
رواية جمعية حب الفصل السابع والعشرون 27 بقلم شمس محمد بكري
|| يبقى الصراع الطبقي ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
الحُرية، السلام، الحياة، السعادة.
كلها أشياء تستحق النضالِ من المرء،
فأرىٰ في بعض الأحيان أن هناك الكثير من الأمورِ تستحق أن يبذل فيها الإنسان قصارىٰ جُهده لأجل نَّيلها، أن يفعل المستحيل لأجل استحقاقها، وإضافةً إلى ذلك ضحكتكِ أنتِ..
هذه التي تُعد نافذة الحياة لسجينٍ مثلي في ماضيه، تُعد مطلع الشمس لإنسانٍ الظلام يُحيط دربه..
ولا شك أنكِ كلكِ حتى في أوقات ظلامك تستحقين النضال، تستحقين إقامة الحروب وإشعال المدن وإثارة الشغب..
تستحقين أن يُفنى عمر المرء لأجل أن تبقى أنفاسك على قيد الحياة..
<"لولا المُخاطرةِ ما كان المرءُ خرج من نفق الظلامِّ">
على المرء التمرد ولو لمرةٍ واحدة في العُمر..
عليه أن يرفض الخضوع والخنوع.
عليه أن يرفض الانسياق خلف المُجريات ويخلق سياقًا خاص به.
_تعالي يا عروسة، أدخلي يا حبيبتي شوفي شقتك.
نطقتها "رئيفة" وكأنها أتت لتسد عليهم الطريق وتقف في وجههم بالمرصادِ، تقطع عليهم السُبل في مضايقة ابنها، وتخبرهم بغير حديثٍ أنها لن تتساهل مع من يقترب منه، والآن أصبحت الأوضاع تؤول لحربٍ أهلية، نظرات أعمامها تختصها وهي تقف بجوار أمها التي تهللت أساريرها إذ تقول بنبرة حُبٍ:
_بسم الله ما شاء الله، الشقة جميلة ربنا يجعلها عتبة الخير.
ابتسمت لها "رئيفة" وقالت بثباتٍ وهي تتجاهل عن عمدٍ الذكور من خلفها كأنها تنكر تواجدهم كما يفعلون مع شخص ابنها:
_الشقة حلوة علشان تليق بمقام عروستنا، واللي نفسها فيه تختاره واللي عاوزاه تشاور عليه، المهم تبقى مبسوطة وراضية.
ابتسمت لها "نوف" وحركت عينيها في الصالتين الكبيرتين وفي المساحة الشاسعة وفي الشُرفة الكبيرة المستديرة، شعرت بالانتماء لهذا المكان، ابتسمت باطمئنانٍ حين تذكرت أنه سيكون بيتها، لم تتحدث بسبب الخجل الفطري الذي تحكم بها، لكن "غسان" اقترب يقف مقابلًا لها وحينها تلاقت عيناهما معًا، سألها بعينيه عن مشاعرها، فردت بضحكة من عينيها..
وقتها تيقن هو أنه عليه الجهاد لأجلها هي، لأجل أن تبقى تلك الضحكة مرسومة فوق ملامحها، فالتفّت لعمها وقال بهدوءٍ:
_بعد إذن حضرتك طالما صاحبة الشأن موجودة أحب أعرف رأيها هي، بالنسبة لموضوع البُعد والمسافات دا الدنيا سهلة دلوقتي، على الرغم إني مستحيل أوصل مراتي لدرجة أنها تسيب البيت وتمشي في وقت متأخر ولا أبقى نطع للدرجة دي، بس في أسوأ الظروف يعني المواصلات سهلة دلوقتي وأنا معايا عربية، يعني أي مشوار إن شاء الله تحتاجه العربية وصاحبها في الخدمة.
هو تحدث وهي لا تعلم هل حديثه هذا من باب فض المجلسِ أم هي الحقيقة التي يتحدث بها، لكن نظرته تسرد عن الحقيقة التي يحملها هو في قلبه، لذا صدقته وهي تعلم أنه قد يفعل المستحيل لأجلها وأجل خاطرها، وحين تدخل عمها يقول بجمودٍ وكأنه لا يعرف اللين له سبيلًا:
_هي أمانة في رقبتنا وأظن يعني اللي شايفينه من مصلحتها واجب يتنفذ، بعدين أفرض والدتها تعبت وعاوزاها معاها، حط ألف اعتبار أنتَ مش واخد بالك منهم وشوفهم وحط نفسك مكاني.
كادت "رئيفة" أن تتدخل في الحوار لكن ابنها أشار لها ثم تحدث بهدوءٍ غريبٍ كأنه يُبرمج نفسه قبل الإنفجار:
_طب ممكن كلمتين مع حضرتك على جنب؟.
تردد عمه بالقبول لكنه رضخ أخيرًا وتحرك معه، انزويا في جنبٍ يبعد عن الأعين والأذان، كان عمها جامدًا وملامحه حادة، رأسه الحليقة تلمع بسبب سقوط الضوء الذهبي عليها، عيناه غير واضحتين أسفل الجفون بسبب ضيقهما، لكن الآخر سأله مباشرةً بغير تزييفٍ:
_ياريت حضرتك تتكلم معايا بكل صراحة وتقولي غرضك من الرفض دا، لأن الواضح ليا إنه نظام تلكيك وخلاص، الشقة مافيهاش عيوب وفعلًا حلوة، وفي مكان مش سهل حد يجيب فيه شقة، أمان وهدوء ونضافة، مش واخدها من شارع لحارة يعني.
تحدث بجمودٍ وتحدٍ كأنه لن يقبل الرفض أو المُسايسةِ، والآخر زفر بعمقٍ ثم نطق أخيرًا بعدما جاهد كي يتحدث:
_شوف يا "غسان" علشان أكون صريح معاك أنا مش قابلك، موضوعك مع "نوف" بالنسبة ليا فيه حاجة غلط، ومش علشان بقى الكلمتين بتوعك أنتَ وأبوك واتفاقكم مع "ناجي" الله يرحمه على جوازكم يبقى الكلام دخل دماغي، بالنسبة ليا زيك زي اللي بيصلح غلطته، ومش علشان كدا يبقى همشيها معاك زي ما تعوز.
صرَّح عن الذي يحويه بداخل قلبه، تحدث وأفرغ جبعته أمام الآخر الذي شعر بالكلمات كأنها حواف خناجر تُحفر فوق جلدهِ وجسده، أدرك أن التبجح لن يُفيد والصمت لن يُجدي، فما كان عليه غير اللجوء للحلول الدبلوماسية بنطقهِ:
_ماشي سميها زي ما تسميها، بس أنا بقى مش هرجع في كلامي، ولو على الشقة بسيطة عندي بدل الحل كتير، أولهم أقعد في بيت أهلي أنا ومراتي ونبقى نيجي هنا كل فترة، والتاني أشوف شقة إيجار في حتة قريبة من مكان بيتها علشان حتة المواصلات اللي مضايقاك دي، بس اسمعها من "نـوف" الأول.
وضع له العُقدة عند السكين فصَّعب عليه عملية البتر، خرج عمها للجميع بالخارج ولمح ابنة شقيقه تقف بجوار أمها بصمتٍ، تنزوي بعيدًا عنهم وكأنها لا ترتبط بروابط دمائهم، وحينها اقترب منها يقف منزويًا معها وقال بذات الجمود:
_شوفي اللي أنتِ عاوزاه بس خلي بالك أنا مش هقبل بحاجة تجبرني أوافق غصب عني، أنا لو ساكت فأنا ساكتلك بمزاجي علشان ظروف وفاة "ناجي" بس مش أكتر، لكن دا مش معناه يعني إنك تمشي كلمتك عليا.
تضايقت هي بسبب طريقته وحديثه، كلماته قاسية كما نظراته، طباعه حادة كما نبرته، يُشبه الشُرطي الذي يتتبع البشر كي يتصيد الأخطاء والأغلاط لهم؛ فتنتفخ أوداجهُ نصرًا، لكنها اعتادت على رفض الظُلم والإجبار، فقالت بنبرةٍ تتشبث بحوافِ الثبات قبل السقوط في بئر الضعف:
_أظن مفيش حاجة تضايق حضرتك لمجرد إني الشقة اللي هتجوز فيها بعيد حبتين، ولا برضه فيه حاجة تضايق لمجرد إن فيه واحد كان فيه كلمة بينه وبين بابا وصدق فيها وبينفذها، ولو لسه فاكر إن فيه حاجة بيني وبينه زي ما وصلك قبل كدا، هقولك إنك كدا مش مراعي موت أخوك، لو عارف تربيته بجد هتعرف إن أخوك ربىٰ بجد، وهتعرف برضه إن عمو "طاهر" وابنه بيحافظوا على لحم أخوك، وبرضه حضرتك ليك كل الاحترام مني وهديلك القرار أنتَ، شوف اللي يريح ضميرك.
أنهت مرافعة الدفاع التي تولتها لنفسها وآنذاك ابتسم بزاوية فمه ساخرًا ونطق مُعبرًا عن استهزاءه بكلماتها وشخصها ككلٍ:
_قال يعني أنا هسِد قصادك في الكلام؟ أعملي اللي تعمليه يا نوف بس خلي بالك طالما صوتك من دماغك يبقى لا أنا ولا حد من العيلة ليه علاقة بيكِ، ماترجعيش بعدها تقولي إن محدش فينا وقف معاكِ.
رمقته بنفورٍ منه ومن طريقته ومن حديثه وهو يتركها ويقترب من رجال عائلته، ولكنها راقبته رُغم ذلك وهو يُلملم الموقف حين وقف يواجه "غسان" بقوله الصارم:
_القرار دلوقتي قرارك أنتَ وعروستك، أنتوا أحرار مع بعض وتختاروا اللي أنتوا عاوزينه، أنا بس عليا أقف لو لاقيت حاجة مش عاجباني.
ابتسم له "غسان" وردَّ عليه بثباتٍ كأنه لم يُبالِ بحديثه:
_ودا حقك ولازم تكون موجود في حياة بنت أخوك لأنها أمانتك زي ما بتقول، ولازم تتأكد أنتَ بتسلمها لمين، بس خليها في حاجة تانية غير الشقة، على الأقل علشان أقدر أنا أعمل اللي تحتاجوه بعد كدا.
تبادلا النظرات سويًا وقد أخضعه "غسان" كي يوافق وينسحب بتقهقرٍ؛ تمامًا كما الجيش المُحتل حين يتيقين أنه ولج الرُقعة الخاطئة، وقد أعادوا الجولة لمشاهدة الشقة من جديد لكن تلك المرة باستفاضة مع "نـوف" التي كانت تبنيّ أحلامها لهذا المكان، تبتسم وهي تتخيل كل خُطوةٍ هُنا، ترسم أحلامًا وردية كما أي بنتٍ في عمرها وموقفها وظروفها.
تتمنى أن يكون هُنا القادم أهدأ،
أن يكون هذا المكان هو الميناء وبه ترسو سُفنها التائهة.
____________________________________
<"الماضي كان يومًا ما هو الحاضر الذي شكل مستقبلك">
يوليو 1998..
كانت الحياة بالنسبةِ لـ "طاهر" سجنًا، يحياه بالإجبارِ والخنوع، وُلد في عائلة ربها متجبرًا، رجل يعمل في الجهات السيادية بالنظام السياسي القديم، ينعته بالفشلِ، بالضعفِ، بالهوانِ، يتهمه أنه الأسوأ بين الأبناء الثلاث، هو الأصغر والأفشل بينهم، كان والده في كل يومٍ يتمنى رحيله من حياتهِ ويُصرح بذلك، وقد أجبره على ترك كلية الصيدلة كي يلتحق بالكلية الحربية، أخضعه كي يبقى تحت طوعه، والآخر فكان يشعر أنه مثل الطير الحبيس.
وبعد تركه لكلية الصيدلة والتحاقه بالكلية الحربية واجتيازه لاختباراتها وكشف الهيئة، قرر والده أن يُكمل أسوار السجن العالي، حيث ترك منصبه وتفرغ لإدارة أعمال العائلة، وترك ابنه الأصغر يُكمل مسيرته في هذا المنصب، عندئذٍ احتاج "داغر" لمن يشاركه ويُعطيه اسمه كي يُنشيء عمله الخاص بعيدًا عن الجهات الحكومية والسيادية والمسألة القانونية.
ولج "طاهر" غرفة والده الذي انتظره حتى يعود من عمله بعدما قضى سنوات الدراسة في كُليته الجديدة وحصوله على رُتبةٍ بها، وقتها ازدادت المسافات بينه وبين والده، أصبحت الفجوات أكبر وأكثر اتساعًا عن ذي قبل، كان ينتمي لهم بالاسم فقط وأنشأ لنفسه العالم الخاص به، وقد دار الحديث حينها بتجبرٍ من الطرف الأقسى:
_أعمل حسابك يوم الخميس الجاي هتروح تتقدم لعروستك.
لم يُبالِ ولم يرد وكأنه لم يكترث بهذا الحديث، ملامحه لم تُبدِ وقتذاك أي شيءٍ، تبين والده ملامحه وردد حديثه بحدةٍ أكبر من السالفِ كأنه يُنافس وحشًا قديمًا في قسوته:
_أظن بكلمك، يبقى على الأقل ترد عليا زي ما بكلمك.
تشنجت ملامحه وانتفض من مجلسهِ ثم انحنى بميلٍ للأمام يقول منفعلًا بغضبٍ أعمى:
_أرد !! أنتَ بجد عاوز رد؟ يعني سيبت كُليتي بسببك، وسيبت المشروع اللي كان نفسي أعمله برضه بسببك، ودخلت كلية مش ليا، وقبلت بوظيفة مش بتاعتي، وكل دا أنتَ مش عامله اعتبار، وكمان بتجبرني اتجوز؟ مش هروح ومش هاشوف حد، دي بقى مش بمزاجك تحددهالي، واللي عندك أعمله.
حينها صفع والده سطح المكتب ووقف أمامه يقول بقسوةٍ لا حد لها ولا نهاية، كأنه يسعد بقتله وضعفه:
_لما تقف تتكلم قصادي توطي صوتك وماتزعقش كأنك في الشارع، وكلمتي هتمشي عليك ورجلك فوق رقبتك يا "طاهر" يا كدا يا تخرج برة البيت وتنسى إنك ليك أب وعيلة.
توسعت عيناه بانكارٍ لما يصله من حديثٍ، وقف مصدومًا كأنه يشاهد خبالًا لا يُصدق، أو رُبما رأى أحد المشاهد الدرامية المبالغ بها عبر شاشة التلفاز، هذا الجحود أكبر من قدرة العقل على الاستيعاب، وقبل أن يأخذ القرار هرولت أمه لداخل المكتب تتمسك بكتفيه وهي تقول ببكاءٍ:
_علشان خاطري يا "طاهر" اسمع كلامه، بلاش تسيبني وتسيب البيت، لو بتحبني خليك معايا، شوف بابا عاوز إيه وأعمله، أنا مش هقدر أعيش من غيرك.
كانت تعلم إلى أي نقطةٍ يصل بحر غضب زوجها وماذا قد يفعل عند هذا الحد، وتعلم أيضًا أن ابنها لن يستطع مواجهة طوفانه، بكت وهي تتوسله، ولأنه كان ضعيف الإرادة أمامها ويخشى عليها من مجرد نسمة هواء متحركة، نظر لها بعتابٍ، عيناه رغم دفئهما الدائم رمقتاها بنظرةٍ باردة، نظرة صقيع جعلتها تُخفض عينيها وهي تتوسله بالإنصات والخنوع..
تركها وفلَّت كفه من كفيها ثم التفت وغادر الغرفة، ولج غرفته يتعجب من قرارات والده معه، لا يعرف كيف يُحكم عليه بالسجنِ داخل هذا القفص، هو طيرٌ والطير خُلق كي يكون حُرًا؛ حتى من ثُقِل روحه ونفسه، قاطع والده وهو يحاول إيجاد مفرًا يهرب منه، وفي النهاية خضع لتوسلات أمه، أخذ قراره، سوف يذهب للفتاةِ ويُخبرها أنه لا يُحبها ولا يُريد أن يتزوجها، يعلم أنه سوف يجرحها، لكن هذا أفضل ما توَصل إليه..
جاء اليوم المُحدد للمقابلةِ، ذهب مع والده ووالدته، ولجوا بيت "داغر" الذي لم يختلف كثيرًا عن والده، كلاهما أشبه بالطيور التي عرفت بعضها فتقابلت، رفض التحدث في هذا اليوم، لم يرفع حتى عينيه ويكترث بهم، كان ينتظر قدومها كي يخبرها عن رفضه، عن امتناعه، تمنى لو تفهم عليه وترفضه هي كي لا يتورط، ويخرج بأقل الخسائر.
بعد أحاديث كثيرة دارت بين الرجلين نزلت "رئيفة" أخيرًا وظهرت ولم يكترث ويرفع عينيه لها، لكن ارتجافتها وصلته، صوت أنفاسها المتعثرة وهي تتلاحق وصلت سمعه، اضطراب خطواتها أحس هو به، لا يعلم لمَّ أتت بتلك الهوجائية تضع الصينية حتى كادت أن تسقط من يديها، وقد تدخل والدها وحملها عنها ثم أجلسها بضغطة فوق مرفقها..
انسحبت العائلة وانفض المجلس إلا منهما، صوت انفاسها المضطربة علا أكثر، فركت كفيها معًا وهي تُجاهد لكتم عبراتها، وهو أخيرًا أخذ قراره، سوف يخبرها برفضه قبل أن تأمل فيه أي خيرٍ، لذا استقام واقفًا وقال بثباتٍ:
_ماعرفش أنتِ عندك فكرة ولا لأ، بس أنا جاي هنا غصب عني وماعنديش فكرة أنتِ عارفة حاجة عني ولا لأ، بس أنتِ في إيدك ترفضيني وتخلصي نفسك وتخلصيني، لأن للأسف ماعنديش حرية اختيار أعمل حاجة زي دي.
ابتسمت بسخريةٍ من بين طوفان البكاء الذي داهم ملامحها، تتعجب من كم المُفارقات الغريبة التي توجد في طريقها، هل يظن أنها تملك رفاهية الإختيار؟ هل تجرؤ على معاداة والدها؟ كيف يَظنه أمرًا يسيرًا بهذه السهولة؟ رفعت رأسها تواجهه، كانت مُجهدة بشكلٍ بائن، ملامحها يبدو عليها الإنكسار، كأنها فتاة حبيسة داخل زنزانة.
تقابلت الأعين معًا ولمح هو السُخرية المُوجعة منها، لكنها تسلحت بالقوةِ حين قالت بثباتٍ نبع من سُخريتها على حالها:
_دا على أساس إني هقدر أنا أرفض؟ واضح كدا إني زيي زيك، لو تقدر أنتَ تطلع تقولهم كدا أعمل كدا، على الأقل أنتَ راجل ممكن يكون ليك أسبابك، لكن أنا قدامه بنت مش من حقها ترفض حاجة، بالنسبة له أنا مجرد حاجة تحت طوعه يحركها زي ما هو عاوز.
بالطبع هذا الشيء كان متوقعًا منها، مظهر والدها وهيئته لا تختلف عن والده هو، يبدو التجبر متجليًا في عينيه، تبدو نظراته حادة وهي تُشبه الفريسة بين أنيابه، بحث عن كلماتٍ مناسبة يرد بها كي لا يجرحها، لكنه وجد ما جرحه هو، حيث لمح مرفقها وهي ترفع ذراعها تمسح عبراتها التي هددت بالفضحِ عن مكنونها، لمح كدمة كبيرة صفراء مُرقعة ببقعٍ بنفسجية نتجت عن التعنيف.
بحث في وجهها وذراعها فلمح أخرى في قدمها، اقترب منها مستخدمًا حسه البوليسي، لم يحتاج أكثر من ثوانٍ فقط كي يدرك الحقيقة، لذا باشرها بسؤاله الذي خرج بجمودٍ لكنه كان أكثر تركيزًا واهتمامًا:
_هو اللي ضربك كدا؟.
دارت بعينيها بعيدًا عن عينيه، أخفت الألم من عينيها ونظراتها لكنها لم تفلح كي تُخفيه عن تشنج جسدها، حاولت إخفاء ذراعها المكشوفة من أكمام فستانها، لكنه أيقن أن هناك الكثير لم يعرفه قط، لذا همس لها بخفوتٍ حين أيقن أنه تحت مراقبتهم:
_أساعدك إزاي؟.
أذهلها بسؤاله وقد فرغ فاهها وهي تنتبه له، بينما هو فأشار بعينيه نحو الخارج وهمس بنفس نبرته السابقة مع الحفاظ على ترك مسافة كافية بينهما:
_هما واقفين بيشوفونا دلوقتي، حاولي تخلي الكلام بينا كأنه طبيعي، لو حد فينا رفض هيواجه صعوبة في اللي جاي عليه، قوليلي ممكن أساعدك إزاي تخلصي منه؟.
لا تعرف هل هو يختبر صبرها أم هو مجرد فخٍ؟ لكنها سوف تخبره وتُخلص نفسها من أنياب والده، سوف تخبره لأنها سئمت العيش هكذا، سئمت من قص جناحيها، سئمت من أن تُعنف وتُضرب وهي بهذا العمر، لعله طيرٌ مثلها وسوف يُقدر مشاعرها، فصرحت بهمسٍ خافتٍ:
_ساعدني أسافر وأسيب البلد كلها وأكمل تعليمي.
نطقتها حاسمة وقوية، خرجت منها بتحدٍ كأنها تتحدى حتى مخاوفها هي، وهو للحق لم يتوقع هو جوابًا كهذا، ولم يتوقع أن تُجاوبه أصلًا، لكنها أذهلته بقوتها، بنظرتها المثابرة، بعزيمةٍ لمعت في عينيها لتؤكد له أن مثلها يصعب كسرها، من هُنا تبدل المسار كُليًا وانتهجت الحكاية نهجًا جديدًا يناسبهما معًا ويليق بهما، رغم الصعاب وكل ما واجهاه معًا، لكنهما حاولا باسم الحُب أولًا وأخيرًا.
____________________________________
<"كما المطر أنتِ، يصعب الهرب منكِ رغم برودة طقسك">
ليس كل الهرب راحةً، فبعض الهرب مشقة.
حين يهرب المرء يظن أنه بذلك ارتاح، لكن في الحقيقة هو يصنع بركانًا بداخل نفسه، يكون على وشك الإنفجار في أي وقتٍ تحين فيه المواجهة، فمواجهة ما ودَّ الهرب منه أشبه بلقاء النار مع الوقود.
في مكانٍ عام خاص بالبيع والشراء أشبه بمولٍ تجاري عام وشامل لكل المنتجات، كانت "ربـاب" تتجول في المكان برفقة "عُـلا" و "ورد" وخلفهن يسير "آدم" يحمل المُشتريات التي أتوا بها لأجل أخته، أجواء عائلية سعيدة غمرتهم معًا، تحول "آدم" من الأخ الأصغر لها لأخٍ أكبر يعول أخته، ورُغم ذلك كان سعيدًا بهذه المشاركة، يتمنى لو تطلب هي وتُعبر عن الذي تُريده لكنها لم تفعل، وهو يُقدر مشاعرها.
بعد انتهاء نصف الجولة جلسوا معًا في مكانٍ ما يأخذون قسطًا من الراحةِ قبل إتمام المشوار لآخره، وقد كانت "عُـلا" مُرتابة من كل شيءٍ حولها، تخشى الإندفاع بغزارةٍ كما المطر فتجد نفسها تسقط فوق أرضٍ قاحلة، تحاول أن تندمج مع الأحداث حولها لكنها لم تستطع، كل شيءٍ يبدو أكبر من قدرتها الضعيفة على التأقلم، لكنها تحاول بذل جهدها، تعاند نفسها كي تفرح.
_إيه رأيك يا عُـلا نرجع نجيب القطم اللي شوفناه في المحل التاني؟ اللي شاورتلك عليه وعجبك، يبقوا الاتنين عندك أحسن؟.
نطقت "ربـاب" بهذا الحديث تسألها وتفتح معها مجالًا للأحاديث، وحينها ابتسمت الأخرى بخجلٍ ونطقت بتوترٍ:
_اللي حضرتك جيبتيه برضه حلو وعجبني، ماتتعبيش نفسك.
نظرت في لحظتها "ربـاب" في وجه ابن أخيها ففهم مقصدها وتولى الحديث هو بقوله الهاديء الرزين مُجملًا كلماته ببسمةٍ عذبة:
_يا حبيبتي دي شقتك أنتِ دلوقتي ويحق تختاري اللي نفسك فيه، موبيليا، ديكورات، إضاءة، ألوان حيطان، عفش، كل اللي نفسك فيه، اختاري وشوفي اللي يعجبك ومتقلقيش خير ربنا كتير، كلها فلوسك وحاجتك أنتِ في الآخر.
ابتسمت له بحبٍ، بسمة حنونة وهي حقًا تُعجب بشخصهِ كل يومٍ، هو فريد من نوعه، يشبه أباه كثيرًا، يُذكرها بحنوه عليها حين كان يعاملها كما ابنته، طلب منها أن يكون أبًا لها وهي وافقت ورحبت، والآن تجد ابنه يفعل المثل تمامًا، طال صمتها وحين تكرر السؤال من "ربـاب" قالت هي بلهفةٍ أتت حماسية بشكلٍ أظهر عاطفتها:
_بصراحة الشقة حلوة جدًا وكل حاجة فيها مميزة أوي، حاسة إني مش عاوزة أبوظ حاجة فيها، ذوقها عالي أوي وبحب كل حاجة فيها، كفاية أوي الحاجات اللي جت جديدة دي.
ابتسموا لها وقد صدح صوت هاتف "ورد" برقم زوجها فأخرجته تجاوب عليه وهي تبتسم وقد توسعت بسمتها أكثر حين أخبرها أنه سوف يجيء لها، تركت الهاتف بعد أن أغلقت معه ثم انتبهت للجالسين وقالت بنبرةٍ هادئة ولازالت البسمة فوق ملمح وجهها:
_منتصر جاي هنا، كان مع صحابه بيقابلهم وخلص وجايلي.
_وماله يا حبيبتي ييجي بالسلامة.
نطقتها "ربـاب" بودٍ حين وجدت بسمة ابنتها تزين عينيها ووجهها، وقد صدح صوت هاتف "آدم" في هذه اللحظة برقم أخيه فالتقط الهاتف يجاوب وهو يرد عليه بصوتٍ هاديء:
_إيه يا غالي؟ آه كويسين متقلقش، بجد؟ طب إحنا في الكافيه اللي تحت تعالى وأنا هاجي أدخلك جوة.
أغلق الهاتف واستقام في وقفته وهو يقول أثناء تحركه:
_أدهـم جاي برة أهو، هطلع أجيبه وجاي ثواني.
بمجرد أن عرفت ارتبكت على الفور، تعالت نبضاتها وأحست بقبضة في مقدمة معدتها، شعرت بتوقف الزمن حولها وكأنها تخشى امتحانًا على غير استعدادٍ له، توترت في الحالِ ورفرفت بكفها قُرب جبينها المُتندي، لاحظتها "ورد" التي كتمت بسمتها لأنها سبق وجربت ما تُجربه الأخرى الآن، جربت مشاعر التوتر والارتباك عند رؤية من تُحب.
ثواني مرت وولج الاثنان بجوار بعضهما وحين اقترب انتبهت له "عُـلا" التي خانتها عيناها دون أن تدري والتقطته هو من وسط الجموع، وتعجبت من مظهره كأنها تراه للمرة الأولى، منذ أن عادت وهي تراه بملابس رسمية، لا يرتدي إلا بذلات رسمية، اليوم تراه يرتدي قميصًا باللون الأبيض فضفاضًا على جذعهِ، ويرتدي سروالًا ثلجي اللون من خامة الجينز الواسع، فبدا أكثر بساطةً من الهيئة المعقدة الأخرى.
جلس بجوار أخيه وعمته وقد ألقى التحية على الجالسين ثم انتبه لها، ابتسم يُحييها بإيماءةٍ خفيفة من رأسه وقد ابتسمت هي بعينيها فقط، قرر أن يكون الأكثر شغفًا واهتمامًا فسألهم بنبرةٍ بانت مُحايدة بغير انحيازٍ:
_طمنوني جيبتوا حاجات حلوة؟ الأهم جيبتوا الحاجات اللي عُـلا عاوزاها؟.
_يا حبيبي هي بس تقول عاوزة إيه وتتكلم بدل ما هي ساكتة ومعمولة على الصامت كدا، لساني نشف معاها تقول اللي هي محتاجاه مش عاوزة تقول حاجة، حاول تقنعها أنتَ يمكن تسمع كلامك.
في هذه اللحظة حرك عينيه نحوها، يناظرها بعينيه الحنونتين ولم تخلُ النظرات من عتابٍ رمقها به، يعاتبها كأنها هي التي تُبعد العوالم عن بعضها، لم يجد مشاعر بداخله سوى أنه يرغب في التحدث معها، لذا مال يهمس لأخيه بقوله:
_عاوز أتكلم مع عُـلا شوية لوحدنا، جنبك هنا وهناخد لفة ونرجعلك.
ابتسم "آدم" بمجرد وصول الجملة الأخيرة له ثم رد عليه يمازحه بنفس النبرة الخفيضة التي يحدثه بها الآخر:
_تاخد لفة إيه؟ إحنا بنفاصل في عباية؟ لم نفسك شوية معايا أنا في مقام حماك دلوقتي، يعني أنا عمك والكلمة كلمتي هنا.
تلونت نبرته باستعلاءٍ على أخيه كأنه يُذكره بفرق الصفات والقرابة بينهما، وقد قبض "أدهـم" فوق سترته وهو يقول بهمسٍ حانقٍ حتى لا ينتبه الجالسون لهما:
_ولا التيشيريت اللي أنتَ لابسه دا بتاعي صح؟ قوم أقلعه.
ضحك الآخر حين امتدت يد أخيه تضربه في كتفه وقد سمح له بالحديث مع أخته، وبعد لحظة صمتٍ مرت عليهما تولى "أدهـم" دفة الحديث قائلًا بهدوءٍ لها هي:
_معلش يا عُـلا عاوزك في كلمتين، ممكن؟.
حركت عينيها نحو الآخر تسأله بعينيها فأعطاها الإذن بنظراتهِ، تحركت أمام "أدهـم" الذي قادها نحو الممر وسارا بجوار بعضهما بعدما سَّرع هو خطواته لأجلها، كانت تسير بجواره بخجلٍ يتمكن منها، لا تعلم لمَّ الأمر في صحبته بتلك الصعوبة، يبدو كل شيءٍ يتعلق به أكبر عُمقًا مما تفهمه هي، يا ليتها لو تفهم نفسها كي تُيسر له شرحها، فهي حقًا تصعب عليه الأمر وهذا ما يبدو لها.
بينما هو فتنهد وحاول تذكر الماضي بينهما، الذكريات الحُلويات حين كانا طفلين معًا وهي لا تعرف غيره، حين ولجت بيته غريبة وخائفة ومرتجفة وكان هو دليلها من بين القلق والتيه، صرفت نظرها بعيدًا عن مرمى عينيه كي لا يلتقيا سويًا، بينما هو توقف عند محلٍ خاص بأدوات المنزل ونظر للمعروضات من الخارج، وما إن انتبهت له توقفت خلفه تعقد حاجبيها فيما التفت لها وسألها مبتسمًا:
_جيتوا هنا تشوفوا حاجة؟.
حركت رأسها توميء له بترددٍ فحرك رأسه ثم أشار لها فاقتربت منه، وبمجرد أن فعلت مال على أذنها ينطق بنبرةٍ تبدلت كُليًا حيث بدا أكثر استمتاعًا ومرحًا:
_على فكرة لازم تجيبوا حاجات تشرفكم قدام نسايبكم، يعني مش علشان فيه عامل مشترك بينا يبقى أسكتلكم، عيب أنا همضي على قايمة واشتري بالغالي، بعدين طول عمرك كنتِ بتاخدي مني اللي نفسك فيه، وكنا أغراب عن بعض يا عُـلا، دلوقتي إحنا هنبقى واحد.
توسعت عيناها وهي تلمع ببريقٍ خاص يقسم أنه يراه منذ عودتها للمرةِ الأولى، حركت عينيها تقابل عينيه فوجدته يطالعها بدفءٍ، يُناظرها بحنوٍ، وجدت "أدهـم" القديم الذي ظنت أنها فقدته، صديق الطفولة وأول رفيقٍ لأيامها، طال الصمت بينهما إلا من حديث الأعين النواطق، وقد قطع هو الصمت حين نطق:
_اتكلمي يا عُـلا وقولي اللي عاوزاه.
_هتصدقني لو قولتلك محتاجة حد يقولي أنا عاوزة إيه؟.
صرحت بها صدقًا لأنها حقًا تائهة في كل الأمور، تشعر بالإنجذاب نحوه وهذا المؤشر يعني خطورة ضخمة على حياتها، التغيرات التي تطرؤ فجأةً يصعب تقبلها، وهي تجد كل ما حولها يتغير، لذا ابتسم وهو يسألها بحنوٍ:
_ينفع أكون أنا الحد دا؟.
انبسطت ملامحها وارتخت عُقدة جبينها وهي توميء له بغير وعي، لا تعرف كيف جاوبت لكنه تحرك حين ابتعد عنها وأشار لها تتبعه وقد ولجت هي بجواره فوجدته يبحث عن بعض الأشياء ويشير لها، وبين معظم القطع تخبره أنها قامت بجلبها، اختار معها بعض الأدوات، وبعض أدوات الزينة والديكورات المنزلية، وقام بشراء بعض الصحون المميزة، وقام بشراء طقمًا كاملًا للمطبخ.
لاحظت أنه الطقم نفسه الذي أشارت عليه عمته، فابتسمت وهي تسأله ببساطةٍ دون تعقيدها السابق معه:
_ودا جايبه صدفة ولا حد قالك؟.
لاحظ مرح نبرتها في السؤال فدار بعينيه حائرًا كما كان يفعل في صغره أمامها حين كانت تكشفه في شيءٍ ما، وحينها ضحكت كأنها عثرت في غريبٍ يماثل غُربتها في القبيلة، بينما جاوبها هو بقلة حيلة:
_لو كدبت هبقى مقفوش أوي قدامك، بس بصراحة عمتو ربـاب كانت بتصور وتبعتلي وقالت إن دا شكله عجبك بس أنتِ ماقولتيش، عمومًا اللي تعوزيه كله هاتيه وأنا معاكِ باللي تحتاجيه كله، اعتبريها حلاوة رجوعك لينا بالسلامة.
من جديد تبتسم بخجل أمامه، لا تعرف كيف ترد عليه ولا حتى بماذا ترد كأن الحديث لن يوفيه حقه، فيما تحرك هو يقوم بدفع الحساب ثم التفت يحمل الحقائب وتحرك بها للخارج، وقد تحركت بجوارهِ وقبل أن يعود عند العائلة طلب منها بودٍ احتل نبرته:
_تيجي نشرب حاجة مع بعض؟ بعيد عنهم وعن الزحمة هناك؟.
حركت رأسها توميء له وكأنها خشيت أن ترفض مطلبه بعد كل الصفاء الذي احتل وقفتها معًا، تحركت حتى وقف بها عند مكانٍ مختص ببيع العصائر والمشروبات الباردة وقد طلب لنفسه ثم نظر في وجهها وخمن مُرادها بقوله:
_عصير مانجا صح؟.
حركت رأسها موافقةً لأنه خمن الشيء الصحيح، ويبدو أنه لم ينسَ الشيء المفضل لها منذ الصغر، تذكرت كيف كانت تشاجره في صغره وتخطف كوبه وتركض به في الصالة الفسيحة ثم تشربه كله مرة واحدة فيشعر هو بالضجر منها ويصرخ عليها، مد يده لها بالكوب ووقف معها كما الكثيرين من حولهم، يتحدثون ويتسامرون ويتشاركون، وهي تفرض عليه الحدود كي لا يتخطاها ولا تنساها هي.
_لسه بتحبي عصير المانجا زي ما أنتِ؟.
سألها باهتمامٍ فانتبهت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة شبه مرتبكة:
_آه للأسف، أهي دي بقى الحاجة اللي ماتغيرتش فيا.
أومأ يتضامن معها ثم عاد لها بتركيزه يباشرها بقوله:
_يمكن ماتغيرتيش كمان، هي بس ضحكتك اللي مباقيتش موجودة زي زمان، فاكر إنها مكانتش بتفارق وشك، وكانت حلوة أوي، كان أبويا بيحبها أوي وبيحب يشوفها.
ابتسمت بحزنٍ حين ذُكر والده وأخفت مُقلتيها بعيدًا عنه كي لا تتأثر من جديد، بينما هو فأخرج هاتفه وفتحه على الصورة التي وجدها في صندوق أمه ثم وضعها نصب عينيها، بمجرد أن لمحتها ولمحت ضحكتها ضحكت من جديد ونشغت بلهفةٍ ثم سألته بفضولٍ حماسي:
_الله !! جيبتها منين دي يا أدهـم؟ دي حلوة أوي.
_كل صورنا زمان وكل حاجة عن حياتنا القديمة معايا مفيش حاجة منهم ضاعت، حتى صورك مع مامتك معايا كلها، وصور مامتك وكل حاجة تخصها لسه عندي، معايا كل اللي يخصك من يومك يا عُـلا.
حين وصلها رده تحولت بسمتها الحزينة لبسمة شجنٍ، بسمة تختص بالماضي البعيد الذي رحل بدونهما، ماضٍ لم يَمُت حتى في قلوبهما التي ماتت وتبدلت وأخذت أخرى مكانها، راقب بسمتها وعينيها ودون أن يعي ابتسم هو الآخر، طالته سعادتها ومسَّت قلبه أيضًا، فأحس بنفسه كما المحارب الذي يفعلها ويُجاهد في سبيلٍ يستحق منه كل العناء.
في الجهة الأخرى وصل "منتصر" وجلس بقرب زوجته بعد أن صافح الجالسين وقد أتى "أدهـم" ومعه "عُـلا" وجلست بعد ترحيب "منتصر" بهما، وقد لمح "آدم" المشتريات فابتسم لأخيه بامتنانٍ لأنه يفعل الذي قد يكون عجز هو عنه.
تحدث "منتصر" يوجه كلماته لـ "آدم" قائلًا:
_طب ممكن بعد إذنك آخد مراتي ونقوم ناخد لفة.
رفع له أخوها حاجبه فرد الآخر يتصنع الحنق بقوله:
_إيه !! مراتي بقولك، بعدين هو لازم أكون أخوك علشان اتجوز أختك يعني؟ دا أنتَ راجل عنصري بصحيح، ما تشوفيله عروسة يا حماتي.
ضحكت "ربـاب" وردت بسخريةٍ تهكمية:
_عروسة !! دا أنا تعبت من كتر ما جيبت عرسان للجوز، أهو الكبير عقدته اتفكت الحمدلله، عقبال الصغير يا رب.
رمقها "آدم" بنظرة جامدة ثم تجاهل الحديث بهذا الشأن، وقد تحركت "ورد" مع زوجها فيما قضوا هم جلستهم مع بعضهم يتحدثون بشأن الزواج والتحضيرات بهذا الشأن، وقد قرر "آدم" أن يمد اجازته ويُوهب أكثر وقته لأخوته حتى يكونا سويًا مع بعضهما.
وفي طرفٍ ثانٍ بعيدًا عن صخب العالم
كانت هي تهرب من الضجيج الذي بداخلها،
تضيع برغبتها في المدينة ذاتها التي لا تعرف غيرها،
تقصد عينيه كي تُرشد في أمرها،
وتبحث عن النظرة الآمنة، وما إن نالتها منه أخفضت عينيها تغلقهما وتحتفظ بآخر نظرة لها منه.
____________________________________
<"البحر لك يا فتىٰ، اترك اليابسة وحرر نفسك">
البحر خُلق للمغامرةِ..
والمُغامر هو وحده الذي يُدرك نعيم اللذةِ، هو وحده من يعلم أن الغرق بذاته مُتعة لا تُضاهيها أخرىٰ، أن تبقى في العُمق هناك بعيدًا عن ظُلم اليابسة، بعيدًا عن ظلامٍ دامسٍ، بعيدًا عن نفسك التي تُقهرك، فعليك أن تُغامر..
نزل "يحيى" لمقر عمله يتابعه ويبقى هناك أكثر وقت يمكن أن يقضيه خاصةً بعد مجيء "أنيس" وجلوسه مع ابنته، وما إن أتى "حمدان" بابنته ترك مكتبه لهما ووقف في مواجهتهما بقوله الرزين الهاديء:
_نورت مكانك يا حج، اتفضل.
_تسلم يا يحيى، أقعد مكانك أنا بس جاي آخد حاجة من الخزنة وماشي تاني، أقعد أرتاح أنتَ الله يعينك على دوشة طول اليوم.
رد الرجل بهذا الحديث وتحرك نحو الداخل حيث غرفته بالمكانِ، وقد وقفت "تـقوى" أمامه تبتسم بحزنٍ أشبه بمدينةٍ تعرضت للإحتلال وسُرقت منها فرحتها وليلة عيدها، طافت بعينيها في ملامحه وتنهدت بقوةٍ ثم نطقت أخيرًا بقولها الحزين:
_أنا أعرف واحدة جوزها شغال في سفارة النمسا، ممكن تحتاجله في موضوع سفرك؟ يعني لو قدر يساعد في حاجة معاك أو يدلك على طريقة تساعدك، أنا قولت أعرفك قبل ما اسألها.
هي تعلم أنه يرفض المساعدات، يرفض أن يتحمل غيره العبء بدلًا عنه، يرفض أن يكون مجرد وسيلة للعالم كي يخرجون كل أشكال شفقتهم وعطفهم عليه، لذا أخفض رأسه للأسفل ثم عاد ونظر لها ونطق بكياسةٍ يرد على حديثها بكل أدبٍ:
_شكرًا يا آنسة "تقوى" شكرًا ليكِ ولمساعدتك ولحاجات كتيرة عملتيها وعندك استعداد تعمليها بس أنا اتصرفت متقلقيش، هو ممكن قعادي هنا ياخد شهر أو شهرين كمان، إن شاء الله تتحل الظروف فيهم.
ابتسمت له بمجاملةٍ ثم قررت أن تنسحب من مجالهِ، قررت ألا تفرض نفسها أكثر من ذلك عليه وهي ترى الرفض والنفور منه بكل هذه الصراحةِ، لمَّ يقع المرء في حب من لا يُحبه؟ لمَّ يختر لنفسه النيران يتأرجحُ فوقها ويندهش حين تحرقه في النهاية؟ يبدو أنها بالغت في أحلامها حتى أضحت أكبر من استيعاب الحقيقة البائنة لها، أنه الابن البار للماضي والذكرىٰ.
لمحها وهي تنسحب وتنهد لأنه يتعمد في كل مرةٍ إبعادها عن طريقه، يتمنى أن تتحرر من قيوده، أن تذهب بعيدًا عنه وعن دربه الشائك بأسلاكٍ قد تجرحها وتُدميها، هو على يقينٍ أن الطوفان ينتظره، وبكل صعوبةٍ هو يحاول الخروج منه مُنفردًا بنفسه، يكفيه من غرقت وتركته ولن يُدخل أخرى يبتلعها الطوفان منه.
وفي معرضٍ قريبٍ خاص بـ "عـرفه" كان يجلس معه "أنـيس" ومعه الصغيرة ابنة "يحيى" تلعب أمام جدها بجوار القطة التي وجدتها بالشارع، كان الرفيقان يتحدثان مع بعضهما حتى أتت سيرة "يحيى" فتحدث خاله بشأنه يقول:
_نفسي أتطمن عليه يا "عرفه" وأحس إنه أرتاح شوية، الواد حياته خربت من كل ناحية، ياريته ما نزل مصر ولا رجع من برة، كان فضل هناك أحسن وكمل واتجوز أي واحدة من برة وماوصلناش للي وصلناله دا، لو بأيدي أرجعه تاني هناك وأخليه تحت حمايتي، بس هو طول عمره دماغه حجر، والحاجة الوحيدة اللي سمع فيها كلام أبوه يوم ما نزل واتجوز واستقر هنا.
ورُغم أن "أنـيس" يتصف بشخصية جامدة صامدة؛ إلا أن مشاعره خانته رُغمًا عنه وهو يحزن لأجل ابن شقيقته، تباينت كل المشاعر لديه حين كان يتكلم بضعفٍ لم يتوارَ خلف قضبانه:
_تعرف؟ والله العظيم طول عمره جدع وراجل وحنية الدنيا كلها فيه، صحيح من يومه تقيل وصعب تاخد منه كلمتين على بعض بس ابن بلد بجد، لما كان في غزة وهو صغير مع أمه كان الحي كله بيحب يتباشر بملامحه ووشه، ولما جه مصر مانساش أهله ولا بلده التانية، يحيى مايستاهلش الوجع دا كله، الله يرحمها مراته عملت زي اللي عور نفسه وراح يبكي من الجرح كأن هو اللي جرحها.
لم يجد "عرفه" كلماتٍ تعبر عن تضامنه مع الآخر، بل التزم الصمت يفكر لبرهة قليلة في حلٍ لأجل الشاب الحزين الذي غرق ولم يعد للمرسىٰ، كما أهل الكهف صرعىٰ في ظلامهم وهو يشبه حالهم، لذا اقترح بحماسٍ ما إن طفقت الفكرة تعلو سطح فكرهِ:
_إيه رأيك بدل ما هو شغال عند الحج "حمدان" كدا وتحت طوعه نفتحله معرض في السوق معانا هنا؟ حتى لو يدخل معايا أنا و أدهـم شريك ويدير المكان هو ويبقى مسؤول عنه، أنا عاوز أفتح معرض كمان من المعارض اللي بتتباع حوالينا دي، وأدهم خد محلات الحج عبدالحق، إيه رأيك نفتح واحد منهم ليه؟.
الفكرة كانت تشبه مصباحًا في نفقٍ مظلم، خرجت للنور من فاهِ "عرفه" وتلقاها منه "أنيس" وظل يفكر فيها، يعيد حسبتها من كل جانبٍ حتى عاد الإحباط فوق ملمحه وهو يقول:
_للأسف مش هيوافق، هو مش عاوز يفضل هنا في مصر أصلًا وعاوز يسافر علشان بنته، حاسس إنه مسجون هنا يا عرفه وصعب عليه يتحرك علشان اللي في رقبته دي، وبصراحة بقى هو معاه حق، هو أب وموجوع على اللي منه وحقه يحارب علشان بنته، بس هما مش من حقهم يحاربوه الحرب دي كلها، ربنا ينصره عليهم ويكرمه بنصيبه الطيب اللي يعوضه.
كان يدعو له وهو يتمنى أن يستجيب المولىٰ للدعاء.
يتمنى أن يعود "يحيى" كما كان لحياته وضحكاته قبل الفقد والحزن، يتمنى أن يعود لصباه قبل أن تُعجزه الحوادث وتُفقده شبابه، هو الذي صادق البحر، ورافق المغامرة ولم ينعم باللذةِ.
****
في مدينة الغردقة الساحلية..
بداخل القرية المملوكة لعائلة "نصار" كان "يُسري" يتفقد كل الأحوال بمرورٍ أسبوعي كي يطمئن على كل شيءٍ بالمكانِ، يسير معه أفراد من الإدارة العامة، ورؤساء أقسام مُعين، يعطي أوامره بهيمنةٍ فارضة، لا يترك شيئًا بدون فحصٍ واهتمامٍ، يُعيد للمكان رونقه بعد أن عاد رونقه هو ذاته.
صدح صوت هاتفه فتحرك منزويًا يجاوب على المكالمةِ وما إن لمح رقم زوجته ابتسم لأنها عادت تفعلها من جديد، يأمل تلك المرة ألا تكون تهاتفه بشأن البيت وابنها وأمه، يتمنى لو تحدثه عنه هو، لذا جاوب بصوتٍ هاديء فوجدها تقول بثباتٍ يضايقه وفي الوقت نفسه يعجبه:
_بكلمك أسألك هترجع إمتى علشان صُهيب مش عاوز ينام غير لما تيجي، بيقولي إنه بقاله أسبوع اتعود تنيمه في حضنك، قدامك كتير؟.
دار بعينيه في الرواق فوجد العمل الخاص به بالفعل انتهى، لكنه لم يُصرح بذلك لها، فقال متصنعًا الضيق والإنشغال فبان صوته مرهقًا:
_مش عارف والله قدامي شغل كتير جدًا وحتى مش لاحق آكل حاجة، حاولي تخليه ينام يا ولاء وأنا لما آجي هاخده في حضني علشان مايزعلش.
لاحظت إرهاقه وقبل أن تسأله عن أحواله قررت أن تصرف نظرها عن هذا الفعل كي يقتنع أنها لم تسامحه على العامين المارين بينهما بكل هذا البُعدِ، لذا قالت بوهنٍ يعبر عن حيرة أمرها:
_طب قوله أنتَ الكلام دا علشان مايزعلش.
مدت يدها بالهاتف لابنها الذي قال بلهفةٍ طفولية:
_بابا هتيجي إمتى أنا قاعد مستنيك، ماما عاوزاني أنام، مش هتيجي تلعب معايا زي كل يوم؟ وحشتني أوي.
ابتسم "يُسري" متأثرًا بقول ابنه ونطق مُدليًا بتأثره:
_حاضر، علشانك هحاول آجي بدري بس ماتقولش لحد خليه سر بيني وبينك بس يا صُهيب، وحتى ماما ماتقولش ليها، اتفقنا؟.
رفع الصغير عينيه لأمهِ التي سألته بنظراتها فعاد بتركيزه لوالده وقال بحماسٍ مكبوتٍ خلف فرحته بوعد والده له:
_ماشي، اتفقنا.
ترك الهاتف لها فوجدت الآخر أغلق المكالمة وحينها حقدت على ابنها لأنه يستطيع التعبير، استطاع الصفح عن أبيه بمجرد أن احتواه لمدة أسبوعٍ، تحقد عليه لأنه لم يبخل بمشاعره على أبيه في حين لم تجرؤ هي وتنسى، هو داءٌ أصابها ولم تجد دواءً غير قربه فقط، حتى الفراق عنه أشبه بمجازفةٍ هي لم تستطع فعلها، كما المواطن الحُر الحاقد على النظام السياسي لكنه لم يجرؤ ويُقيم ثورةً.
خرج "يُسري" من القرية السياحية يتجه لمرآب السيارات فاصطدم هناك بفتاةٍ كانت تسير على عُجالةٍ في أمرها، عاد للخلف يعتذر منها ولمح ارتباكها وهي تردد عبارات الاعتذار وبمجرد أن رفعت عينيها له صُدِم وهو يردد اسمها مستنكرًا:
_هاجر !!.
ابتسمت له بارتباكٍ ملحوظٍ وردت بتوترٍ كسىٰ كلماتها:
_إزيك يا "يسري" عامل إيه؟.
تبدلت نظراته وحمحم يجاوبها مستعيدًا ثباته:
_بخير الحمدلله، كويس إني شوفتك، أتمنى تتكرر.
وبنفس الارتباك حركت رأسها توميء له ثم تنهدت بضيقٍ وقد أتى شابٌ يحمل حقائب واقترب منها وحين لمحهما سويًا اقترب منها يسألها بهدوءٍ:
_إيه يا حبيبي فيه حاجة؟.
حركت رأسها نفيًا بقلقٍ ثم أشارت للآخر بقولها:
_دا أستاذ يُسري نصار، صاحب القرية والمول اللي هنا، وكنا اشتغلنا مع بعض فترة هنا، أقدملك الباشمهندس هيثم عثمان، خطيبي.
تبدلت تعابيره وأومأ موافقًا وهو يُرحب بالرجل وقد مد الآخر كفه وصافحه ثم استأذن منه يجاوب على المكالمةِ فيما راقبه "يُـسري" وما إن ابتعد عنهما سألها بخيبة أملٍ:
_اتخطبتي؟ تعرفي إنه لسه مش قادر ينساكِ؟.
ابتسمت بتهكمٍ وردت تسخر من قوله:
_بلاش تجيب سيرته يا يُسري الله يكرمك، كفاية اللي أخوك عمله فيا، مُراد مش بس جيه عليا وظلمني، دا ظلم حبي ليه وكسرني، خلاني عيني في الأرض قدام نفسي والناس كلها، لو أعرف أصلًا إني هاجي هنا ماكنتش جازفت وجيت، وكنت بدعي ربنا ماشوفهوش قدامي، ينفع ماتقولوش إنك شوفتني؟.
هي الخطيبة السابقة لشقيقه، كانت الحب الأول والأخير في حياته ولم يتخطاها حتى الآن، ولجت حياته تضيف لها بهجة خاصة وتُزهيها ثم رحلت عن طريقه بعد حادث شقيقته وبعد أزماته النفسية حين أجبرها والدها وكل أفراد الأسرة على تركهِ، وبعد أن تركته غادرت البلد لمدة عامين، تركته كما فعلت "مودة" وهاجرته كما فعلت "رحيق" وهربت كما فلَّ "يحيى".
عاد خطيبها وولجت السيارة معه بعد أن ودعت الآخر واستقبلت دُفعة الذكرى التي تدافعت بغزارةٍ لقلبها، كتمت كل تعابيرها وغضت الطرف عن احتلال ماضيها لحاضرها وعن اختلال خطواتها ومشاعرها وهي تعود للخلف.
هرول "يُـسري" تجاه مجلس شقيقه عند الشاطيء الصناعي بجوار بُحيرة صغيرة داخل القرية وما إن لمحه شاردًا لحاله زاد الغضب منه وتأججت نيرانه، لذا اندفع كما هبوب رياح الحرائق على كتلة ثليجٍ وصرخ فيه بسخطٍ:
_ما كفاية زفت فوق دماغك بقى، فوق لنفسك شوية وصحصح لحالك قبل ما تموت بالهباب دا، ناقص إيه تاني علشان تفوق وترجع لربنا؟ حتى الصلاة مباقيتش بتركعها !! ربنا ابتلاك علشان تتقي شوية ومفيش فايدة كل شوية ترجع ورا أكتر، ضيعت نفسك وسُمعتك ودماغك وبقيت بتاع كاس، وضيعت الوحيدة اللي حبتك في حياتها، خسرت اتنين ومش عاوز أخسرك أنتَ كمان.
واجهه الآخر بنظراتٍ غير مكترثة وجلَّ ما استطاع أن ينطق به كان قوله الذي خرج غير مبالٍ بما يُوجه إليه:
_اعتبر نفسك خسرتني وخلصنا كدا.
تفاقم الغضب في قلب شقيقه منه وخاصة وهو يراه ينسحب من أمامه كي يرحل عنه، فهجم عليه بسؤالٍ ضارٍ كما وحشٍ غير مروض:
_ولو هاجر رجعت هتفضل عامل كدا برضه؟.
تيبس جسد "مُـراد" ووقف محله كأن السؤال كما قشة قصمت ظهره، شعر بألمٍ ينخر في قلبه ولوهلةٍ وميضها ظل يطوف حوله في كل مكانٍ حتى حسم أمره والتفت يتحدث بألمٍ بان في مقصده:
_اللي بيروح مابيرجعش يا يُـسري، وأنا مش هرجع اعتبر نفسك خسرت أخواتك الاتنين مع بعض، أبقى خُد عزايا بالمرة.
تألم لأجله الشقيق وأحس بجسده يحترق..
أهذا عدلٌ أن يحترق العالم بأكمله لأجل خطأٍ غير محسوبٍ دفع ثمنه الكلِ؟ غلطة واحدة كان تكلفتها سنين العمر بأكملهِ، وياليت هذا الخطأ أتى عن قصدٍ، هو خطأ أتى غير محسوبٍ كما يُقال
لكن في النهاية خلَّف جريمة راح ضحيتها المجني عليه مغدورًا.
____________________________________
<"أنا إنسان كومة من الأحزان، يسوقني للدرب الخُذلان">
كيف لم يتحدث العالم في السابق عن الدرب الذي يقود صاحبه للجنون؟ أو الدرب الذي يخذلك في منتصفه فيقودك الخذلان منه لطريقٍ آخر يجعلك عالقًا في منتصف الأمورِ، فلا أنتَ جاهلٌ بالبدايات ولا أنتَ مدركٌ للنهايات..
الإنسان هو آلة تقودها المشاعر وتُحركها الرغبة في كشف المجهولِ..
في بيت "عزت الأباصيري" والد "مـها"..
كان الرجل يشعر بالارتباكِ في بيته، ابنته رُبما تخفي عنه شيئًا غير أمر طلاقها، رُبما هي ترتاب فعل شيءٍ لا يعرفه هو، وخاصة أن زوجته توازي ابنته في الارتباك هي الأخرىٰ، لذا حين ولجت زوجته الغرفة وقف في مواجهتها وقال بصرامةٍ:
_هالة هسألك سؤال وتجاوبي عليه، طول عمرك ماتقدريش تكدبي عليا وأنا عيني في عينك، أنتِ وبنتك مخبيين إيه عليا في موضوع سليمان؟ أصل لو هي كلامها صح وهو جه عليها وافترىٰ هتبقى عينها قوية وهي عاوزة حقها، لكن بنتك خايفة من حاجة، وهو لما روحتله المفروض يكون خايف من اللي عمله بس لأ، هو كأنه صاحب حق، ولاقيته باعتلي إنه عاوز يبعتلها كل حقوقها، إيه اللي حصل وصل الدنيا لكدا؟.
سؤاله أتى قاتمًا كأن اللون الأسود غطىٰ الدنيا حولها، هالة سوداء ابتلعتها في جوفها وسوف تُجاهد كي تخرج منها، لكن ليس بالكذب، سوف تصدق معه وتخبره الحقيقة.
وهذا ما فعلته حين أخبرته عن الذي فعلته ابنتها مع طليقها، لم تكذب ولم تحمِ ابنتها بالكذب، لذا حين أنهت الحديث تبدلت تعابيره بالكليةِ ونطق بجمودٍ:
_دلوقتي فهمت اللي فيها، بنتك قلت بأصلها معاه وعلشان كدا طلقها وهو معاه حق، مفيش واحد يقبل اللي اتقاله دا وعلشان كدا أنا هتصرف، والله لأربيها وأخليها تعرف إن الله حق علشان قلة الأصل اللي فضحتنا بيها دي، مش عاوزة تقف جنبه براحتها لكن ماتغلطش في أهله وناسه، بنتك مشافتش رباية.
هدر بجمودٍ قاسٍ جعلها ترتعد منه خوفًا، اُستطيرت ملامحها حين وجدته بهذا المظهر القاسي، رمشت بعينيها في كل نحوٍ حتى لا تُلاقي عينيه، بينما هو اختفى من أمامها ولا تعلم إلى أين، رحل وتركها خلفه تُخمن وتُطلق العنان لأفكارها فيما قد يكون فعله.
في سيارة "سُليمان" بعدما أنهى جولته برفقة الصغار كان يقودها في طريقه للمشفى، حيث اضطر آسفًا للذهاب بعدما قطع عُزلته وانعزاله عن الناسِ لأجل العائلة، تذكر لقاءه مع "رحمة" وكيف هرب من صحبتها حتى لا يفتضح أمره، كأنها سبرت أغواره فأمسى مكشوفًا أمام عينيها، فكان الأفضل له الهرب من أمامها.
_بس أنتَ إيه اللي مخليك زعلان كدا؟.
استفسر بذلك "سليم" الصغير الذي جذَّب انتباه عمه وحين تلاقت الأعين في سبيلٍ واحدٍ سأله الصغير بعينيه، ووقتها نطق الآخر بثباتٍ كاذبٍ يدعي به انعدام الأمر:
_ولا زعلان ولا حاجة، أنا تمام.
_يا راجل؟ على سولي برضه؟ باين عليك أصلًا، على العموم…
كاد أن يكمل حديثه لكن عمه بتر حديثه بتهكمٍ:
_على العموم !! قول يا حبيبي قول.
عاد لانشغاله بالقيادةِ فنطق الصغير بحديثٍ أكبر من أعوامه:
_بيبان على عينيك والله، لما بتكون كويس بحس إن هما عاديين زينا كدا، لكن لما بتكون مخنوق وقلبك متضايق عينك بتكون شكلها يخوف، ولونهم أحمر، ودا معناه إن قلبك زعلان.
أنهى الصغير حديثه تزامنًا مع هزة طفيفة من كتفيه جعلت عمه يرفع حاجيه ساخرًا ثم نطق بضحكةٍ طفيفة زاحمت عبوس ملامحه:
_والأستاذ مجدي يعقوب جيله عنده حل بقى؟ ولا بؤ على الفاضي وخلاص؟.
_ربنا يفرحنا بيك يا سليمان يابني.
نطق بها ابن شقيقه حتى ضحك هو وتلك المرة جلجلت ضحكاته عاليًا، ضحك كأن الضحكة شقت جدار بؤسه وحزنه وخرجت لتقول أنها لازالت موجودة، وبعد أن ضحك وشاركه الصغير ضمه لعناقهِ بقوةٍ يأويه أسفل ذراعه وقال بحنوٍ حقيقي:
_ربنا يباركلي فيك، وحشتني ياض.
ضحك الصغير حين تأكد أن مكانته لازالت موجودة، أن الرفيق الأول الذي اعتاد عليه لازال باقٍ على عهده ووعدهِ، ابتسم بحماسٍ كلل نظراته أكثر حين علم أنه سيذهب لأبيه رفقة عمه الذي يُحب.
بعد مرور نصف ساعة صعد بهما "سُليمان" يحمل الصغيرة النائمة فوق ذراعه ويمسك كف "سليم" الذي ولج معه بصمتٍ داخل المشفى وهو يتمنى الرحيل منها، لقد كره وسئم فترة التواجد هُنا، كره ضعف والده وتشتت عائلته والحزن الذي يقضي عليهم، وقد وصل لغرفة والده يناديه وهو يمسك بكف عمه، تأهبت حواس "سالم" واعتدل بجذعه من ميلهِ وابتسم وهو يستقبل ابنه بين أحضانه.
راقبه "سُليمان" بنظراتٍ مختلطة مع بعضها بين حُبٍ وأملٍ وشجنٍ وحزنٍ وخيبة، ابتعد الصغير عن والده وقال بلهفةٍ:
_بقيت كويس خلاص؟ هنروح البيت مع بعض؟.
ابتسم "سالم" له ومسد فوق خصلاته وهو يرد بحبٍ على ابنه:
_بكرة بإذن الله هنروح البيت بس لسه أنا تعبان شوية، بإذن الله هسمع كلام الدكتور وآخد العلاج علشان أكون كويس وأرجع أشيلك وأجري بيك تاني، ولا خلاص سليمان بيشيلك هو؟.
كان يستفز شقيقه كي ينطق فرُبما الحديث يجعله يتحدث، لكن الآخر بدلًا عن ذلك اقترب يضع الصغيرة بجوار أبيها ثم استقام واقفًا وسأله بجمودٍ:
_الدكتور قالك إيه؟ طمني؟.
رفع الآخر حاجبه ولوهلةٍ كان يُطابق شخص الآخر كأنهما شخصٌ واحد لا أكثر وهو يرد بنفس طريقته:
_قالي لو أخوك فضل قليل الأصل كدا عمرك ما هتبقى كويس.
_طب كويس والله، على الأقل حد فينا يعرف يسلك في الدنيا.
نطقها بسخريةٍ ممازحة وفي باطنها كَمُن الألم كما الإبرة بعمق الجلدِ، نظر له شقيقه ثم نظر لابنه وقال بنبرةٍ حنونة:
_روح عند تيتة طمنها عليك وعرفها إنك جيت.
أدرك ابنه أنه يريد التحدث مع شقيقه منفردًا فانسحب من أمامه يذهب لغرفة جدته بداخل المشفى، وما إن خرج وقبل أن يتهرب منه "سُليمان" أوقفه بقوله ملهوفًا ومضطربًا:
_هان عليك تسيبني وتمشي؟ يعني أبقى خارج من اللي أنا فيه دا وعارف إنك معايا وفجأة ألاقيك مشيت؟ وزعلان مني علشان قولتلك الكسرة اللي جوايا؟ والله لو بأيدي أكدب عليك هعمل كدا بس أنا عمري ما عرفت أحط عيني في عينك وأخبي حاجة، حقك عليا لو زعلت مني، بس ورب الكعبة أخوك مكسور، وكسرة وحشة أوي ربنا ما يكتبها عليك.
توسعت عيناه حين وجد الإنكسار يعود ويحتل نظرات شقيقه، من جديد يظهر الوجع عليه ويبدو بهذه الحالة المُزرية، لذا سحب مقعدًا وجلس بجوارهِ ثم مد كفه ومسح وجه أخيه بحنوٍ وناقضه إذ يتشدق ويتوعد بحزمٍ بان في صدى كلماته:
_وربنا اللي خلق روحي ورزقني بعمر وصحة لأكون جايبهالك تحت رجلك هنا وأذلهالك لحد ما تقول حقي برقبتي، وأنا أهو وأنتَ أهو والزمن بينا، لو في قبر أبوها نفسه هجيبهالك برضه، لا عاش ولا كان اللي يكسر عينك وأنا عايش يا سالم.
ابتسم له أخوه ودفن نفسه في عناقهِ، لا يعلم كيف لكنه لمح ضوء الشمس في اللحظة هذه داخل عيني شقيقه كأنه جيشه الحامي والآمن، ارتمى في عناقه يحاول التشبث به والآخر لأول مرةٍ يعرف أن الرجل قد يُقهر بهذا الشكل من إمرأةٍ أحبها وصارع العالم لأجلها..
رغبة النيران وهي تأكل في جسدها زادت وهجًا..
أصبح يتمنى رؤيتها كي يحرقها كما أشعلت النيران بقلب الشقيق الذي فعل لأجله المستحيل، سوف يقتلها هو إن تطلب الأمر ولا يرى بعينيه الكسر الأعمق في قلب شقيقه.
____________________________________
<"ليس أنا الصديق الذي خان، كلٌ خان صديقي وأنا لا">
هذا الصديق الذي كنت أعرفه كان خيبتي الكُبرىٰ..
فكنت أقف أمام العالم وأتباهى بهِ كأنه كنزي الأعظم،
أحببته بكل لغات العالم،
وصرحت بها بكل كلمات اللغات
حتى حين خذلني لم أجد من الثمانية وعشرين حرفًا ما يصف خيبتي منه.
بعد مرور ثلاث أيام متوالية نهارًا قُبيل الظُهر..
كان "أدهـم" بسيارة "سُليمان" يتحركان بها داخل السوق ماريْن على المعارض لعزيمة الناس على عقد القران والاحتفال الليلة، يمران سويًا فينزلان معًا عند المعرض ويقوما بدعوة صاحبه ورجاله، ظلا هكذا حتى وصلا عند معرض "حلمي" الذي كان يقف بالخارج يراقبهما، يسيران على أقدامهما ويقومان بدعوة الرجال، ثم تنهال عليهم التهنئات والمباركات..
وقف "أدهـم" على مقربةٍ من معرض "حلمي" ثم سحب "سُليمان" من مرفقه وهمس له بنبرةٍ خفيضة:
_أنا هخلع وكمل أنتَ مش عاوز أشوف وشه.
دار الآخر بعينيه والتقط السبب الذي جعل رفيقه يتحدث بهذا الضيق، ولأنه يتسم في هذه اللحظة بهدوءٍ وحكمة نطق أخيرًا بعقلانية شديدة:
_تسمع كلامي؟ عيب في حقك تبقى في سوق مليان رجالة وماشي تعزم الصغير قبل الكبير وتيجي عند معلم زيه زيك وتكرفله، عيبة ووحشة لاسمك حتى وسط الناس، بعدين خلاص كل واحد فيكم خد نصيبه، أنهي الحوار دا بقى وأقفل عليه وشوف حياتك وشوف بنت الناس اللي ربنا بعتهالك علشان تبقى رزقك، روح أعزمه علشان تبقى عملت اللي عليك وماتبقاش حركة ماسكك بيها قدام حد، يلا بس وهتشوف بنفسك.
تململ "أدهـم" في وقفته وامتعضت ملامحه لكنه تحدى نفسه، تحدى ماضيه وخيانة الرفيق وتحدى حتى مشاعره القديمة التي لم تعد موجودة من أساسها، وقد طال الصمت متلحفًا بالشرودِ وقطعه نطق "سُليمان" حين تشدق:
_ها ولا لسه معلق نفسك بالقديم؟.
توسعت عيناه ورد بحدةٍ مفتعلة ينفي تهمةٍ تلتصق به:
_لأ طبعًا، دي واحدة متجوزة دلوقتي وعلى ذمة راجل ومن يوم ما دا حصل وهي مش في دماغي، آخرها معايا بنت عمي وبس لا أكتر ولا أقل، أنا بس مش طايقه هو كأنه ما صدق حصل اللي حصل وضربني في ضهري علشان ياخد حاجة كانت في أيدي.
تنهد رفيقه وربت فوق كتفه ربتات مُحفزة ثم دعاه للتكملة، وعلى إثر ذلك تحرك "أدهـم" يقف في مواجهة الآخر الذي لمعت عيناه وحاول جاهدًا التحكم في فرحته كأنه أسيرٌ نال الحُرية من القيد، خاصة حين تشدق "أدهـم" بجمودٍ مقصودٍ:
_كتب كتابي وفرحي الليلة، أبقى تعالى..
سكت هُنيهة يراقب بسمة "حلمي" التي أخذت تتسع شيئًا فشيئًا لكنه وأدها في مهدها حين أكمل مُتابعًا:
_دا لو ماعندكش دم يعني وعادي تيجي.
كتم هذه المرة "سُليمان" ضحكته فيما تصنع "حلمي" الثبات وهو يرد عليه بنفس طريقته التي ظهرت كأنهما طفلان في روضةٍ يتشاجران سويًا:
_عندي وهاجي، بمزاجي بقى.
رمقه "أدهـم" باستخفافٍ ثم أولاه الدُبر استعدادًا للرحيل لكن قبل أن يخرج من عند عتبة المحل أوقفه صوت الرفيق حين نطق ملهوفًا خوفًا من ضياع أمله:
_ألف مبروك يا صاحبي، ربنا يتمم ليلتك بخير واسمحلي أكون موجود وأقف في ليلتك بنفسي، مرة واحدة بس.
من جديد تتباين ملامح "أدهـم" لكنه التفت بنصف رأسه يرد بثباتٍ واهٍ على عكس عواصف قلبه المُدمرة لكل شيءٍ في وجهتها:
_أعمل اللي يريحك، أهم حاجة تبعد عني.
عاد الألم لكليهما من جديد كأن فاجعتهما لن يزول أثرها، سيبقى كما أثر الحربِ حين تُنشب ضد دولة ضعيفة فتجعلها رمادًا ناتجًا من حريقٍ، كأنه طمس هويةٍ يومًا للذي كان ويكون، علاقة تدمرت ودمرت معها أركانٌ كُثِر ولم يتعافَ فيها المخذول ولا حتىٰ تعافىٰ مَّن خذلهُ.
بعد مرور ساعتين..
كان "حلمي" عاد لبيتهِ وولج يتحمم ويتجهز لهذا اليوم، كان بمثابة طفل صغير ينتظر العيد كي يتسكع بالحارات بحريةٍ دون غضب أهله وصراخ أمه، وقد خرج من المرحاض وفتح غرفة الثياب ينتقي منها ثيابًا مناسبة، أخرج حُلة سوداء ثم وقف ينتقي ما بين القُمصان المختلفة، يخرج الأسود، ثم يُجرب الأبيض فيشعر بالإحباط ليعود من جديد للأسود كأنه يتحضر لموعدٍ غراميّ.
ولجت "لمار" الغُرفة حين وجدته تأخر، بالأخص أنها تُجافيه بعد نقاشهما الأخير الذي احتد بين الطرفين، تمتنع عنه، لا تصاحبه إلا بمزاجها، تُجبره على تقدير مشاعرها بطريقتها هي، تحرمه من مثالية الحياة لتُنزله على أرض الواقعِ، وبمجرد أن ولجت الغرفة ولمحت الفوضى وهو يحاول ارتداء الشيء المناسب توسعت عيناها ووقفت تراقبه.
كان يحاول إغلاق زرًا في قميصه لكنه فشل، لا يعلم لمَّ يتوتر ويتعجب من نفسه لهذا الحدِّ. اقتربت منه تقف على مقربةٍ منه ثم واجهته وبدأت تساعده وهي تُغلق الزر له، وحينها ابتسم هو لأنها لم تبخل عليه وما إن رفعت عينيها نحوه تسأله عن مساعدتها له فأومأ موافقًا، بدأت تُهندم هيئته فوضع كفيه في خصرها يُقربها منه أكثر، حدجته بسخطٍ ووبخته بجمودٍ:
_لم نفسك وأبعد إيدك أحسنلك.
ابتسم يُثير استفزازها أكثر وضمها له أكثر حتى ضحكت رُغمًا عنها وتشدقت بنزقٍ وهي تصدر له كذبًا ضيقها منه:
_الله !! بس بقى.
أبعد كفيه عنها يرفعهما باستسلامٍ فيما أكملت هي إغلاق أزرار القميص الجديد الذي كان يحتاج لتدخلها بدلًا من تهوره هو، ثم عاونته في إرتداء سُترته وقبل أن تتحرك مال يُلثم وجنتها بنعومةٍ حتى اختلت هي فوق صراط غضبها منه، لانت نظراتها وسألته بصوتٍ هاديء:
_رايح فين كدا؟ طالما طلعت كل الهدوم دي يبقى مشوار مهم.
تنهد بقوةٍ ثم وقف يرتدي ساعة يده ورد أخيرًا عليها:
_رايح فرح أدهم ابن عمك.
ظهرت بسمتها رويدًا رويدًا وبانت في عينيها ووجهها ثم اقتربت منه تُعيد هندمة شكله ومظهره وقد تفحص هو ملامحها وكأنه كان يخشى رد فعلها، يخشى أن تكشف عيناها شيئًا لن يستطع تقبله، لكنها تنهدت حين أدركت مدى اهتمامه برفيقه وباشرته بقولها:
_علشان كدا يعني مهتم؟ حقك بصراحة، بس خلي بالك من نفسك وبلاش تخلي حد يضايقك، والله قدر موقفك ومرواحك كان بها، مقدرش وماهتمش يبقى متضايقش نفسك وتعالى ليا تاني.
هذه المرة هو من ابتسم وتوسعت بسمتهُ وقرر أن يضمها قبل الرحيل، لذا احتواها بقوةٍ وخبأها داخل عناقه وهي تتمسك به، مسحت فوق ظهره كأنها تدعمه خفاءً كي يتحرك، في الوقت نفسه عاد هو للخلف ونطق بأملٍ طغى فوق كلماته:
_أكيد هييجي يوم كل حاجة فيه تتصلح وكل حاجة تبان وساعتها هبقى كسبت كل حاجة أهمها إن ليا ومعايا.
أنهى حديثه بلثمة حنونة فوق وجنتها وتحرك من أمامها نحو الخارج كأنه نال خبر إطلاق سراحه، تابعته بعينيها الدامعتين لأجله وهي تحاول تذكر أي يومٍ سقطت في حبه هو حتى لم تعد ترَ غيره من الرجال حولها، هو وكفىٰ بالكلِ.
بداخل قاعة المناسبات المقررة لعقد القران كانت الطقوس تدل على مناسبةٍ تقام ها هُنا، حيث التحضير وعمل الموظفين والتحرك وقد حضروا الناس تباعًا، ينتظرون مجيء العروسين، وصل "آدم" أولًا يُتمم على كل شيءٍ قبل مجيء أخوته وقبل أن يدخل قاعة الزفاف لمح بعينيه اقتراب الوحش الضاري، لمحه يقترب من المكانِ ومنه هو حين رآه، وبمجرد أن أصبح "داغر" أمامه تشدق بنزقٍ:
_لأ حلوة، حلوة منك أوي دي، ماتقدرش عليه تاخد اللي وراه واللي قدامه تروح تجيبله أختك يتجوزها وتضحك هي عليه، عرفت بقى إني كنت قاريك صح؟ يا، يا شيف؟ طبختها صح.
نطق الكلمة الأخيرة مستهزءًا به وهو يرمقه ويُرشقه بنظرةٍ احتقارٍ، يعامله كأنه بائع متجول يقف بقرب نافذة سيارة فارهة المظهر وغالية الثمن، كأنه طبقة دون المستوى يدخل عالم الطبقة المخملية، وما بين هذا وذاك يبقى الصراع الطبقي.
يُتَبَع...