حاسبيهم أنتِ كل أسبوع أحسن.

أومأت له ببسمةٍ بشوشة وهي تُعجب بحبه لأهلهِ، بخلاف كل شيءٍ لكن حنوه وأصله على أفراد أسرته ومراعاته لهم يُعد شيئًا جذَّابًا في شخصهِ، حتى لو كانت أمه تستغل هذه النقطة لصالحها هي لكنها تعلم أن نيته عامرة بالخيرِ تجاه أهله، وعلى غِرار قول والدها أن الرجل الذي يُراعي ضميره مع أهله سوف يراعي ضميره مع شريكته.

غمرها الشرود والهةً فيه وفي كل تفاصيله، وقد صدح صوت الجرس، تحركت هي تفتحه حين انتبهت فقابلت الفتاة التي تعتبرها غريمتها، ابتسمت لها "ورد" فنبست "مروة" حانقةً بصوتٍ أقرب للهمسِ:

_جيتوا؟ حمدًا لله على السلامة، نورتوا يا حبيبتي.

رمقتها "ورد" بحيرةٍ بسبب الطريقة التي تتحدث بها لكنها ردت عليها ودعتها للدخول، وما إن ولجت الأخرى ولمحت "منتصر" يضم أمه هرولت لها تجلس بقربها وهي تتحدث بلهفةٍ:

_حبيبة قلبي يا ماما، طمنيني عليكِ مالك؟ سمعت تحت إنك وقعتي جيت أجري والله أشوفك وطلعت تاني، حقك عليا إني سيبتك تنزلي النهاردة، مش كنتِ قولتيلي اللي عاوزاه وأنا أجيبهولك؟.

ابتسمت لها "خيرية" ومدت يدها تُربت بها فوق ذراعها وهي ترد الحديث بنفس اللغة المُقدَّمة لها كأنه مشروع عرض وطلب:

_كتر خيرك يا حبيبتي، هتعملي إيه تاني يعني ما أنتِ بقالك كام يوم كتير خيرك معايا ومش سايبانا، ربنا يفرحني بيكِ مع ابن الحلال اللي يستاهلك ويقدرك، وماشوفش فيكِ زعل ولا حزن يا رب.

ضمتها الأخرى فابتعد "منتصر" حين وجدها تقترب وهي تخترق الخصوصية بينهما، بينما "ورد" فكانت تشعر بمشاعر الجندي المغدور، هي التي ترعى وتحمل هم الأسرة وتعول البيت بأكمله ولم تسمع كلمة واحدة تُنصفها، فهي في نظرهم دومًا مُتهمة بالتقصير، دومًا هي لا تفعل الواجب كاملًا، دومًا تفتعل المشكلات، دومًا تطمع في أشياء لا تُفيد ولا تنفع، وما إن قامت الأخرى بمساعدة يومين أصبحت هي البطلة التي تفعل المستحيل؟.

تبدلت تعابيرها ورأت أن هذا هو حقها، حقها أن تتضايق لأجل تعبها، حقها أن تتضايق لأجل الجهد الذي تبذله دون أن تجد حتى كلمة طيبة تكون ردًا عليها، شعرت بالحزن يُخيم عليها وهي ترى نظرات "مروة" تتصيدها في وقوفها، كأنها تحضر فقط كي تتحداها حتى لو بعينيها فقط، وحده من لمح النظرات بينهما كان "مُرسي" الذي حرك المقعد نحو "ورد" وجلس بقربها ثم ربت فوق كفها وهمس لها:

_سيبك منها، المهم أنتِ مع مين ومين معاكِ، هو بيحبك أنتِ ومختارك أنتِ وعاوزك أنتِ، روحي أقعدي جنب جوزك يا تاخديه وتطلعوا ترتاحوا من مشواركم، ماتزعليش نفسك علشان أي حد.

ابتسمت له لأنه فهم عليها حتى دون حديثٍ منها، بغير كلامٍ قرأ كل الذي ترغب في قوله، وقد انتبه لهما "منتصر" فابتسم بعينيه لوالده وقربه من زوجته وهو يعتبرها ابنةً له، تعلقت عيناه بعينيها وتوسعت بسمته حين وجدها تُربت فوق كف حماها وتقرأ له القرآن بهمسٍ خافت كما يُحب هو، كأنها تُبرهن أن روحها لا تُنافس، جاذبيتها وبريق قلبها لن تُضاهيه أي لمعة كاذبة أخرىٰ.
____________________________________

<حين نغرق في عُمق البحر ونسكنه قد نخشى بعدها اليابس>

في بعض الأحايين يكون خوفنا من الشيء مجرد كذبة..
حيلة وهمية يلجأ العقل لها ليُخبرك أنك لازلت ضعيفًا وتخشى الوحوش، تخشى كل شيءٍ عملاقًا، تخشى الظلام، تخشى الغرق، أنتَ مجرد مجموعة مخاوف تتحرك فوق الأرض؛
 حتى تواجه وحدك كل هذه المخاطر وتتعايش معها ووقتها تبدأ في التأقلم، حتى ولو كنت تواجه وحدك في عُمق البحرِ..

الفترة الأخيرة الحياة أصبحت غريبة في عينيه، يسعى كل يومٍ للإنتهاء من أوراق السفرِ، حالة ابنته تُعرقل له الكثير من الخطوات، كأنه يتعثر في كل خطوةٍ يخطوها، يحاول ويفلح مرة ثم يخفق عشرات المرات، لكنه يحاول لأجلها، لأجل حياتها هي التي انتهت قبل أن تبدأ، وقد عاد تلك المرة للبيتِ والأوراق في يده ثم جلس فوق الأريكة وأرجع رأسه للخلفِ.

اقتربت ابنته منه تصعد فوق ساقيه فعاد لرشدهِ مبتسمًا ثم ضمها وتأوه بنبرةٍ أعربت عن تعبه وألم جسده:

_آه، جسمي مكسر مش قادر، كلتي؟.

حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم بشقاوةٍ وتحرك خصلاتها فحملها وهو يقول بضحكةٍ يائسة:

_تعالي أعملك لُقمة تاكليها، وأنا هاكلك أنتِ.

ضحكت وهي تفرك يديها في ذقنه وحين ضحك توسعت ضحكتها لأنها تقتحم سجنه وتُحييه، جلست في المطبخ وهو يصنع الطعام لهما سويًا، يراقبها تهز كتفيها وتبتسم بسعادةٍ بغير سببٍ معلومٍ، ملامحها منبسطة بشكلٍ غريبٍ، وقد راقبها وناداها فانتبهت له، سألها بحنوٍ:

_أنتِ مبسوطة النهاردة أوي كدا ليه؟.

قلبت عينيها في كل اتجاهٍ ثم ركضت نحو الداخل وخرجت له بحقيبة وردية اللون بها العديد من العرائس وأدوات التجميل والتزيين، عقد حاجبيه وتعجب منها فسألها بحاجبين معقودين:

_مين جابهالك دي؟ ودخلت هنا إزاي؟.

حركت كتفيها بحيرةٍ وكتمت ضحكتها، دار بعينيه في المكان مثلما تفعل هي، عادت وجلست تلتزم الصمت وراقب هو اللعبة وظل يحاول استجماع أفكاره من أين أتت لها هذه الحقيبة؟ إذا لم يشتريها هو لها، ولم تكن هنا في السابق من أين أتت؟ طال شروده ونذرته مشاعره بشيءٍ من الخوفِ، لكن خوفه هذا تبدد حين استيقظ خاله من النومِ وخرج للمطبخ وهو يقول بقلقٍ:

_كنت فين يا "يحيى" يا أخي قلقتني عليك.

زفر "يحيى" بارتياحٍ حين فهم أخيرًا، لكنه عاتبه حين نطق:

_طب ما تقول إنك جاي، هو أنا ناقص يعني رعب؟ مش كفاية الأكشن اللي أنا عايش فيه؟ ارحمني شوية.

ضحك "أنيس" وقال وهو يجلس بجوار الفتاة:

_يا عم قولت أهزر معاك أنا والبت "رحيق" شوية، صحيح هي رفضت كتير ومكانتش عاوزة تسمع كلامي بس في الآخر أقنعتها تشتغلك، طمني عليك عامل إيه؟.

_ماشي الحال، بخبط وبتخبط لحد ما أشوف ليها آخر.

ابتسم خاله بزاوية فمه وقال بتهكمٍ:

_على وضعك دا مفيش آخر، هتفضل في نفس الدوامة اللي مالهاش أول من آخر، قولتلك تعالى معانا هناك وهتبقى في حمايتي، مفيش حد هيقدر يرفع عينه فيك حتى لو خدوا بنتهم هخليك تقدر تشوفها وتبقى براحتك، بس أنتَ اللي مش قابل.

نفخ وجنتيه مُعبرًا عن ضيقه وضُجره ثم تحدث يقاطعه:

_مش قابل علشان مش عاوز صراعات قدام بنتي، كفاية أوي اللي هي شافته، عاوزني أخدها أحطها في حرب بين طرفين ليهم حق فيها وكل واحد فيهم يفضل ينهش في لحم التاني؟ سيبك مني خالص ومن اللي عاوزه، كفاية إنك عرفت "يُسري" مكاني.

خرجت الجملة الأخيرة بعتابٍ قاتلٍ، خرجت بنبرة تعبر عن ألم صاحبها، لكن "أنيس" قال بملامح تحولت لخبثٍ وبسمة غير متساهلة:

_فِكرك يعني أنا ماكنتش فاهم أنا بعمل إيه؟ لو أنا ماكنتش عملت كدا هو هيحط أيده في إيد "مُراد" أخوه ويلاقوك هما، اللي عملته كله إني اشتريت "يُسري" وانتماءه ليك، كفيت شره ليك وبدلته بالخير، وخلي بالك "مُراد" مش هيسيبك، عاوز يوصلك بأي طريقة، بس هشوفله طريقة تبعده عنك وتلهيه.

أومأ له "يحيى" بصمتٍ وهو يتمنى زوال كل تلك العقبات، يتمنى لو يرتاح من هذه المعضلة، لو يكون كل ذلك كابوسًا وهو لم يستيقظ منه بعد، حرك عينيه نحو "رحيق" وكأنه يعتذر منها على شيءٍ لم يقترفه في حقها، لكن لا يوجد غيره كي يُلام عليه، يتمنى لو تحدثت وأخبرته أنه لم يُقصر في حقها ولم يظلمها، رغم أن كل الدلائل تُبرهن أنه الظالم الوحيد في القصة..
وياليت البحر كان ليتكلم فيخبرهم.
____________________________________

      <"لولا الحُر في المدينة، لكانت الظَّلام عمَّ فيها">

بموجب قرار الصمت من كل فردٍ..
يتوجب علينا الثورة مرة واحدة على الأقلِ، مرة واحدة يفعل المرء فيها أشياء مجنونة غير متوقعة تقلب كل شيءٍ رأسًا على عقبٍ، مرة واحدة يأخذ فيها قرار المخاطرة ثم يقف ويتابع بعينيهِ النتائج.. 

كان "غسان" في الشقة التي يقوم بتجهيزها للزواج ينتظر قدوم رجال العائلة، أخبره عمها أنه سيأتي مع شباب العائلة كي يكون القرار ملك يمينهم وطوع أيديهم، واحترم هو قرارهم ولم يتدخل، شقة واسعة وكبيرة داخل مجمع سكنيّ راقي وله مكانة عالية، كل شيءٍ في المكان يليق بالأثرياءِ والمرفهين، اشتراها له والده للمستقبل، وقد حان الوقت أخيرًا.

صدح هاتفه عاليًا برقم عمها فجاوبه بلهفةٍ وخرج من الشقة كي يقابلهم بالأسفلِ، نزل ينتظرهم أمام مدخل البناية وعند نزولهم تبدلت ملامحهم كُليًا، رؤية مكانٍ هكذا للابنة المكروهة في العائلة يعد شيئًا ثقيلًا على الروحِ، رحب هو بهم وقادهم للشقة في الطابق الرابع، ثم ولج بهم في الممر الكبير حيث الشقة الخاصة به..

ولجها عمها "رؤوف" وعمها الثاني معه، وبعض شباب العائلة خلفهما، وفي الآخر يتحرك هو بصمتٍ، عمها يراقب الشقة بجمودٍ ثم التفت يقول بسخطٍ:

_الشقة حلوة بس بعيدة، دي في آخر الدنيا، افرض يا أخي اتخانقتوا مع بعض وحبت تمشي تعملها إزاي؟ افرض حصل ظرف نجيلها إزاي يعني؟ المكان بعيد وأنا مش موافق.

رفع "غسان" حاجبه بتحدٍ وقال بهدوءٍ حاول التسلح به:

_وحضرتك ليه تفترض السوء؟ إيه اللي يخلينا نحط اعتبارات مالهاش وجود دلوقتي؟ يا سيدي أوعدك لما تيجي تنزل وتغضب أنا هنزل أوصلها بنفسي لحد عندكم.

لم يعجب عمه الحديث بهذا المنظور، لذا قال بتجبرٍ ردًا عليه:

_يبقى الكلام مش معاك، الكلام مع أبوك لما ييجي.

توسعت عيناه وظهرت بوادر الغضب والتحول الجذري في شخصه، بدأ صبره ينفد كُليًا لكنه التزم الصمت وبعد مرور لحظات قليلة حضرت "رئيفة" والدته للشقة، ولجت مبتسمة الوجه وألقت التحية، وقد تعجب ابنها من قدومها، لكنها ابتسمت له ووقفت ترحب بضيوفها، ووقتها توسعت عينا ابنها وذُهل منها.

 حيث لم تكن بمفردها، أتت ومعها "نـوف" وأسرتها ثم ولجت معهن للداخلِ وهي ترحب بهم مهللةً بعروس ابنها الوحيد:

_تعالي يا عروسة، أدخلي يا حبيبتي شوفي شقتك.

كأنها أتت تسد عليهم الطريق وتقف في وجههم بالمرصادِ، تقطع عليهم السُبل في مضايقة ابنها، وتخبرهم بغير حديثٍ أنها لن تتساهل مع من يقترب منه، والآن أصبحت الأوضاع تؤول لحربٍ أهلية.

#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_السادس_وعشرون

                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.

_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.

_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

_إهداء إلى رحمة محمد، كل سنة وأنتِ طيبة يا عسولة...


             الفصل السابع والعشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة