رواية جمعية حب الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم شمس محمد بكري


|| لا حياة لمن تُنادي ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

هذهِ المدينة قاسية وأهلها ظالمون يا فتىٰ..
مدينتنا هُنا تُشبه البحر المالح وتُعكر كل ما هو أعذبُ
لا تترك شيئًا على وضعهِ إلا وطالته أيادي تغييرها، 
لم تترك صغيرًا إلا وقست عليه، 
ولم تترك ضعيفًا إلا وعلمته كيف يفتقد للقوةِ
ولم تُنصف مهزومًا أمام رابحٍ قوي
ولم تعترف حتى بالعشقِ قانونًا في حُكمِ الهوىٰ..
مدينتنا هنا علَّمت الطير كيف يُهاجر ويترك مرفأه 
وجعلت من أعتىٰ المناضلين جبانًا
مدينتنا هذه قاسية حتى على قلب المولود الصغير.

     <"صوت الحمير يظل عاليًا حتى يزأر الأسد">

أول قرارٍ يجعلك مُرتابًا في الأغلب هو الأكثر صوابًا..
هو الذي يُخالف هواك ويجعلك تود العودة لقرارك البعيد هُناك حيث راحة كاذبة تُهيأ لكَ، لكن لطالما وصل بك قرارك للارتداد للخلف، فسِّر على عكس خُطاه.

بداخل قاعة المناسبات المقررة لعقد القران كانت الطقوس تدل على مناسبةٍ تقام ها هُنا، حيث التحضير وعمل الموظفين والتحرك وقد حضروا الناس تباعًا، ينتظرون مجيء العروسين، وصل "آدم" أولًا يُتمم على كل شيءٍ قبل مجيء أخوته وقبل أن يدخل قاعة الزفاف لمح بعينيه اقتراب الوحش الضاري، لمحه يقترب من المكانِ ومنه هو حين رآه، وبمجرد أن أصبح "داغر" أمامه تشدق بنزقٍ:

_لأ حلوة، حلوة منك أوي دي، ماتقدرش عليه تاخد اللي وراه واللي قدامه تروح تجيبله أختك يتجوزها وتضحك هي عليه، عرفت بقى إني كنت قاريك صح؟ يا، يا شيف؟ طبختها صح.

نطق الكلمة الأخيرة مستهزءًا به وهو يرمقه ويُرشقه بنظرةٍ احتقارٍ، يعامله كأنه بائع متجول يقف بقرب نافذة سيارة فارهة المظهر وغالية الثمن، كأنه طبقة دون المستوى يدخل عالم الطبقة المخملية، وما بين هذا وذاك يبقى الصراع الطبقي، حيث يراه ويحصره في صورة ابن الخادمة فقط.

تحولت نظرات "آدم" لحقدٍ له مُبرراته القوية وغضبه بدأ يتشكل فوق ملامحه خاصةً حين لمح ابتسامة "داغر" وهو يرميه بسمِ كلماته:

_تفتكر يعني أنا ماقدرش أعمل حاجة؟ ماقدرش أخرب الليلة دي فوق دماغكم وأوقف كل حاجة؟ حتى دي كمان ضحكت عليه فيها؟ خليته يتجوز من غير ما يعرفني؟ ديتك تترمي في الحجز وتتعلم الأدب وتتعلم إزاي ماترفعش عينك على أسيادك، ولا نسيت أصلك؟.

الحديث منه يؤلم بشكلٍ لا يُجيد الوصف شرحه، هو يتكيء بحديثه على جُرحه القديم الذي لم يبرأ، لكن رغم ذلك يرفض الخنوع أمامه، يرفض أن يكون ذليلًا في عينيه، لذا اقترب منه يُجابهه بشموخٍ:

_أنا ماليش سيد وعارف أصلي كويس، الدور والباقي على اللي نفسه وأصله وعياله ودمه وماشي يلوش في الكل، يا سيدي حفيدك ومش عاوزك، هو بالعافية؟ دي بنتك نفسها مكانتش عاوزاك، أنتَ عامل قلق ليه؟.

حين يُدرك القوي قوة من يُعاديه يبدأ الضعف بالتسللِ لقلبه، وتفصح عن ذلك عيناه حين تأبىٰ كتم سره، وهو يود الآن أن يفتك بالآخر، يرغب في نهشهِ حتى يثبت له ضعفه، لكن "آدم" تقدم منه ونطق معبرًا بجمّ غضبه وسُخطه:

_لو بجد مش عاوز تحرج نفسك أمشي، أمشي علشان الليلة هتكمل بيك ومن غيرك، لو على موتي نفسه هتكمل.

ابتسم "داغـر" مستهزءًا وكأنه ينتوي فعل شيءٍ ما يضمره في نفسه، يرغب حقًا في تدمير ليلة حفيده، لكن في الوقت نفسه أتى غير المتوقع إتيانه في لحظةٍ كهذه، ظهر "حلمي" من العدم وتقدم بجسده يجاور "آدم" الذي تبدلت ملامحه فور مجيء هذا الغريم، لكن "حلمي" لم يكترث به وركز بعينيه في وجه الثاني الذي ضحك بملء شدقيه وتفوه ساخرًا:

_غريبة دي إنك جيت، أنا قولت مش هيبقى ليك عين تهوب ناحية الفرح بعدما خدت منه حبيبته، إيه جاي تاخد دي كمان؟ بس تصدق؟ دي ممكن تبقى ليك عادي، زود قرشين بس.

يُهين امرأة ويسبها بكل حقدٍ ومقتٍ حتى أن أخيها تقدم كي يُلقنه درسًا في غاية القسوةِ، لكن كف "حلمي" التقط رسغه يضغط عليه بقوةٍ يردع حركته الهوجاء هذه ثم تولى هو دفة الحديث حين رد بثباتٍ:

_طب وليه تفتح في القديم طيب؟ ما تخليني ساكت وقافل على اللي عندي علشان أنتَ ماتتعكش معانا، ومين كان السبب في اللي حصل قبل كدا؟ ومين السبب في اللي بيحصل دلوقتي؟ بص الناهية علشان ليلة الواد تعدي على خير، كلمة منك قصاد نشرة أخبار مني، وساعتها محدش هيعرف يسكتني.

_معقولة !! ويا ترى هتقدر تفضح حبيبة القلب؟.

تلونت ملامح "حلمي" واحتقنت دماء وجهه وجاهد كي لا يقتل قتيلًا في أرضهِ هذه، فيما كان "آدم" حائرًا وتائهًا بينهما ولتوهِ يدرك أن هناك سابق معرفة تربطهما بخلاف علاقة الصداقة التي كانت بين "حلمي" و أدهـم" في السابق، هو حقًا تائهٌ بين مرمىٰ كلماتهما كأنه لاعب غير مُتدربٍ على الملعب.

_لو حكم الأمر علشان أقول من ظالم ومين مظلوم هعمل كدا، ولو حكم برضه الأمر إني أطلع ابن ستين *** زبالة علشان الليلة تعدي على خير أنا هعمل كدا، المهم إنك تخفى من وشي، بدل ما أتصرف أنا وأنتَ عارف أنا مش باقي على حاجة.

تحداه "حلمي" ونظراته فعلت الشيء ذاته، لم يكن جبانًا من المغامرةِ قط، يأخذ المغامرة بروحه كلها ويُمني نفسه بمتعة التغامر، انسحب من أمامه "داغـر" حين أدرك أن وجوده فقط من باب التطفل لا أكثر، سوف يُجيد التصرف مهما كان الأمر، لن يغلب بينهم، هذه المرة خسر الجولة لأجل ربح المعركةِ كلها.

بعد رحيله التفت "حلمي" يواجه "آدم" الذي أصبح يكرهه أكثر من "أدهـم" بذاته، أصبح موقفه تجاهه في غاية الصعوبة وهذا المعروف عنه وفي العائلة، هرب "حلمي" من عينيه وكاد أن يتحرك نحو الداخل لكنه قطع الطريق عليه حين هدر بجمودٍ:

_أنتَ رايح فين؟ وإيه هي علاقتك بيه؟ مش هتمشي غير لما أعرف اللي بينكم، ومين حبيبة القلب؟ قصده مراتك؟.

زفر "حلمي" بقنوطٍ وبدا ملولًا بوقفته وملامحه وأضاف بضيقٍ:

_بقولك إيه كفاية أوي شوفت وشه وعكر مزاجي، مش هتبقى أنتَ وهو يعني، نخلص ليلة أخوك ونعديها وبعدها هبقى أقولك.

وبعقدة الحاجبين وضيق الجفون أتاه السؤال بحيرةٍ:

_أنتَ جيت ليه أصلًا؟ مين قالك تيجي؟.

انبسطت ملامح "حلمي" وضوت عيناه بقوله مستمتعًا:

_أخوك نفسه هو اللي عزمني، أبقى اسأله.

تجاهله "آدم" متعمدًا حين التفت "حلمي" وذهب لسيارته يستند على مقدمتها وقد ولج "آدم" للداخل يُتمم على القاعة قبل مجيء العروسين والعائلة، يريد أن يكون كل شيءٍ مُرتبًا ومضبوطًا لأجل الاثنين، مشاعره كاملة دون نقصانٍ، قلبه يسعد بكليهما معًا ولأنهما معًا، لذا هذه هي الفرحة الكاملة التي يُقال عنها بغير نقصٍ.

في شقة "ربـاب" انتهت الفتاة التي أتت تُزين "عُـلا" من عملها ثم ابتعدت عنها تقول مبتسمة الوجه بملامح بشوشة:

_شوفي كدا يا عروسة، زي القمر.

ارتجفت جفون "عُـلا" وهي تفتحهم لتناظر نفسها بالمرآةِ وقد ابتسمت ما إن لمحت نفسها، ترتدي فستانًا باللون الأبيض،  رقيق ومُحكم الإغلاق، حجابها كامل يليق بوجهها شبه المُستدير، فستان زفاف جلبه لأجلها هو وأخبرها خفيةً وهي تبحث وسط غيره:

_مش لاقي غيره شبهك ويليق بيكِ.

أحبت الفستان دون أن تدري بذلك، وقعت في عشقه وعشق تفاصيله المميزة، فستان يتسع من عند الخصر أبيض اللون تتمنى أي فتاةٍ أن تتوج به، به فصوص رقيق لامعة من عند العُنق حتى منتصف الذراعين وفي الأسفل به زركشة طفيفة بنفس اللون الأبيض مُرصعة بفصوص بيضاءٍ، لم تصدق أنها عروس بتلك الطلة وتلك الهيئة، كأنها بداخل الحُلم الجميل ولم تعلم متى العودة منه، وياليت ما هُناك عودة قط.

اقتربت منها "رحمة" ووقفت بجوارها وما إن لمحتها أطلقت زغرودة عالية فرحًا برفيقتها، لمعت عيناها تأثرًا ورفعت رأسها تسأل بلهفةٍ حماسية ومضطربة بسبب مشاعرها غير المفسرة:

_شكلي حلو؟ لايق عليا الفستان الأبيض؟.

_إلا حلو، دا حلو ونص كمان، ست العرايس كلهم يا عُـلا وزي القمر، ما شاء الله عليكِ، إيه يا بت الحلاوة دي؟ مخبية كل دا فين أنتِ؟.

تدخلت "ورد" تجاوبها بمزاحٍ به لمحة خبثٍ طفيفة:

_كان مستخبي للي يستاهله يا رحمة، هو ابن حلال ويستاهل بصراحة ربنا يعوضه بعروسة زي القمر شبهها كدا.

_طبعًا ومين يشهد للعريس يعني؟ ماشي يا ستي.

ردت "رحمة" بذلك ضاحكةً مع الأخرى ثم مالت تلصق رأسها برأس رفيقتها وسحبت نفسًا عميقًا وبمجرد خروج الفتيات من الغرفة تفوهت بصوتٍ متخبط المشاعر:

_فاكرة عيطنا مع بعض قد إيه والدنيا عملت فينا إيه؟ قولتلك ربنا بيعوض ويكرم ومابيسيبش حد، ربنا يعوضك خير ويجعله راجل الدنيا والآخرة يا عُـلا، يا رب ترتاحي معاه وتعوضي اللي فاتك.

لمعت عينا "عُـلا" تأثرًا بحديث رفيقتها وقد مر شريط العمر بأكمله أمامها، تذكرت أنها من بين الكلِ كانت الأكثر في مآسيها وفقدها وشقاؤها، كانت الأكثر فقرًا بين الكل رغم وجود المال مع عائلتها، تعمل منذ أن كانت صغيرة في السنِ، عملت بكل المحال التجارية في المنطقة، بداخل العيادات، عملت أيضًا بتنظيف العيادات الأهلية بداخل المساجد، حتى المشافى، تدمرت حياتها حتى فقدت أسمىٰ الشعور في الحياة.

كانت تتلاطم بين الذكريات كأنها أمواجٌ ترفعها وتضربها بصخور الماضي والذكرى القاسية، تتمنى لو ينفك كل ذلك عن عقلها وتعود لحاضرها وتلمس ما في يدها، تتمنى لو يحضر هو وينتشلها كما يفعل دومًا، أين هو الآن وهي وحدها هُنا تبحث عن أمانه؟.

وكأن القلوب تلاقت بالنداء لبعضها في سُبلِ الضياع..
وصلها صوته في الخارج وهو يرد على هاتفه حيث هاتفه المأذون وأخبره بقربه من المكانِ، انتفضت على إثر صوته وبحثت بعينيها عنه، بحثت بعينين مُرتابتين كأنها تخشى اللُقيا معه في الطريق ذاته فيكشف فيها الضعف، الوحدة، الخذلان، التيه، يكشف أنه فقد "عُـلا" التي كان يعرفها.

ولج حين طلبت منه عمته _رُغم عدم تفضيله للفعل_ لكنه ولج دون سببٍ مُحدد يُرضي فضوله نحوها، ولج الغُرفةَ ولمحها، لمحها كما لوحة فنية تختصر فيها ماضيه وحاضره مستقبله، اقترب أكثر فتلاقت الأعين مع بعضها ولمح الارتياب في نظراتها، نظرات خوفها، قلقها، ارتجافة يديها، ذكرته بالماضي حين ولجت بيتهم خائفة أيضًا..
حيثُ كانت فتاة صغيرة مُرتابة، تذكرها وتذكر العُمر الذي مَرَّ بالكامل قبل أن تختفي بين أمواج الدنيا ثم تعود؛ لكن هذه المرة كما النصيب لا مفر منها ومن سهم عينيها.

قابلت عيناه عينيها في نقطة التقاءٍ واحدة..
تضافرت المُقل معًا في خيطٍ واحدٍ بين الماضي والحاضر وهو لازال أسير الذكرىٰ الماضية، تذكر المرة الأولى التي ولجت فيها الشقة تمسك في عباءة أمها حيث انتقلت معها من سكنها في بئر السلم بمدخل البيت للشقة التي جمعتهم سويًا، وقتها كانت المرة الأولى التي يرى فيها عينيها بهذا الخوف، تناظره بضياعٍ وهو الذي ظن أن هذه الأعين كانت وستكون غريبة، لكنها ها هي تصبح مقصد الطريق.

_جميلة، جميلة أوي يا عُـلا، مين يقدر ينكر جمالك؟.

نطق بها ولا تعلم كيف أصبح قريبًا منها بهذا الشكل وهي تقف أمامه، متى وقفت ومتى أصبحت أمامه بهذا القرب وكيف تذهب معه وعمته تمسك كفها وكذلك الفتيات ويقومن بقيادتها للمصعدِ، وخلال دقائق كانت في السيارة بجواره وهو يقودها والعائلة خلفهم، وكذلك "سُليمان" وحشدٌ من السيارات أتى هو بها لتقل الحاضرين من رفقة "ربـاب" وبعض أقارب والده.

وبداخل سيارة "أدهـم" قام بفتح المُكيف ثم زفر بقوةٍ وقال بإرهاقٍ:

_الله يكون في عونك، طب أنا لو اتزنقت هقلع الجاكيت، هفك القميص، هخلع البتاعة اللي في رقبتي دي، أنتِ بقى هتعملي إيه؟.

ابتسمت مُرغمة ونقطت بقلة حيلة حقيقية:

_هعمل إيه يعني؟ هسلم أمري لربنا لحد ما اليوم يخلص.

حرك عينيها نحوها وابتسم هو الآخر ثم سألها بعدما أصبح أكثر أريحية عن السابق:

_مبسوطة؟.

توسعت عيناها بمجرد أن سألها وحركت عينيها نحوه فلمحت مقلتيه تنطقان بحثًا عن الجوابِ، لم تجرؤ على الكذب أمامه، ولم تستطع أن تنطق بما يُخالف مشاعرها، لذا قالت بصدقٍ:

_متطمنة، متطمنة ومتأكدة إنك مش هتضرني.

والجواب منها كان كافيًا له كي يتبدل حاله، توسعت بسمته مغلوبًا على أمرهِ ومسح وجهه بكفه الحُرة من القيادة ثم ركز بعينيه على الطريق حتى مرت سيارة "سُليمان" بجواره ومعه "سليم" الصغير الذي خرج من النافذة وقال بصوتٍ عالٍ:

_مبروك يا "أدهـم" عقبالي يا رب.

ضحك عليه وضحكت "عُـلا" هي الأخرى حتى اقتربت منها سيارة "رحمة" وظلت تضغط على بَوق السيارة تصنع لحنًا جعل الأخرى تُرسل لها قبلة في الهواء وقد لمح "سُليمان" سيارتها فتراقص بسيارته فوق الطريق يقطع عليها التحرك حتى خرجت هي تسأله بصوتٍ عالٍ تثير استفزازه:

_لو خبطتهالك هترجع تعيط جنبها.

_طب اتكلمي على قدك طيب.

قالها بتحدٍ جعلها تحرك سيارتها وتميل نحوه بتحدٍ أكبر وكادت بالفعل تصدم جانب سيارته لكنه تفاداها بمهارةٍ كُبرىٰ ثم تحداها بالفعل حين مال يصدم سيارتها من الخلف ثم ضغط يرفع السرعة حتى يسابقها، لكنها ضغطت هي الأخرى وطفق التحدي يسود بينهما فضحك باستفزازٍ وهو يقول:

_بلاش أنا، أربع سنين فيها مفيش راجل عرف يسد قصادي.

رفعت حاجبها ونطقت بغرورٍ يليق بشخصها الشامخ:

_علشان هما رجالة، لكن أنا ست، وريني اللي عندك.

قالتها وانطلقت فوق الطريق تُغلق عليه الساحة، تُجبره كي يندهش من قوتها وتحديها له وهو الذي لم يجرؤ أحدٌ ويتحداه، لذا استمتع بحربهِ معها، استمتع كونها تظهر في كل طريقٍ يخطوه وتتحداه هي بقوتها لتخبره أنها أقوى حتى من خياله وأقوى من شخصه هو، هي لا تهرب قط ودربه محظوظٌ بمنافسةٍ مثلها.
____________________________________

  <" هناك شيءٍ ما مات فيَّ ومات معه كل شيءٍ؛ إلا أنا">

يوليو 1998..

لا يمكن للماضي أن يموت إذا كنت تُحييه بداخلك..
قد يموت فيك كل شيءٍ إلا الشيء الوحيد الذي ترغب في قتلهِ أنتَ، إذا كنت ضحية ماضيك، يؤسفني اخبارك أن الماضي سيكون هو وحشك المستقبلي.

التقى بها وشهد على جراحها، شهد على معاناةٍ أبت شهامته أن تتجاهلها، لم يستطع أن يمر وكأنها لم تكن قط في طريقه، حين عاد "طاهر" للبيت وسأله والده عن رده الأخير وجد نفسه يعلن الموافقة، وافق لعله يُغيث عينيها من الحزن، لعله يصنع لها معروفًا فيرده الخالق في حياته، لعله يلتقي بحبه الذي لم يعلم من هي، ولعل بها يتيسر عليه الطريق.

_ردك الأخير يا "طاهر" علشان نحدد معاد رسمي.

توجه بعينيه يُباشر والده بنظرة تائهة ثم زفر بقوةٍ وتشدق يائسًا:

_ماشي، شوف إمتى يناسبكم.

تفوه بها ثم تحرك نحو غرفته يدفن نفسه بها، اتكأ على الأريكة ووضع ساعده فوق عينيه ويهرب؛ لكن مظهرها ومظهر عينيها عاد من جديد له، ومضت صورتها وتكررت على مسامعه نبرتها وهي تخبره عن مساعدته لها، انتفض من جديد وتذكر اسمها، عقد جبينه وتمنى ألا تتسرع وتصطدم مع والدها مُجددًا..

بينما هي في بيت والدها كانت بغرفتها ترجف خوفًا منه، تخشى انفجار غضبه عليها إذا رفضت هي العريس، اندثرت بالغطاء وهي تفتقد شقيقتها "فريال" تتمناها لو بجوارها هُنا وتعاونها، يا ليتها تملك جُرأتها حتى وتهرب كما فعلت لتختار مصيرها بنفسها، لكن دونًا عن ذلك والدها أحكم عليها الحصار لتعلم أن الدرب سوف ينتهي بها بنهايتين لا ثالث لهما..

إما تُقتل على يديه كما شقيقتها "فيروز" الكُبرى وإما الزواج من رجلٍ مجبورة عليه، لا تحبه ولا هو يُحبها، لن تجرؤ على الصمود كونها أنثى مظلومة، والإناث في مجتمعها أصبحن ضحايا لركود العقل والأفكار. قطع دخوله سيل أفكارها حين ولج الغرفة وسأل بقسوةٍ:

_يا ترى الهانم خلاص قررت ولا لسه؟.

دارت بعينيها خوفًا من لقاء تجبر نظراته وخرجت من الفراش ونبست بخوفٍ لكونها تعلم أن المدعو "طاهر" لن يعود:

_هو مش هيرجع ومش هييجي تاني، هو مش موافق عليا ومش عاوزني، ليه تربطني بواحد مش عاوزني؟ وليه اتجوز دلوقتي أنا لسه ٢٠ سنة، لا أنا بايرة ولا عانس ولا حتى فيا حاجة تخليك تعمل كدا.

تحدثت كأنها تستجديه كي يتراجع عن رغبته، لكنه ابتسم بتجبرٍ وزاد وهج عينيه المخيفتين بقوله المُرعب:

_عاوزة تعملي زي الاتنين اللي قبلك؟ تكسري كلمتي زيهم وتدور على حل شعرك؟ عاوزة تروحي الجامعة ويلف عليكِ ولد صايع وتلفان يبلفك بكلمتين زي الهانم اللي هربت وراحت اتجوزته؟ ولا عاوزة واحد يضحك عليكِ ويقنعك تساعديه وتهربي زي "فيروز" ما كانت هتعمل؟ عاوزة مصيرك يبقى زيهم؟ يبقى مالكيش عندي غير الشارع.

توسعت عيناها حين وجدته يخوض في سمعة ابنتيه ووقتها اندفعت بجرأة زائدة عن الحد توقفه عند حدوده الواهية:

_الاتنين ماعملوش حاجة غلط، كل واحدة فيهم اتحبت من الشخص الصح، مكانش فيه حاجة غلط غير ظلمك ليهم، فكرك يعني فريال مش مبسوطة مع توفيق؟ وحتى فيروز كانت هتبقى مبسوطة في حياتها بدل ما أنتَ تموتها بإيدك، مفيش حاجة غلط غير طبعك.

أشعلت فتيل غضبه وأجبرته على التحول، حينها سحب خصلاتها حتى تجرجرت خلفه كما الشاهِ وألصقها بالجدار الصلب ونطق من بين أسنانه بغضبٍ أعمى:

_لو فاكرة إنك هتخرجي عن طوعي وتقدري ترفعي عينك في عيني أنا هجيب راسك تحت رجلي وأخليكِ تحصليها، هتتجوزي طاهر ورجلك فوق رقبتك، لو مش بمزاجك يبقى بالعافية، واللي أقرره أنا هو اللي هيحصل، ومفيش جامعة ليكِ، هتفضلي هنا ومش هتخرجي غير على بيت جوزك، فاهمة؟.

هدر كلمته الأخيرة بجمودٍ وهو يدفع رأسها حتى حركت رأسها بهلعٍ وهي تتمنى زوال الخوف من قلبها كي تهرب من هنا، تتمنى لو تستطع اختراق السجن هذا وتُحلق بعيدًا عنه، من أخبره أن المرأة تحتاج لرجلٍ كي تطير وتُحلق عاليًا؟ المرأة تحتاج التقدير والدعم كي تكون حُرة حقًا.

******

عودة للوقت الراهن..
أوقف سيارته أمام منزله بعد أن عاد من عمله، وصل من المطار للبيت مباشرةً بعدما استطاع المجيء وجعلها مفاجأة لأسرته، كان ينتظر بفارغ صبره لقاء "رئيفة" الحبيبة، يتمنى رؤية عينيها وأن يأنس بها بعد الغُربة التي عاد منها.

في الداخل أرتدت "رئيفة" فستانها الزهري والحجاب أيضًا ووضعك الحُلىٰ ووقفت تراقب نفسها وتُتمم على مظهرها، تتمنى ألا يذهب والدها ويُفسد زفاف حفيده كما أفسد حياة الجميع، لقد تألموا جميعهم بسببه هو وبسبب عناده، لذا سوف تدعو ربها أن تمر الليلة بسلامٍ، نزلت للأسفل فوجدت "غسان" يقف وهو يتحدث في الهاتف مع خطيبته وقد ردد الحديث مستنكرًا:

_عمك دا راجل تنح وربنا، بعد كتب الكتاب بتاعنا فكريني أبطح راسه بحاجة، ما قولت آجي أخدك أنا وهرجعك تاني، أديكِ واقفة مستنياه أهو، هتيجي بعد كتب الكتاب يعني؟.

_معلش خليها علينا علشان محدش يكون ليه حجة وحاجة عندنا، بابا برضه لو كان موجود مكانش موقفه هيختلف كتير، خلاص هو وصل، العربية جت تحت البيت متقلقش.

ردت عليه ثم أغلقت الهاتف بينما هو ابتسم بمجرد أن تذكر ملامحها، هي غريبة فيها شيء مميز يصعب على العين أن تُحدده وحدها، هي كما الحقل المزدهر يتوجب عليك أن تمشيه كله كي تجد الزهرة التي ترغبها، ومن وسط حقل الأيام وجد هو الزهرة التي يرغبها.

نزلت أمه تناديه وبمجرد أن انتبه لها ابتسم بعينيه وقال يمازحها وهو يُشرف عليها من علياءه بطوله الذي تخطاها بكثيرٍ:

_عيني عليكِ باردة يا رئيفة، فينه الحج طاهر ييجي يشوف.

ضحكت بخجلٍ وهي تتصنع ضربه وقد تورد وجهها من غزل ابنها، وفي الوقت نفسه صدح صوت الجرس الخارجي فتحرك ابنها يفتح الباب فأبصر والده وانفرجت أساريره من المفاجأة، وحين أشار والده يحذرها غمز له ثم رفع صوته يجذبها له:

_ماما تعالي دا حد عاوزك.

عقدت حاجبيها وتركت حقيبتها فوق الطاولة الرخامية المستديرة ببهو الفيلا الشاسعة، وجدت ابنها يعود فسألته بملامحها لتجده قلب شفتيه كأنه يجهل هوية الزائر، وَسعت خطواتها حتى وصلت للباب وقبل أن تنطق لمحته يقف عند الباب، نشجت بصوتٍ مسموعٍ وهي تنطق بلهفةٍ:

_طـاهر !!.

_وحشتيني، وحشتيني يا رئيفة.

نطق بالجملة التي كانت سببًا في بدايات كل شيءٍ، الجملة التي اختارها كلاهما ليعبر بها عن وحشة روحه، مالت عليه ترتمي في عناقه، فضمها هو مبتسمًا وشدد ضمته وكأنه يقسم أن "رئيفة" هي كل الدنيا له، هي وحدها بالعالم كله والعالم أجمع في عينيه، هي العائلة، الرفقة، الأُنس، هي الطريق، هي التي جعلت قلبه يعود للحياة، هي الرأفة الوحيدة وسط قسوة الدنيا.

ابتعدت عنه مبتسمة العينين فمسح على كفها وقبل أن يتحدث أتى "غسـان" وقال بجمودٍ زائفٍ يحذرهما من التمادي:

_ما خلاص أنا هنا يا حبايبي، ماتخلونيش أكلم داغر ييجي يشوفلكم شُغلة أنتوا الاتنين، بعدين هتسلم عليا إمتى يعني؟.

ضحك "طاهر" واقترب يضم ابنه الذي التجأ في عناقه وهو يعلم كيف تكون الغربة قاسية على من يعيش بها، كان يرغب في مشاركته كل شيءٍ حدث ويحدث في غيابه لكنه تركها لحين إشعارٍ آخر حتى يحين الوقت المناسب، وقد استأنف "طاهر" الخروج من البيت بأسرته هذه المرة.
____________________________________

    <"لمَّ الخوف إن كنت أنا في كل زمنٍ لأجلك حاضرٌ">

كان قد ذاع ذات يومٍ قولًا أسطوريًا لرجلٍ وقع في العشق قال
"أنا هُنا" كان هذا مُلخص حبه وشجاعته وقوته حين أعلنها لمن يُحب مُعبرًا عن شجاعته وقوته واستبساله لأجلها،
 فكان يعلنها في زمنه وفي كل زمنٍ أنه لأجلها هُنا..
وأنا أسألك لمَّ الخوف إن كنت أنا في ماضيك موجودٌ
 وبحاضرك أنا هُنا، ولمستقبلك أنا آتٍ؟.

اجتمعوا الناس في قاعة عقد القران المُطلة على حديقة مفتوحة مضاءة بالإضاءة الفلورية والذهبية، ومُزينة بحروف اسم العروسين، وضعت طاولة كبيرة جلس على يمينها "آدم" بصفته وكيل العروس، وعلى يسارها "أدهـم" وجلس "سُليمان" بجوار رفيقه ودخل "حلمي" يجلس هو الآخر بينهما.

تعجب "أدهـم" من فعله وناظره بنظرة جامدة لانت حين مال "حلمي" وهمس له بخفوتٍ كي لا يعلو صوته للناسِ أو يثير "أدهـم" أية جلبة في المكان:

_هشهد على عقد جوازك، إيه هتبخل عليا بيها؟.

لم يجادله "أدهـم" ولم يُكثر الحديث معه، وقد حرك المأذون الأوراق بينهم فمضى عليها "أدهـم" وكذلك فعل "سُليمان" و "حلمي" أيضًا الذي ابتسم لرفيقه، بينما "آدم" وقع كوكيلٍ لها ومد يده لها بالورق فوجدها ترتجف، كفها يرجف كأنها لم تستطع فعلها، ربت حينها "آدم" فوق كف يدها وهمس:

_براحتك واحدة واحدة وقعي، هنا يلا.

أشار لها على المكان فوقعت حيث أشار، ثم كررت الفعل فوق كل ورقةٍ حتى قامت بترك بصمتها فوق الورق وفوق البيت الزجاجي الذي يحمل اسمها واسمه معًا، وتاريخ اليوم، عادت بتوترٍ للخلف  فيما مدَّ "آدم" يده يلتقط كفها ثم ضغط عليه وأتت "رحمة" تقف بقربها وتمسك كفها الأخرى ثم مسحت فوق ذراعها لتمحو توترها في هذه اللحظة.

وبعد خطبة المأذون وحديثه عن الزواج وقُدسية هذه العلاقة وتلقين كل طرفٍ منهما الحديث، كان المشهد غريبًا، كلا الأخوان يضعا كفيهما معًا ليُزوج أحدهما أخته لأخيه، ورغم الضحك الساخر والمزاحات لكنهما أكملا حين لقن المأذون الحديث لـ "أدهـم" بقوله:

_قبلت زواج موكلتك الآنسة البكر الرشيد "عُـلا عبدالخالق عطية" على كتاب الله وسُنة رسوله الكريم محمد ﷺ وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.

_بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير، زواج مبارك.

اُختتم عقد القران بالجملة الأخير بينهما، وبدأت التهليلات والمباركات تنتشر بلحظات فرحٍ وضحكٍ والجميع يُهنئون العروسين، بين عناق الأصحاب والأقارب والجيران وزملاء عمله من الشباب أصحاب العلاقات الطيبة، وبين "سُليمان" الذي عانق رفيقه بقوةٍ يبارك له، وقد اقترب منه "حلمي" وعانقه وسط الزحام حتى أجفل جسد "أدهـم" كأن هناك كهرباء ضربته في جسده.

ارتجف كأنه يُطعن بالخنجر غدرًا من جديد، لكن "حلمي" كان يأمل في هذه اللحظة أن تمحو في طريقها كل ماضٍ، أن يعود لكنف صاحبه ويتمسك به قبل أن يفترق عنه غدرًا، وحين حاول "أدهـم" أن يبتعد عنه توسله بقوله آملًا:

_علشان خاطري خليني جنبك الليلة دي، افتكرلي حاجة حلوة واحدة على الأقل بينا تخلينا مع بعض النهاردة.

للأسف هو يتذكر له الكثير، يعرف الأكثر وعاش معه في ذكرياتٍ لا تُنسى وقد يكون هذا هو السبب تحديدًا، أن خذلانه أتى من مصدر أمانه، لكنه لم يقسُ عليه أكثر حيث ابتعد وربت فوق كتفهِ بعدما أغصب شفتيه على بسمةٍ فاترة خالية من الروحِ؛ لكنها أعطت أملًا للآخر كي يتشبث بالحياة.

قابلها "أدهـم" وهي تقف بجوار أخيها واقترب منها يضمها بجرأةٍ جعلتها تندهش من فعله، لم تفهم كيف فعلها وضمها بهذه القوة ثم ابتعد عنها ولثَّم جبينها أمام الجميع، جاهدت لتداري خجلها واضطرابها لكنه تفوه بخفوتٍ لم يصل لغيرها:

_ربنا يجعلني السبب اللي يخليكِ تضحكي وتفرحي علطول.

وهي حين تلاقي عينيه تجد الطمأنينة المفقودة.
يهمس لها قلبها أن العمر الذي قضته تائهة تجد عنوانه هُنا، للمرة الثانية تدخل حياته مجبورة وخائفة ولم تجد غيره هو يُطمئن قلبها ويمحو هذا الخوف.

كانت "نـوف" تقف بجوار "غسان" وهي ترتدي فستانًا باللون الأحمر القاتم يلائم سمار ملامحها وبشرتها، وتضحك بعينيها الواسعتين للعروسين ثم اقتربت تبارك لـ "عُـلا" التي ضمتها ودعت لها بتيسير الزواج، لحق بها "غسـان" ووقف بجوار ابن خالته يبارك له ومازحه بقوله:

_خلص نفسك بسرعة وشوف وراك إيه علشان أسبوعين وهتيجي تقف جنبي الوقفة دي، بسرعة قبل ما "داغر" يفوقلي ولا عمها يقفلي، هي جوازة معرقبة معايا ليه مش عارف.

ضحك معه "أدهـم" ثم تحرك يرحب بالحاضرين ثم تحرك مع "سليمان" والشباب نحو الساحة الكبيرة المُقام به فرحه، أضواء ملونة، وقماش الخيام السميك يُغطي حدود الساحة، سماعات كبيرة الحجم، طاولة لصنع المشروبات، وأخرى بها فواكه، كأنه مهرجان شعبي لتاجر له اسمه من بين سوقٍ بأكمله.

كان مجبورًا على إقامة هذه الليلة لأجل الرجال ولأجل كل مرةٍ كان والده يُجامل فيها منذ زمنٍ وأكمل هو من بعدهِ، ولج للرجال يرحبون به وجلس بجوار "عرفه" الذي وقف له كأنه ابنه وهو يؤدي أمانة رفيقه على أكمل وجهٍ، دقائق وبدأت الفقرات تختلف وتحرك "منتصر" يسحب الأخوين يرقص معهما ودخل بينهم "غسـان" هو الأخر فيما قام "سُليمان" بحمل رفيقه وقال يمازحه بصوتٍ عالٍ:

_النهاردة عندي وبكرة عندك، ضهرك اتقطم في فرحي.

ضحك له "أدهـم" وربت فوق كفه وقد حمل "منتصر" "آدم" ومازحه بقوله هو الآخر:

_أرقص مع أخوك، قصدي نسيبك، أرقص وخلاص.

كانت ليلة صاخبة وسط الناس والرجال الحاضرين، وقد تولى "آدم" تقديم الطعام بعد أن قاموا بذبح عجلين لأجل هذه الليلة، كأنه عُرفٌ وهم يسيرون على نهجهِ، ولأجل صورة أخيه وسط الناس صنع أفضل ما يمكن أن يصنع، أراد أن يُشرفه وسط الناس وقد نجح حقًا، وعاونه في مجلس الرجال "حلمي" الذي تناسى متعمدًا كل هذا وذكر نفسه فقط أنه اليوم هو يوم فرح رفيقه وإن كانت السُبل ضاعت بهما من قبل.

في داخل القاعة الداخلية كان الحضور للنسوةِ معارف "رباب" وصديقاتها ومعارف "ورد" أيضًا والعروس لم تأتِ بغير "رحمة" التي لم تتركها، لو كانوا أفراد العائلة أكثر نضجًا ووعيًا كانت طلبت منهم الحضور ليكونوا عُصبتها أمام الحاضرين، لم تعرف أن الشعور في هذا اليوم يكون قاسيًا لهذا الحدِ، فهذه المدينة التي تسكن هي فيها لا تُشبه المدينة التي تسكن بداخلها.

شعرت بها "رحمة" فمدت يدها تربت فوق كفها وقالت بحنوٍ:

_ماتزعليش نفسك، دلوقتي معاكِ "آدم" أخوكِ وشوفي علشانك عامل إيه ومشرفك إزاي وسط الناس، وشوفي عيلة جوزك فرحانين بيكِ إزاي، مش العالم المقشفة اللي كنتِ عندهم، يا شيخة هي دي ناس؟ دول عالم عرر جعانين، سيبك منهم وأنسيهم وعيشي حياتك هنا، اتمتعي باللي راح منك زمان، ربنا يكفيكِ شرهم.

ابتسمت لها بحزنٍ ثم تنهدت حين تذكرت أن خلال وقتٍ قصيرٍ سوف تواجه "أدهـم" الرجل البالغ الكبير، ليس ذاك الصغير الذي كان رفيقًا حنونًا، اليوم هي برفقة الرجل الذي تعرفه معرفة سطحية، لم يجمعها به إلا أقل الأحاديث، وتعرف عنه قشور المعلومات، ياليته يتمتع بالعقل والحكمة ليكون عونًا لها.

بعد مرور ساعة ونصف تقريبًا انتهى الحفل والزفاف، بدأوا الناس يتحركون نحو الوجهة المحددة لكلٍ منهم، وقد تحرك "غسان" يواجه خطيبته التي ابتسمت له وأدركت جمال طباعه ووسامته التي تفوق جمالها المتواضع، اقترب منها وقال يمازحها:

_عقبال ليلتك يا شابة.

ضحكت له بعينيها ثم نطقت تتغلب على خجلها أمامه:

_ماتستعجلش، كلها أيام ونكتب الكتاب.

_وأحضن معلش.

بتر حديثها بجملته لتنظر له بطرف عينها وهي تقول مشيرة لماضٍ سبقها كأنها تخبره خفيةً أنها تعلم كل شيءٍ:

_ماشبعتش أحضان يعني؟.

_بحلال ربنا لأ، معلش أحب أشوف الحلال وأجرب بنفسي.

كان يريد إغاظتها وقد نجح فعليًا، هي ملامحها أشبه بالجمرِ المشتعلِ، تود أن تضربه بحقيبتها الصغيرة في وجهه، لكن عوضًا عن ذلك اقترب عمها يشير لها أن تبتعد عنه، وقد ضحكت تثير استفزازه ثم اقتربت من عمها الذي تحداه بعينيه، وبمجرد أن ولجت السيارة وركب عمها قال بثباتٍ:

_بكرة هاروح الشركة وهتيجي معايا.

ضيقت جفونها وهي تسأله بعينيها عن مقصد كلماته، فأضاف هو مكملًا ومتابعًا حديثه:

_المحامي رايح بكرة وهتعملي توكيل ليا علشان أعرف أتصرف، بالمنظر بتاعك أنتِ وابن "طاهر" كدا هتضيعوا كل حاجة وهنبقى لبانة في بوق كل الناس، احترمي أبوكِ اللي لسه ميت وراعي حُرمته، ماتخليش سيرته على كل لسان.

ألمها الحديث بهذه الطريقة وهذا الاتهام المؤلم، فكيف يظن أنها نست والدها أو حتى تخطت موته؟ هي تسير على أوامر الطبيبة النفسية التي تتابع معها حالتها وأخبرتها أن تتعايش بدلًا من أن تنتكس نفسيًا وتعود لنقطة الصفر، ومن حسن حظها أن "غسان" هو الذي ولج حياتها في هذه الفترة البائسة، وجدته يحاول ويُجاهد لأجلها وكان هذا المشهد هو البطولة الحقيقية.

شعرت بوخز العبرات في عينيها وكأن هُناك ثُقل يجثم فوق صدرها، رغم أنها لم تتحدث بدت كأنها هاربة من معركة أراقت فيها دماؤها، وقد صدح صوت هاتفها برقمه فضغطت على كاتم الصوت، كرر مكالمته فضغطت من جديد ثم فتحت الهاتف تراسله كتابةً:

_مش هعرف أرد عليك، بكرة هبقى أكلمك.

أغلقت الهاتف كُليًا بعدما قرأ هو رسالتها وظلت تفكر كيف تنجو من تحكم العائلة فيها بعد موت والدها؟ كيف تخرج من إطار تحكمهم فيها لكونها أنثىٰ؟ كيف تقف في مواجهة رجال العائلة وتسحب حق والدها من بينهم بل وتترك كل شيءٍ بيد "طاهر" وابنه؟ أي وضعٍ ثقيلٍ هذا تغرق هي فيه؟.

أخيرًا وصلوا عند بناية الشيمي..
رحلوا الحاضرين وترجلوا ساكني البيت نحو البناية، وقد صعد "أدهـم" بزوجته التي حتى الآن لم تخرج من حلمها، تتمنى أن تستيقظ أخيرًا وتهرب من الوضع الذي سوف تقبل عليه خلال دقائق راهنة، وقد أوصلهما "آدم" وقال بمرحٍ من عند عتبة الشقة:

_تصبحوا على خير يا أخواتي، لحد هنا دوري انتهى.

التفَّت له هي بخوفٍ تسأله بلهفةٍ بائنة واضطرابٍ في صوتها:

_أنتَ مش هتدخل معانا؟ رايح فين؟.

رفع حاجبيه بصدمةٍ فيما كتم "أدهـم" ضحكته وتفوه ساخرًا:

_صح أنتَ رايح فين؟.

فرد "آدم" كفيه بضياعٍ ونطق بغلبٍ على أمرهِ كمن فقد كل الحيل:

_هنام عند عمتو، ماهو مايصحش برضه آجي في يوم مهم زي دا، تصبحوا على خير، خلي بالك منها وحطها في عينك.

قبل أن يرحل مدت يدها تتمسك به وهمست بخوفٍ:

_ممكن تيجي معايا تدخلني؟ علشان خاطري.

خوفها بالنسبة له مبرر، هي فتاة عاشت وحدها تعول نفسها يصعب عليها في ساعاتٍ أن تكون مع رجلٍ وحدها بصفتها زوجته، أكان يتوجب عليه أن يهيء نفسها قبلًا؟ تجمعت العبرات وكونت غُلافًا سحابيًا على مقلتيها وحينها ضمها "آدم" بقوةٍ يُهديء روعها ثم نظر لأخيه بضياعٍ ففتح "أدهـم" الباب وتشدق بسخريةٍ:

_وربنا كنت هشيلك وأدخلك لجوة، بس علشان الحركة دي خليه ينفعك بقى ويشيلك هو.

ضحك "آدم" وأجلسها على الأريكة فلجست تحاول تنظيم أنفاسها كما تعلمت في المشفى التي كانت تعمل بها، لاحظ أخوها برودة جسدها وارتجافة يدها وزيغ بصرها فجلس على عاقبيه يهمس لها بقوله الحنون:

_أنتِ إيه مخوفك؟ مفيش حد هيقدر يقرب منك ويأذيكِ، بعدين "أدهـم" طلبك علشان يحافظ عليكِ ومحدش من قرايبك يفكر يتعرض ليكِ ولا حتى تسكني بعيد عننا وحد يضايقك، أنتِ هنا في حمايتي وحمايته، ومحدش يقدر يقرب ناحيتك، اتطمني.

أومأت بلهفةٍ فاقترب منها يُلثم جبينها ثم ربت فوق كفها وتحرك لأخيه بالداخل بعدما تركهما سويًا، وقفا يتحدثان معًا ثم بشيءٍ لم تفهمه حتى ظهر "أدهـم" وقال بجمودٍ لها ولأخيها:

_على فكرة أنا عمري ما كنت هعمل حاجة ولا أقرب منها من غير رضاها، وعارف إن الجوازة ليها ظروفها وليها وضع مختلف ومقدر دا، مش مستاهلة كل دا يعني، وفكرة الأوضة التانية دي أنا مش موافق بيها.

رفعت عينيها نحوه فلحظها لوهلةٍ ثم عاد لأخيه وقال بثباتٍ:

_زمان كنا عيال صغيرة وكانت هي في أوضة وأنا في أوضة علشان دا الصح، لكن دلوقتي هي مراتي بشرع ربنا، يبقى مطرح ما أكون تكون هي كمان، أظن يعني دي الأصول.

نظرت لأخيها بتوسلٍ وهي تتمنى أن يفهم أحدهما عليها وأنها مجرد فتاة تعيش في وضعٍ مختلف، صعوبة التكيف تختلف من فردٍ لآخر ومن طبيعة لأخرىٰ، نظرتها عادت تشبه عينيها في الصغر، وقد لمحها "أدهـم" وكأنه تتهمه بالقسوةِ، تتهمه بالتجرد من الطباع الحسنة، تراه بالعين الذي يكره نظرتها.

غضب منها كأنه يأمل فيها هي بالكثير من قلبها لكنها خيبت ظنه، لذا عادت للهدوء من جديد بعدما أدرك أنه فقد أعصابه نتيجة قلة النوم وازدحام اليوم:

_شوفوا اللي يريحكم وأعملوه، أنا تعبان ومش قادر.

تركهما وتحرك نحو الداخل حيث غرفتهِ، بينما هي فتعجبت منه ومن غضبه غير المفسر لها، إذا كان وعدها أنه لن يقترب لمَّ يغضب لأنها لم تشاركه نفس الغرفة؟ أي منطقٍ هذا؟ بينما هو فولج غرفته بضيقٍ، لا يعلم السبب الرئيسي لغضبه لكنه حتى كان يأمل أن تبدأ وتشاركه حتى يعتادا على بعضهما، ويكونا سويًا في المكان نفسه، رُبما أراد أن يكون أمانًا لها، وهي صدت عليه السُبلِ، لا يعرف لكنه رسم الكثير من الخيالات حطمتها هي.

ولجت هي الغرفة التي اعتادتها منذ أن أتت وأغلقتها بإحكامٍ على نفسها وبدأت تنظم أنفاسها ثم ارتمت فوق الفراش بعد تعبٍ كسر عظامها  وإرهاقٍ دام لساعاتٍ طوال اليوم، حتى لم تكترث بأمر الطعام، هي فقط رمت نفسها فوق الفراش وسكنته كما المحارب المهزوم الذي ترك الحرب خلفه تنهش في حدود موطنه.
___________________________________

       <"البحر الكامن هذا سوف يفيض ذات يومٍ">

البحر لا يكتم الأسرار طويلًا..
في لحظةٍ ما يثور ويهيج كما الطوفان ويكشف كل ما فيه من خبايا، عوالمه الخفية تظهر للناس بمجرد حركة موجة واحدة فقط، ينقلب على عاقبهِ كل شيءٍ، وبالأخصِ تلك الخبايا التي تظنها غير مرئية بداخلك.

بمدينة الغردقة..

في غُرفة "يُسري" كان يتسطح الفراش وهو يمسك الهاتف في يده وقد قفز بجواره "صُهيب" ابنه فما لبث إلا وانتبه له وقد قال ابنه بمللٍ معبرًا عن ضجرهِ:

_أنا زهقان ومش عاوز أنام، وماما عند تيتة تعالى نلعب تحت شوية يا بابا، بكرة اجازة ومش عاوز أنام بدري.

نظر له والده بنظرة جانبية فيما استعطفه هو بنظرة متحايلة كما الثعلب حين يمكر على الدجاج في الحظيرة، نظر له "يُسري" برفقٍ ثم مسد فوق خصلاته وسحبه لعناقه وهو يقول بمهادنةٍ ودية كأنه يسحبه نحو بساطه:

_طب نام في حضني شوية بعدها ننزل مع بعض.

تضايق الصغير وبان ذلك فوق ملامحه، ركز بعينيه في هاتف والده الذي عاد واندمج فيه وفي عمله وسرعان ما قام بخطفه من يده وركض من فوق الفراش، ذُهِل والده وركض خلفه مهرولًا حتى وجده يقفز من فوق الدرج وهو يضحك ويُثير غيظ والده، كان "يسري" يركض بلهفةٍ وضحك رغمًا عنه حتى اصطدم ابنه في ردهة البيت بجسد "مُراد" الذي أتى لتوهِ.

ارتد الصغير للخلف وسقط أرضًا فمال عليه عمه يعاونه بلهفةٍ ثم أوقفه يتفحصه وسأله بقلقٍ عما إذا كان تأذىٰ أو هناك ما يؤلمه، وقد جاوبه الصغير بنبرةٍ خافتة:

_أنا كويس يا عمو.

نظر له "مُراد" بنظرة ضائعة كأنه يستمع لوصفه منه للمرةِ الأولى، مسد فوق خصلاته وكاد أن يتحرك لكن "صُهيب" أوقفه بحديثٍ قصم الباقي من استقامة ظهره وثباته:

_أنتَ زعلان مني يا مُراد؟ ليه مش بتكلمني وتلعب معايا زي زمان ومش بتجيبلي لعب وحاجات حلوة كل يوم؟ أنا عندي كتير بس عاوز اللي كنت بتجيبهالي.

جحظت عينا "مُراد" للخارج ووقف مدهوشًا من قول الصغير الذي لم يرأف به، قرر الهرب بعيدًا عنه لكن الصغير نطق بنبرةٍ غلبها الحزن الجم الذي لا يعترف بعوائق مثل الكبار:

_ينفع تيجي تلعب معايا في الجنينة؟ شوية صغيرين بس.

كان "يسري" يُراقبهما سويًا، يراقب ردات فعل شقيقه ويراقب ردات فعل شقيقه، وحين طال انتظار ابنه وزاد الرجاء منه اختصر المسافة الفاصلة بينهم واقترب يقول بجمودٍ:

_خلاص يا صُهيب روح ألعب أنتَ، سيبه في حاله هو مش عاوز يلعب معاك ومش عاوز يكلم حد، روح أنتَ.

أرشقه "مراد" بنظرة نارية وراقب الصغير الذي انسحب بحزنٍ من بينهما ثم نطق هو أخيرًا يوبخ شقيقه بقوله:

_أنتَ اتجننت يا يُسري؟ فيه حد يقول لعيل صغير كدا؟.

غضب وبان الغضب في نبرته حتى رد شقيقه بتهكمٍ:

_بقول اللي مش هتقدر تقوله أنتَ، أهو عيل صغير وشايف اللي أنتَ مش عاوز تشوفه، هخليه يعشم نفسه بيك ليه؟ يبقى من قاصرها يعرف اللي فيها، يعرف إن عمه اللي رباه على أيده وكان ضله مابقاش موجود، مات زي ما بيقول.

تباينت نظرات "مُراد" واحتقنت ملامحه وهاجت عيناه كما الموجِ الغاضب، وسامته أمست حادة كأنها نظرات مجرم دولي مطلوبٌ من كل الدول، التفت يضغط فوق كفيه بقبضتيهِ ثم غادر البيت، قصد الوجهة نحو القرية كي يلوذ هناك بملجأ الخمور، يغطي العقل بستار اللاوعي.

أوقف السيارة خارج حدود القرية بداخل مرآب السيارات وخرج منها بعدما صفها بالمقدمةِ في مكانها المعهود، وقد تحرك في طريقه نحو الخارج لكن صوتها المألوف أوقفه بموضعهِ، تيبس جسده وهي تسأل وتوجه سؤالها _لا يعلم لمن_ ووقف يشعر أن الزمن يعود للوراء به، بنفس النبرة ونفس الجملة قالت:

_أنتَ كنت فين كل دا؟.

التفَّت بحركةٍ حدَّية عنيفة رغمًا عنه فوجدها تتحدث مع شابٍ يفتح حقيبة السيارة ويقول بنبرةٍ ضاحكة:

_كنت بجيب الشنطة اللي عجبتك دي، عرفتي اتأخرت ليه؟.

تبدلت نظراتها وابتسمت بيأسٍ وهي تلتقطها منه وتتفحصها، بينما هو وقف يراقبها بصدمةٍ كأنه لا يصدق أن حتى هذه ضاعت وأمست في يد غيره، علا صدره بحركةٍ عنيفة ووقف يراقبها وهي تلتقط لنفسها صورة برفقة الشاب وحينها تألم قلبه، لمَّ يُعاقب بالحرمانِ من كل شيءٍ؟ ظل مكانه ثابتًا واللحظات والساعات وحتى الأيام تدور وتمضي، هو وحده الذي خسر السباق وظل خارجه.

تحركت السيارة من جواره وهو يقف مكانه وقد لمحته "هاجر" من داخل السيارة، التفت برأسها بسرعةٍ كبرىٰ فوجدته يقف وحده مهزومًا كما تركته، بل زاد ضعفًا وانكسارًا عن ذي قبلٍ، وقف يراقبها كما يفلُّ السراب من بين الحقائق، تختفي بداخل السيارة متجاهلة النبضة القوية التي ظهرت بداخل قلبها لأجله.

تحرك هو نحو الخارج مطأطأ الرأسِ للأسفلِ بضياعٍ، سار هائمًا على وجهه وتاريخ ذكرياته معها يمر، العمر الذي مضى بينهما كان جميلًا ومميزًا لن يستطع نسيانه أمد الزمانِ، ياليتها تعود ويعود هو ويعود كل الذي رحل وتركه.

عودة إلى مدينة القاهرة…

بداخل شقة "يحيى" استغل الزفاف وإغلاق المحال والمعارض التجارية وجلس رفقة ابنته يُباريها، تناول معها الطعام، وقام بغسل الثياب، وترتيب البيت قدر المستطاع وهي تعاونه، وقد ولجت تستحم داخل المرحاض في الحوض الزجاجي الؤطر حول صنبور الاستحمام، كانت تستمتع بدفء الماء على جسدها البارد وتلعب تحت الماء بخصلاتها.

في الخارج قام بصنع ذرة الفشار لأجلها وسكب العصير ثم حضر لأجلها التلفاز كي تنعم الأميرة بدلاله كما رغبت، وقف ينتظرها حتى صدح صوت هاتفه برقم "يُسري" فعقد حاجبيه وتحرك يجاوبه تجاه الشرفة، وقد قال الآخر بضيقٍ وضياعٍ:

_أنا كنت مخنوق قولت أكلمك، مش لاقي حل مع "مراد" خالص يخليه يرجع لنفسه من تاني، حاسس كأني بتعامل مع واحد قاطع ودنه، لو تشوفه دلوقتي مستحيل تعرفه، بقى شبه المساجين، ساجن نفسه في اللي فات وضيع كل حاجة من أيده.

_ماتلومش عليه يا يُسري، مش كلنا بنعرف نتعامل صح مع المواقف دي، كل واحد وجعه بيكون جواه مختلف عن اللي حواليهه، بعدين لو قصدك يعني إني حاولت وكلمت فعلشان خاطر بنتي ملزومة مني، مش هتبقى هي وأمها يعني.

نطق حديثه بألمٍ وندمٍ كأنه المُذنب في هذه القصة، يتحدث وهو يعلم أنه قصر بشيءٍ لم يستكشفه حتى الآن، لكن يكفيه مرض زوجته وهو غافلٌ عنها دون أن ينتبه لما تُعانيه، لذا هو أيضًا مُذنبٌ.

في الداخل اختل جسد "رحيق" وكادت أن تسقط لكنها استندت على الباب فأُغلِق عليها بالداخل، حاولت تفتحه كي تخرج لكنها فشلت، كانت الآلة الخاصة بفتحه أطول منها بكثيرٍ، جاهدت كي تطولها ففشلت، لم تملك حتى صوتًا تصرخ به وتنادي أبيها، هي فاقدة للكثير من حولها، فاقدة حتى نفسها وصوتها، ظلت تحاول حتى اُرهِقت واختنقت بسبب سخونة المكان عليها واختناق أنفاسها، ظلت تطرق فوق الباب الزجاجي والماء يُغدقها فتذكرت أمها، تذكرت الهيئة المخيفة التي خرجت بها، وتذكرت لحظات إخراجها، بل وتذكرت وجهها المأكول من السمكِ..

أصابتها نوبة هلعٍ وغضبٍ وارتجف جسدها واختنقت أنفاسها، أُصيبت بجحوظٍ في العينين وظلت تحرك رأسها حتى سقطت مصدومة في الأرضِ فاقدة للأنفاس والحياة وآخر ما تحفظه في ذاكرتها صورة أمها لحظات خروجها من البحرِ مأكولة من الأسماكِ..

في الخارج أغلق الهاتف ووقف في انتظارها فطال غيابها، زفر بمللٍ وتحرك نحو المرحاض يطرق الباب فلم تنتبه وتغلق المياه كما اعتادا معًا، ظلت المياه تهبط وهو يزيد من طرقاته وحين يأس قام بفتح الباب وبحث عنها، لم يلمح جسدها خلف الزجاج لكنه اقترب ليجدها ساقطة في المنتصفِ فاقدة للوعي.

ظل يصرخ باسمها ويحاول فتح الباب لكن الوضع كان كارثيًا، حيث أن وحدة التحكم من الداخل فقط، اللعنة عليها وعلى صانعها وعلى الخصوصية المزعومة، ظل يحاول ويُجاهد ويصرخ باسمها وهو يتذكر ماضيه حين كان يصرخ فوق الشاطيء باسم زوجته، اليوم هو يفقد الأثر الثاني في حياته، يحاول ويصرخ ويضرب الباب بيده ويضربه بكل جزءٍ معدني أو خشبي، حتى غلب عليه اليأس فبكى..

بكى وهو يرجوها أن تستيقظ وتفتح الباب أو تكون أملًا له، مات قلبه من اليأس وحاربه عقله بالعملية والعقلانية، تكرر الماضي ولمح الركضات، الصرخات، الويل، البكاء، العزاء، الهروب، خشبة خروج زوجته، اللحد الأخير، تكررت المآسي عليه فانتفض وخرج يجلب آداة حادة وظل يكسر بها الباب من جهة وحدة التحكم حتى انفجرت وفُتح الباب اندفع كما المجذوب من عقله يحملها بأعصابٍ تالفة وذراعين مرتخيين حتى سقط على وجهه لكنه تحامل لأجلها.

أسندها على جسده وظل يربت فوق وجهها وهو يرجوها أن تفتح عينيها، يرجوها أن تفيق وتعود لأجله هو، بكى وهو يناديها ويحاول أن يستقيم بها:

_رحيق علشان خاطري ردي عليا، فتحي عينك طيب وبصيلي، بلاش تخليني أصدق إني وحش، والله ما كان قصدي، علشان خاطري.

ولا حياة لمن تنادي..
هو رجل المآسي والابن البار للذكرىٰ
هو الذي نجا من غرق البحر، 
فأغرقته اليابسة في همومها..
هو الذي يُعاقب على جريمةٍ لم يقترفها.

يتبع..

_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات...



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة