رواية جمعية حب الفصل الثلاثون 30 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الثلاثون 30 بقلم شمس محمد بكري


|| رابطة الدم تربط بينهما||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

كل مغامرٍ باللذةِ ينعمُ..
لكن هناك بعض المغامرات لا تستحق أن يرمي الإنسان نفسه في النيران لأجلها، بعض المغامرات تكون محض عبثٍ وخبالٍ، تُشبه الطريق الذي على جانبيه نيرانٌ مؤذية وبمغامرتك فيه تكون في قعر النيران بنهايته..
مغامرة قد تكون زهيدة المتعة وثمنها غالٍ عليك، لكن بصورةٍ أخرى تكون مجبورًا على خوضها، بل والإنسحاب منها يكون محض خسارة فادحة، خسارة لنفسك أنتَ قبل الآخرين.

<"عليك ألا تغامر لنفس الشيء مرتين إن كنت لا تربح به"> 

فُرضت عليه المغامرة ولن يجد مهربًا..
فجأة وجدها عند بابهِ بعقرِ داره تدعوه كي يخوض حربًا جديدة بينه وبين نفسه، يبدو أن تلك المرة المغامرة قائمة على ثباته وأخلاقه كي يرى هل ربح نفسه القديمة أم الجديدة هي التي تمكنت؟.

صدح صوت جرس الباب بعد نصف ساعة تقريبًا كان مشغولًا فيها "سُليمان" في الهاتف بيده وابن شقيقه يلعب لعبة إلكترونية على الشاشة، تحرك "سُليمان" يفتح الباب وبمجرد أن فعل جحظت عيناه، لمح آخر من توقع رؤيتها من جديد هُنا، وقد ظهر "عزت" حماه بجوار ابنته وهو يقول بهدوءٍ ودود:

_إزيك يا سليمان أخبارك إيه؟ مش هتقول لمراتك تدخل بيتها؟.

توسعت عيناه أكثر وهبط بنظراتهِ حيث وقوفها..
هل قرأتم قبل عدة أسطر عن حبه للمغامرات مهما كان نوعها وشكلها؟ اليوم هو في خضم مغامرة جديدة، مغامرة تحمل اسمه وهو بكل تكبر وتقدير للذات يرى أنه هذه المغامرة لم تَلِق به، بالطبع هذه المغامرة لا تستحق أن يُغامر لأجلها.

وزع نظراته بينهما مستنكرًا القولِ وكأن الحديث فلَّ عنه وفقد الأبجدية بأكملها، نظراته كانت تائهة وغير مفسرة، حتى حين نظر لها لم يفهم من نظرتها شيئًا، فيما صبغ حماه كلماته بالودِ يقول:

_إيه هنتكلم من على الباب ولا إيه؟ مش هندخل؟.

دعاهما بإشارةٍ من يده ولازال صامتًا، كأن رؤيتها أثقلت روحه وأشعلت لهيب الجراح التي لم تبرأ، حتى نظرة عينيها قامت بتقليب المواجع التي ظنها منسية هُناك في سرداب الذكريات البعيد المغلق بإحكامٍ بعيدًا عن حياتهِ..

ولجا معه الشقة وقد انتبه لهما "سليم" فوزع نظراته بينهما وخاصةً هي حين ولجت وجلست بجوار أبيها، فيما رسم "سُليمان" الثبات ولمح حماه يتنحنح ثم مال للأمام قليلًا وقال بهدوءٍ:

_عاوزين نتكلم مع بعض يا سليمان، ممكن؟.

انبسطت ملامحه وفهم أنه يقصد ابن شقيقه؛ لذا وجه الحديث له بقوله الهاديء كي لا يُحرج الصغير بقوله:

_معلش يا سليم خد الحاجة واستناني في أوضتك فوق وأنا جايلك، يلا علشان تكون براحتك.

تحرك الصغير يأخذ الحُلويات والعصير وتحرك نحو الأعلى بعد أمر عمهِ، بينما هي فهمت أنه يرسل لها رسالة مُبطنة أن هذا هو مكان عائلته مهما كان الأمر ومهما كان سبب تواجدها هنا، عمَّ الصمت القاتم الثقيل بينهم حتى قطعه "عزت" بقوله:

_بص علشان نقصر المسافات وعلشان أنا بعتبرك ابني، صحيح ربنا رزقني ببنتين بس أنتَ بعتبرك ابني، ومش بس آمنلك على بنتي، وعلى مالي وروحي كمان، أنا عرفت اللي حصل بينكم وعرفت إنها غلطت بالكلام اللي قالته في حقك وحق عيلتك، بس أنا ليا عتب عليك، كان المفروض تكلمني وتقولي، وأنا كنت هجيبلك حقك، أنا مسافر وسايبها أمانة ليك.

شعر أن الحديث أثقل من الصمت بمراحل جمة، ياليته كان صمت أفضل من حديثه هذا، ورُغم ذلك لم يكن معدم الرد أو فقير الكلمات، لذا رفع رأسه ونطق بثباتٍ:

_على عيني والله كلامك بس حط نفسك مكاني بقى، واحد في ظروفي وظروف أخويا وقهرة أمي قدام عيني عامل زي المخبوط فوق راسه وتايه وسط الكل ومش لاقي حل، ومراتي بدل ما تقف جنبي وتساعدني وتخليني أحس بالأمان معاها هي لاقيتها بتعايرني، وفوق كل دا بتقولي قرف أهلك، طالما أهلي قرف يبقى خلاص تتحملهم ليه؟.

أنهى الحديث وهي تراه بغبطٍ كونه يتحدث بهذه النبرة، فيما رمقها والدها بطرف عينه يُعاتبها بعينيهِ ثم عاد له يرسم بسمة هادئة مصطبغة بالنبرة الأكثر ودًا:

_مش هدافع عنها ومش هقولك أنها ماتقصدش والكلام الخايب دا لأني بحترم عقلك وبحترم شخصيتك، بس هقولك إن البيوت ياما جرى فيها وياما حصل، وهي يمكن كانت متوترة، يمكن مخنوقة علشان جوزها بعيد عنها بقاله فترة ومشغول، يمكن حبت تلفت نظرك إنك مش مركز معاها وسايبها، فيه ألف احتمال يا سليمان أنتَ ماشوفتهمش، علشان كدا جيتلك.

ارتبك بعد حديثه وكأن الرجل أجاد قلب طاولة الكلامِ عليه، كيف أصبح هكذا بلا مروءة ولا حياءٍ ولا حتى يتسم بطبع الرجالِ؟ بدأ عقله ينزلق للمحور الثاني يُفكر فيه وهو يُعيد حديث الرجل ويراه من منظورٍ آخر، وقد عاد حماه يقول بنبرةٍ أبوية خالصة:

_أنا لو مش بعتبرك ابني ماكنتش قولتلك كدا ولا حتى كان فرق معايا أجيلك، بس أنا مش هقدر آمن على بنتي مع حد تاني غيرك، ويا سيدي ياما حصل خلافات وفيه بيوت كتير بعض الطلاق بترجع تاني، هي لسه في فترة العدة وتقدر تردها.

هذا هو السبب إذن، لم يكن مجرد لقاءٍ لتوضيح الأمور المُبهمة ولا حتى للإعتذار عن الإهانة السابقة، هي هُنا للعودة، وجدها صامتة ويبدو الثقل جليًا على روحها، وزع نظراته على وجهيهما فقال حماه من جديد:

_أنا متأكد إنك أكبر وأعقل من إنك ترفض، بلاش تخلي الدنيا تدخل بينكم، وأظن حاليًا الظروف بقت أفضل وأكيد هتقدر تفكر بشكل أفضل، ربنا يكرمك يابني ويسعدكم.

يبدو أنه حسم أمره بلا جدل، أصدر الحكم وينتظر تنفيذه.
لكن "سُليمان" عقله يقظ، لطالما هو صاحب الحق ويرى هذا منذ البداية فهو لن يصمت عن حقهِ، لذا تغاضى عن سرقتها لمالهِ واستغلالها لنقوده وعلاقته بالعملاء وتطرق للجزء الأهم حين تشدق بتهكمٍ:

_طب حضرتك عندك علم إن بنتك المصون راحت ترفع قضية عليا تطالب بحقوقها مني؟ وفين؟ عند نفس المحامية اللي راحت عندها مرات أخويا ترفع علينا قضية وتبهدلنا وأنا مش لاحق على همومي من هنا لهناك وماشي تايه وسط الكل، وبنتك عارفة كويس أوي إني ماعرفش أبقى تايه ولا ضعيف، فصدقني أنا مقاليتش بأصلي معاها.

نظرت هي له وقررت أن تتحدث تتولى مرافعة الدفاع عن ذاتها بقولها:

_وأنا عملت كدا من وجعي منك، زي ما أنا وجعتك أنتَ وجعتني، وجيتلك مرة أتكلم معاك فاكر قولتلي إيه؟ ساعتها قولتلي إنك ماعندكش مانع نرجع بس تاخد اللي عاوزه مني وخلاص، فيه واحد محترم يقول لمراته كدا؟.

_أعملك إيه يعني؟ جاية تلعبي عليا وتتمسكني وأظن قولتلك مش أنا الراجل اللي بييجي بالسكة دي، طالما ماليش مزاج أعمل حاجة يبقى خلاص، لكن أنتِ بقى عملتي؟ روحتي ترفعي عليا قضية؟ خليتيني مش قادر أرفع عيني في عين نفسي وأنا بعادي واحدة علشان رافعة قضية على أخويا وألاقيها جاية فرحانة أنها هترفع عليا قضية أنا كمان؟ دي حركات ناس بتفهم؟.

اشتدت المواجهة بينهما وقد تدخل "عزت" يُطفيء النيران بقوله الذي مال للهدوء مقارنةً بحديثهما المشتعل:

_بالراحة خلينا نتكلم ونتفاهم، دلوقتي يا سليمان أنا محقوق ليك أنا وبنتي، وعارف إنك طلقتها بس هي لسه في شهور العدة، وطالما الطلاق مش الطلقة التالتة يبقى لسه مراتك في شهور العدة وشرع ربنا إنها تفضل في بيتك لحد شهور عدتها ما تخلص، وحرام عليك تخرجها من بيتك قبل المدة دي.

توسعت عيناه كأن الحديث نزل عليه كوقع الصاعقة، زلزلت الكلمات كيانه واحتله الصمت الثقيل، فيما نطق والدها بتقديرٍ لموقفه وجهله بالأمور:

_دا شرع ربنا ومش بكدب فيه، طالما حصل طلاق رجعي يبقى شرعًا هي لسه مراتك وملزمة منك طالما العدة ماخلصتش، وربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: 
" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ .." [الطلاق: 1].

ساد الصمت بعد أن تحدث الرجل وقد شعر "سُليمان" بالوخمِ، كأنه تناول وجبة دسمة أثقلت جسده وروحه، نظر في وجه الرجل الذي استقام واقفًا وقال بهدوءٍ وهو يتولى دور المُرشد الحامي:

_ربنا يهدي سركم ويهديكم لبعض وأنا متأكد إن الفترة اللي فاتت بالمشاكل اللي كانت فيها هي سبب الخلاف بينكم، دلوقتي ظروفك الحمدلله اتحسنت وظروف أخوك ربنا يباركلك فيه ويخليكم لبعض، عن إذنكم، ومش هوصيكِ يا مها جوزك تحطيه في عينك وتخلي بالك منه، يلا عن إذنكم.

انسحب كأنه لم يفعل شيئًا، كأنه لم يضرب بكل ثوابت حياة الآخر عرض الحائط وكأنه لم يُزعزع ثباته حتى، حتى وإن كان يجهل الأمر دينيًا فهو حين خرجها من بيته خشى أن يفعل ما لم يستطع تحمل نتائجه، خشى أن يقوم بقتلها أو ضربها وهي تُثير زوبعات جنونه، حرك عينيه نحوها وسأل بسخريةٍ:

_ودا اسمه إيه بقى إن شاء الله؟.

_اسمه إني لسه مراتك طالما عدتي ماخلصتش، لسه فاضل أكتر من شهر على شهور العدة علشان تخلص، ويمكن وقتها تحن ونرجع لبعض من تاني، مين عارف؟ مش يمكن فعلًا كنا متوترين شوية؟.

تبدلت ملامحه لأخرى هي تعرفها، وتخشاها، تخشى الإندفاع منها بل تخشى نظراته المُخيفة وهو يقول بثباتٍ:

_متوترين؟ عمومًا أنا هسأل برضه وأشوف وأعرف الحكاية أصلها إيه، ومن هنا لحد ما العدة تخلص أنا مفيش حاجة فيا اتغيرت، أنتِ برضه طليقتي وماعنديش نية أرجع تاني، واحمدي ربنا إني ماجيبتش سيرة سرقتك ليا ولفلوسي علشان المشاريع المتخلفة بتاعتك دي، كل اللي كان زمان دا تنسيه يا مها.

في هذه اللحظة نزل "سليم" من فوق الدرج وركض تجاه عمه حتى انتبه له "سُليمان" فمد ذراعه له حتى اقترب منه وهمس بخفوتٍ:

_هي جت ليه؟ أنا مابحبهاش.

نظر له بخيبة أملٍ وزمَّ شفتيه مغلوبًا على أمرهِ حتى تحدثت هي توجه كلماتها لابن شقيقه بقولها الذي اصطنع المرح:

_إزيك يا سليم عامل إيه؟ وحشتني.

التفت لها بنظرات قاسية هو الآخر ثم جلس فوق ساق عمه وقال بثباتٍ كأنها غريمته منذ روضة الأطفال تشاجره على أرجوحة:

_كويس الحمدلله، طول ما أنا مع سليمان هكون كويس.

ابتسمت له بسمة فاترة ثم تحركت تسحب حقيبتها وهي تقول بصوتٍ بان فيه الإجهاد والتعب:

_عن إذنكم هطلع أحط حاجتي فوق.

تحركت بهدوءٍ كأنه في أرضها حقًا، لا يعلم أي لعبة هذه التي تُحاك وهو لا يعرف عنها شيئًا، تبدو المغامرة حقًا خالية هذه المرة من المُتعة، تبدو فارغة من المعنى الذي يبحث عنه في كل مغامرةٍ، هذا الوجه المألوف له هو حاليًا الأكثر غُربةً بين كل الوجوه وكأنه لم يألفها قط في حياته..

ولأجل الروح المغامرة
ولأجل البحث عن المُتعة القاتلة
سوف يترك المغامرة هي التي تتحرك به
فليس كل مغامرٍ باللذةِ ينعمُ.
____________________________________

<"قد تكون المُدن بحدودها تفصل بيننا لكن قلوبنا على تلاقي">

الحدود كذبة
من يُحبك يُجيد تعديها، يُتقن امتهانها 
لا حد لمن يُحب، لأن المُحب بطريقةٍ ما يعرف الوجهة 
ويبتغي الوصول، وإذا أحب الغاية لن يُعرقله شيءٌ في الوصولِ.

منذ أن هاتفته باكيةً وهو يود لو كان طيرًا بجناحين، يُحلق كي يصل لها، كانت المسافة بينه وبينها تستغرق ساعة ونصف، قطعها في قيادة السيارة وسط المَركبات بالطريقِ لكي يكون عندها، وبعد الجهد المبذول منه وصل لمكانٍ بقرب شركة والدها، وجدها هُناك باكيةً، وجهها متورمٌ ومُلتهب كأنها مصفوعة.

هرول لها بلهفةٍ وقلقٍ اتضح في عينيه وانفعالات جسده، لولا معرفته بحدود دينه وأنه أصبح على علمٍ كافٍ بكل المحظورات لكان ضمها بين ذراعيهِ كي لا تأسىٰ هكذا وحدها، طال صمتها حتى بدأ الغروب يظهر بالشفقِ الأحمر، بدأ نذر الليل يظهر وهي لازالت صامتة، رغم انتباهها له، لكن يبدو أنها تُعاني من أمرٍ ما.

تحرك يجلب لها مشروبًا باردًا، وزجاجة مياه ثم وضعهما أمامها وجلب المقعد يجاورها وهو يقول بنبرةٍ هادئة حنونة:

_طب ردي عليا طيب، مين زعلك؟ أنا زعلتك تاني؟ عرفتي حاجة عني مخلياكِ تضايقي كدا؟ حصل إيه طيب عرفيني؟.

رفعت "نـوف" عينيها الباكيتين تطالعه بانكسارٍ ثم تنهدت بقوةٍ توقف مداهمة البكاء لعينيها، فيما مد يده لها بالزجاجة وهو يتعجب من صبرهِ، كيف تحمل حتى الآن وهي ترفض الحديث؟ ارتشفت نصف الزجاجة تقريبًا ثم تركتها ونظرت في وجههِ.

طالعها مستفسرًا فنطقت هي بخمولٍ كما خمول روحها المتوهجة:

_حقك عليا علشان جيبتك فجأة كدا بس أنا مالقيتش غيرك يلحقني وكنت خايفة أروح كدا، وكلمت صاحبتي قالتلي إنها عند مامتها، معلش حقك عليا من ساعة ما عرفتك وأنا تاعباك معايا.

عقد حاجبيه من طريقتها وسألها مستنكرًا:

_تعب !! تعب إيه اللي بتتكلمي عنه؟ اللي بينا أكبر من كل دا، بعدين أنا اللي من حقي أعرف مالك وإيه وصلك لكدا؟ وليه وشك وارم كدا؟ أنتِ حد جه جنبك؟.

سألها والسؤال بذاته يؤلمها، فكيف تشرح له أن عمها قام بصفعها وهي التي لم تتعرض للضرب قط في حياتها؟ لقد استغل عمها ضعفها واحتياج مشاعرها ليُثبت سيطرته وهيمنته عليها، عاشت عزيزة ولم تُذَّل إلا بموت أبيها.

_ساكتة ليه يا نـوف ما تنطقي، حد جه جنبك؟.

قطع صمتها بسؤاله فمسحت عبراتها وقالت بضياعٍ:

_عمي، شدينا مع بعض بخصوص الشركة ولما لاقيته بيغلط فيا وفي شرفي ومصمم يخلي بينا حاجة حتى لو بالغلط وقفته عند حده، وقولتله إني مش هقبل يجيب سيرتي ويغلط فيا وفي تربيتي، ضربني بالقلم وقالي أنسى موضوعك خالص.

فرغ فاههُ بغير تصديقٍ وأحس بيدٍ تلتف حول عنقه وتخنقه، لا يعلم لمَّ كل الأوضاع معه تمر بهذا الثقل وهذه السخافات، كأن لا يُحق له أن يسعد بكل ما يختار مثلًا، لكنه نطق بضجرٍ وضيقٍ احتل صدره:

_يعني إيه تنسي موضوعي؟ هو لعب عيال ولا إيه؟ مش دا اتفاق رجالة وكلام متصدق عليه من الرجالة ومتفقين على ميعاد؟ هي وصلت كمان إنه يمد إيده عليكِ؟ طب تمام كلامي بعد كدا من راسي ومش هقدر حد فيهم وحق القلم دا هاخده تالت ومتلت.

انفعل وعلا صوته ولاحظت هي ذلك من نظرة عينيه وعروقه البارزة، مسحت عبراتها ووجهها بعنفٍ ثم نطقت أخيرًا بصوتٍ باكٍ ترجوه كي يُنصت لها:

_علشان خاطري بلاش، بلاش تعمل حاجة وتخليني أخسرك، أنا مش عاوزة من تاني أرجع أحس إني لوحدي وتايهة، أنا مسامحة والله.

_بـس أنا لأ، أنا مش مسامح ولا هسامح، دا حقك ومش هفرط فيه، يمد أيده عليكِ ليه؟ ويغلط في شرفك وسُمعتك ليه؟ لا عاش ولا كان اللي يفكر يهينك ويغلط فيكِ ولا يبصلك بصة ماتعجبنيش، وقفلي على السيرة دي بقى علشان جيبت أخري خلاص.

حين رد بهذه النبرة أقسمت أنها ترى فيه هذا الوجه للمرة الأولى، يبدو أن لكل شخصٍ وجهان كلًا منهما يخرج حين يلزم الأمر، ويبدو أنه نحى شخصه العاقل جانبًا وأناب عنه الآخر ذي الوجه الصلد والملامح الجامدة الخالية من اللين والرأفة، زفر بقوةٍ مُعبرًا عن غضبهِ ثم سألها بنبرةٍ أكثر هدوءًا:

_أنتِ أكلتي حاجة طيب؟.

حركت رأسها نفيًا تنفي هذا الشيء فلانت ملامحه وارتسمت بها السخرية التهكمية ثم تحرك من أمامها يطلب طعامًا لها ثم عاد بعد خمسة عشر دقيقة تقريبًا يعطيها الحقيبة وهو يقول بهدوءٍ:

_يلا تعالي أركبي العربية وكُلي وإحنا في الطريق.

كادت أن ترفض لكنه حذرها بعينيه فولجت السيارة وهي تتنهد بصوتٍ مقطوعٍ وقد جاورها هو وعاونها حين أخرج لها طبق الطعام يعطيه لها ثم مد يده بزجاجة عصير أخرى وقال بهدوءٍ:

_بلاش تشربيها دلوقتي، أشربيها بعد الأكل.

ابتسمت على حنوهِ وشهامته واهتمامه المبالغ فيه بها، كانت تراقبه بنظرات لطيفة لم يرها سوى من هرةٍ صغيرة رباها في بيت أبيه بصغرهِ، عيناها الواسعتان تجعلان الكون ضيقًا في عينيه كأن لا يوجد فُسحة في هذا العالم غيرها هي، بادلها البسمة بأخرىٰ ثم انتبه للطريق حين بدأ القيادة.

حين طال الصمت وهي تُجبر نفسها على تناول الطعام فتح هو مذياع الصوت بالسيارة لعله يُضفي شيئًا في هذا الصمت بينهما وقد ظل يُقلب القناوات الإذاعية حتى وجد نغمة بالتقريب يعرفها فتركها خاصةً حين بدأ المطر يهطل على الطريق:

_قدامي طول عمري قصاد عيني اللي بحلم بيه..
قدامي من بدري مافكرتش في حُبك ليه؟ 
بقالنا سنين بنتقابل ومش فاكرين
 هييجي اليوم نكون عاشقين وفاكرين إننا أصحاب.

حركت عينيها تلاقي عينيه بتيهٍ، حالة خدر تلبستها حتى لمعت نظراتها بشيءٍ من التوتر والخجل لمحهما هو، أحمر وجهها وامتزجت بشرتها السمراء بألوان متداخلة حتى مال فتح لها النافذة وهو يقول بصوتٍ امتلأ بأثر التبسم:

_خرجي إيدك كدا ألمسي المطر.

فعلت كما طلب هو وضحكت حين استشعرت برودة الماء فوق جلد كفها الدافيء، كان يراقبها مبتسمًا ثم أخرج هاتفه والتقط لها الصورة بتلك الهيئة، صورة فنية التقطها وسط المطر وما إن انتبهت له ضحكت بملء فاهها له حتى التقط لها صورة أخرى وهي تضحك، كأنه أقسم أن يُنسيها ما عاشته من ألمٍ ونصبٍ اليوم.

بعد مرور ساعتين بسبب التكدس المروري وصلت شقتها معه وقد تبدلت كثيرًا عن السابق بعدما أجاد هو بلطفه وحنوه أن يكون سندًا قويًا لها، وقد استقبلتهما أمها التي لم تعترض على حضوره، لكن هناك أمرٌ أثار ريبتها، فوزعت نظراتها بينهما ولمحت وجه ابنتها، أثر الصفعة لازال بائنًا في وجهها، لذا بعد جلستهم معًا قالت بنبرةٍ جامدة وهي تعلم أن ابنتها تأذت:

_لولا إني عارفة تربية طاهر ورئيفة كويس وعارفاك كأنك ابني كنت قولتلك إن اللي في وش بنتي دا منك، بس مستحيل يكون دا حصل، يبقى ماتخبيش عليا وتقولي بنتي مالها.

تاهت عيناها بعيدًا عن مرمى عيني أمها فيما تولى "غسان" مهمة الحديث حين تعمد إظهار نفسه في الصورة بقوله:

_بنتك كويسة الحمدلله، بعدين فيها إيه يعني لما أضربها مش علشان أشكمهالكم وتعرف هي داخلة على إيه؟ عصبتني ضربتها سهلة.

مزح معها بالكلمات وفهمت هي أنه يريد إخفاء الحقيقة لكن نظرتها كانت أقوى من ذلك حيث حمحم وخشَّن صوته بقوله:

_حقها عندي أنا وهجيبه، طالما معتبراني ابنك وراجل ليكِ وفي حياتكم يبقى حقها أنا ملزم بيه ووعد من غير ما أغلط ومن غير قلة أدب، واجب عليا ومُلزم بيه، وعلشان دا عمها ومازال هو الوصي عليها أنا هفضل لحد ما أضمن إنه مايبوظش موضوعنا، بس من اللحظة اللي هتكون فيها مراتي صدقيني أنا هقطع صلة الرحم دي خالص.

غلت الدماء في وجه "فريدة" ونظرت في وجه ابنتها التي كتمت البكاء في عينيها ثم رفعت صوتها بنبرةٍ عالية أعربت عن اندلاع بركانٍ كان مكتومًا:

_هو في إيه بالظبط؟ هما مالهم شادين حيلهم علينا ليه؟ ياترى مين بقى المرة دي اللي عمل كدا؟ الصايع اللي اسمه معتز ولا عمه اللي عامل فيها شيخ البلد وماشي يعك في سيرتي وسيرة عيالي دا، أيًا كان اللي عمل كدا والله ما هسكت، وزي ما هما عاملين نفسهم كبار أنا هجيب كبيرهم لحد عندي، لا عاش ولا كان اللي يفكر يرفع عينه في بناتي، دا أنا أقطع وشهم بسناني.

كان زعيقها عاليًا كما زعيق البرق حين يهز السكون، لم يرد أن يقف في وجهها أو حتى يعترض، لأنه يكره كون الشخص سلبيًا، يكره أن يقف المرء ويُتابع المُجريات به بصمتٍ، يعلم أنها صاحبة حق ولذلك سوف يؤيدها حتى تأثر لنفسها وبناتها، مهما كان الأمر سيكون المؤيد لها، 
سيكون الابن الذي لم تُنجبه من رحمها، لكن الابن الذي أتى لها من رحم المُعاناة.
____________________________________

     <"لمَّ الخوف في عينيك إن كنتُ أنا أمان زمانك؟"

وحده الأمان هو الذي يطرد الخوف..
فلا يُمكن للشيء أن يخشى إلا من نقيضٍ له، لا يُمكن أن يظهر ضعف شيءٍ إلا حين تظهر قوة مُعاكسه، فإذا كان الخوف الذي يسكن عينيك هو الأصل، فأماني لقلبك مستوطنٌ..

منذ الصباح وهي تجلس وحدها، في غرفتها فوق الفراش تخرج فقط لقضاء حاجتها في المرحاض ثم تتوضأ للصلاة وتدخل الغرفة تقضي فرضها ثم تجلس القرفصاء فوق الفراش، تضم رُكبتيها لجسدها بشدةٍ وتُحني رأسها للأسفلِ كأنها تُفكر وهي سجينة زنزانة.

لا تعلم ماذا يفعل "أدهـم" بالخارج ولا أين هو، هي حتى حين خرجت تُرحب بالعائلة صُبح اليوم قدمت لهم العصير وولجت من جديد للداخل، لازالت خائفة، تائهة، ضائعة، وتتمنى من رب العالمين أن يُرشدها الصواب، شردت في حالها بتيهٍ حتى انتبهت لطرقاتٍ فوق الباب فأجفلت وانفلتت الكلمة من جوفها بلهفةٍ:

_أدخل.

ولج "أدهـم" بترددٍ فأدركت هي أنها بخصلاتها الحُرة المكشوفة بغير حجابٍ، ثم عاد عقلها يذكرها بحقهِ وملكيته فراقبته بارتباكٍ، أما هو فانتبه لها وهي تشبه اللقطة السينيمائية في أحد الأفلام الرومانسية، فتاة بجمالٍ متواضع وملامح شرقية بسحر الإسكندرية الخلاب فوق ملمحها، خصلاتها الكثيفة تُحيط حول وجهها، هناك غُرة طويلة تبدو أنها قديمة تُغطي جانبي وجهها، راقبها بانشداهٍ كأنه يراقب لوحة نادرة الجمال.

ارتبكت هي من نظراته فلملمت خُصلاتها للخلف برابطٍ مطاطي مرتخي ثم سألته تعيده لواقعه بعيدًا عن شروده فيها:

_نعم؟ محتاج حاجة؟.

في الحقيقة هو مسكينٌ في هذا الحين وما يحتاجه لن يستطع الحديث وصفه، عاد لرُشدهِ أمام عينيها _رغم تيهه فيهما_ وحمحم بثباتٍ وقال ردًا على جملتها وقد يكون نساها:

_آه، لأ، مش جعانة؟ ماكلتيش من الصبح.

كيف تخبره هي عن ألم معدتها والاضطراب الذي تُعانيه؟ كيف تخبره عن أمراض القولون العصبي وأثر الالتهابات السابقة التي لم تتعافَ منها بشكلٍ كافٍ؟ خجلت أن تنطق بهذا القول فبدلته بحديثٍ عقلاني:

_مش متعودة آكل دلوقتي.

ظهر الإحباط فوق ملامحه ثم اقترب وجلس في مواجهتها وزاغت عيناها بعيدًا عنه فيما نطق هو بشكلٍ مُباشر:

_شوفي يا عُـلا علشان أَوفر وأقصر مسافات علينا مع بعض، علاقتنا مش هتقف هنا ولا دا آخر اللي بينا، مفيش حاجة اسمها جواز مؤقت أو مشروط، دا حرام ويعتبر عند ربنا، فأنا قدام ربنا والناس حطيت إيدي في أيد أخوكِ إني هراعي ربنا فيكِ، ومستني منك فرصة تاخدي فيها على الوضع والجو ومعاكِ وقتك كله، بس بلاش تحطي مسافات وتزويديها وتصعبيها، لازم نكسر الحدود دي ونقرب، ونفهم بعض، منها إننا نشارك بعض، اللُقمة حتى يا ستي ناكلها مع بعض، هو أنا بقولك تعالي في حضني؟.

توسعت عيناها حين نطق بالجملة الأخيرة فوجدته يقترب أكثر حتى أصبح الهواء فقط هو الذي يمر بينهما وحينها ركز بعينيه في عينيها وهمس بنبرةٍ أثارت مشاعرها البريئة مقارنةً بجُرأته:

_مع إنه حقي وأقل بكتير بس أنا مش هعمل كدا، هسيبك لحد ما تفتكري لوحدك الحضن دا وصاحبه، علشان أنا متأكد إن اللي بينا عمره ما يتنسي، ولو كنتِ نسيتيه فاللي هيبقى بينا هيرجعه كله.

ياليته يعلم كيف حال قلبها بهذا القُرب المهلك، ياليته يَطِلع على قلبها البريء الذي يرجف بسبب عينيه دون سببٍ واضح، عن أي عناقٍ يتحدث وهي تموت أمامه من مجرد قُربٍ؟ شخصت بعينيها بعيدًا عنه وقد ابتسم هو حين أدرك أثره عليها، أدرك حين فهم أن قربه وتخطيه للحدود سوف يُعيد له رفيقة أيامه، حتى وإن كانت رفيقة مقربة هو يتقبل لأجلها فقط.

خرج وترك الباب مفتوحًا حتى يترك لها المساحة كي تختار، وبعد مرور دقائق قضتها هي في الصراع الدائم مع نفسها حسمت أمرها وخرجت له، سوف تشاركه حتى لو لم تسمح شهيتها بذلك، وقد لمحها هو من داخل المطبخ فابتسم بزاوية فمهِ بسمة واثقة لأنها لم تُخيب نظره فيها.

لمحت بعينيها المطر من خلف الزجاج الخارجي فتنهدت وتحركت نحوه تحمل الأطباق بصمتٍ ثم وضعتها فوق الطاولة بداخل المطبخ، عاونته حتى جلسا سويًا ثم وضع الطعام أمامها وقال بهدوءٍ:

_كُلي كويس واشبعي علشان أكيد مش هتخرجي تغرفي وتحطي أكل لنفسك في المعزل بتاعك دا، لسه عاوزة آدم ييجي برضه؟.

كان سؤاله هاديء النبرة والوتيرة ولم تلحظ فيه أي تهكمٍ أو سُخريةٍ، لذا ردت عليه بامتنانٍ:

_لأ خلاص، هو بس إمبارح علشان كنت متوترة وخايفة شوية، لكن حاليًا أحسن بكتير، شكرًا على ذوقك وإنك قدرت موقفي، ماتعرفش أنتَ كبرت في نظري إزاي بعد كلامنا، وأنا هحاول أتعود بسرعة على الجو هنا علشان مش حابة أكون مسببة إزعاج ليك، بس موقفك أنا عمري ما هقدر أنساه وهفضل فاكراهولك طول عمري.

ابتسم لها بسمة صادقة ثم تنهد بقوةٍ وأشار لها كي تتناول الطعامِ، بدأت تأكل معه في صمتٍ وهي تتحاشى النظر إليه، اكتشفت أن ألم معدتها أتى بسبب الجوع وليس إلا، حين بدأت الطعام ظلت تأكل وخاصةً أن المذاق شهيٌ من صنع يدي "آدم".

طال الصمت بينهما ولم يقطعه إلا رنين هاتفه برقم أحد الأصدقاء القُدامىٰ، فلازال يستقبل المُباركات والتهنئات من المعتذرين عن الحضورِ ويرفع عنهم هو الحرج بذوقه ولباقته وتقديره لهم، وحين تحرك يُكمل الحديث أنهت طعامها ونظفت مكانهما ولملمت الطعام المُتبقي، ثم تحركت نحو الشُرفة تلحق ذرات المطر الأخيرة.

اندفعت تُخرج كفيها للخارج كي تستقبل قطرات المطر فوق راحتيها، وكأن صوت المطر هو اللحن الذي لا تمل من سماعهِ، ابتسمت وتنهدت تستشنق رائحة المطر الممزوجة بالغبارِ ثم فتحت فمها تلفظ أنفاسها للخارج، كان هو يتحدث في الهاتف في النافذة التي تطل بتوازٍ مع نفس جهتها  ما إن حرك رأسه لمحها وهي تبتسم وتُراقب الأمطار، شرد في ملامحها وطريقتها والغريب أنها لازالت تحتفظ بصورتها نفسها منذ الصغر.

_"يا عم روحت فين بكلمك، أنتَ معايا".

أتى الصوت عاليًا من هاتفهِ وقد انتبه هو لمن يحدثه فقال بصوتٍ مشدوهٍ كأن عقله طاح هناك بعيدًا حيثُ مظهرها هذا:

_معاك أهو، بس هي الشبكة بتيجي في حتت غريبة كدا وتلقط.

قال جملته وهو يُراقبها ثم أغلق الهاتف مع من يُخاطبه ثم تابعها بعينيه وحين مشت حتى نهاية الشُرفة تحرك هو وقدُمَ يقف بقرب الباب وتابعها بعينيه وهي تضحك حين ينزل المطر على لسانها رغم أن جسدها يرجف وقد طار الوشاح عن رأسها وانكشفت خصلاتها وهي تضحك بنفس الاستمتاع، وعيناه لم تُبرحا مكانها حتى ابتسمتا هما أيضًا.

كان كفها بالخارج وهي متوارية خلف الزجاج الساتر، تعيش في أسعد لحظات الحياة وهي تضحك وصوت ضحكتها يعلو من بين زخات المطرِ، بللت جانبها الأيسر كله بالتقريب حتى هدأ الصوت وبدأ ينعدم فالتفّت له وجدته يُراقبها، تعالت نبضاتها بتوترٍ وتجمدت فيما تحرك هو مقتربًا منها ثم نزل يلتقط وشاحها المميز الزيتوني المسمى "باشمينا" ثم لفهُ حول رأسها وجيدها مبتسمًا.

وقفا نظير بعضهما والمطر يميض ويخبو مُجددًا وصوت النبضات والأنفاس المتوترة هو الذي يعلو في المكانِ، ظلا هكذا لمدةٍ مجهولة حتى نطق هو بانشداهٍ أمام عينيها:

_تعرفي إن شكلك لسه زي ما هو ماتغيرش ونفس حركاتك هي هي، رغم إن كل حاجة تقريبًا اتغيرت، حتى أنا، بس أنتِ لسه زي ما أنتِ يا عُـلا.

رفعت عينيها تُلاقي عينيه بهما وبتواصل المُقل سألته بعينيها عن صدق حديثه وكانت اللهفة هي أصل السؤال، فابتسم هو يؤكد صدق الكلامِ وقبل أن يتحرك؛ مال للأمام بحركةٍ بطيئة ثم ترك قُبلته الأولى فوق وجنتها بعمقٍ؛ متجاهلًا رجفتها وتوترها لكنه استمع لصوتٍ بداخله فلبىٰ النداء له بغير تفكيرٍ في التوابع.

ارتجفت بموضعها حين اقترب يفعل ما فعله وحين دمر كل الثوابت فيها، بينما هو فابتسم بظفرٍ لأنها لم تُجافيه كم ظن، لم تعامله كغريبٍ يتعدى حدوده، بل هي صمتت وكأنه مألوفٌ لها ولحدودها، كما المحارب الذي يتلصص على حدود بلدته كل ليلٍ ليؤمن أراضيها، كادت أن تغضب وينفر منها جسدها الذي لم يتقبل أي لمسات خارجية، لكنها تذكرت جملته فجر اليوم:

_"وأمانك من دلوقتي بقى معايا أنا يا عُـلا".

وهو الذي تأمنه منذ الصغر..
منذ أن بدأت تتحرك وهي لا تعرف غيره هو، كان ذات يومٍ هو الصديق والأخ والرفيق والمؤنس في الليل،
ذات يومٍ كان هو الأمان نظير خوفها.

هرولت من أمامه نحو الداخل تحبس نفسها بداخل الغُرفةِ ثم مدت يدها تُدلك موضع نبضها الذي ألمها وكأن قلبها عاد من سباق العِدو، ثارت ثورة بداخلها وكأنه مواطنٌ وأثار الشغب في ميادينها الآمنة والمُحصنة، وإذا استمر الوضع هكذا سوف تُعلن سقوط الحاكم وفك حصار الوطن عن قريب.
____________________________________

  <" لكل حدثٍ أثر ولكل حكاية ماضي لم يُعرف بالكامل">

سبتمبر 1998..

هناك جزءٌ في زمانٍ ما تسبب في حدوث كل شيءٍ بالحاضر، جزء لا يَصح الصمت عنه ولا حتى الحديث يصف ما كان فيه، هي حكايا تترك أثرها غير المخبوء ثم تختبيء هي وكأنها لم تكن قط، لكن حتى ذاك الأثر الذي تتركه يكون ذات يومٍ خير الدليل على حدوثها.

مر شهرٌ على الخطبة في صمتٍ تام وأحداث ثقيلة، لم يلتقِ فيه "طاهر" بخطيبته غير مرتين فقط في بيت والدها وبعدها ذهب لوحدة التدريب والتعليم المهني للقوات الجوية، قضى فترة التدريب هُناك وعاد قبل زفاف بثلاث أيام وليلتين فقط، وقد أصر أن يتم الزواج في شقة بعيدة منفردة عن بيت العائلة اشتراها بنظام التقسيط تمهيدًا للاستقلال بحياتهِ، وحين اعترض والده تحداه هو بقوله:

_دا اللي عندي، يا الفرح يتم وأطلع على شقتي يا مفيش فرح وأنسى إنك ليك ابن وخلي الناس كلها تجيب في سيرة ابنك، وشوف رد فعل داغر بقى لما ماروحش الفرح؟ طالما عاوزينها لوي دراع وخلاص.

انفعل والده وهدر في وجهه بتجبر وشموخٍ لكنه كان كما الفريسة التي تتلمذت في الغابِ على يدِ الضارية، عرف كيف يقوم هو بلوي ذراعهِ حتى يوافق والده على ما يُريد، ورُغم النقاشات الكثيرة ومحاولة إقناع "داغـر" لكنه وافق أخيرًا أن يتم الزواج في الشقة ثم يتم الانتقال بعدها للبيت الكبير الخاص بالعائلة.

تم الزفاف بكل وقارٍ وشكلٍ يليق بمكانة الأبوين ومركزهيما، وسط حضور حشدٍ من رجال الحكومات بمختلف جهاتها وسيادتها، ورُغم كل شيءٍ كان الحزن سيد الموقف، كانت "رئيفة" حزينة، وحيدة، عروس بالاسم فقط بلا بهجة، وهو كان يرسم الثبات أمام الحاضرين، يظهر مبتسمًا وهو يجاورها بعد عقد القران حين أصبحت له وفي كنفهِ..

ولجا معًا الشقة وقد أُغلِقَ الباب عليهما، أصبحت له ولأول مرةٍ تعهد رجلًا غير أبيها، وياليت أبيها ترك لها صورة جيدة، لقد دمرها وجعلها هشة وضعيفة رُغم أن روحها متمردة وقوية وتعشق المغامرة، لكنه حين لمح وهج هذه الروح فيها أطفأ النور بداخلها وتركها مُعتمة.

حيث أغلقت الأبواب عليهما ودَّب الخوف في قلبها منه، كانت ترجف خوفًا، ترتعد فرائضها، تضغط بأظافرها في لحم كفيها حتى كادت أن تذبح راحتيها، وقتها راقبها "طاهر" من على بعدٍ، لمح كل انفعالات جسدها، تذكر سطوة والده عليه وهو يجبره على الزواج بها، ومن المؤكد كان الحال عندها يُماثل حاله.

مصلحة عملية جمعت الآباء معًا وراح ضحية لها الأبناء، وقتذاك اقترب "طاهر" من الأريكة التي تجلس عليها وتطوي فيها نفسها، حيث تثني جيدها للأمام وتحني رأسها، وتنخر في لحم كفيها وتشُد أعصاب جسدها كأنها ضحية تُرافق جلادها، راقبها هو بعينين غام فيهما الحزن، طفق النفور من كلا الأبوين يظهر على هيئته، سحب مقعدًا خشبيًا فأصدر صوتًا جعلها تجفل، ارتعدت وتعرق وجهها من الخوفِ، لم تملك الجرأة كي ترفع عينيها وتواجهه، لكنها انكمشت حين اقتربت أنفاسه منها، حين وصلها هدير أمواجه كأنها تغرق في عُمق البحرِ، وقد مد يديه يمسك كفيها ثم مسح فوقهما حتى هبطت عبراتها رُغمًا عنها.

وقتها ابتسم "طاهر" ومد إبهام يُمناه وسألها بحنوٍ:

_خايفة؟.

أومأت بلهفةٍ وهي تعتصر عينيها، وقد كانا متضادين مع بعضهما في هذه اللحظة هي كما النيران المُضرمة وهو كما كتلة الثلج، يصعب اتحادهما دون أن تخفت قوة أحدهما، كانت تخشى القادم معه، تخشى أن يكون نسخة من الرجل الذي تربت في كنفه ومن بعده هو أول رجل تعامله بشكلٍ مباشرٍ، بينما "طاهر" فوجد فيها ما لم يجده في بيته، وجد في عينيها الحنو الذي لم يعرفه، اقترب أكثر ومسح عبراتها ثم تنهد وهمس بصوتٍ مُحشرج:

_أوعدك مش هقرب منك، مش هاجي جنبك حتى في الأوضة دي وهديكِ المفتاح بنفسك تخليه معاكِ لو تحبي تقفلي على نفسك، وأوعدك مش هتخطى أي حدود هنا غير لما تأذنيلي بدا، وفيه حاجة كمان هاقولك عليها يا رئيفة ولازم تتأكدي منها، مش معنى إن أبويا مشى كلمته عليا وخلاني اتجوزت فدا معناه إني مش راجل، أنا لو مش ليا مزاج ماكنتش كملت، والأهم إني مش الراجل اللي هسمح حد يبقى ليه كلمة عليا في بيتي غيري أنا، يعني أبوكِ يعمل اللي عاوزه، وأبويا يعمل اللي عاوزه بس بعيد عن حياتي وبيتي، بعيد عن مراتي، حياتنا أنا وأنتِ هنمشيها مع بعض، وزي ما وعدتك قبل كدا، لو حُريتك إنك تبعدي عن مصر كلها وتبعدي عني، أنا هخلص الموضوع وأسفرك وأطلقك، بس تسمعي كلامي وتساعديني علشان أعرف أساعدك.

وقتها أومأت بلهفةٍ ومسحت وجهها، فقد كانت تكره نفسها، تكره ضعفها لأنها الصغيرة التي خُلفت لتتمرد، تتمرد على كل شيءٍ وترفض الخنوع، تمامًا كما "فريال" شقيقتها الكُبرى، رفضتا سطوة "داغر" وعنفوانه وتجبره وتكبره، وقد هدأت من ضياعها حين خرج "طاهر" وتركها بمفردها وترك لها المفتاح كي تؤمن نفسها منه. ولأن النصيب هو الغلَّاب دومًا، 
حين كان نصيبها "طاهر" رضيت به وتركت القصة تكتمل كما كان مكتوبًا لها..
____________________________________

  <"لا اليابسة تأويني بأمانٍ ولا البحر يحفظني من الغرقِ">

لا فارق بين البحر واليابسةِ حين يغرق المرء في نفسهِ..
تثقل أنفاسه ويفقد روحه المُثابرة، حين يُكابد بين ماضٍ وحاضرٍ، فلا يموت ذاك ولا تعيش فيه الحياة.
حين يفقد المرء نفسه ويظن أن أمر التعافي بات مستحيلًا،
 سوف يشتهي الغرق في البحرِ..

خرج "يحيى" من المشفى بابنته بعد مجيء "أنيس" له من مدينة الغردقة حين عرف بمكالمةٍ هاتفية ما حدث معهما، فترك كل ما في يده لأجلهما، لم يهتم بشيءٍ غير الصغيرة وأبيها، وبمجرد العودة نامت "رحيق" بعناق والدها بملامح ذابلة، ملامح تُشبه الوردة المقطوفة من حقلها ومُلقاة فوق الطريق يدهسها المارة، راقب ملامحها التي خبت وهجها وعاد الإنطفاء لها بحزنٍ بلغ عليه أشده..

حملها عنه "أنيس" ووضعها بداخل غرفتها فوق الفراش ثم دثرها وترك لها إضاءة خافتة وخرج يجلس بجوار ابن شقيقته الذي أشعل سيجاره بلهفةٍ، مط خاله شفتيه بيأسٍ ثم تنهد معبرًا عن ضيقه ذرعًا ونطق أخيرًا بثباتٍ شديد اللهجة:

_بلاش تعرف يسري حاجة عن اللي حصل أنتَ مش ناقص، لو عرف ممكن يتهور وييجي ومش بعيد يقع بلسانه هناك قصاد حد، أو يمكن شيطانه يوزه ويروح يقول لأخوه وتبقى ساعتها فتحت على نفسك أبواب النار كلها.

لم يهتم "يحيى" بالحديث ولم يكترث، رفع رأسه ثم نظر في وجه خاله وبعد صمتٍ كسىٰ اللحظات بثقلٍ بينهما تحدث أخيرًا بهدوءٍ أشبه بهدوء ما قبل العاصفة:

_مش مستاهلة كل دا، أنا خدت قراري خلاص ومش هرجع عنه، رحيق هترجع تاني الغردقة لجدها وجدتها تعيش معاهم، هما أحق بيها مني وهيحافظوا عليها، على الأقل هتبقى وسط ناس وعيلة مش مسجونة بين أربع حيطان، يمكن أكون أنا اللي أناني وخدت منها كتير.

كانت يتحدث بانهزامية واضحة، يتكلم وحديثه يودي لطريقٍ مسدودٍ مُغلق كما النفق المُظلم، وحينها لم يتحمل "أنيس" أكثر من هذا فما كان عليه غير الإنفجار بقوله في وجه الآخر:

_أنت باين عليك اتهبلت في مخك ولا اللي حصل دا لحس دماغك خلاص، بعد كل دا؟ بعد السنين اللي ضيعتها وأنتَ هربان لوحدك ودافن نفسك بالحيا وشغال عند الناس بعدما كنت صاحب مكان يشتري السوق باللي فيه؟ عاوز ترجعها ليهم علشان يدوسوك؟ عندك فكرة لو روحت ليهم هيعملوا فيك إيه؟ مش بعيد حسين يرميك في السجن ويخلص منك، وبنتك تتحرم منك زي ما اتحرمت من أمها.

كان يهدر فيه معبرًا عن غضبه واندلاع نيران قلبه بسبب الحديث حتى صرخ "يحيى" هو الآخر معبرًا عن الطوفان الذي يُغرقه:

_تتحرم هي مني بس تبقى عايشة بكرامة أحسن ما تتذل وتتبهدل معايا كدا، تبقى بعيد عني أحسن ما تفضل محبوسة هنا بين أربع حيطان والموت محاوطها، تتحرم مني وتعيش من غيري أحسن ما أنا أتحرم منها وتبقى هي آخر فرصة ليا هنا، يا سيدي أنا كنت أناني فعلًا لما خدتها ومشيت، لأن لو بصينا هنلاقي إن الصح إنها تعيش وسطهم، على الأقل تبقى زيها زي غيرها اللي في سنها، يبقى أبسط حق ليها أنها حتى تصرخ تستنجد لما يحصلها حاجة، يا أخي ياريتني ما رجعت من برة ولا اتنيلت وشوفتها، ياريتني ما حبيتها ولا رضيت أكمل.

تألم في نهاية حديثه حتى لمعت العبرات في عينيه وبدا عاجزًا أمام خاله الذي تابعه بحزنٍ وفجأةً ضمه لعناقه يأويه بداخله، ضمه كما يضمه في صغره وقد صمد "يحيى" بغير وعيٍ منه لكن أبلغ ما قيل عنه وتم وصفه به:

_في البحرِعاش عمرًا 
وخرج منه وهو الغريق
وفوق اليابسةِ ضاع دهرًا 
وتاه دون أن يُدركه الطريق.

بمدينة الغردقة حيث القرية السياحية..
قرر "يُسري" أن يصطحب ابنه معه للقرية بمناسبة عطلة نهاية الأسبوع، أخذه معه لهناك وجلس به عند البحيرة الاصطناعية وقد ظل يلعب "صُهيب" ويضحك أمام والده حتى لمحهما "مُراد" من على بُعدٍ، من مسافة بعيدة لمح ابن شقيقه فوقف يُراقبه بعينين مبتسمتين وقد فاض منهما الحنين..

تحرك دون أن يعي حتى وصل إليه وبمجرد أن أقترب جلس على عاقبيهِ وحدثه بنبرةٍ أعلنت الترحيب والود:

_يا خبر أبيض !! دا المكان نور بوجودك فيه، عامل إيه؟.

ابتسم له "صُهيب" ونظر لوالده الذي ابتسم له، وفي اللحظة ذاتها كان "مُراد" ضمه لعناقه ثم همس له كأنه يعتذر له بطريقةٍ غير مباشرة:

_إيه رأيك نروح نلعب مع بعض؟ أنتَ وحشتني أوي.

صرح للصغير بغير كذبٍ أو مواراةٍ لمشاعره أفصح عن الذي بداخلهِ حتى بدأ يعود لطبيعته قبل أن يفقد نفسه، قبل أن يضيع من ذاته ويتلون بصبغات الدنيا وأحداثها، تحرك مع "صُهيب" وطلب منه أن يحمله فحمله "مُراد" مبتسمًا وتحرك به، وقد راقبهما "يُسري" بابتسامة ظفرٍ حين صدقت ظنونه بشأن التفكير بشقيقه ومحاولة استعادته من غيابة الجُب.
___________________________________

   <"كل الحياة قائمة على غير المتوقع، لكن متوقع آتٍ">

قد يكون النهج السائد هو غير المتوقع..
لكن أيضًا كل متوقعٍ آتِ، حين يتوقع المرء حدوث شيءٍ ويبني عليه أحلامه القادمة وحياته لما بعد بعد ذلك، قد يأتيه توقعه وإن كان بزمانٍ مختلفٍ، بتوقيتٍ مُغاير لوقت أحلامه.

في اليوم التالي..
ببيت "مُرسي" بشقته كانوا يتناولون الطعام مع بعضهم، حول المائدة المستديرة جلسوا مع بعضهم بعد عزيمة أقامتها "خيرية" تجمع فيها ابنيها معًا وتجمع كل أفراد أسرتها من جديد، كانت "ورد" تجلس بجوار زوجها وهي تنتظر انتهاء هذه الليلة بفارغ الصبر، تنتظر مجيء اللحظات القادمة وهي ترسم آلاف الخيالات وتتحدى مخاوفها تجاه البعض.

_تسلم إيدك يا ماما الأكل زي الفل.

تفوه بها "منتصر" حتى ردت عليه هي بسعادةٍ وانتصار حقيقي:

_ألف هنا يا حبيبي مطرح ما يسري يمري يا رب.

انتبه لزوجته شاحبة الوجه والملامح، ثم لاحظ فقدانها للشهية فمال عليها يهمس بخفوتٍ:

_أنتِ مالك وشك أصفر كدا ليه؟ أنتِ كويسة؟.

أجبرت شفتيها على التبسم وهي توميء له لكنها حقًا تشعر بالخمول الشديد، ورُغم عدم تناولها الطعام لكنها تشعر بتخمةٍ أصابت جسدها كأنها تناولت مائدة، راقبها هو ثم أمسك كفها وأوقفها وقال بهدوءٍ يوجه حديثه لأسرته:

_معلش يا جماعة بس ورد شكلها تعبان شوية، هطلع أديها علاج واخليها ترتاح شوية أو ممكن ننزل نكشف أفضل.

لم يترك مجالًا للردِ وتحرك بها بعد أن دعمه والده وظل يدعو لهما، وبمجرد أن صعدا معًا اجتاحتها البرودة، أحست كأن جسدها يخونها، ولجت غرفتها وغابت بعدها في المرحاض لمدة دقائق وهو ينتظر في الخارج ويبحث بعلبة الإسعافات عن دواءٍ لها.

وهي بالداخل تستكشف الجهاز الذي بيدها، اشترته صُبح اليوم حين شكت في الأمر ولاحظت تدهور حالتها وطبيعة جسدها وتأخر العادة البيولوجية الشهرية أيضًا، والآن هي تتيقن من شكوكها، تحمل في رحمها جنينًا من الزوج الذي علمها كيف تحلم وتعيش، ضحكت بحماسٍ وظلت تتقافز بموضعها بعد تمني لما يُقارب الثلاث أعوام..

طُرق عليها الباب بصوتٍ قلقٍ مضطربٍ فانتبهت لصوته وحينها غسلت وجهها ثم ظلت تلتفت حولها حتى وجدت مُرادها، سحبت أحمر الشفاه الخاص بها ثم اقتربت تكتب على مرآة المرحاض بمرحٍ بعض الجمل المتداولة في مثل هذه المواقف.

_ 3=1+1

_Hello baby

كتبت الاثنتين ثم تركت بجوارهما جهاز اختبار الحمل وفتحت الباب وخرجت له بملامح متوردة عن السابق، رحل شحوبها وعاد وجهها يتلون والحياة تنبض فيه، وبمجرد أن لمحها "منتصر" سألها بلهفةٍ:

_أنتِ كويسة يا بنتي؟ مالك ما تقوليلي فيكِ إيه؟.

ابتسمت له ثم ردت عليه بنبرةٍ شديدة الرقة والهدوء كما أصل طباعها الراقية المترفعة:

_حاليًا أحسن بكتير الحمدلله، أدخل الحمام لو عاوز.

ولج المرحاض بعجبٍ من أمرها وأثناء خروجه وهو يغسل كفيه لمح المرآة ولمح المكتوب عليها، عقد حاجبيه أكثر بغير استيعابٍ وحين لمح جهاز الاختبار توسعت عيناه وفتح الباب بلهفةٍ فوجدها بالخارج تنتظره، لكنه ما إن خرج سألها بلهفةٍ:

_بجد !! حامل؟.

حركت رأسها تؤكد ظنونه فضحك هو وحملها ثم دار بها اختلط صوت ضحكاتها بصوت بهجته وكلاهما يتشاركان في دنيا خاصة بهما وحدهما، دنيا أصبح بها الشيء الذي يدفع المرء للاستكمال والممارسةِ في فنون القتال مع الحياة لأجل العيش.

بالأسفل كان التبرم سيد الموقف بعد تحركه بزوجته لوت "خيرية" فمها باستهجانٍ ثم بدأت تُلملم الطاولة وقالت بسخطٍ منهما ومن طواعية ابنها لها:

_حجج فارغة والله وبنات آخر هم، شوية الدلع والمياصة بتوعها دول اللي مخليين ابنك مدلوق عليها ومش على بعضه، هي لقت المواعين كتيرة والشقة محتاجة تتروق خافت تعملهم قامت عاملة الشويتين بتوعها، علشان ماترفضش قدامه ويغضب عليها، آه منها بنت رباب دي، بت مش سهلة.

بتر زوجها الحديث المُسيء للفتاة حين نطق بنبرةٍ جامدة:

_وأنتِ اتشليتي يعني؟ ما أنتِ زي الفل أهو مستنية هي تعملك ليه؟ مش صممتي هي ماتحطش إيدها في الأكل علشان تعمليه كله لابنك بنفسك؟ خلاص هي مالهاش دعوة بقى بمواعينك ومطبخك، شيلي شيلتك لوحدك وخليكِ في حالك.

رمقته بطرف عينها وأخذت ترطن بالحديث وتُغمغم ساخطةً على كلماته وإنصافه التام لتلك الفتاة، تتمنى لو يكف عن الحديث عنها ويراها بعينيها ليكتشف خُبث طباعها التي تتلون وقتما تشاء كيفما تشاء، لكن في الحقيقة هي تراها بعين طبعها هي، ويُصور لها عقلها أن هذه هي أصول طباعها.
____________________________________

    <"أنا هُنا معك وإن كان العالم بأسرهِ ضدي لأجلك">

مرحبًا بكِ أيتها الخائفة..
لقد سمعت اليوم عن قسوة الطقس في مدينتك المُفضلة، 
يقولون الإعصار يُدمر فيها كل شيءٍ، مسّاكين هؤلاء بالطبع، لم تتسنىٰ لهم رؤية البراكين الموقدة بقلبي بنظرة واحدة منكِ..

منذ الأمس وهي تختبيء في الغُرفة، لم ترد أن تظهر أمامه فتُعرض نفسها لموقفٍ محرجٍ معه، حتى في الصباح تناولت الفطور بدونه في غرفتها وهي تشعر أن كلما مر الوقت أكثر كُلما تلاشت الحدود أسرع، تبدو كمراهقة تغامر بالوقوع في حب جارها لكنها تخشى من بطش أهلها إن عرفوا..

في الخارج كان يتسطح الأريكة عاري الجذع بمللٍ وهو يمسك جهاز التحكم ويُقلب بين القنوات بمللٍ حتى صدح صوت الجرس فتحرك للباب يفتحه ناسيًا كل شيءٍ وبمجرد أن رآه "آدم" ابتسم بتهكمٍ وتشدق بسخريةٍ:

_إيه دا؟ أنا جيت في وقت مش مناسب ولا إيه؟ أومال لو مش متفقين وواخد منك وعد شرف وكلمة حق بقى.

لم يفهم "أدهـم" سبب حديثه وبان ذلك فوق ملامحه لذا رد عليه بضياعٍ:

_أنتَ عبيط؟ ما طول عمري بقعد كدا من إمتى بلبس؟.

_يا عم الله يسهلك، فين عُـلا بقى؟.

حين رد عليه أخوه تذكرها وتذكر أمرها، يبدو أنه نساها ونسى أنها تعيش معه، لذا جحظت عيناه للخارج وسُرعان سحب سترته وجلس مع أخيه الذي قال بهدوءٍ:

_خالتك وجوزها جايين في الطريق وعمتك وجوزها طالعين معاهم يباركوا ليكم، خليكم عادي بقى قصادهم كأنكم عادي بلاش بقى سيرة اللي حصل وإن عُـلا لسه متوترة وخايفة، هي ممكن تكون لسه بتتعود.

_ياعم متقلقش محدش ليه دعوة، مراتي بقى وأنا وهي حُريين مع بعض، استنى أدخل أصحيها ولا أخرجها بدل ما هي حابسة نفسها كدا.

تحرك نحو غرفتها يطرق بابها فتحركت تفتحه بخوفٍ وبمجرد أن وقعت عيناه عليها أشبع نظراته برؤيتها ثم عاد يباشرها بما يريد قائلًا:

_"آدم" جه برة طالع يتطمن عليكِ، وفيه ناس جاية كمان شوية.

وبكل الخوف اندفعت تسأله:

_مين دول؟.

_متقلقيش أوي كدا، خالتي وجوزها وابنهم أنتِ عارفاهم، وعمتو هتطلع معاهم وعمو عـرفه برضه.

من جديد توترت وأكلها الخوف أكلًا حين عرفت بمجيء كل هؤلاء، كيف تتصرف معهم؟ كيف تقابلهم، ماذا تفعل وهي حتى حديث "رباب" نسته كله كأنه لم يكن، راقبها "أدهـم" وهي ضائعة أمامه فولج الغرفة وأغلق بابها يسألها بهدوءٍ:

_مالك وشك جايب ألوان ليه؟ مش عاوزة حد ييجي؟.

حركت رأسها نفيًا تنفي ظنونه ثم تولت الحديث بقولها:

_لأ مش قصدي كدا، بس متوترة أوي وخايفة، المفروض إنهم جايين يشوفوا عروسة ويباركوا ليها، أعمل إيه وأقدم إيه ليهم ولا ألبس ولا المفروض ماطلعش أصلًا؟.

من جديد تضيع أمامه وتكشف له عن مخاوفها، فمد يده يلتقط كفيها بين كفيه ثم ربت فوقهما متجاهلًا رجفتها ونطق بهدوءٍ:

_متقلقيش من دي، أنا موجود معاكِ وهتصرف.

تحرك من الغرفة نحو غرفته هو ثم فتح الباب الخاص بثيابها ووقف ينتقي من بينهم حتى وقعت عيناه على عباءة استقبال باللون الأبيض الكريمي تُشبه الفستان ثم سحب الحجاب الخاص بها، أعجبته وشعر أنها مناسبة لها أمام الزائرين ومحتشمة ذات طبعٍ أنيقٍ..

عاد لها ومد يده بالعباءة وقال بصوتٍ هاديء:

_ألبسي دي وجهزي نفسك وأنا معاكِ، خدي راحتك.

تركها لها وخرج بعدما ابتسم بعينيه ولاحظ أنها حقًا فتاة تحتاج الرأفة بها وبحالها، تحتاج لمن يمد يده لها ويأخذ بكفها من بين الناس ويُرشدها للمكانِ الآمن، خرج لأخيه واستقبل العائلة وسط الضحكات والمزاحات وتكرار لقب "عريس" ببهجةٍ خالصة ونظرة خبيثة جعلته يبتسم لأنه كان "عريس" بمنظورٍ آخر.

جلسوا مع بعضهم يسألون عن أحواله وأحوال زوجته وهو يجاوب بقدر السؤال، وقد تحرك نحو الداخل فوجدها تُعاني إغلاق زرين العباءة العلويين من الخلف، كانت تحاول لكنها شعرت بالإحباط كلما وجدت ظهرها مكشوفًا، اقترب هو متجاوزًا تلك المسافة ثم وقف خلفها ومد كفيه يُغلق الأزرار لها.

لمحته هي بضياعٍ والتفّت له ترمقه بسهامها فتلقاهما بصمتٍ ثم وقف مقابلًا لها ومد كفه يخفي الخصلات المكشوفة من مقدمة الحجاب، حاول ضبطه حتى اختفت خصلاتها تمامًا وكذلك ظهرها الذي كان مكشوفًا ثم قادها للخارج، ولج بها المطبخ وترك في يدها صينية الحُلويات، وحمل هو صينية العصائر والمشروبات ثم أتى بالبقية، بينما هي بمجرد خروجها سرقت الأنظار التي توجهت إليها وخاصةً بصوت زغرودة "ربـاب" التي رآتها فأعربت عن فرحتها بتلك الطريقة.

تعالت الضحكات والمزاحات وحين ارتبكت "عُـلا" لمحها هو فتحرك يجلس بجوارها ثم مد يده في الخفاء يضغط بخفةٍ فوق كفها المرتجف وهمس دون أن ينتبه له أحدٌ:

_أهدي مش مستاهلة كل دا، أنا معاكِ.

وهذه الحقيقة التي لا تنكَر، هو معها حقًا وهي تمتن كونه لاحظ وضعها ورجفتها، وقد كان هو له لغة خاصة به بعيدة ومنفردة عن العالم، لا يمكن له أن يقسو على ضعيفٍ أو محتاجٍ، حين يرى الضعف متجليًا في أحدهم يحنو هو عليه، شرد فيها وهي ساكنة بجوارهِ كما كانت تجلس معه بصغر عمرها.

صدح صوت جرس الباب فتحرك "أدهـم" بصفته الأقرب من الباب وبمجرد أن تحرك من جوارها حركت رأسها نحو الجالسين تبتسم لهم، فيما فتح الباب هو ببسمةٍ خبت وهجها حين لمح "داغـر" على الباب يبتسم له وهو يقول بثباتٍ:

_مبروك يا عريس، إيه مش واجب آجي أبارك لحفيدي؟.

أتى ومجيئه لم يكن نذرًا للخيرِ..
ياليته ما حضر وياليته ما جاء، 
وياليت رابطة الدم لم تربط بينهما.


                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.



_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات..




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة