رواية جمعية حب الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم شمس محمد بكري


|| لا تستحق أن يغامر لأجلها ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

ليس من العدل أن يموت المرء مرتين…
وليس من العدل أيضًا أن يغرق فوق اليابسة بعدما ينجُ من الغرق في البحرِ، 
هذا الغريق الذي لم يستطع البحر ابتلاعه بين تيارات أمواجه، أغرقته الدنيا بهمومها فوق يابستها، ليس من العدلِ أن يموت المرء ألف مرةٍ وقاتله يحيا مستمتعًا بقتلهِ، فهؤلاء الذين نجوا من الموت غرقىٰ من المؤكد لازال مشهد الطوفان عالقًا في أعينهم.

    <"أن يموت المرء متألمًا أهون من ألمٍ بلا موت">

الموت بلا ألمٍ يُشبه اليأس بغير أملٍ.
يصعب على المرء أن يحيا الحياة فقط كي يتعلم الدروس ويأخذ العِبرة دون أن يُطبق كل ما تعلمه، كأنه في الحياة يتدرب على الاختبارات فقط دون أن يأخذ فرصة التطبيق لمَّ تعلم سابقًا.
تمامًا كما المُحارب حين يُجمع كل الأسلحةِ لكنه لا يُشارك فعليًا في نزالٍ واقعي..

انتفض "يحيى" وخرج يجلب آداة حادة وظل يكسر بها الباب من جهة وحدة التحكم حتى انفجرت وفُتح الباب، فاندفع كما المجذوب من عقله يحملها بأعصابٍ تالفة وذراعين مرتخيتين حتى سقط على وجهه لكنه تحامل لأجلها. أسندها على جسده وظل يربت فوق وجهها وهو يرجوها أن تفتح عينيها، يرجوها أن تفيق وتعود لأجله هو، بكى وهو يناديها ويحاول أن يستقيم بها:

_رحيق علشان خاطري ردي عليا، فتحي عينك طيب وبصيلي، بلاش تخليني أصدق إني وحش، والله ما كان قصدي، علشان خاطري.

ولا حياة لمن تنادي..
هو رجل المآسي والابن البار للذكرىٰ
هو الذي نجا من غرق البحر، 
فأغرقته اليابسة في همومها..
هو الذي يُعاقب على جريمةٍ لم يقترفها بحرمانٍ قاسٍ.

صلَّب جسده وتوقف بها ثم سحب مأزرها يُدثرها بهِ وسحب المفتاح وهاتفه وكل ما طالته يداه آنها، كان يتحرك كمن يُسابق الزمان، هرول بها في الرواق حتى ولج المصعد وخرج بها كتلة رياحٍ تهب فجأةً على الجهة المُقابلة، يركض وهو يتشبث بها وكل ما يشغله أن تبقى ابنته معه، أن يستمسك بالهدف الأخير الذي يُحييه هو، صورة الماضي دخلت مع الحاضر فتكونت صورة قاسية عليه في عينيه، صورة يخشى حتى تذكرها.

اصطدم أثناء ذهابه لمرآب السيارات في جسدٍ جعل صاحبه يلتفت ويُنبهه بقوله:

_ما بالراحة يا أستاذ، حد يجري كدا.

تجاهله ذاهبًا بتجاه سيارته وقد كان الآخر هو "منتصر" ومعه "عرفه" الذي دبَّ القلق في أوصاله فتحرك مهرولًا خلف الآخر يسأله بلهفةٍ أعربت عن قلقه واضطرابه:

_يا يحيى يابني حصل إيه بس؟ في إيه؟.

التفت له بعينين ضائعتين في سبيلٍ غير معلومٍ ونطق بضياعٍ:

_رحيق تعبانة شوية، هاروح بيها مستشفى.

لاحظ "عرفه" حالته وارتجافة يده وضياعه خاصةً حين اقترب "منتصر" بزوجته التي نظرت بهلعٍ للصغيرة ولمحت شحوب وجهها، بينما "منتصر" تدخل يلتقط المفتاح منه وقال بهدوءٍ:

_هات المفتاح هسوق أنا، أكيد مش هتقدر تسوق بحالتك دي.

تدخل "عرفه" يؤيد قراره ثم التفت لابنته يطلب منها الصعود مُجددًا وتحرك مع "يحيى" يدخله السيارة والآخر حتى لم يعترض أو يرفض أو يشكر، هو التزم الصمت وضمها لعناقه وظل يُدلك لها موضع نبضها، تذكر اللقاء الأخير مع أمها حين ودعته بداخل البحر وفلتت يدها عنه، اليوم هو الذي فلت يده عن ابنتهِ وهو حقًا تلك المرة الجاني.

صعدت "ورد" للأعلى بتعبٍ وهي التي منت نفسها بالنومِ حين تذهب لبيتها، لكن في هذا الحال لن تستطع الراحة حتى يعود "منتصر" ووالدها، طرقت الباب وقد فتحه لها "آدم" الذي عقد حاجبيه حائرًا بشأن عودتها وسألها مستنكرًا:

_رجعتي ليه؟ نسيتي حاجة؟.

حركت رأسها نفيًا وولجت وأغلقت الباب وهي تقول بتعبٍ حقيقي وإرهاقٍ بادٍ على ملامحها:

_لأ يا سيدي، بابا و منتصر راحوا مع أستاذ يحيى جارنا المستشفى علشان بنته تعبت، قالولي أطلع وهما هيوصلوه للمستشفى، ربنا يسترها البنت شكلها تعبانة أوي، هزعل أوي لو حصلها حاجة.

اندفع "آدم" يسألها بلهفةٍ قلقة حين عرف أن الأمر يخص الصغيرة:

_طب ماتعرفيش مستشفى إيه؟ على الأقل أكون معاه، هو برضه مالهوش حد هنا وأكيد هيحتاج حد يقف جنبه، بعدين أنا بحب "رحيق" وبزعل علشانها أوي، بحسها محتاجة ناس حواليها.

أدلت بعدم معرفتها أمر مكان المشفى فأخرج هاتفه يطلب رقم "عرفه" الذي أخبره أنهم في الطريق للمشفى الاستثماري القريب من المنطقة، ورُغم ارتفاع مصاريف هذا المشفى لكنها الأفضل في تقديم الخدمات الطبية، تحرك "آدم" يأخذ المال الذي كان قد تركه مع عمته وهو يقول بحيرةٍ:

_معلش يا عمتو عاوز الفلوس اللي سيبتهم معاكِ علشان هاروح بيها المستشفىٰ، ولا مش هيكفوا ولا إيه؟.

كانت عرفت الحوار الدائر بينهما فقالت بهدوءٍ:

_هيكفوا يا حبيبي إن شاء الله، أنا عديتهم لاقيتهم تلاتة وعشرين ألف وفيه فكة كدا مش مكلمين ٥٠٠ جنيه، خدهم ولو احتاجتوا خدوا، ربنا يباركلك يا حبيبي ويجعلهم فكة في إيدك.

أخذ الأموال منها وسحب سُترته يرتديها فوق قميصه بعد أن كان يستعد للاستحمام والنومِ، لكن صورة "رحيق" تحمل منه جزءًا لم يعرفه أحدٌ، في الأغلب هو جرَّب كل مشاعرها القاسية، لكن قصته أبدًا لم تكن بقسوة قصتها هي، هي قصتها تحمل مآسي أكبر من قدرة التحمل، بالأخصِ لو قدرة طفلة صغيرة بعمرها.

نزل من البيت يقصد الطريق للمشفى بسيارتهِ حتى لحق بهم بعد عشرين دقيقة بالتقريب، وقد وصل لهناك فعلم أن الفتاة تم أخذها من الطاقم الطبي لتلقي الرعاية الصحية الأولية، ووقف هو بجوار "عرفه" و "منتصر" الذي بدا الإرهاق جليًا فوق ملامحه بسبب الوقوف والمساعدة في حفل الزفاف والإكمال ها هُنا.

كان "يحيى" في وادٍ غير الوادي، في الأغلب هو بداخل كهفٍ معتمٍ، نسىٰ نفسه والعالم من حولهِ وأصبح كل ما يعرفه فقط صورة الضياع، صورة الفقدِ لكل من يُحب، صوت زوجته وهي توصيه على الابنة تكرر في مسامعهِ، ولأول مرةٍ يدري أنها مُحقة، صوت "حسين" عمه تكرر وهو يُلقي عليه اتهامه بالطيش والفشل وأيضًا رأى أنه معه الحق كاملًا، جميعهم كان يدروون وهو لا يدري، لذا إذا خرجت حية تُرزق من هُنا سوف يُعيدُها لمدينة الغردقة، يكفيه أن تحيا بسلامٍ؛ ولو بدونه حتى.

وقف بجوار الغُرفة يُثبت عينيه على الباب وهو يشعر أن روحه مُعلقة بالداخلِ، يشعر أن جزءًا من قلبه يقبع بين الجدران القاسية هذه فيُعذَّب قلبه هو، يشعر أن روحه تُنحر ويُقتل بالبطيء بسكينٍ ثالمٍ يُعذبه قبل الموتِ، هو حزين، مقهور، وحيد، هو الذي نجا من شر البحرِ ولم ينجُ من شر اليابسةِ..

بعد مرور نصف بالتقريب قد يكون أقل أو يزيد..
خرج الطبيب من الغُرفة بملامح آسفة وتنهد حين بدأ الحديث بقوله:

_للأسف النوبة اللي حصلت سببت صعوبة كبيرة في النبض مع انخفاض الأكسجين في المكان سبب صعوبة أكبر في التنفس ودا اللي خلاها تتخنق ولولا ستر ربنا والباب اتفتح في الوقت المناسب كان ممكن لا قدر الله القلب يقف خالص، هي حاليًا هتاخد جلسة أكسجين وهنتطمن بالأشعة إن الخبطة مأثرتش ولا سبب أي أثر، ربنا يطمنك عليها.

نقطة الصفر في حياته تُشبه الحُفرة العميقة..
كُلما جاهد وتمسك وتشبث بجدرانها حتى يصل لحوافها بعد خروج لحم أظافرهِ، يجدها تلفظه بداخلها من جديد على ظهرهِ فينكسر وتُقصم معها رقبته، ياليته كان غرق بالبحرِ لكان أهون عليه من الغرق في حُفرةٍ جافة تخنقه برمادها.
____________________________________

  <"حين يخذلك العالم، لن تجد إلاي أنا يخذل العالم لأجلك">

قد لا نحتاج أن ننتصر على العالم بقدر ما نحتاج أن نجد من يؤازرنا في هزيمتنا، قد لا نحتاج لهذا الاحتفال الصاخب عندما نربح، لكننا بالطبعِ سوف نحتاج لكلمة طيبة، نظرة حنونة، طيب المعشر حين يصفعنا العالم بغير رحمةٍ..

عاد للبيت متأخرًا بعد إتمام الليلة وإنهاء كل شيءٍ، كما سبق ووعده قبل القطيعة بينهما نفذ وعده، لقد تولى "حلمي" شؤون ليلة رفيقه، كان هو الذي يستقبل الناس ويُرحب بهم ويدعوهم للدخولِ، ثم يقوم بالإشارة نحو الطاولات التي تحتاج لواجب الضيافة والكرمِ، حتى تحرك بسيارتهِ ووصل معه لعند البيت ثم عاد من جديد لشقتهِ..

وفي البيت سئمت هي عودته مبكرًا وملت الجلوس وحدها كأنها أسيرة بين الأربع جدران، لكنها تحددت مللها، لجأت للعادة التي تحبها منذ صغرها، تفتح شاشة التلفاز تستأنس بها ثم تفترش فوق الأرض ببساطةٍ وتُدثر نفسها بلحافٍ ينعكس على جسدها الدفءِ، صنعت لنفسها مشروبًا دافئًا (أوراق الزعتر بالنعناع) وجلست باسترخاءٍ.

وصلها صوت قلقة المفاتيح فتنهدت وهي ترفع رأسها نحو الباب ليظهر هو مُبتسم المحيا، ملامحه تسرد عن الانبساط والسعادة، فيما عاتبته هي بعينيها لتأخره فوجدته يخلع الحذاء ثم اقترب ومال يجاورها مستندًا على مرفقهِ وهمس بخفوتٍ:

_مساء العسل والروقان والجمال، مين العسل؟.

نظراته لم تكن من قبل بهذا الصفاء، وباله منذ زمن لم يكن بهذه الحالة، وهي تحاول جاهدةً الصمود أمامه لكن بسمتها تكاد تفضح أمرها حقًا، جاهدت لا يُكشف أمرها فاعتدل يراقب الوضع حولهما وسأل بسخريةٍ لم تخلُ نبرتها من مرح الحال:

_طب ليه يا بنت الناس نايمة على الأرض هنا؟ ما عندك أرضية المطبخ حلوة، ولا الحمام حتى علشان الرطوبة، دا أنتِ غريبة.

ضحكت هذه المرة على طريقة سخريته وهو يهز كفيه نفيًا واستعراضًا على فعلها، جلجلت ضحكتها لكنها تجاهلته ثم أمسكت جهاز التحكم وهي تُثبت عينيها على الشاشة فيما راقبها هو بعينين مبتسمتين، رُبما اليوم يراها بلا عُقدة الذنب التي يلتف حول عُنقهِ، رُبما هي اليوم له بلا قيودٍ وخوفٍ وتأنيب ضمير، لقاء الرفيق المفضل أعطاه دَفعة ليُكمل الحياة.
ينقصه فقط رؤية أمه والاطمئنان وسوف يكون كما الملك على أرضهِ.

مد كفه يُزيح الخصلات التي غطت جانب وجهها من ناحيتهِ ثم اقترب ولثِّم وجنتها حتى أجفل جسدها فجأةً، سارت قشعريرة في بسبب دفء جسده على برودتها وكأنهما التناقض بأم عينيه، بينما هو عاد يُطالعها مُجددًا وسألها بمزاحٍ:

_هتفضلي نايمة هنا؟ الجو برد.

جاهدت لإظهار صوتها ونطقت بثباتٍ كاذبٍ:

_مرتاحة هنا، مش عاوزة أنام جوة.

حسنًا فليشاركها اليوم في جنونها، لذا خلع سترته وألقاها على الأريكة خلفه ثم دثر جسده بجوارها متجاهلًا نظراتها المندهشة فيما نام هو وسحبها بقربها حتى وضع رأسها فوق عضلات صدرهِ وتنهد وهو يقول بصوتٍ بدا الإرهاق يظهر عليه بوضوحٍ:

_هنام جنبك هنا النهاردة، فين ما تروحي هتلاقيني، تحبي ننام على السلم برة؟ المهم تكوني مرتاحة ومش حاسة إني بجبرك على حاجة.

ابتسمت لأنه حنونٌ للغاية عليها، لا يُساير الحياة ضدها، بل يُسايرها هي ضد العالم لأنه قد يكون لمح ما لم يعرفه فيها غيره، تتعجب كيف بالزواج منه أصبحت أكثر هدوءًا، أكثر اتزانًا، أكثر عقلانية، أكثر تعاطفًا مما سبق، كأنه روض الوحش الذي بداخلها، لذا مدت يدها تضعه فوق كتفهِ كأنها تعانقه وسألته بنبرةٍ هادئة للغاية:

_اتبسطت النهاردة؟.

ياليتها ترى قلبه بعينيها لتعرف كيف هو أثر الليلة عليه، بغضِ الطرف عن الجزء الحزين بنبضه بسبب قلق "أدهـم" من عناقهِ واضطرابه الذي وصله، لكنه حقًا يكفيه ما حدث اليوم، رفعت عينيها ترى اختلاط المشاعر فيهما فتيقنت أن هناك ما أحزنه اليوم، لذا بدلت الجمود الذي بداخلها لحنانٍ حين سألته:

_حصل حاجة خليتك تضايق؟.

الاهتمام في صوتها جعله ينتبه حقًا أن هناك ما أحزنه، لكنه زفر بقوةٍ وحرك عينيه يستقر بهما عندها وقال بهدوءٍ امتزج بالحيرة:

_والله ما عارف أنا اتضايقت من اللي حصل ولا من نفسي ولا إيه السبب بس أكيد إن مش زي الأول، دلوقتي أحسن بكتير.

حركت رأسها موافقةً وشردت من جديد في اللاشيء، أو قد يكون الشيء معلومًا حيث أنها كانت تفكر في زواجهما وفي الطريقة التي حدثت وأحدثت معها الكثير، وفي ثباته وجهاده ونضاله لأجلها، ورُغم ذلك لا زال ينتابه شعور الخيانة، خيانة زهيدة الثمن لرفيقٍ أغلى من العمرِ.

_قوليلي يا لمار لو الزمن رجع بينا تاني رغم إن دا مش هيحصل بس بقولك لو رجع وجالك فرصة تختاري هتختاري مين؟.

داهمها بالسؤال كما اللص الخبيث حين يحبو على أطرافه كي لا تراه وهو يسرق منك أعز ما تملك، وها هو ينتزع صفاء ذهنها وشرودها فيه بسؤاله، طال الصمت بينهما فبتره حين سأل مُجددًا:

_سؤالي صعب ولا إيه؟.

اعتدلت هي تواجهه وقد استندت على مرفقها وردت على السؤال بآخرٍ غيره لكن نبرتها شبه متحفزة للجدالِ معه:

_إيه؟ ناوي تستغنى عني خلاص؟.

_أنتِ عارفة إن دا مستحيل يحصل لو على رقبتي، أنا بس بسألك من باب العلم بالشيء، أنتِ فعلًا حبتيني للدرجة اللي تخليكِ تختاريني أنا كل مرة؟.

حين جاوبها قد كانت ناوشت البسمة وجهها وملامحها واتضح ذلك في ضي عينيها، خاصةً حين مررت كفها عند وجهه تقوم بفك عبوس جبينه وعقدة ملامحه وهي تقول بنعومةٍ أثارت مشاعره:

_لو من الأول كان بأيدي اختار كنت هختارك أنتَ وماكنتش حتى هشوف غيرك، زي ما أنا واثقة إنك ماشوفتش غيري، مش عارفة هتفهمني ولا لأ بس أنا حاسة إني ماينفعش ليا غيرك يا حلمي، لما عاشرتك وبقيت مراتك وليك عرفت إني مش هنفع مع حد غيرك ولا حد غيرك هينفعني.

لا يعلم هل هو سعيد الحظ اليوم أم أن خصومته مع الأيام انتهت؟ كل ما حدث معه منذ صباح اليوم يقوده للسعادة المُفرطة، يكفيه في كل اليوم عناق "أدهـم" وبسمته الأخيرة التي أهداها له قبل أن يلِج داخل البناية، وها هي تختم زوجته اليوم بمكافأةٍ لا يُصدقها، لطالما كان يشعر أنه لا يستحق العيش، لا يستحق الحياة، حتى تغادره كل الأشياء التي يُحب.

حرك رأسه نحوها فوجدها تندس في عناقهِ وعيناها ثابتتان على التلفاز بكل شغفٍ، كان يُراقبها وهي تتفاعل مع الفيلم المعروض وتعابيرها تتبدل بين الحين والآخر وكأنها ترسم ذهولها واندهاشها بما ترى بعينيها فوق ملامحها. حرك كفه يقربها من أكثر وسألها هامسًا بخفوتٍ:

_يعني نومة الشحاتين على باب السيدة دي مش هتخلص؟ ما تقومي يا ست بلاها النوم اللي يُقطم الضهر دا.

عاندته حين يبست جسدها وثبتته وقالت بتحدٍ أكبر:

_لأ عاوزة أنام هنا، قوم نام جوة لوحدك ماتنكدش عليا.

زادت بسمته توسعًا ثم ضمها لعناقه يُبعدها عن التركيز بالشاشة حتى ضحكت قبل أن تغضب بسبب يده التي امتدت لخصرها وتشبث بها ثم جعلها تواجهه حين ألقاها فوق جسده ونطق بصوتٍ بدأ الإرهاق يظهر عليه:

_أنا تعبان وهلكان من الصبح، يا تعطفي عليا وتنيميني يا تخليكِ مع الفيلم الحمضان دا وفي الآخر البطل هيموت وينكد عليكِ، يبقى ليه؟ ما تخليكِ شوافة وشوفي البطل اللي قصادك وعنده استعداد يجيب آخر المعركة لحد آخرها علشانك.

ابتسمت من التشبيه وسخريته خاصةً وملامحه تصرخ مطالبة بحقها في النوم والاسترخاء، لذا اعتدلت بجوارهِ ثم ضمته حتى أصبح كما الصغير الذي تحتويه أمه بين ذراعيها، مسدت فوق رأسه حتى أحست بذراعيهِ يرتخيان فوق خصرها وبدأت أنفاسه تثقل، كأنه غامر بحياته في الخارج وأتى لمأمنهِ كي يحتمي فيه ويلجأ إلى جُدرانه كي تستر عُريه.

هي وفقط له، وهو وحده بالكلِ لها
وقد كان هذا هو ميثاق حياتهما معًا.
____________________________________

     <"وإن كان الزمان قد جار عليكِ، لا بأس أنا قادمٌ">

يوم أن رغب قلبك في الرفيق كنت أنا..
ويوم أن دبَّ الخوف في قلبك كان هازمه أنا، 
ويوم أن رحلتِ وتغربتي عن دنيانا كان المهزوم من رحيلك هو أنا، ويوم أن عُدتِ من جديد لم تُغربِ عنكِ من بين العالم غيري أنا، وأنا وقلبي نسألك هل هان الذي يومًا بيننا كان؟ 
أم أنكِ في غُربتي نسيتي من أنا؟.

مرَّ الليل ولم ينتهِ، انشقع الفجر والأوضاع بين انتظامٍ واطرادٍ، لم تسِر الأوضاع بثبوتٍ وإنما كانت تتبدل وتتغير، أو تقف بسبب الخوف، رُبما، ففي المشفى كان "يحيى" طمر خوفه بين خلجاتهِ إذ بدأت ابنته تستعيد وَعيها وفتحت عينيها لتبحثان عنه، تفتشان عن الوجه الوحيد الذي تعرفه في غُربتها، كان بعيدًا في نهاية الغرفة بداخل الشُرفة يدخن بشراهةٍ، لمحت دخانه الرمادي وكادت أن تُناديه لكن صوتها عجز!!.

هي لازالت بكماء لم تستطع التحدث، ولازالت عيناها تحتفظان بالصورة القاسية لنهاية الأمِ، كأن الصورة لم تبرح عقلها قط، أتظنون أن رؤية نصف وجهٍ مأكولٍ من السمك بأمرٍ يسير؟ كيف ذهب صوتها فقط؟ كيف لم تذهب الروح كلها إثر هذا الحادث الأليم؟ خشيت حتى أن تُغمض عينيها كي لا يتكرر مشهد الماضي، ومشهد الأمسٍ أيضًا. ثبتت عينيها على ظهر "يحيى" وكأنه الدليل على أمنها.

في الداخل حيث الشُرفة الواسعة كان ينتقم من لُفافة تبغهِ، يقسو عليها بشفاههِ كمن لايجرؤ على الفعل في الواقعِ، عيناه شاخصتان بعيدًا، بعيدًا جدًا، حيث مرمى البحرِ السرمدي بلا نهاية، يُعيد قراره مرة وثانية وثالثة حتى المئة، سوف يُعيدها للعائلةِ ترعاها ويتركها بسلامٍ للعائلة، هُم أحق وأولىٰ بها..

ولج "آدم" في هذه اللحظة الغرفة بذاتها بعد أن دفع مصروفات المشفى واعطاه الطبيب أمر الخروج عصر اليوم بعد إتمام جلسة تنفس أخرىٰ، راقب الصغيرة بحزنٍ فلمحها واعية، عيناها مفتوحتان شاخصتان بعيدًا عن كل شيءٍ، اقترب منها مبتسمًا ثم مد كفهِ يمسح على خصلاتها وغُرة جبينها ثم مسد فوق كفها وهمس بخفوتٍ موضع الإبرة الطبية:

_بتوجعك؟.

حركت رأسها توميء له بإيجابٍ جعله يُمسد فوق كفها حتى أغمضت عينيها وهي لا تجرؤ على الألمِ، تركها وحدها واتجه حيث موقف "يحيى" وحمحم يجذب أنظاره وما إن تلاقت الأعين بارد بالحديثِ قائلًا:

_الدكتور قالي إنها ممكن تخرج بعد العصر كدا بس لما تاخد جلسة كمان علشان النفس يرجع طبيعي، طبعًا مع التأهيل النفسي في البيت والتدريب واحدة واحدة نفسيًا علشان الموقف مايسببش أي ضرر ليها ويخليها تخاف بعد كدا، متقلقش هتكون بخير.

أومأ موافقًا وأطفأ سيجاره ثم استقام في وقفته وتمتم بخفوتٍ مبحوحٍ كمن تثور مشاعره بضياعٍ في عُمق البحرِ:

_شكرًا، معلش تعبتك معايا، عارف إنك بقالك فترة تعبان ومضغوط أكيد علشان الفرح، إن شاء الله في الفرح أرد جمايلك دي كلها، مع إن مفيش حد ترد اللي ليكم عندي.

كان "آدم" يشعر بثقل روحه وصعوبة الحديث لذا تنهد وهو يفتقد لكل معنى المشاعر هو الآخر، هو مصاب بداء الشُحِ في التعبير والمواساةِ، وقد تكون "عُـلا" هي الوحيدة المُستاثناة من هذا القبيل، لذا أومأ موافقًا ثم ترك له الأوراق الخاصة بالمشفى وحالة ابنته واستأذن منه بالرحيل، كان يشعر أنه فقد زمام السيطرة على نفسه وجسده وسوف يسقط على بُعد أمتار قليلة.

غادر الغرفة وترك فيها "يحيى" وحده صريع الفكر والهوىٰ، يتخبط بين أمواجٍ قاسية وبين يابسةٍ أكثر قسوةً، بين الأمرين عاد من جديد للغرقِ، التفت بجسده يراقب ابنته فوجدها غافية بعدما غلبها النوم وقد يكون هناك دواءً أثّر عليها حتى نامت هكذا، جلس على سور الشُرفةِ وسحب سيجارًا يُدخنه وبداخله يبتسم بسخريةٍ على حالهِ، ابنته تنام والقناع الطبي الشفاف يُلاصق وجهها وهي تُحارب لأجل التنفس.
وهو…هو يُلوث أنفاسه بدخانِ السجائر كأن حياته لم تعد تشكل فارقًا له.

****

في بناية "الشيمي" خاصة حيث شقة "أدهـم".
مُنبه صلاة الفجر طفق يُعلن عن قُرب الصلاةِ، كانت "عُـلا" مستيقظة بالفعلِ، فرقت جفونها بثقلٍ وتنهدت حين تذكرت ما حدث وكيف هدمت الليلة فوق رؤوس أصحابها، رفعت جذعها بثقلٍ وفتشت بعينيها حولها لتجد كل شيءٍ كما تركته، لم تكن عروسًا كما غيرها، لقد دمرت كل الخيالات ولم تفكر بغير نفسها..

لكن مهلًا هل أعطيتموها بعض الأعذارِ؟.
هي فتاة وحيدة حُكِمَّ عليها في الصغر بحكمٍ من قاضٍ أن تُحرم من العائلة والدفء، كبرت وحيدة، منبوذة بين الجميع، لم يكن لها أختًا حتى ولا عائلة، هي فتاة ضحية التعنيف والاستغلال، كانت تتلقى الضربات من زوجات أعمامها، يقسوون عليها جميعهم، كُلما ضايقها أحد الصغار في العائلة وتشكوه يأتيها الرد بنفورٍ وزعيقٍ عالٍ في وجهها:

_"غوري في داهية يا بت مابقاش غيرك ما معفنة أنتِ اللي تطولي إيدك ولسانك علينا في بيتنا؟".

هي كبرت على هذه الاتهامات وهذا الكلام؛ فكيف لها أن تأمن على أحدٍ غير نفسها؟ حتى حين كبرت عملت بالمشفى ورأت بأم عينيها حالات الاغتصاب الزوجي، رأت النساء المُنهكات باسم الزواج والحُب، لازالت تتذكر تلك العروس التي أتت ليلة زفافها متوفاة بعد نزيفٍ داهم جسدها وانفجرت به خلاياها بعد اعتداءٍ من زوجها، الفتى الغَّر، هي كل ما تحفظه عن الزفاف والزواج مجرد ذكريات مأساوية لنساءٍ كُنَّ ضحايا باسم العلاقات الزوجية.

خلعت الفستان ونزعته عن جسدها كي تلتقط أنفاسها ثم تنهدت بقوةٍ وهي تسحب منامة محكمة الإغلاق تخفي بها جسدها، جلست بعدها بعدما توضأت وتجهزت للصلاةِ فبدأ تفكيرها ينحنيّ لمساره هو، ماذا عنه؟ ماذا عن مشاعره كرجلٍ؟ ماذا عن شابٍ كان يستعد لليلةٍ ابتغاها بحلال ربه؟ كيف هدمت البيت فوق رأسه بهذه الصعوبة؟ ياليت الحديث معه كان سهلًا كما تظن هي أو يظن هو، ياليتها كانت تملك قلب "عُـلا" القديم الذي كان لا يعرف إلا "أدهـم" فقط كي يتحدث إليه.

حسنًا سوف تُصلح ما أفسدته، سوف تتحدث معه بصفته الزوج والشريك _حاليًا حتى ترسو_ سوف تخبره عن مخاوفها وأنها لم تعتد قط على تواجده واقترانها به، هي خائفة من مجهولٍ والغريب لم تجد مأمنًا غيره.
هي هُنا منذ شهرين فقط وهذه لم تكن فرصة كافية كي يعتادا بعضهما بعضًا، لذا تركت الغرفة بحركةٍ هوجاءٍ ووصلت لعند غُرفته كأنها رأت ماردًا أسود اللون في الزاوية، هرولت لمكانه وتمنت لو أنه أغلق الباب كي تُبريء ذاتها في عين نفسها.

لقد ترك الباب مفتوحًا كأنه كان ينتظرها..
رُبما ساقّه الأمل كما تحكم فيها الهلع والخوف، ولجت الغُرفة تبحث عنه فلم تجده، لكنها وجدت بذلة الزفاف مُعلقة والفراش كان فارغًا منه، عقدت حاجبيها بخوفٍ وتحركت تبحث عنه، حين فشلت في إيجاده عزمت أمرها بالمغادرةِ وما إن التفّت وجدته قبالتها فانفلتت منها صرخة خائفة.

كانت هلوعة وجزوعة نصب عينيه وهي ترجف بشكلٍ أثار حفيظته حتى ابتعد عنها تاركًا مساحة كافية تفصل بينهما وهو يسألها بجمودٍ غير مقصودٍ:

_إيه اللي جابك هنا؟.

كأنه يتهمها مثلًا أو هي في عين نفسها تُشبه القطة التي ذهبت تُراوغ أسدًا في مضجعهِ، ارتبكت عيناها ونكست رأسها للأسفل تبحث عن جوابٍ، كيف تخبره أنها خافت كما تخاف كل ليلةٍ؟ كانت في الإسكندرية تذهب لعناق "ياقوت" تحتمي به، ومنذ أن عادت كانت تسهر وتجلس رفقة "آدم" حتى تنام، لكن اليوم؟ هو وحده فقط الذي هُنا.

طال صمتها أمامه ورأسها مُطأطأ لأسفلٍ، كاد أن يلمسها لكنه ابتعد قبل أن تنفر هي، أعاد السؤال بتصلدٍ يشوبه اللين عن السابق:

_محتاجة حاجة؟ ولا إيه اللي جابك؟ جاية تختبريني ولا إيه؟.

لا تعلم هل هو يمازحها، أم يسألها، أم يُقر بما لم تنتويه؟ رفعت عينيها بسرعةٍ تواصل المُقلِ وقالت بارتباكٍ وهي وشك البكاء:

_لأ، والله مش نيتي، أنا بس بس..

زفر مختنقًا من المكان ثم نطق بثباتٍ وقال بهدوء حاول جاهدًا رسمه فوق ملامحهِ:

_أعملي اللي تعمليه، أنا نازل أصلي الفجر، اتطمني أنا بفهم في الأصول ومستحيل أضايقك، لو عاوزة تنامي هنا براحتك أو في أي مكان تاني، بس ماتنسيش تصلي قبل ما تنامي.

راقبته بحزنٍ جمٍّ، عيناها فاضتان بكل حزنٍ وهي تراقبه يتحرك ويسحب سترته الشتوية يرتديها فوق القطعة القطنية البيضاء وما إن راقبته طاف الحزن بعينيها الخجولتين، ثم رمت الحديث كأنها تخشى عودته داخل جوفها:

_على فكرة أنا ماكنتش عاوزة أضايقك في يوم زي دا، بس أنا خايفة ومش عارفة من إيه، راعي خوفي وأديني فرصة بس أتعود على حياتي معاكم ووجودي هنا، سيبني أرجع تاني لحياتي اللي اتسرقت مني، من غير خوف وقلق وتفكير.

كان بالفعل تحرك صوب الباب لكن كلماتها أوقفته وهو يوليها ظهره، فكر في كلماتها ولأول مرةٍ ينظر للأمر بالعين المُجردة، منذ صغرها وهي تخشى كل شيءٍ، كانت تحيا في عالمها الخاص؛ فكيف يُقحمها هكذا لعالمه الجديد؟ التفت لها يراقب رجفتها كما ورقة في مهب الريح وأشفق عليها لوهلةٍ، لكنه نطق أخيرًا مذكرًا إياها بالذي قد كان:

_في يوم من الأيام دخلتي البيت خايفة وعينك بتجري في كل مكان وأنتِ ماسكة في أمك الله يرحمها وخايفة حد يقرب منك، ووقتها جيت أنا وفضلت معاكِ لحد ما اتعودتي عليا ومكانش فيه غيري بيفهمك ويعرف أنتِ عاوزة إيه، لأول مرة دلوقتي أحس فعلًا إني مش فاهمك، طب رضيتي من الأول ليه؟.

سألها ولأول مرة يباشرها بالسؤال فنبست بخوفٍ كان الوجع هو أسمىٰ أسبابه:

_علشان خايفة، خايفة من كل حاجة ومش بأيدي يكون الخوف هو الحاجة الوحيدة الثابتة اللي مابتتغيرش، خوفت أضيع منكم تاني، قولت يمكن دي الطريقة الوحيدة اللي تضمن وجودي معاكم، يمكن أنانية مني بس مكانش عندي حلول تانية، اتكتب عليا أدخل حياتك وكل مرة بسبب الخوف.

صارحته ولم تخفِ عنه أي شيءٍ، رُبما حديثها هذا يجعله ينفر منها ويراها مجرد شخصية استغلالية انتهزت الفرص وامتهنت صدق مشاعره كي تؤمن نفسها، لكنه لم يرْ هذا كله، كل ما رآه فقط أنها "عُـلا" الخائفة التي تلِج سُبله مُرغمة، مُرتاعة، خائفة، تبدلت نظراته في ثانية واحدة وتفوه بثباتٍ لا يتزعزع:

_وأمانك من دلوقتي بقى معايا أنا يا عُـلا.

نطقها حاسمة، قاطعة، لا تقبل الشك.
جميلة بسيطة بعثرت الفوضى بداخلها، جملة واحدة تُقسم أنها لم تسمع مثلها قط في الحياة بهذا الحنو والأمان والاستبسال.

 تحرك من المكان بينما هي فتذكرت الحكاية القديمة التي سردها لها "توفيق" حين كانت تجلس في عناقهِ، سرد لها حكاية عن الطير السجين الذي ظل في القفص حبيسًا وهو يتوهم أن الطير جريمة، والأجنحة هذه هي السلاح غير المُرخص له حيازته، فكان يتوارى كما المُجرم بداخل القفص، حتى يوم أن فُتِح له الباب توهم أن الحُرية هي الجريمة الكبرىٰ وسرعان ما تردد حديثه حيث نطق:

_"خليكِ زي الطير يا عُـلا، وأول سجن تخلصي منه إنك تكوني خايفة من حاجة أو من حد، ماتخليش حد يخوفك ويكسر فيكِ حاجة."

ياليته كان هُنا ليرى بعينيه كيف آلت بها الأحوال
وكيف تحكم بها الخوف؛
حتى أن أول من جارت عليه كان ابنه هو الذي ضُرب برياح خوفها وهو الذي كان يأمن من بردها في سربه.
____________________________________

 <"فيَّ جزءٌ يرغب في العودة لماضيك أنتَ، كي اثأر لك">

أغسطس 1998..

بعض الحكايا إن ظلت مخبوءة يعد أمر تخبئتها جُرمًا.
لا يجب أن يظل المجرم فيها مُرفعًا ذي شأنٍ عالٍ كما يرسم أمام الناسِ، يتوجب عليك توجيه أصابع الاتهام له والإشارة نحو جُرمه كي يعرف الناس أن هذا المظلوم الذي يصرخ هنا وهُناك هو الظالم بذاته.

تحدد موعد الخِطبة بالاجبار والإلزام للطرفين، شهرٌ مرَّ منذ أن التقيا سويًا مع بعضهما، ورُغم محاولات "رئيفة" في ردع والدها لكنه حسم الأمر، حدد الموعد للخطبة، بمجيء أفراد العائلة ذو الشأن العالي، وحضور بعض القادات والسُلطات في مختلف الجهات السياسية والسيادية في النظام السياسي القديم.

بداخل قاعة تابعة لأحد نوادي القوات المسلحة تمت مراسم الخطبة، والعجب كله في العروس، وحيدة بغير أصدقاء أو صديقات، بغير عائلة أو أي فردٍ قريب منها، كانت وحيدة بين الناس بسبب السجن الذي فرضه عليها أبوها، على عكس "طاهر" الذي أتى بجيشٍ من الرفقة والأصدقاء والمعارف حتى أنه أشفق عليها، لمح عينيها الحزينتين بانكسارٍ، فمال يهمس لها بسؤالٍ غريب:

_ماعزمتيش صحابك ليه؟ القاعة كبيرة والمكان كبير.

دارت بعينيها بخجلٍ من موقفها ونطقت أخيرًا بضياعٍ:

_ماعنديش صحاب أعزمهم، للأسف هو قافل عليا من بدري ومانعني عن كل الناس علشان خايف أكسر قوانينه أنا كمان، فكسرني أنا أهوَن عليه من كسر كلمته وقواعده.

أشفق عليها حين لمحها بهذا الرضوخ، فليس من العدل أن تكون فتاة مثلها بهذا الانكسار والخضوع أمام والدها، يبدو أنه كسر فيها الكثير حتى لم تعد تملك القدرة على ترميم نفسها، أراد أن يتحدث معها ويخبرها أن تعتبره الصديق المفضل منذ اليوم لكنه خشى من تفكيرها، لذا عاد للصمت.

خارج القاعة كانت تصف سيارة "توفيق" الرمادية وقد طافت "فريال" بعينيها وهي تحمل ابنها الصغير فوق ساقيها، وما إن وصلت دبَّ الخوف في قلبها وارتجفت وهي لا تعلم رد فعل "داغر" إذا لمحها ولمح زوجها وابنها أيضًا.

ترجلوا من السيارة فتحرك "توفيق" يمسك كفها وشدد آزرها حين نطق بصوتٍ دافيء يحثُها على الاستكمال:

_يلا أنا معاكِ يا فريال، مستحيل يقرب منك في وجودي ووجود الناس اللي جوة دي كلها، يلا علشان تكوني مع أختك.

ابتسمت له وهي تُحرك رأسها موافقةً ثم ولجت معه تمسك يده وهو يحمل ابنه بذراعهِ الأخرىٰ حتى وقفا عند مدخل القاعة فلمحت أختها تجلس بجوار "طاهر" الذي لم تعرف عنه أي شيءٍ هي الأخرىٰ، ولج بها "توفيق" وفي هذه اللحظة لمحهما "داغر" معًا، وقعت عيناه على كفيهما المتشابكين وعلى الصغير الذي يستقر فوق ذراع والده فتوسعت عيناه بجحودٍ.

قطع المسافة واقترب يقطع عليهما الطريق وهو يسأل بقسوةٍ:

_إيه اللي جابكم هنا؟ بأي صفة وعين جالك حق تدخلي؟.

علا نبض قلبها وازداد الرجيف وهي تقبض فوق كف "توفيق" الذي تولى الحديث بثباتٍ وقال بتحدٍ هو الآخر:

_جاية بصفتها أخت العروسة ودي حقيقة مش هتقدر تنكرها، بعدين طول عمرك بتخاف من الشوشرة والفضايح عاوز تفضح نفسك قدام الناس دي كلها؟ احسبها بالعقل وخليها تدخل تقف مع أختها بدل ما أنا اللي أعمل فضيحة قدام الناس دي وأقولهم داغـر بيه سيادة المستشار الحربي متبري من بنته.

لمح "داغـر" التجبر في عيني "توفيق" وهو يتعجب كيف لم يقع بأي فخٍ ينصبه له؟ كيف لازال واقفًا أمامه ويزداد تشبثه بابنته أكثر؟ انحنى جانبًا يسمح لها بالمرور دون أن ينطقها، ثم وقعت عيناه على الحفيد الأول له، تابعه بعينيه فوجده نسخة من ملامح والده، لوهلةٍ رق قلبه ومد يده وكاد أن يلامس الصغير لكنه أزاح كفه حين تذكر أنها كسرت قوانينه وخالفت أوامره.

هرولت "فريال" بين الحاضرين تتخبط بأكتافهم حتى وصلت لاهثة لأختها التي انتبهت لها فانتفضت من مجلسها بعينين باكيتين، بكت كلتاهما وخاصةً "رئيفة" وهي تسألها بصوتٍ مخنوقٍ إثر العبرات المكتومة:

_أنتِ جيتي علشاني؟ جيتي إزاي مش خايفة منه؟.

حركت رأسها نفيًا وقالت بثباتٍ وهي تحاول ألا تنهار:

_حتى لو خايفة بس خوفي مش هيمنعني منك، حقك عليا إني مش معاكِ من الأول وماكنتش جنبك في يوم زي دا، غصب عني يا رئيفة والله، غصب عني إني ماكنتش جنبك وأشوفك عروسة زي القمر.

ارتمت عليها "رئيفة" تعانقها بقوةٍ وتتشبث بها وقد ضمتها "فريال" هي الأخرى تمسح فوق ظهرها برفقٍ وبِحمية أمومية انتبهت لـ "طاهر" وأوصته على شقيقتها باكيةً بقولها:

_خلي بالك منها وبلاش تكسرها، إذا كانت هي سلمت ليك فدا علشان هي مش هيكون ليها غيرك، وشكرًا لموقفك بجد إنك كلمتنا وعرفتنا، ربنا مايخيبش ظني فيك.

ابتسم لها "طاهر" يرفع عنها الحرج وقد اقترب منهم "توفيق" الذي يحمل ابنه وقد صافح "طاهر" ومد يده يشكره مبتسمًا كونه تواصل معه ودعاه لحضور خطبته، راقبهم "داغـر" بعينين قاسيتين، وما إن تلاقت عينه بعين "رئيفة" أدركت أن يوم خطبتها هو نفسه يوم مقتلها.

انتهت الخطبة ورحلت "فريال" مع زوجها وابنها بعدما ودعت أختها وسارت خلفها بالسيارة حتى بيت أبيها، البيت الذي طُردت منه وتغربت قبل أن يقوم بتكثيف الحراسة المُشددة على البيتِ، رحل "طاهر" مع عائلته لكن نظرات "داغر" لخطيبته لم تُريحه البتة، كان يعلم أنه رُبما ينفجر فيها، إنسانيته تحكمت فيه حتى أنحنى تفكيره لمنطقتها الخطرة.

في داخل البيت بعد رحيل العائلة والمعارف انفض البيت عليها برفقة أبيها، كانت في غرفتها تنزع الفستان الذي كانت ترتديه ثم خلعت الحُلي وكادت أن تخلع الحلقة الذهبية التي تتوسط كفها لكنها شردت بها، ضمتها تستشعر ملمسها ثم تنهدت بقوةٍ وهي تنصرف عنها، وقد فُتِح الباب فجأةً حتى ارتعدت أوصالها حين ولج "داغـر" واقترب منها يقبض على مرفقها وهو يهدر:

_أنتِ بتكلمي فريال يا رئيفة؟ مش حذرتك لو فكرتي تتواصلي بس معاها إني هوريكِ وشي التاني؟.

عن أي (وش) يتحدث؟ هل هناك وجه أكثر قسوةً مما هو عليه؟ انكمشت في نفسها وعادت للخلف تحتمي بالوهمِ منه، اقترب أكثر يرميها فوق الفراش وهو يُزيد من ضغط كفه فوق مرفقها وقال بسخطٍ أكبر:

_شكلك مش هتجيبيها لبر معايا، وقبل ما تخرجي على بيت جوزك هتخرجي على قبرك، علشان على آخر الزمن تيجي هي والحلنجي بتاعها يحط راسه براسي قدام الناس ويهددني.

حاولت تخليص نفسها وهي تُبعده عن جسدها، ظلت تزحف فوق الفراش وهي تتوسل لربها أن يرسل لها النجاة بشكلٍ لم تعرفه حتى، وفي اللحظة ذاتها أتت مديرة البيت تقول بلهفةٍ:

_داغر بيه، الأستاذ طاهر خطيب الآنسة وصل تحت وعاوزك.

عقدت حاجبيها وكأن اسمه وحده حمل النجاة، فيما وقف "داغـر" بعدما استقام وعقد حاجبيه متعجبًا من مجيئه في هذا التوقيت بعد الخطبة، نزل له بشموخٍ ورأس مرفوعة راقبها "طاهر" بضيقٍ ثم تنهد ونطق بثباتٍ:

_أنا كنت عاوز أتكلم مع رئيفة بعد إذن حضرتك.

_دلوقتي !!.

نطقها مستنكرًا بجمودٍ جعل "طاهر" ينتبه لنبرته ورد بثباتٍ:

_آه عند حضرتك مشكلة؟.

رمقه بطرف عينه ثم أمر مدبرة البيت تُحضرها له، نزلت معها كما الشاه حين يجرها الجزار لمكان ذبحها، نكست رأسها وحاولت مُداراة أثر أنامله عن جسدها لكنها فشلت، وما إن لمحها جال بعينيه في وجهها والمكشوف من ذراعيها وقدمها فلمح إحمرار مرفقها، كان الآخر حاضرًا معهما، فقال "طاهر" بهدوءٍ:

_قبل ما حضرتك تحكم عليها أنا جاي أقولك إني أنا اللي اتصلت بجوز أختها وعزمتهم، كنت حابب إنها تفرح بحضور أختها اللي هي متعلقة بيها، وماكنتش أعرف إنك ممانع حاجة زي دي، أنا بعتذر لأني اتسببت في موقف زي دا.

وزع "داغر" نظراته بينهما فوجدها تلفظ أنفاسها براحةٍ، بينما عينا "طاهر" تعلقتا بها كأنه يعتذر لها عن شيءٍ لم يقترفه، طوال الشهر الماضي وهو يتابع طريقته معها، علم أنه يتحكم حتى في مكان تنفسها، لذا عليه أن يأخذها منه كي ينقذها ويفي بوعده لها.

_لآخر مرة تتصرف من دماغك في حاجة زي دي، بس علشان دي أول مرة ولسه داخل جديد عيلتنا أنا هديك فرصة تانية، نورت.

هو حقًا يطرده بكل صراحةٍ، وهو حين تيقن أنها أمست بخيرٍ تحرك، تحرك وفي داخله فجوة تتسع تجاه هذا الرجل وإنسانيته.
حسنًا لكل مقامٍ مقال،
وحق الرد سيأتي موعده بلا شكٍ
وحينها سوف يرد لها حقها كاملًا.
____________________________________

<"لا تختر أهون الشرين، انتزع الخير من نفسك وكُن مثلهم">

إذا فُتِحَت عليك أبواب الطوفان لا تُغلقها على نفسك..
خُذ معك كل من تسبب في سرقة راحتك وألقهِ في الطوفان، اجعله يتذوق الخوف هو الآخر قبل أن ترحل عنه بعدما أسقاك مُر الخذلان.

في اليوم التالي صُبحًا..
بمقر الشركة النامية التي تعود لمكلية "ناجي" والد "نوف" وصلتها بعدما ألح عليها عمها بالمجيء والحضور، بصفتها المسؤول الرسمي عن كل شيءٍ هناك وصلت له على عُجالىٰ وهي تلهث بتوترٍ قبض فوق عنقها، لكنها دربت نفسها جيدًا على حركة التنفس، تلك العادة التي التزمتها وفق أوامر طبيبتها المُعالجة.

ولجت المكتب فوجدته بجوار رجلٍ آخر يبدو من هيئته أنه محامٍ أو يعمل بالشؤون القانونية، هو يعمل في شيءٍ من هذا القبيل، ألقت التحية فاترة وجلست بقربهما وهي تقول بأدبٍ:

_خير يا عمي؟ إيه الموضوع الخطير اللي مخلي حضرتك مش مستني من الصبح دا؟ أتمنى يكون خير إن شاء الله.

ابتسم عمها لها يدّعي الود ونطق مجيبًا بثباتٍ يُحسد عليه:

_خير إن شاء الله، بس كل الحكاية إن النظام دا مش نافع في الشغل، يعني جو إن طاهر يبقى مسؤول وابنه بيتابع وسيادتك سايبة الدنيا تضرب تقلب دا مش نافع للأسف، لازم حدود تتحط تنهي كل دا، أهمها إن أنا أو حد من العيلة يكون موجود هنا.

دارت بعينيها الواسعتين بينهما واستنكرت حديثه بقولها:

_هنا فين؟ وبصفتكم إيه معلش؟ بابا موزع كل حاجة على حياة عينه، وأدى الحقوق كلها بشرع ربنا، واللي موجود دا بفلوسه وفلوس ماما، إيه هتورثوها بالحيا؟ من إمتى عيلة الزوج بتورث في مرات الابن؟.

تحدثت وهي لا تخشاه وقد لاحظ المحامي انفلات الأوضاع بينهما فترك الأوراق بصحبة عمها وقرر أن ينسحب للخارج، فيما عاد عمها لها وهو يقوم بتهكمٍ:

_ما شاء الله على التربية، هي دي الرباية اللي أبوك واكل دماغنا بيها هو وأمك؟ علمك تردي وتقلي أدبك على عمك قدام الناس؟ يا زين ما خلفت يا ناجي والله.

حديثه عن أبيها أثار غضبها فنطقت بحدةٍ:

_لو سمحت يا عمي ياريت حضرتك تراعي حُرمة أخوك وتتقي الله في الكلام وماتنساش إنك بتتكلم عن لحمك وعرضك، بدل ما توقف أي حد يجيب سيرتنا عند حده بتتكلم أنتَ في عرضنا؟ بعدين مش فاهمة بصفتك إيه عاوز تحكم؟.

_مالي، مالي ومال أخويا.

رد عليها بسرعةٍ لم تتصورها حتى نطقت هي تتكيء على كلماتها توضح له ما لم يره هو أو يعمي عينيه عنه:

_كان، كان مالك قبل ما تطلبوا حقكم وهو عايش وتاخدوه منه، وساعتها محدش وقف جنبه غير أمي لما سلمته ورثها وفلوسها علشان يقف على رجله، وقبل موته خلص حقكم ووصله ليكم، مخالفش شرع ربنا في حاجة، كل اللي عمله إنه كان بيأمننا منكم.

ابتسم هو بشرٍ لمعت به عيناه ومال يهمس بوقاحةٍ:

_ولما هو مأمن كويس أوي كدا سايب ابن طاهر داخل خارج وخاربين الدنيا مع بعض كدا ليه؟ تفتكري مش واخدين بالنا؟ أنا بس عديت الدنيا بمزاجي علشان مش عاوز شوشرة وفضايح، تلاقيه عاوز يطرمخ على حواركم مع بعض بحوار الشركة دا، بس إحنا فيها، امضتك هنا قصاد موضوعك من ابن طاهر.

توسعت عيناها وهي تنتفض من مكانها وتسأله بصوتٍ هادرٍ كأنما لا تُصدق أن هذا الخبال هو يُصدقه ويؤمن به:

_لآخر مرة هقولك تتكلم عني وعنه كويس، دلوقتي بس عرفت ليه أخوك قبل ما يموت قالي لو احتاجت حاجة أروح لِـ طاهر، علشان كان عارف إنكم حيطة مايلة همكم الفلوس وبس…

قبل أن تُكمل هبط كفه بصفعةٍ فوق وجهها جعلتها تُصدم من فعله حتى أنها ظنت نفسها داخل كابوسٍ مروعٍ، هالها الظلام كأنها لم تعد ترى شيئًا ولم تلمح قبسًا من نورٍ، نزلت عبراتها وهي تشعر بالامتهان والقهر، كيف يفعل ما يفعله ببنت أخيه الميت؟ كيف لم يُراعِ مشاعرها المصدومة منذ موت والدها؟.

رفعت رأسها نحوه فوجدته مرتبكًا بسبب فعلهِ، لكنه نحى ارتباكه جانبًا وعاد لتصلده وحدة طباعه وهو يقبض فوق مرفقها يهزها بعنفٍ ويقول:

_لآخر مرة تنسي نفسك وتتخطي حدودك في الكلام، وأعملي حسابك موضوعك من غسان دا مش هيتم، طالما مالكيش ظابط ولا رابط يكسرك يبقى أفهم بقى اللي بينك وبينه، يا أنا يا أنتِ.

دفعها حتى سقطت فوق المقعد وهي تشعر كأنها ورقة بالية رُميت في أرضٍ مبتلة وغرست بالوحلِ حتى أصبحت عديمة الفائدة والقيمة على حد السواء، ما هذه المشاعر القاسية التي تختبرها؟ هل لأن والدها توفى أصبحت علكة تُلوك في الأفواهِ؟ لم يحترموا حُرمة الميت؛ فكيف لهم بمراعاة مشاعر الحي؟.

في منزل "طاهر" بالوقت نفسه..
أنهى قهوته في حديقة البيت ثم وقف كي يدخل البيت فنزل ابنه بملامح ناعسة ولم تخلُ من أثر النومِ، راقبه "طاهر" حتى جلس ابنه أمامه ووضع كفيه في جيبي سترته الشتوية ثم أرجع رأسه للخلف وحينها سأله "طاهر" بتهكمٍ:

_ودا اسمه إيه بقى؟ مابتشبعش نوم أنتَ؟.

فتح "غسان" عينيه وقال بسخريةٍ وهو يمازح والده:

_المشاغل يا طاهر يا ابني، ابنك فوق كتافه أربع شركات لو عكيت مع واحدة فيهم هتبقى محتاج واسطة مش أقل من وزير الداخلية علشان تخرجني منها، بعدين ما أنام هو إحنا بنخصب يورانيوم؟.

رفع "طاهر" كفه يُهدد ابنه بضربةٍ لم تصله فضحك "غسان" ومسح وجهه ونطق بهدوءٍ عكس حالته المزاجية السابقة:

_أنا مش عاوز أضايقك وأعكنن عليك في صبح ربنا كدا بس أنا عاوز أكلمك بخصوص عيلة نوف، بصراحة مش ضامن أفضل ساكت كتير كدا قصادهم، عمها محسسني دايمًا إني غلطان وبصلح غلطتي، ما تعمل حاجة بالشرايط اللي على كتفك دي؟.

ضحك "طاهر" على مزاح ابنه وضحك الآخر معه حتى ظهرت "رئيفة" تحمل الفطور لهما وقالت بوجهٍ مشرقٍ مبتسم المحيا:

_يلا يا حبايبي علشان تفطروا، ماتنسوش النهاردة هنروح نزور "أدهـم" ونباركله، طلبتلهم هدية حلوة أوي ندخل بيها، وعلبة شيكولاتة، نجيب إيه تاني؟.

_أخرك يا أمي، هاتي أخرك أنتِ كدا هتشحتينا.

رد ابنها عليها حتى حدجته بعينيها تُحذره وقد  صدح صوت هاتفه برقم خطيبته فاستقام واقفًا يشد عوده وحمحم وهو يتحرك جانبًا بوجهٍ مبتسمٍ وهو يجاوب على المكالمة، لكن سُرعان ما توسعت عيناه وأصابه الهلع حين تحدثت باكيةً فسألها بلهفةٍ قاطعة:

_مالك طيب؟ بتعيطي ليه؟ أنتِ كويسة يا نوف؟.

_مش عارفة، مش عارفة، ينفع تيجي توصلني؟.

ردت عليه باكيةً حتى تحرك يسحب مفاتيح سيارته وهو يرد عليها بنبرةٍ قوية يأمرها بما يتوجب عليها فعله:

_طب ركزي معايا ابعتيلي مكانك وخليكِ هناك لحد ما أجيلك، ما تتحركيش من عندك لحد ما أجيلك أنا، وخلي موبايلك مفتوح، متخافيش دقايق وهكون عندك.

رحل من البيت وإمارات التعجب تعلو وجه والديه.
بينما هو فكان يختبر مشاعر القلق كما لم يختبرها من قبل، صوتها الباكي وهي ضائعة وتائهة كان سببًا في ضياعه هو، تمنى العودة للأرض، العودة للموطن، العودة لجدران البيت، رغم أنه بالفعل في كل شبرٍ يخصه ويخص أصله، لكن يبدو أنها هي الأرض والموطن والبيت حتى يشعر بالتيه في ضياعها.
____________________________________

     <"حقل الورد إن لم يُراع بحقٍ يذبل قبل النضوج">

من لم يَصُن الود لن يُراعي الوردِ..
فكلاهما يحتاج لرعاية ذي ذوقٍ عالٍ ورفيعٍ من كل صلدٍ، ومن يعتني بالورد هو الذي أحق بالودِ
وكأن الورد بالودِ سلامٌ على الدنيا..

قبيل الظهر كان "منتصر" عاد بزوجته من بيت حماه بعدما عاد من المشفى وقضى بقايا الليل معها في غرفتها ببيت أهلها، وقد عادا سويًا للشارع الذي يقطن به وهما يتسوقان معًا ويجلبان مشتريات البيت لهما وأسرته أيضًا، كانا يحمل هو الحقائب البلاستيكية وهو يسير بجوارها وقبل اقترابهما من البيت توقفت هي تقول بلهفةٍ:

_استنى يا منتصر نسينا أهم حاجة.

زفر بقنوطٍ ودار بعينيه لها وقال بضجرٍ حيث طال التسوق وهو يشعر بالتعب والنعاس:

_إيه تاني؟ لأ تاني إيه بقى قصدي إيه عاشر؟ كل دا وناسية حاجة؟ اتحفيني يا غالية اتحفيني.

ضحكت على سُخريته وقالت بضحكةٍ وصلت عينيها:

_دي أهم حاجة تقريبًا، العلاج بتاع عمو اللي هياخده على الغدا النهاردة خلص من يومين وماخدهوش، معلش نروح الصيدلية ونجيبه وبالمرة نجيب علاج الشهر الجاي قبل ما ننسى، ولما المعاش يتقبض نحطهم بدل اللي هنحطهم دلوقتي علشان يكونوا مع مصاريف البيت.

هي تعلمت كل شيءٍ في بيته، تعلمت الحياة وأحسنت التدبير والتدبر في كل فعلٍ، وهذا ما يتضح عليها من تصريف الأمور بذكاءٍ وعملية تجعلها أمينة على نقوده وأهله وماله أيضًا.

تحركا سويًا نحو الصيدلية التي تقع بآخر الشارع وولجت هي تسبقه نحو الداخل وهي تعرف ماذا تريد تحديدًا، وهو خلفها يقف وقد لمحتهما "مروة" والطبيب الذي يعمل معها فاقتربا منهما بإلقاء التحية بحبورٍ وودٍ، وقد تحدث الطبيب بودٍ لها وهو يقول بمزاحٍ:

_ها يا ورد عاوزة أنهي علاج في القايمة النهاردة؟.

ابتسمت هي بوجهٍ مشرقٍ وهي ترد بهدوءٍ كلل صفاتها حيث تضع الروشتة الطبية نصب عينيه:

_عاوزة الدوا دا بتاع عمو، وعاوزة الروشتة كلها تاني للشهر الجديد بس مش هأكد عليك بلاش بدايل أو مضاعفات بنفس المفعول.

ابتسم الطبيب الذي يكبرها بأعوام قليلة ورد بعملية مقرونة بصوتٍ ودودٍ:

_ما أنتِ عارفة كويس لو فيه حاجة مش موجودة بقولك عليها وأوصي تيجي، متقلقيش كله موجود بإذن الله، عينيا ليكِ يا ورد.

تحرك الطبيب بينما في الخلف كان "منتصر" يشعر بالضجر من الطبيب، شعر بالغيرة تتمكن منه وهو يبستم لها هكذا وبالأخص الجملة الأخيرة المعسولة التي نطقها، وهي ترد بسمته بأخرى أكثر جمالًا وإشراقًا وتشكره، ثبت عينيها عليها وقد تحركت هي تجلب بعض منتجات العناية الشخصية فاقتربت منه "مروة" تبتسم له وهي تهمس بخفوتٍ:

_على فكرة دكتور عبدالله محترم جدًا وبيساعد ورد كتير.

حرك رأسه بحدةٍ مفتعلة وهو يسألها بجمودٍ:

_بيساعدها كتير إزاي يعني؟ مش فاهم.

تصنعت الارتباك فقالت بضحكةٍ تواري خلفها افتعال الحرج:

_لأ يعني هو علطول بياخد باله من علاج عمي وبيتابع معاها وبيقولها تتصرف إزاي في حال لو حد منهم تعب، أصل ورد بشوشة وخدومة أوي.

لا يعلم هل هذه نبرة حقدٍ وغيرة منها أم هي تتمنى انفعاله وغضبه؟ هو لاحظ أن زوجته محبوبة من الجميع، كلما مرت بمحلٍ أو مكانٍ تنهال عليها الترحيبات وعروض الخدمات وهي ترد بالذوق والترفع، لكن هذا لا يُعني أن تبقى عُرضة للأعين هكذا، لذا نطق بهدوءٍ يقطع السبيل على "مروة" 

_ربنا يجازيها خير ويجعله في ميزان حسناتها ويحبب فيها خلقه الطيبين.

ابتسمت له بسمة فاترة بلا روح ولا معنى حتى اقتربت منه زوجته التي لاحظت تبدل حاله ومدت يدها بالأشياء التي تريدها لنفسها، وقد دفع هو الحساب الكُلي وتحرك بها نحو الخارج، وحين طال صمته سألته هي بارتيابٍ:

_مالك ساكت ليه؟ حصل حاجة؟.

التفت لها عند البناية وقال بضيقٍ وغيرة لم يتحكم بها:

_الدكتور ابن السخيفة دا ماله عمال يبتسم ليه ويستظرف؟ وإيه عينيا ليكِ دي؟ مش مالي عينه أنا؟ أدخل أصفيهمله خالص؟ إيه قلة الذوق دي؟ وازاي يسمح لنفسه يتكلم كدا؟.

هي تعلمه جيدًا وتعلم غيرته إلى أين توصله وتتحكم فيه، لكنها ردت بدهاءٍ وهي تخبره بكل عقلانية عن تقبلها لمشاعره:

_على فكرة هو ذوق مش أكتر، المهم إني مباردش وموقفاه عند حدوده، بعدين معلش في موقف زي دا مين أولى يتكلم ويتصرف؟ مش المفروض مروة هي اللي تيجي وتتعامل وتشوف اللي أنا عاوزاه؟ قدامك هي وقفت ساكتة كأنها ماتعرفناش، وهو كتر خيره كتب ورقة فيها مواعيد كل علاج وتفاصيله، يبقى هو شخص ذوق مش أكتر.

لم يُرد مضايقتها بحديثهِ ولم يرد أن يفتح مجالًا للحديثِ هنا أمام البيت، أشار لها أن تتقدمه وهو خلفها حتى تواجها مع "خلف" الذي كان في طريقه للأسفلِ، حينها انكمشت هي والتصقت بزوجها، فيما عاد "خلف" للخلفِ يفسح لهما مجالًا، حتى وقف أمامه شقيقه يسأله بهدوء:

_رايح الشغل دلوقتي؟.

_آه يادوب على ما أشرب سيجارة يكون الموتوسيكل وصل وأتحرك، سلام.

ودع شقيقه ورحل وقد تابعه "منتصر" بحزنٍ، لقد أحزنه غياب شقيقه عنه والمسافة التي تتسع بينهما، هل هذا هو ثمن الغُربة؟ أن يدفعها المرء من قلوب أحبتهِ؟ هو في الأغلب يدفع الثمن من مشاعر الكلِ، أمه تراه مجرد مسؤول مالي لا أكثر، شقيقه يعامله كجارٍ بالبيت لا يربط بينهما غير المعاملة الودية اللطيفة، والده يتمناه يعود له كي يستند عليه في عجزهِ، حتى زوجته تشبه الكنز المدفون وكل الأعين تتطلع إليه بطمعٍ.

الغاية كانت جني المال..
فصارت غربة الروح هي الثمن، 
حيثُ حُلم طار فوق السحاب 
والطير حلق وللطير خلفه استجاب،
وكان ثمن الرحلة غربة في قلوب الأحباب.
____________________________________

    <"لكل شبيهٍ من يُشابهه ولكل منها طريقه الخاص">

في كل دربٍ سوف تجد ما يُثير جنونك..
رُبما يكون هُناك من يُثير فضولك نحوه، يجعلك مرتابًا في أخذ خطواتك عند بداية مسلكه، لكن ما إن تُساق حتى تجاوره تُذهل حين تراه يُشبهك، كأنه نسخة منك بصورةٍ خارجية مغايرة.

انتصف النهار واليوم وعاد "سُليمان" لبيت أمه حيث نفض غبار العزلة والخصومة مع شقيقه وعاد لتولي دور الحماية من جديد، أنهى بعض أعمال المعرض ثم ذهب لمضمار السباق يتمم بعض الأعمال خاصة أن "أدهـم" أوقف كل الأعمال حتى عودته من إجازة زفافه.

ولج البيت فوجده في حالة دفءٍ، صوت ضحكات عالية يأتي من غرفة الجلوس فاقترب يُلقي التحية فلمحها تجلس بجوار أمه، يا الله لمَّ تظهر هكذا بغير تمهيدٍ أو ترتيبٍ؟ رفعت "رحمة" عينيها نحوه ترد تحيته فناداه "سالم" بقوله ضاحكًا:

_تعالى شوف تربيتك، تعالى شوف أخرة صبري.

كان يشير نحو ابنه فضحك "سليم" بشقاوةٍ حين جاوره عمه جالسًا ووضع ذارعه المتينة فوق كتف الصغير وهو يسأله ضاحكًا:

_قولت إيه يا مجرسني في كل حتة؟.

_والله ما قولت غير الحق، بابا بيقولي عاوزني أرجع أتدرب تاني وأروح النادي قولتله يوفر الفلوس ويجوزني بيها.

رفع "سُليمان" حاجبيه وهو يسأله ساخرًا:

_ما شاء الله من دلوقتي؟ مش شايف إنك واخد القرار متأخر؟.

_يادوب والله على ما نكون كبرنا وعرفنا بعض، ولا عاوزني أكبر أتغفل أنا كمان؟.

يبدو أنه عاد كما كان، لا يهمه أحدًا مهما كان..
لقد ورث طباع عمه وملامحه وكل شيءٍ فيه، يبدو أن هوس "صابرين" به أتى ملموسًا في صفات ابنها، وكم هو شيءٌ مُخيبت للآمالِ، تمنى ألا ينتبه شقيقه لحقيقةٍ بهذه القسوة وحرك عينيه نحو "رحمة" التي ابتسمت بارتباكٍ وسارت بعينيها حيث الصغيرة التي تجلس في عناقها.

كانت "سُعاد" قامت بتحضير طاولة الطعام ورصت الأطباق فوقها ثم دعتهم لتناول الطعام، وقد تحرك "سُليمان" يقود مقعد شقيقه حتى ترأس هو الطاولة، فيما جلست "ثُريا" ووضعت الطعام أمام "رحمة" وهي تقول بنبرةٍ حماسية:

_كُلي يا رحمة واشبعي علشان مازعلش منك.

ابتسمت لها "رحمة" بودٍ وتناولت الطعام في جوٍ أُسري وسط دفء العائلة ومزاح الصغار وصمت "سُليمان" المعتاد كان كما هو في الجلسة، انتهى الوقت بينهم وقررت هي أن تنصرف فتحرك معها "سُليمان" يوصلها للأسفل وتحرك معه "سليم" الصغير أيضًا، وبمجرد أن وصلت لسيارتها وقفت بجوارها تقول بنبرةٍ شبه مرتبكة:

_آسفة إني جيت فجأة كدا بس فيه ورق مهم عاوزاك تشوفه وتمضي عليه، هرفع قضية تشهير على صابرين علشان اللي عملته في أخوك، أنا وعدت ووعدي دين في رقبتي، حقكم وحق أخوك هيرجع.

ابتسم بخفةٍ ثم أومأ موافقًا لها وقال بهدوءٍ:

_ربنا يقدم اللي فيه الخير، معلش تاعبينك معانا.

_لا تعب ولا حاجة، المرة الجاية حاول تتكلم مع أخوك علشان هقعد معاه وأعرف عنه تفاصيل أكتر تساعدنا.

أنهت الحديث بثباتٍ ثم ابتسمت له ترفع الحرج عنه وقد ولجت السيارة تستعد للرحيل فوجدته يميل على النافذة يستند عليها وهو يقول بضحكةٍ قلما تراها فوق وجهه وفي سبيل عينيه:

_المرة الجاية لما تحبي تسابقيني عرفيني علشان أبقى حر ومش معايا حد، ساعتها تبقى دي الجولة المحسوبة، بس مستواكِ مش بطال، ييجي منك.

رفعت حاجبها ورُغمًا عنها اِفتر ثغرها ببسمةٍ وانتبهت للصغير وهي تقول بمزاحٍ وتتجاهل عن قصد عمه الواقف:

_لما تكبر خليك عندك ذوق وحقاني يا سليم، بلاش تبقى زي عمو كدا، راجل ضلالي بيلون الحقايق.

ضحك كلاهما وقد تحركت هي بعدما لوحت لهما وراقبها "سُليمان" مبتسمًا بعينيه حتى نطق الصغير يمازحه بطريقةٍ درامية تمثيلية:

_ربنا يفرحنا بيك يا سليمان يابني.

ما إن نطقها انتبه له عمه فهرول خلفه لداخل البيت وقد علت ضحكات الصغير وعمه يقترب منه ويحمله فوق كتفه ويصعد به للأعلى، وقد اطمئن على أهل بيته وحالة شقيقه فاستأذن وطلب الرحيل لشقته حيث قال بهدوءٍ:

_مش هتأخر بكرة الصبح هاجي، هجيب هدوم واللاب توب علشان الشغل وكام حاجة وجاي.

قفز "سليم" له وهو يقول بلهفةٍ:

_هاجي معاك.

لم يرفض مطلبه بل حمله فوق كتفه ورحل به والضحكات تلاحقهما، هذا الذي يلتصق بعمه ولا يفترق عنه أبدًا مهما كان الأمر، وحدها "صابرين" من استطاعت فعلها؛ لكن الرابط بينهما عاد أقوى وأكثر توطيدًا.

وصل "سُليمان" منزله ومعه الصغير الذي ركض نحو الشاشة يقوم بفتحها كي يلعب مع عمه، بينما "سُليمان" فتح البراد وأخرج منه عصائر وحلويات للصغير ونطق بمزاحٍ:

_عاوزك تعيش ملك وتاكل براحتك، لا سدره هنا تاخد منك ولا جدتك تقولك كفاية علشان سنانك ولا سُعاد تقولك دا مش صحي.

بدا كأنه يفسده لكنه في الحقيقة يُدربه على كسر القواعد واختراق القوانين، هذه هي لعبته الأساسية، امتهان القواعد التي تمنع المرء من لذة الاستمتاع، هو يُغامر ويرى كل المغامرات تليق به، لطالما يفرد جناحيه بلا خوفٍ.

صدح صوت جرس الباب بعد نصف ساعة تقريبًا كان مشغولًا فيها في الهاتف بيده وابن شقيقه يلعب لعبة إلكترونية على الشاشة، تحرك "سُليمان" يفتح الباب وبمجرد أن فعل جحظت عيناه، لمح آخر من توقع رؤيتها من جديد هُنا، وقد ظهر "عزت" حماه بجوار ابنته وهو يقول بهدوءٍ ودود:

_إزيك يا سليمان أخبارك إيه؟ مش هتقول لمراتك تدخل بيتها؟.

توسعت عيناه أكثر وهبط بنظراتهِ حيث وقوفها..
هل قرأتم قبل عدة أسطر عن حبه للمغامرات مهما كان نوعها وشكلها؟ اليوم هو في خضم مغامرة جديدة، مغامرة تحمل اسمه وهو بكل تكبر وتقدير للذات يرى أنه هذه المغامرة لم تَلِق به، بالطبع هذه المغامرة لا تستحق أن يُغامر لأجلها....



_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات...





تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة