
رواية جمعية حب الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم شمس محمد بكري
|| باح له بالسرِ أخيرًا||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
أظن أن المرء فينا إن أتته الفرصة كي يتحدث سوف تفيض منه الكلمات، خاصةً إن كان الحديث عن شيءٍ يُحبه هو ويُحب الكلام عنه، فأنا اليوم في رحاب عينيكِ أود أن أتحدث وأن تصلك كلماتي كُلها، فدعيني أبدأ وأتحدث لعل ما في قلبي يصل لقلبك..
عزيزتي أنتِ..
لا أعلم أي طريقٍ هذا جمعني بكِ أنتِ،
فجعلني أُغير مساري لأجل مسارٍ ينتهي بعينيكِ أنتِ
فأشعر أني آمنٌ هناك، في مُقلتين نظرتهما حياة ليِّ..
كنتُ لا أعلم أن المرء يموت بالتجزئة، حتى ماضيه لا يموت كُله
فحين رأيتك تذكرت ماضيَّ حين كنتُ أشعر،
حين كنت إنسانًا وليس جمادًا..
حين رأيتك أيقنت أن القلب لازال حيًا
وأني لأول مرةٍ أسير على الطريق الصواب.
<"لأجلك أنا أُعلِن ألف حربٍ، لكن عيناكِ هما السلاح ضدي">
هُزِمت مرتين في حياتي
مرة في حربي معك ومرة في حربي مع العالم
ولم أُبالِ كثيرًا بهزيمتي في حربي معك
لكني اكترثتُ حقًا بهزيمتي الثانية
لأن السلاح فيها كان بسهمٍ من عينيكِ..
صدح صوت جرس الباب فتحرك "أدهـم" بصفته الأقرب من الباب وبمجرد أن تحرك من جوارها حركت رأسها نحو الجالسين تبتسم لهم، فيما فتح الباب هو ببسمةٍ خَبُت وهجها حين لمح "داغـر" على الباب يبتسم له وهو يقول بثباتٍ:
_مبروك يا عريس، إيه مش واجب آجي أبارك لحفيدي؟.
أتى ومجيئه لم يكن نذرًا للخيرِ..
ياليته ما حضر وياليته ما جاء،
وياليت رابطة الدم لم تربط بينهما ذات يومٍ..
خرج "أدهـم" من صدمته مُسرعًا ولملم رباطة جأشه يعقدها مُجددًا لأنه توقع حدوث هذا الشيء، لكنه حسم الأمر واقترب يهمس له بنبرةٍ تحمل الشر وكأن ما بها من مثقال ذرة خيرٍ:
_أدخل بس أنا ماعنديش غير حاجتين مالهمش تالت، تقعد معزز مكرم من غير ما تفتح بوقك جوة بحرف واحد سواء مع أخويا أو أخته لأنها بقت مراتي خلاص، يا تاخد بعضك من قاصرها وتمشي علشان شكلنا جوة مايبقاش وحش، أنتَ عارفني لما بتضرب مني ببقى مختل.
هو لا يُهدده وهذه الحقيقة..
هو يُقر بالواقع المنتظر بعد دقائق إن فعل ما لم يُحمد عقباه، وقد اختار الآخر الحل الأول، سوف يلجأ للصمتِ ولو لوقتٍ مؤقت، تخطاه وعبر للداخل بشموخٍ ونطق بثباتٍ:
_مساء الخير، أخباركم إيه؟.
شخصت الأبصار بأكملها نحوه ونحو مصدر الصوت المعلوم جيدًا، وخلفه وقف "أدهـم" ينتظر منه أي شيءٍ قد لا يُعجبه، لكن نظرات "غسـان" كانت كفيلة فقط أن تُنشِب حربًا، رمق جده بمقتٍ وهو يُرشقه بنظراتهِ الحادة وحرك رأسه بعيدًا كي لا تلتقي الأعين مع بعضها، وقد وقفت "عُـلا" بعد امتداد وصلة الترحيب وتحركت نحوه ذوقيًا وهي تبتسم بارتباكٍ له كي تُرحب به..
وياليتها ما فعلت ما فعلته، حيثُ أرشقها هو بنظرة واحدة دبت الرعب في أوصالها، جعلتها تلقائيًا ترتد للخلف، لم تكن ملامحه هادئة كما تبدو على الهيئة الخارجية له، وقد لاحظ هذا "أدهـم" ولمح اهتزاز حدقتيها، فتقدم يجاورها وقبض فوق كفها وهو يقول بثباتٍ يُحسد عليه:
_دي عُـلا مراتي، ودا سيادة اللوا داغـر أبو المجد، سابقًا..
مط كلماته وترك قوسها مفتوحًا ثم أضاف مشددًا على الحروف:
_جدي.
نطقها بلا روح أو حماسٍ كأنه يُنكر هذه الصفة بينه وبين نفسه، بينما نظرات "داغـر" تبدلت كُليًا ثم وجه حديثه لها هي بنظرة لم تكن مُريحة البتة:
_مبروك يا عروسة.
نطق أخيرًا بفتورٍ وهي تبحث عن صوتها فلم تجده، جاهدت لترد عليه لكن كلماتها فلت عنها فجلَّ ما استطاعت فعله أنها أومأت برأسها فقط وهي تغصب شفتيها على بسمة أكثر ارتباكًا عن ذي قبل، وقد جلس هو في مواجهة "رئيفة" وزوجها الذي رسم الجمود فوق ملامحه وانتبه لنظرات ابنه فوجدها تماثله.
اقترب "أدهـم" يقدم له طبق الحُلوان بعدما أجلسها هي بجوار عمته، كأنه يخشى حتى تصادم النظرات بينهما، فمد يده له "داغر" بمظروفٍ أبيض به مبلغ مالي كهدية للزواج، وحين اعترض "أدهـم" بقوله:
_أنا مباخدش حاجة زي دي، مش ناقص فلوس الحمدلله.
نطق بها أمام الجميع، فجاء الرد من "داغـر" بثباتٍ:
_دي هدية جوازك مني، مش كفاية إنك ماعزمتنيش؟.
تبدلت ملامح "أدهـم" ونطق بتهكمٍ أقرب للسخرية:
_والله لو كنت قدمت معايا السبت كنت قدمتلك أنا الحد والأسبوع كله كمان، بس أعمل إيه بقى؟ أنتَ اللي قافلها علينا كلنا.
وصل الحديث لمسامع الكلِ والنظرات تتابع بصمتٍ وقد راقب "آدم" ما يحدث بصمتٍ وخشى أن يتحدث "داغـر" عن المجيء قبل الزفاف منذ أيامٍ، وانتظر أي حديثٍ منه يُقال في حقهما، لكن الآخر التزم الصمت وساد التوتر حولهما، حتى أن "عُـلا" تذكرت صراع "توفيق" الدائم مع "داغـر" وكيف حاول أن يأخذ منه "أدهـم" بعد زواجه من أمها، حركت عينيها نحو "أدهـم" كأنها تبحث عن الأمانِ فوجدته يُطالعها بصمتٍ ونظرته تقول باستفاضة "أنا معكِ" وكأنه يتولى الحرب عنها.
ظلت الجلسة بنفس المنوال حتى قرر "غسـان" الإنسحاب وتحرك معه والده وهربت معهما "رئيفة" هي الأخرىٰ، وتحركت بعدها "ربـاب" مع زوجها وظلوا الأخوة مع بعضهم ومعهم "داغـر" الذي استقام واقفًا ونطق بتهكمٍ:
_أتمنى إنك تكون مبسوط دلوقتي وفهمت أنا ليه كنت بحارب علشان تكون معايا علشان مايجيش يوم وتخسر كل حاجة وأولهم نفسك، مكانش مقامك أبدًا تعيش هنا ولا مقامك تتحول لتاجر وسط سوق، ولا مقامك تتجوز جوازة زي دي.
توسعت عينا "عُـلا" بصدمةٍ مقروءة فوق ملامحها، وظلت متيبسة بلا حراكٍ ولا روحٍ حتى، وعلى العكس انتفض أخوها في وجه "داغـر" وهدر بغضبٍ:
_أنتَ لسه عايش في التخاريف دي؟ ما قولتلك بنتك اللي من لحمك ودمك مختارتش تكمل معاك، وحفيدك ماقدرش يكمل معاك، ليه مصمم تفكر عكس كدا؟.
كان حقًا لا يتحمله، لا يتحمل تواجده في مكانٍ واحدٍ، على عكس "أدهـم" الذي يعرف أن جده يُحبه رغم كل شيءٍ، لازال يُشبه نقطة الضعف لديه التي تُجبره أن يخضع، فكان الرد من "أدهـم" هذه المرة حيثُ قال بثباتٍ:
_ماله بقى وضعي اللي مش عاجبك؟ عايش هنا فين؟ في ملكي وبفلوسي وفلوس أبويا وخيره، بقيت تاجر بس ليا اسمي وكبرت شغلي بدماغي وتعبي، أما بقى الجوازة فدي ماتخصكش، مراتي وأنا اللي متجوزها مش أنتَ، ولما تتكلم عنها ياريت تحترمها علشان كرامتها تهمني.
تابعته هي بتيهٍ ولأول مرةٍ تحتار هكذا في شيءٍ ما، كانت ناقمة ومُمتنة في الوقت نفسه، لا تعلم لمَّ تمنت لو تملك بعض الجُرأة كي ترد وتتحدث لكنها آثرت الصمت وفضلت السكوت خوفًا كما عادتها، بينما "داغـر" فنطق معبرًا عن غضبه وبطشه:
_أنا بس جيت أثبتلك إنك نسخة من أبوك، وإن مفيش واحد فيكم حب "فريال" بجد ولا عمل علشانها أي حاجة، أبوك نفسه بعدما خدها مني وماتت عنده بالمرض راح اتجوز وخلف وعاش حياته، وأنتَ رايح تتجوز بنت الست اللي خدت مكانها ونفضل ابنها عليا، رغم إن أمك لو عايشة ماكنتش هتعمل كدا، بس للأسف كانت خسارة فيكم، وخسارة يكون ليها ابن زيك.
كان يتحدث ولم يُبالِ بقلب من يقف أمامه، كأنه وجد جُثة هامدة فأقسم أن يُخرج فيها كل غضبهِ وتجبره، ظل يطعنه بغير شفقةٍ ولا رحمةٍ ثم انسحب كما سرابٍ أتى يُزعزع ثبات الحقيقة ويرحل، وقف "أدهـم" بتيهٍ وهو يشعر بالذنب يلتف حول عُنقه، هل يُعقل أنه لم يُحب أمه بما يكفي؟.
نظر في وجه "عُـلا" نظرة لا يُمكن لها أن تنساها، نظرة حملتها أضعاف ذنبه كأنه يخبرها أنه لأجلها تحمل أن يكون في هذه الصورة وهي لازالت تُشكك فيه وفي مصداقية أفعاله، تحرك من الصالة نحو باب الشقة ثم أغلقه بحركةٍ عنيفة جعلتها تجفل بموضعها، بينما "آدم" فأطلق سبة نابية يختص بها "داغـر" وهو يتمنى له الحرق ألف مرة.
اقتربت هي من أخيها تسأله بنبرةٍ ضائعة خاصة بعد نظرة زوجها لها:
_هو لسه بيحارب فيكم؟ أنا قولت يمكن هدي عن زمان.
_دا مابيهداش، طول عمره هيفضل عايش زي النار كدا تطول كل اللي حواليه وطول ما "أدهـم" عايش بعيد عنه هيفضل يقرفه لحد ما يرجعله، وكل مرة يرمي نفس الكلمتين اللي بيوجعوه، ويمشي، والله العظيم أدهـم مايستاهلش إن دا يكون جده.
تذكرت هي حنوه منذ أن ولجت هذه الشقة وكيف غلبت صفاته الحنونة على جموده ضدها، لقد بذل قصارى جهده كي تطمئن له، فعل ما بوسعه كي يُشعرها بالأمانِ، وهي لازالت تخشّاه وتخشىٰ حتى حياتها هُنا، غاصت في فكرها بشأنه حتى بتر المشهد صوت أخيها يقول:
_معلش يا عُـلا لما ييجي حاولي تتكلمي معاه وماتخليهوش لوحده، هو هيطلع فوق عند سيمبا يشوفه ويقعد شوية، هيرتاح لما يقعد معاه، بس معلش حاولي تخليكِ النهاردة معاه علشان هو أكيد متضايق وخصوصًا لما يفتكر أمه.
حركت رأسها توميء له موافقةً فاقترب منها يُلثم جبينها وتحرك لشقة عمته يقضي فيها ليله، بينما هي بدلت ثيابها بمنامة حريرية كُحلية اللون ثم بدأت تنظيف المكان والمطبخ بعد رحيل الضيوف، وقد تذكرت نظرته من جديد والحزن الذي خَّيم على عينيه قبل أن يتركها ويتحرك، وإحقاقًا للحق هو صادق، هو تحمل الكثير ورضىٰ أن يبدو بهذا المظهر لأجلها وهي تبخل عليه بمجرد حديثٍ فقط..
فما أكرمه في حقها هي
وما أبخلها في حق نفسها حتى قبل نفسه هو..
____________________________________
<"الحياة مغامرة والمغامر رابح، لكن بعض المغامرات جحيمٌ">
لقد كان شعاره طوال حياته أن الحياة مغامرة..
وكل مغامرٍ باللذةِ منعمٌ، فلم يبخل على نفسه بروح المغامر قط،
عامل الحياة كأنها مضمار السباق وهو فيها يُنهي السباق حتى نهايته، لا ينسحب ولا يتركه ولا حتى يخشى خوضه،
هو المُغامر والحياة هي سباقه…
بداخل المضمار كانت سيارته تخرج صوتًا عاليًا لا يُمكن تحمله بغير توترٍ، يسير بتحدٍ مع الهواء حوله وهو يجوب المضمار حتى نهايته ثم يُعيده من جديد، رجع للطريق الذي لا يعرف سواه، يكره فكرة أن يبقى محصورًا بين الأيادي، يُحب أن يكون حُرًا حتى من نفسهِ، لا يُقيده قانونٌ ولا تُخضعه سُلطة، ومنذ الأمس وهو سجينٌ حتى في نفسهِ..
أنهى المضمار كاملًا للمرة الرابعة تقريبًا..
ثم نزل من السيارة يلهثُ ورغم برودة الجو لكنه كان يشعر بالحُمةِ في جسده، سخونة قاسية ضربت جسده جعلته يخلع القُبعة الضخمة "خوذة السباق" ثم رفع رأسه يتنهد بعمقٍ، اقترب من "سليم" الذي كان يقف بجوار المسؤول عن المكان وما إن اقترب هو سأله رفيقه بلهفةٍ مُستنكرة:
_إيه يا سليمان !! هو أنتَ يا تغيب خالص ومحدش يشوفك يا تيجي تنتحر كدا يا أخي صحتك ونفسك مهمين، أدخل أرتاح شوية.
مسح وجهه ونطق بلامبالاةٍ ظاهرية على عكس براكينه المشتعلة بصدرهِ وتكفي حرق مدينة كاملة:
_أنا كويس مفيش حاجة يا مصطفى، متقلقش.
مط الشاب شفتيهِ بيأسٍ ثم تحرك نحو الداخل حين ناداه أحد العاملين بالمكانِ، فيما جلس "سُليمان" بالبذلة الرياضية السوداء وسحب زجاجة مياه تجرعها بأكملها مرة واحدة حتى جلس بجواره "سليم" وسأله بقلقٍ عليه:
_أنتَ مش كويس صح؟ باين عليك.
حرك "سُليمان" عينيه نحو الصغير فوجد التقرير بحالته بائنًا وحينها تنهد بقوةٍ ثم تشدق مجبورًا على الحديثِ بقولهِ:
_لأ مش كويس، حاسس إني متكتف يا سليم وأنا مابحبش حد يكتفني كدا، خصوصًا لو حاجة قديمة ومابقاش ليها وجود عندي، مش هتفهمني للأسف، بس أنا جوايا غضب.
ظن أن الصغير لن يفهمه لكنه أخطأ، حيث نطق "سليم" بأسفٍ وهو يقول متضامنًا معه بكل مشاعره:
_كل دا علشان طنط مها رجعت البيت؟ خلاص روح قولها تمشي مش أنتَ زعلان أنها رجعت؟ تيتة علطول تقول إن ماينفعش حد يكون في مكان صحابه مش بيحبوه، قولها مش بحبك وخليها تمشي.
حرك "سُليمان" عينيه يُلاقي بهما عيني الصغير ثم ابتسم ساخرًا وهو يرد عليه معبرًا عن أمر حيرته:
_ياريته كان سهل زي ما أنتَ فاكر كدا، الوضع فعلًا صعب إني آخذ فيه خطوة واحدة، أي حاجة هعملها هتخليني حاجة من اتنين مالهمش تالت، يا ظالم وأناني، يا مظلوم ومجبور، والاتنين عندي أوحش من بعض.
لا يعلم ماذا دفعه وساقه كي يتحدث بهذه الاستفاضة مع طفلٍ بصغر عمرهِ، لكنه دومًا يراه هو نفسه، كأن "سليم" صورة أخرى منه، حتى يكاد يُجزم أنه حين يُحدثه يبدو كمن يتحدث مع نفسهِ، أنهى الحديث وتحرك بالصغير يبدل ثيابه ثم تحرك به عائدًا لبيت أمه.
ولجا البيت معًا وقد انتبهت لهما "ثُريا" التي تحركت تعاتبهما بقولها:
_كدا برضه يا سليمان؟ من الصبح مش بترد وقولت مش هتتأخر ومش بترد عليا قلقتني أنا وأخوك عليك، أنتَ كويس؟.
حرك رأسه مومئًا بصمتٍ فلاحظت هي ضياع عينيه بعيدًا عن درب عينيها ومرمىٰ النظر فيهما، تركته على راحتهِ فارتمى بنصف جذعه فوق الأريكة مستندًا على ذراعها، وما إن خرج "سالم" بمقعده الذي تدفعه "سُعاد" سأله بقلقٍ:
_كنت فين يا سليمان؟ مش بترد من الصبح وقلقتنا عليك، مالك أنتَ تعبان ولا إيه؟ نجيبلك دكتور يشوفك؟.
اعتدل بإرهاقٍ ثم مسح وجهه وقال بصوتٍ محشرج متباين المشاعر:
_عاوز أتكلم معاك شوية، ينفع؟.
رحب شقيقه مؤكدًا ثم تحرك بالمقعد نحو الداخل بعدما دفعه "سليمان" تحت نظرات "سُعاد" التي تأكدت من وجود خطبٍ ما، تاهت على الفور بعدما كانت تبتسم وهي برفقة "سالم" الذي شكرها على معاونتها له وقد انتبهت لـ "سليم" فسألته بنبرةٍ خافتة:
_هو إيه اللي حصل؟ فيه حاجة مضايقاه؟.
حرك كتفيه بحيرةٍ ونطق بكذبٍ كي لا يُفصح عن شيءٍ:
_مش عارف هو لو فيه حاجة يقولك.
ابتسمت لأنها كانت على يقينٍ من ردهِ عليها، ثم جلست وضمته أسفل ذراعها حتى ابتسم ونام يرتاح قليلًا من مغامراته، وقد انتبه لها ففكر لمَّ حظه كان صعبًا حتى تكون "صابرين" هي أمه بدلًا من "سُعاد" التي تحتويه كل يومٍ؟ هي حتى تخشى أن ترفع صوتها عليه، أما أمه فكل يومٍ كانت تضربه حتى لازال أثر الجرح عالقًا فوق جسدهِ.
في الداخل كان "سالم" في انتظار حديث شقيقه الذي طال صمته، لكنه فضل أن يتركه وحده كي لا يشعر بالضُجر من إلحاحهِ، وبناءً على ذلك ابتسم بحنوٍ وهو يسأله:
_طب إيه حصل طيب؟ قولي مالك.
رفع عينيه وانفعالات وجهه تسرد كل الخبايا لكنه زفر بقنوطٍ ونطق بضجرٍ:
_عزت حمايا جالي البيت إمبارح وجايب معاه مها يقولي أردها تاني لذمتي، وقالي إن ماينفعش الست تخرج من بيت جوزها قبل نهاية العِدة، المشكلة إني سألت وعرفت إن كلامه صح، ماينفعش فعلًا تخرج من بيتي طالما الطلقة مش التالتة، وأنا محتار، مش حاسس بحاجة ناحيتها، مشاعري كلها ماتت.
تفاعل معه "سالم" وسأله بلهفةٍ عن كل شيءٍ والآخر يخبره تفاصيل اللقاء والمُقابلة التي دارت بينه وحماهُ، ظل يتحدث ويخبره حتى انتهى، لكنه مشاعره لم تنتهِ فتحدث من جديد:
_أنا بكلمك علشان محدش غيرك هيفهمني، أنا كراجل ممكن أكون محتاجها فعلًا، محتاج مراتي ومحتاج لكل الحلو اللي كان بينا، لكن كـ "سليمان" لأ غصب عني مش هقدر أنسى اللي حصل، وإنها ماوقفتش جنبي وسابتني وأنا تايه وضايع، وعلى فكرة أنا عارف إن مش فرض عليها تخدم أهلي وتشيل حاجة، بس كنت عشمان فيها خير، كان نفسي هي من نفسها تقف جنبي وتقولي إنها معايا، بس دا ماحصلش، ودلوقتي أنا مش عارف والله أعمل إيه؟.
لاحظ شقيقه حيرته فسأله بقلقٍ:
_طب إيه اللي مخليك محتار كدا؟ القرار قرارك.
_ودي المصيبة يا سالم، إن القرار قراري، أنا مش عاوز أرجعها على ذمتي علشان مزاجي وهي مراتي وخلاص، مش أنا الراجل دا، وفي نفس الوقت أبوها راجل محترم ومايستاهلش إني أهينه كدا، هو زي أي أب عاوز يحافظ على بيت بنته وحياتها، وأنا خايف أضعف قدامها وأخسر نفسي علشانها.
أفصح عن الكتمان الذي في قلبه وبحث عن جوابٍ يُريحه، فنطق "سالم" بقوله الذي أخذ قبسًا من حكمة حياته:
_يبقى الحل زي ما بتقول ملكك أنتَ بس، من هنا لحد قبل ما شهور العدة تخلص في إيدك تشوفها وتختبرها، والله ارتحت معاها وهي طلعت بنت حلال وودنها اتقرصت يبقى خلاص الجواز ياما بيحصل فيه وهي طايشة ومسيرها تعقل، لاقيتها زي ما هي كدا ومش قادر ترتاح معاها يبقى كلم أبوها وقوله إنك حاولت ومش قادر، سهلة، يا سيدي يمكن دي فرصة ليك علشان تتأكد من مشاعرك ناحيتها، مش يمكن تطلع وحشاك؟.
ابتسم "سُليمان" على تلميح شقيقه فمسح وجهه وقال بهدوءٍ:
_الشيخ الصبح قالي لو ضعفت خلاص أعزم النية وأردها وأنطقها وكدا تبقى رجعت لذمتي، بس نسيت أسأله دا قبل ما أضعف ولا بعد علشان أبقى حاسب أموري بس.
ضحك "سالم" ومعه ضحك أخيرًا "سُليمان" الذي ترك موضعه واندفع يحتضنه فضمه الآخر مُعلنًا حمايته عليه، مسح فوق رأسه وخصلاته فرفع "سليمان" عينيه له يقول بلهفةٍ:
_علشان كدا بخاف أخسرك، بضيع من غيرك يا سالم والله العظيم، علشان خاطري أوعى حد يدخل بينا ويغيرك عليا، اعتبرني سليم ابنك وبتدلع عليك بس أنا بجد محتاجلك.
هو يتحدث بصدقٍ لأن "سالم" الوحيد الذي اطلع فيه على هذا الضعف وهذه النُسخة منه، هو الوحيد الذي وقف في ظهره في كل شيءٍ وكان ولازال الداعم الأول له في كل شيءٍ والمُؤمن له في كل مغامرةٍ، هو الأعقل، الأكثر حكمةً والأكثر هدوءًا ولا شك أنه الأكثر تضحيةً..
في شقة "رحمة" تحديدًا بداخل الشُرفة المُطلة على نهر النيل، كانت تتابع سير قضاياها المتنوعة، تبحث في كل اسمٍ أمامها حتى تجد الثغرة المناسبة للإيقاع بفريستها، يا الله لمَّ كل الرجال أنذال لهذه الدرجة؟ كل القضايا التي أمامها رُفِعت ضد رجالٍ تسببوا في جنون نسائهم، جميعهم بلا رحمة ولا شفقة، حين تيقنت من سلوكياتهم ومن ظلم النساء حقًا على أيديهم؛ عزمت أمرها في الثأر لهن، لن ترحم رجلًا فيهم..
الرجال لا يستحقون الرحمة؛
بل يستحقون من هم أمثال "رحمة".
عادت صورة "صابرين" من جديد تتجسد في عينيها، ومعها صورة ابنة عمتها فابتسمت بتهكمٍ لأنها النساء أحيانًا يحتجن لقسوتها عليهن، وها هي بدأت مشوارها ضد "صابرين" كي تُعوض ما فعلته في أسرتها وزوجها الذي وبكل ايفٍ أصبح الرجل الأول الذي نال شفقتها عليه..
____________________________________
<"عليك أن تكسر القواعد قبل أن تكسر هي تمردك">
المُلتزمون مملون لحدٍ كبير..
قد تشعر معهم بالهدوء حتى تكون سئمت الحياة
لذا عليك مرافقة المشاغبين،
عليك كسر بعض القواعد لكسر ملل الحياة
عليك أن تتخلى عن الهدوء لعلك تشعر بالمُتعة الحقيقية.
وصل للبيت مع بداية حلول الليل، وعاد معه والداه أيضًا لكنه اختنق من رؤية جده، تذكر ما فعله معه وكاد أن يثأر من جديد لكنه التزم الصمت مراعاةً لأمهِ، وقد تذكر أمر عائلة "نـوف" وثأره المؤجل لحين وقتٍ آخر، فاقترب من والده الذي جلس بالحديقة وسأله بثباتٍ:
_بقولك إيه بما إن الشقة لسه فيها وقت وشغل وتعب عندك اعتراض لو اتجوزت هنا في البيت لحد الشقة ما تخلص؟.
انتبه له "طاهر" وعقد حاجبيه وهو يسأله بعجبٍ:
_يعني إيه؟ طب وشقتك؟ وجهاز نـوف وحاجتها والاتفاق مع عيلتها؟ أنا ماعنديش أي اعتراض نهائي، دا أجمل ما تعمل في حياتك إنك تكون معانا هنا، بس علشان منظرك قدامهم، بعدين لازم تاخد رأي نوف الأول وتعرف.
تنهد بثقلٍ ثم نطق أخيرًا بضيقٍ:
_ماهو أنا لو ضامن إن الدنيا هتمشي كويس كنت عملت كدا، لكن أنا مش ضامن، سواء من عندها أو عندي، تفتكر يعني داغـر هيسكت؟ بلاش دا، عمامها دول مضمونين؟ طب عارف إن عمها ضربها بالقلم ومد أيده عليها؟.
توسعت عيناه واعتدل فوق المقعد وهو يسأل بصوتٍ جهورٍ:
_نعم !! ضربها إزاي؟ وأنتَ كنت فين؟.
_لما كلمتني إمبارح وطلعت بهدوم البيت كانت بتعيط وروحتلها لاقيتها مضروبة وبتعيط، كنت هاروحله عرفت إنه راح عند أهل مراته إمبارح ورجع النهاردة، عمومًا يعني دي عندي أنا هحلها علشان مش هعديها، بالنسبة لموضوع الشقة هبدأ فيها من بكرة علشان كل ما الوقت بقى أسرع كل ما بقى أحسن.
تابعه "طاهر" بعينيه وهو يعتدل كي يستعد للمغادرةِ، لكنه عاد والتفت من جديد وهو يقول بثباتٍ يواري خلفه مرح كلماته ومزاحاته:
_بقولك إيه بما إنك راجل ليك وزنك ومنصبك ورُتبة محترمة تسمحلي أكون الابن الصايع التالف اللي بيستغل منصب أبوه ويعمل مصيبة سودا وأبوه يتوسطله ويخرجه منه؟.
_نعم يا أخويا؟ بتقول إيه؟.
وببسمة شيطانية رد عليه بما يُغاير مقصد القول:
_دا العشم برضه أنا قولت مش هتتخلى عني.
رحل بعد جملته بعدما زعزع ثبات والده وقد تابعه "طاهر" وناداه لكن الآخر خرج من البيت قاصدًا سيارته، وقد أتت "رئيفة" التي بدلت ثيابها ولمحت زوجها ينادي ابنها ونظراته قلقة فسألته عن السبب وحين أخبرها بموقفه ضحكت هي وقالت بمرحٍ:
_ما تسيبه يا طاهر، هو إن شاء الله مش هيعمل حاجة يعني، بعدين على فكرة بقى أنا حاسة إنه حبها بجد، باين في عينيه وباين عليه أصلًا، سيبه وخليه يفرح ويقف في ضهرها علشان تحس إنه أمان ليها وتطمنله.
ضيق جفونه وسألها بشكٍ في مقصد كلماتها:
_دي هي برضه يا رئيفة؟.
ضحكت بعينيها وهي توميء له فضحك هو الآخر ثم ضمها أسفل ذراعه فاستكانت هي وتناست رؤيتها لوجه أبيها اليوم ومقابلتها مع عينيه القاسيتين، تناست العالم بأسرهِ لطالما كانت هي في مأمنها في "طاهر" الذي قد يفعل لأجلها كل المستحيل كما سبق وفعل لأجلها سابقًا..
تحرك وقاد سيارته حيث منزل عمها بعدما أخذه عنوةً من أمها، وقد طلب حضور عمها الثاني وابنه البكري وابن عمتها أيضًا، سبقوه لهناك وقد ذهب هو وبعد وصوله وإيجادهم في انتظاره ولج يرحب بهم ثم جلس في مواجهة "رؤوف" الذي صدر له جموده ووحشية عينيه فنطق هو بثباتٍ:
_أنا راعيت معاكم كلكم الأصول مرة واتنين وتلاتة وشايلكم فوق راسي، وبقول معلش يا واد برضه هما ناس كبار وليهم وضعهم ومهما كان مش هقدر أزعلهم إحنا هنبقى قرايب ونسايب وهما خايفين على بنتهم ودا حقهم، ومالوعتش مع حد فيكم، صح ولا أنا غلطان؟.
تدخل عمها الثاني يرد نيابةً عن البقية:
_حقك يابني، وإحنا شايفين إنك بتعمل اللي عليك، بس لازمته إيه الكلام دا؟ حصل حاجة جديدة ولا إيه؟.
_آه يا حج بدر حصل، أخوك الكبير المحترم مد أيده على نوف إمبارح ومش بس كدا بيساومها على نصيبها في الشركة والإدارة قصاد جوازها مني، دي بقى حركات واحد خايف على لحمه؟ ولا حركات واحد خايف على الفلوس؟ رغم إنها مش حقه وهو واخد نصيبه وأخوه عايش، يعني أنا كدا ليا بدل الحق حقوق، ولو عاوز آخده هاخده غصب عن أي حد.
انفعل في وجهه "رؤوف" بنبرةٍ جهورية:
_أنتَ جاي هنا تهددنا في بيتنا؟ هو دا الاحترام اللي بتتكلم عنه؟.
_لأ أنا مش بهدد، أنا بتكلم بجد، والاحترام دا أتعلمته بس لما يكون اللي قصادي محترم ويستاهله، مش علشان كبير وخلاص، إيه الفكرة اللي تخليني أحترمك لمجرد إنك أكبر مني وأنتَ حتى مش محترم لحم أخوك؟ عمومًا علشان دي هتبقى آخر مرة أكرر فيها كلامي تاني، خطيبتي انضربت وأنا مش هعديها، هطلع أعمل محضر وأطلب تفريغ الكاميرات اللي في المكتب، وأنا قاعد مكاني مكالمة واحدة من أبويا هتقلب الدنيا فوق دماغكم، وآه هستغل منصب أبويا، شوفت بقى إن أنتَ اللي بتخرجني عن شعوري؟.
توسعت عينا "رؤوف" وظل صامتًا حتى مال عليه "غسـان" وتحدث بصوتٍ خافتٍ أقرب للسخرية:
_من هنا لحد ما بنت أخوك تدخل بيتي مش عاوز أشوف منك اعتراض على أي حاجة، ولا ليك دعوة بالفلوس والشركة والشغل، مش دي فلوسها وحقها؟ أنا أحق بحق مراتي، والشركة في عينيا هي وصاحبتها، يا كدا يا والله نمشيها بقى محاضر وشغل أقسام وبهدلة، وخُد بالك؟ أنا أبويا مش حتة قليلة في البلد، دا بمكالمة منه يوديك مكان اللي يروحه مابيرجعش، أنتَ أو أي دكر في العيلة دي، علشان أنا جيبت أخري معاكم.
للحق هو خرج عن طور التعقل وأصبح في النسخة التي يكرها في نفسه، لكن ما بيده حيلة غير هذه، لذا ترك لهم التهديد وترك لعمها حرية الاختيار وأجبره على شيءٍ يفعله وقتما يُريد هو ذلك، ثم انسحب كما جاء، عاد كما اعتاد نفسه أن يكون بطلًا لا يقبل الهزيمة، لا يقبل التشكيك في قدراته، لا يقبل للحزن أن يصيب أحبته.
قصد الطريق نحو بيتها ثم استأذن أمها بالحضور فسمحت له هي على الفور، وقد جاء حاملًا عُلبة حُلويات فاخرة ثم ولج فوجدها تقابله هي مبتسمة الوجه والعينين، قدم ما بيده ثم ولج وجلس معهن وأمها تطمئن عليه حتى تحركت هي وابنتها الثانية "إسراء" التي مالت على أختها تهمس بشقاوةٍ:
_أوعي تطفشيه يا بومة، خليكِ رومانسية شوية.
ضربتها في مرفقها وهي تمُط شفتيها وقد رفع هو عينيه وكتم ضحكته حين وصله الحديث بينما هي حمحمت وسألته عن أحواله وتطمئن عليه، وبعد الرد اعتذر منها بلباقةٍ:
_أنا بعتذر إني جيت فجأة كدا بس بصراحة كنت حابب أشوفك وأتطمن عليكِ النهاردة إنك بقيتي أحسن، ليه ماروحتيش الشركة النهاردة؟ أنتِ كويسة؟.
تنهدت وهي تنفي برأسها ذلك ثم أضافت بصوتٍ بدا عليه التعب:
_لأ بصراحة، مُجهدة شوية وحاسة إني تقيلة أوي من جوايا، حتى طول اليوم مابردش على الشغل ولا بتابع حاجة، حاسة إني بجد مش قادرة أتابع حاجة زي دي، متقلقش يومين وأكون بخير وهحاول أرجع تاني بس أرتاح شوية.
وببسمة حنونة جاء الرد منه بقوله:
_خدي وقتك وبراحتك، المهم تكوني بخير وعارفة ومتأكدة إنك مش لوحدك وإني في ضهرك دايمًا، وعاوزك تتأكدي إني مهما حصل لسه معاكِ وأي حد يزعلك أنا موجود علشان تكوني بخير.
لمعت عيناها وتوسعت بسمتها دون أن تدري لذلك وحين توترت أمامه رفرفت بأهدابها ثم استعادت رباطة جأشها وقالت بهدوء:
_من غير ما تقول أنا شايفة بنفسي، وبجد أنا تاعباك معايا وحاسة إني بحملك فوق طاقتك، بس أتمنى ماتزهقش بقى وتمشي لأن واضح إن سكتنا طويلة شوية.
ابتسم بيأسٍ ثم رد عليها بمرحٍ:
_وماله طويلة طويلة، مش أنتِ معايا؟ خلاص.
تورد وجهها وبانت إمارات الحُب والخجل عليها، تعالت نبضاتها وأحست بألمٍ وتشنجٍ طفيفٍ يضرب مقدمة معدتها، كأن الفراشات تحررت بداخلها، حركت عينيها نحو عينيه وطالعته ببراءةٍ جعلته على يقينٍ أنه اختار الدرب المُصيب باختياره لصفها ضد العالم..
ساد الصمت بينهما لثواني قطعها هو حين مازحها بقوله:
_طب إيه اتكلمي اسأليني عن أي حاجة، اتطمني على نفسك حتى معايا.
حركت عينيها نحوه وابتسمت بذات الهدوء وهي تقول:
_تقريبًا عارفة عنك كل حاجة، حتى اللي كنت مخبيه قولتهولي، لو عاوز تسأل أنتَ اتفضل، برضه حقك تعرف عني كل حاجة.
تبدلت ملامحه للجديةِ وقال بصوتٍ عقلاني أكثر من كونه عاطفي:
_مش حابب أنا اسألك بصراحة لأن أغلب الأسئلة بتجيب إجابات تزعل، مش حابب أزعلك، بس عاوز أعرف حاجة مُعينة، لسه برضه مقلقة مني وشايفة إن موضوعنا دا جِميلة في حقك وخلاص؟ ولا بقى طبيعي من وجهة نظرك زي أي اتنين بيتعرفوا وبيخططوا حياتهم مع بعض؟.
تنهدت هي بقوةٍ وجاوبته بصدقٍ دون أن تُخفيه عنه:
_بص، بصراحة كنت لحد فترة قُريبة مقلقة من الفكرة نفسها، يعني أنا ماعرفش أنتَ مين وماعرفش حاجة عنك غير تفاصيل بسيطة، وكنت حاسة إنك متورط فيا كأنك لبست في موقف وحش، بس بعد كدا لما بدأت اكتشف شخصيتك وأعرفك حسيت إن الموضوع خد جنب تاني خالص، حتى أفكاري ناحيتك اتغيرت، وتفكيري بقى منطقي أكتر، فأنا مسلمة للموج وواثقة إنك سباح شاطر.
توسعت بسمته بعد جملتها الأخيرة ثم قال بحنوٍ حقيقي:
_وأنا مش عاوز منك غير إنك تكوني واثقة فيا، ومتأكدة إني لا يمكن أضرك مهما كانت الحاجة دي، اعتبري نفسك أمانة في رقبتي لحد ما ربنا يأذن وأقابله، ولو عليا فأنا ناويتها والنية لله إن مفيش واحدة غيرك هتبقى مراتي وعلى ذمتي.
إذا كانت تساورها الشكوك بشأن مشاعره
فهي باتت على يقينٍ أنه يُحبها، الأمر تخطى الإعجاب اللحظي وتخطى مجرد شهامة يتصرف بها لأجلها، نظرته وحدها تتحدث عن الذي يُخفيه، لمعة عينيه تخبرها عن إصرارهِ لأجلها، حديثه نفسه تتقطر منه العزيمة بشأنها، وكأنه يُخبرها أنه مُحبٌ ولأجلها سوف يصل..
____________________________________
<"لا تقتل القتيل وتذهب لجنازته، انتظر ليلتين">
لا يتوجب عليك أن تكون البغل التابع..
لكنك مُلزم أن تكون الأسد القوي، فعناد التابعين يتحول لخطورةٍ أكبر من قوة الأسد، ويوازيه في الخطورة صياح الضباع
لذا مهما امتلأت الغابة بالأصوات العالية يبقى الأسد فيها أسدًا..
عاد منذ ساعةٍ بالتقريب وولج غرفته دون حديثٍ، لم ينطق حتى حين ولج بل ركض كما كتلة الهواء نحو غرفته وأغلق الباب ولا تعلم هي ماذا حدث معه وبماذا يُفكر، انتظرت دقائق أخرى لعله يخرج ويُطمئنها لكنه لم يفعل، حسمت أمرها أنها لن تتركه إلا بعدما تطمئن عليه كما أخبرت أخيها، لذا اندفعت نحو الغُرفة تفتح الباب لكنه سبق وأغلقه من الداخل..
حاولت مجددًا ففشلت حتى طرقت الباب، بعد الطرقة الثانية فُتِح الباب وطل عليها هو بالسروال القصير عاري الجذع، وملامحه جامدة مقتضبة بعبوسٍ، توترت هي من مظهره وجاهدت كي تسأله:
_أنتَ، أنتَ كويس؟.
_آه، محتاجة حاجة؟.
نبرته زادتها قلقًا فوق توترها لكنها قالت بترددٍ:
_لأ شكرًا، بس، بس كنت حابة أتطمن عليك وأتكلم معاك شوية.
حرك رأسه مومئًا لها ثم تحرك كي تدخل هي، وبمجرد أن ولجت أغلق الباب فتنهدت تنظم أنفاسها ثم جلست على الأريكة وانتظرته يجاورها لكنه أغلق الشُرفة ثم تحرك وتسطح فوق الفراش كأنها غير متواجدة، لم تُسيء الظن فيه وانتظرته لكنه ظل هكذا حتى بدأت هي تفرك كفيها وتتحرك بتوترٍ، تجاهل هو حركاتها وحاول أن ينام لكن ظلها كان يتحرك ويعود..
انتفض من مرقدهِ وسألها بنفاذ صبر:
_أنتِ عاوزة إيه؟ جو التوتر دا مش مريحني.
_كنت، كنت جاية علشان أتكلم معاك.
ردت بهذا وهي تتلعثم في النطق فرد هو بهدوءٍ عن السابق:
_مش حابب أتكلم دلوقتي ومحتاج أنام، ينفع بكرة؟.
لمحت حزنه وضيقه وغضبه، ثم تذكرت خوفها من الغرفة التي تنام فيها وأنه في هذه الحالة لن يطمئن عليها ليلًا، لذا قالت بهدوء وهي تعود للأريكة تجلس فوقها:
_خلاص نام وأنا هقعد هنا شوية وأخرج.
عقد حاجبيه وسألها بنبرةٍ مُستنكرة قولها:
_أنتِ متأكدة؟.
حركت رأسها توميء له بتوترٍ فأولاها ظهره ونام على جانبه وتركها وهو لا يعلم سبب المجيء لغرفته، حاول صرف النظر عنها وعن تواجدها وتذكر حديث جده من جديد، عادت صورة أمه تظهر لعينيه وهو يُفكر هل جده كان صادقًا بشأن ما قال عنه وعن احترامه لأمه؟ هل هو لم يُحبها بما يكفي كي يُنصفها في قلبه؟ لماذا جده يُجيد دومًا أن يجعله وحشًا في عين نفسه؟ كيف يفعلها في كل مرةٍ منذ صغره؟.
سرقته لحظات نومٍ خفيفة جعلته ينقلب على جانبه الثاني ورمش بعينيه فوجدها تميل على جانب الأريكة وهي تستند على ذراعها كأنها ترعى طفلًا في مرضه أو ما شابه ذلك، راقبها بأسفٍ من عينيه ثم تنهد وتحرك من فوق الفراش نحوها، هزها برفقٍ حتى لا يُفزعها، ناداها حتى فتحت عينيها بخوفٍ فنطق بهدوءٍ:
_قومي نامي يا عُـلا قومي.
طالعته بارتباكٍ ونظرت للغرفة ثم حركت رأسها موافقةً وحين وقفت وجدته يمسك كفها ثم قربها من فراشه وقال بهدوءٍ:
_نامي هنا لو خايفة تخرجي، أنا هتصرف.
_هتتصرف إزاي؟.
تحرك صوب الأريكة ثم قام بفتحها لتكون أقرب للفراش في شكلها ثم وضع الوسادة وسحب غطاءً آخر وأشار بقوله:
_كدا، هنام هنا، نامي أنتِ على السرير.
شعرت بالإحراج منه فقالت بلهفةٍ:
_لأ خلاص، تعالى نامي على السرير؟
_جنبك؟.
_لأ طبعًا مش قصدي كدا، نام على سريرك وأنا هنام الرُكنة دي.
زفر بنفاذ صبرٍ لأنه لا يملك حتى بداخله مساحة للنقاش معها، هو مزدحم الأفكار والمشاعر وأي شيءٍ يفعله سوف يعرضه للاضطراب والخلل في الأفعال ورد الأفعال، تركها مكانها ونام هو يقطع عليها باب النقاش فمالت على الفراش تتسطحه وهي منمكمشة على نفسها فأمرها بحدةٍ وقوة في النبرة:
_الغطا عندك اتغطي كويس.
_مش بعرف أنام بغطا، بتخنق.
تركها على راحتها ووضع ذراعه فوق عينيه وبدأ يبحث عن درب النوم المُهاجر خاصةً في تواجدها معه بنفس المكان، لكنه فتح عينيه يُراقبها وهو يعلم أنها تحاول الاعتياد، تحاول كسر الحدود، تحاول أن تختلق الألفة معه كي تعتاده، لمَّ لمْ تألفه كما فعل هو؟ لقد أخبره قلبه أنه يألفها ويعرفها ولم تكن بغريبةٍ قط.
_أنتَ لسه زعلان من كلام جدك؟.
لا يعلم كيف صوتها اخترق السكون والسكوت ووصله وهي لازالت توليه ظهرها، حتى أنه أطال في صمته من كثرة تعجبه لكنه قال بهدوءٍ بعد غيابٍ جعلها تظنه نائمًا:
_كلامه دايمًا بيخليني أحس بنقص جوايا، خصوصًا إني عارف إنها ضحت كتير علشاني وعلشان أبويا، بس لما بفكر بطريقة داغـر ساعات كتيرة بكتشف إنه عنده حق كأب، هو شايف الصورة من عنده، بس لما بفكر فيا وفي اللي عيشته بقول إن الحياة كانت صعبة أوي بعدها، وجودكم هونها شوية.
فندت كلماتها بعقلانية مفرطة قبل أن تسوقها العواطف فتضطر لظُلمهِ، رأت الحق معه في كل كلمة، لذا ردت عليه بهدوءٍ تؤازره:
_هو أب وهيفضل شايف الموضوع من جزء واحد، لكن أنتَ ابن سواء ليها أو لباباك أو حتى لما ماما جت واعتبرتها مامتك، كل دا كان كتير عليك إنك تعيشه وأنتَ طفل صغير، الله يرحمهم كلهم بس أنا متأكدة إن كلهم كانوا محظوظين بابن زيك يا أدهـم.
ناوشت البسمة شفتيه حتى ضوت عينيه وتمنى لو تلتفت وتنظر له بعينيها ليرى نظراتها وهي تتحدث عنه، لمَّ توليه ظهرها وتتحدث؟ ياليتها تفعلها وتخترق حزنه.
وكأنها أنصتت لقلبه حيثُ التفّت تنظر في جهته ثم تنهدت وأضافت بحنوٍ يراه منها لمرته الأولى:
_ماما كانت بتحبك أوي، لما كانت بتيجي تشوفني في الرؤية كانت علطول تحكيلي عنك وإنك حنين وبتحب أخوك، وكانت بتقولي إنك بتعيط علشان تيجي معاها تشوفني، كنت دايمًا بفضل أقول إن ربنا عوضها بيك، هي مكانش ليها حد واعتبرتك ابنها، وأنتَ كنت أحسن بكتير من إنك تكون ابنها، حتى مامتك لو كانت عايشة كانت هتبقى مبسوطة أوي إنك ابنها.
لا يعلم هي اليوم مميزة في كل شيءٍ أم أن "سُقراط" كان مُحقًا حين قال "تكلم حتى آراك" وكأنه اليوم يراها للمرة الأولى بكل شفافيةٍ بغير نقصٍ، يرى حقيقة قلبها من خلال كلماتها، أجبرته أن يبتسم أخيرًا وتنبسط ملامحه حتى أغمض عينيه بسلامٍ، ثم عاود فتحهما وقال بنبرةٍ رخيمة دافئة:
_تصبحي على خير يا عُـلا.
ببسمةٍ هادئة ارتسمت على وجهها جاء الرد منها:
_وأنتَ من أهل الخير، ربنا يرزقك راحة البال.
دعت له وللحظةٍ تأثر هو ونظر نحوها لكن تلك المرة تذكر "عايدة" أمها هي، حين كانت تغدقه بدعواتها يوميًا وتتمنى له راحة القلب والبال، حين عاش معها أدرك أن والده لم يُقاومها أن تصبح زوجته، ويبدو أنه مثل أبيه، لن يستطع مقاومة احتلال ابنتها له ولأيامهِ..
____________________________________
<"لم يكن باستطاعتي أن أفقد أغلى الأشياء..
لكني باستطاعتي فقدت نفسي">
آلام الفقد يصعب على المرء التعايش معها..
لكن وحده فقد النفس وغُربة الذات يستحيل التأقلم عليه،
فكيف يمكنك أن تكون غريبًا بروحك وأنتَ تحيا بنفس الجسد والهيئة؟ كيف يمكنك أن تكون غريبًا عن ذاتك والعالم بأسرهِ يعرفك بل ويألفك؟..
في نهار اليوم التالي..
كان "يحيى" في شقته يرعى ابنته بعدما أخذ اجازة من العمل لأجلها هي، وكل لحظةٍ تمر عليه تثبت له حقيقة ما فكر فيه، ابنته تحتاج للعائلة هناك، تحتاج لمراعاةٍ بعيدًا عن الغربة التي تحياها هُنا، كانت تتسطح الفراش وهي تمسك الجهاز اللوحي تتابع أحد أفلامها الكرتونية المُفضلة بعد تناولها وجبة الغداء..
وقد تحرك هو يقوم بتنظيف المطبخ بعدما أطعمها وتناول طعامًا لا يُذكر فقط كي يستطع الوقوف بصمودٍ لأجلها، صدح صوت الجرس فتحرك يفتحه ليجد "حمدان" صاحب عمله ومعه ابنته "تقوى" التي اتضح القلق فوق ملامحها.
كان مصدومًا حين رآهما على باب بيتهِ لكنه تمالك نفسه ولملم شتاته ورحب بهما تحت وطأة صدمته وتيهه:
_نورتوا، اتفضلوا.
ولجا معًا وتبعهما هو مشيرًا نحو موضع الجلوس، وقد تحدث والدها بنبرةٍ هادئة يتولى دُفة الحديث كي لا يُسيء مظهر كرامتها:
_أنا لما لاقيتك طلبت اجازة صممت آجي أشوفك وأتطمن بنفسي عليكم، وعرضت على تقوى تيجي معايا علشان تطمن على الكتكوتة الصغيرة، طمني أخباركم إيه؟.
_في نعمة الحمدلله، شكرًا لمجيتكم هنا والله، زادنا الشرف.
ابتسم والدها فيما قالت هي بلهفةٍ تطمئن على ابنته:
_طمني على رحيق عاملة إيه؟ بقت كويسة دلوقتي؟.
انتبه لها وابتسم بسمة منقوصة لم تصل لعينيهِ وقال بهدوء:
_الحمدلله كنا فين وبقينا فين، بس هي لسه مشدودة شوية من اللي حصل وخايفة وواحدة واحدة هترجع تاني أحسن، عمومًا بمناسبة إنكم جيتوا فأنا احتمال أرجع تاني الغردقة واستقر هناك عند أهلي، وأكيد شغل المعرض هيكون محتاج حد، حلمي ممكن يمسكوا ويقدر عليه، هو شاطر ودماغه حلوة.
حكم بهذا بناءً على سابق المعاملة بينهما، لقد اجتمعا في العمل عدة مرات وأثبت له "حلمي" الذكاء العملي في السوق وسط مجموعة كُبرى من التجار ذي الشأن العالي؛ كانت هي تتلظى بنيرانٍ فَّورما وصلها حديثه وحركت عينيها نحو والدها الذي تنهد ونطق يغصب شفتيه على بسمةٍ:
_وماله يابني دا حقك وربنا يهدي النفوس، والمكان مكانك ومعاك في اللي تحتاجه، ولو حبيت ترجع أنا عيني ليك ومكانك مستنيك، ربنا يستر طريقك ويكرمك لأني ماشوفتش منك حاجة وحشة تخليني أغلق منك، ماتبقاش تنسانا بس.
ابتسم بامتنانٍ له وشكره بينما هي طلبت منه أن تزور الصغيرة وقد ولجت لها تحمل لعبة كبيرة الحجم باللون الوردي، مجموعة كاملة من الدُميات ومقتنياتها، وما إن ولجت ابتسمت بحزنٍ وهي تشعر أنه ستفقدها للأبدِ، ناهيك عن مشاعرها تجاه والدها؛ لكنها حقًا سوف تفتقد هذه الفتاة كثيرًا.
في مدينة الغردقة..
كانت "ولاء" تجلس في غرفة صغيرها تنتظر قدوم زوجها من العمل، كانت تشعر بالضياع لمجرد علمها بالخبر الذي سوف يُدمر بناء مخططاتها، لم تظن هذا الأمر بهذه السهولة، تحمل في رحمها جنينًا ولا تعلم كيف تأخذ رد الفعل تجاهه وتجاه عائلتها، كتمت عبراتها وتحركت نحو الشُرفة تقف بها فوجدت سيارته تصف بالخارج وترجل منها هو وابنه..
في الأسفل نزل "صُهيب" من السيارة وهو يتحدث كعادته عن يومه في الفندق ووالده يُنزل بعض الأشياء من حقيبة السيارة، اقترب منهما "مُراد" الذي وقف بجوار الصغير يمسح فوق خصلاته وهو يسأله باهتمامٍ:
_عملت إيه هناك النهاردة؟ كنت مبسوط؟.
بلهفةٍ حماسية جاوبه الصغير:
_جدًا، وجابولي حاجات حلوة كتيرة أوي، هاروح بكرة كمان ينفع؟.
تدخل والده يقول بسمةٍ هادئة وهو يقترب منهما:
_طبعًا ينفع، مش بقيت في اجازة دلوقتي؟.
هلل الصغير وقفز من موضعه فتدخل "مراد" يطلب من شقيقه ببسمةٍ عادت لوجهه وكأنه أتى من ماضيه كي يذكره بنفسه:
_طب ينفع ييجي معايا؟ رايح اشتري كام حاجة وعاوز أجيب هدوم جديدة وحاجات للمعرض، بدل ما يفضل يزن هنا.
من جديد قفز الصغير وتمسك بعمه حتى رحل به بعد سماح "يُسري" لهما آملًا أن يكون ابنه سببًا في عودة شقيقه الضائع منه، حتى لو لم يعد كما كان؛ لكن على الأقل يُنقذه مما هو مقبلٌ عليه.
تحرك نحو الأعلى قاصدًا الطريق حيث غُرفته فوجدها تخرج من غرفة ابنها وأثر البكاء باديًا فوق وجهها وعينيها الحمراوتين، طالعها بملامح مُجعدة فوجدها تقول بلهفةٍ قلقة كأنها ارتكبت جُرمًا:
_عاوزة أتكلم معاك.
_دلوقتي؟ طب أغير هدومي حتى.
حين رد عليها حركت رأسها نفيًا بشدةٍ ثم أصرت بقولها:
_لأ دلوقتي، ومش هتعمل اللي في دماغك زي كل حاجة بتصمم عليها تمشي برأيك من غير تفكير فيا وفي حد تاني غير نفسك.
توسعت عيناه من اندفاعها بهذه الطريقة في وجههِ وسألها بنبرةٍ عالية بعدما نفذ صبره عليها وهي تنفجر هكذا أمامه:
_في إيه يا ولاء مالك؟ ماسورة واتفتحت في وشي؟ قولتلك هغير هدومي ونتكلم بهدوء وأنتِ عارفة مابعرفش أعمل أي حاجة طالما راجع من برة كدا، كلامي صعب عليكِ أوي كدا؟ في إيه بقى لكل دا؟.
_فيه مصيبة سودا حطتني فيها، أنا حامل يا يُسري.
انبسطت ملامحه وانفكت عُقد جبينه وهو يسألها مستنكرًا:
_مصيبة سودا !! حملك بقى مصيبة سودا؟ أنتِ مجنونة ولا إيه؟
اندفعت باكيةً وهي تقول بألمٍ شق روحها لنصفين:
_أيوة مصيبة سودا، لما أكون عاملة حسابي خلاص إننا منفصلين وأنا هنا علشان ابني بس ومعرفة أهلي كلهم الكلام دا بعدما اطردت من البيت دا بسبب كلمة حق قولتها، ولما أكون عاملة حسابي خلاص إني نسيتك وعايشة لابني وتيجي أنتَ فجأة بكل أنانية تستغلني.
لا يُصدق أنها تتحدث بهذه النبرة وتلك الطريقة وهي تتهمه بشيءٍ لم يقترفه، حرك رأسه مستنكرًا وبدا الذهول جليًا فوق ملامحه وهو يقول بتهكمٍ:
_شكلك اتجننتي خلاص، كلامك دا مايخرجش من واحدة ست واعية أبدًا، نسيتي كام مرة حاولنا نخلف تاني؟ وساعتها الدكاترة قالوا مجرد نصيب، دلوقتي شايفة حملك مني مصيبة سودا؟ دا أنا لو ضارب مع واحدة ورقتين مش هتقول الكلام دا.
انفعل في نهاية حديثه حتى ظهرت أمه تركض فوق الدرج وبلهفةٍ وقفت أمامه وهي تقول بقلقٍ واضطرابٍ من صوتهما:
_حصل إيه يا يُسري وصوتكم عالي ليه؟.
_شوفي الهانم، عقليها علشان خلاص أنا جيبت أخري.
رد عليها بنفاذ صبر وطاقة شبه منعدمة وحين سألتها أخبرتها هي بحملها، فشهقت والدته من فرحتها وقالت بانكارٍ للحدث:
_ودا يخلي صوتكم يعلا كدا؟ لا إله إلا الله.
_الهانم شايفة حملها مني مصيبة سودا، كأني جايبها من الشارع، شكلها ناسية أنها مراتي وعلى ذمتي لسه، شوفيها علشان لو اتكلمت تاني كلامي هيزعلها.
وزعت أمه نظراتها بينهما حتى وجدتها هي تنطق من بين البكاء الذي خنق صوتها وروحها:
_أنا قولت لبابا إني خلاص مش هقدر أتحمل العيشة كدا وكان هياخد الإجراءات علشان يطلقني منك، بالحمل دا أنا مش هقدر أرفع عيني في وشه تاني بعد كل حاجة عملها علشاني.
كان حديثها صدمة له هو، توسعت عيناه ووقف يُرشقها بنظراتٍ نارية وأمه تقف بينهما حائرة حتى استعاد وعيه ورباطة جأشه وقال بصرامةٍ وشدة طباعٍ:
_وليه تستني أبوكِ ياخد إجراءات؟ روحي قوليله ضحك عليا واغتصبني وبعدها رماني وطلقني، أنتِ طـ..
قبل أن ينطقها كممت أمه فاههِ وحذرته بعينيها ونطقت تستجديه ببكاءٍ:
_والله العظيم لو نطقتها لا يبقى آخر اللي بيني وبينك، تنسى إنك ليك أم ولسانى مايخاطبش لسانك ليوم الدين، اهدا كدا وسيبها شوية ترتاح والشيطان يبعد عن طريقكم، يلا، يلا أمشي دلوقتي.
دفعته من كتفهِ حتى زفر هو بقوةٍ ونزل من جديد قافزًا فوق الدرج بخطواتٍ واسعة، وقد ضمتها حماتها لعناقها وتركتها تنفجر باكيةً وهي على وشك خسارة أحد الطرفين، لا تعلم لأين ستؤول الأوضاع حين يعرف والدها وأخوتها بخبر حملها، لكنها على يقينٍ أن هناك مُحاكمة سوف تُنصب لها..
____________________________________
<الخلل الذي في داخلك قُم بإخفائهِ حتى لا تُثير لك الشكوك>
حين تُعاني من ضياعٍ..
لا يتوجب عليك أن تمر في أقرب طريقٍ يُقابلك.
عليك أن تختار طريقك بعنايةٍ كافية،
حتى عن نفسك لا تغترب
حتى لا تضيع ومن أهدافك تقترب..
كان في غرفته يرتدي ثيابه ويتجهز للنزول وقد حضر نفسه بوقتٍ أبكر من المعتاد حتى يذهب لبيت أمه قبل الذهاب لعملهِ، حضر "حلمي" نفسه وخرج وهو يسحب المعطف الأسود الطويل وأثناء الخروج وجد "لمار" تهرول له وهي تقول بلهفةٍ:
_استنى قبل ما تنزل أبقى عدي عليا عند ماما خدني.
تبدلت ملامحه وبان عليه ضيقه وهو يسألها بضجرٍ:
_ليه؟ ما تخليكِ هنا وخلاص.
_هو إيه اللي ليه؟ ماما وحشتني وعاوزة أروح أشوفها، هتمنعني عنها يعني؟ بعدين أنا بقولك أهو ماعملتش حاجة من وراك، رغم إنها أمي يعني مش فاهمة ليه كل دا؟.
ردت عليه مسرعةً دون أن تخفي عنه ردها فيما رد هو يصارحها بأفكاره ومشاعره قائلًا:
_علشان مابحبكيش تروحي هناك، طول ما أنتِ بعيدة عنها وعن كلامها بتبقي زي الفل، مجرد كلمتين منها بتخليكِ تقلبي وتقلبي عيشتنا غم، عاوزة تروحي يبقى أكون معاكِ وشوية نشوفها ونمشي تاني مع بعض، دا اللي عندي.
لم يُعجبها تحكمه المبالغ فيه فسألته بتهكمٍ:
_طب لو مش عاجبني؟.
_براحتك، دا اللي عندي وقولته، قولتلك أمك وخالك دول وش شر وأنا علشان راجل محترم عاوز أحافظ عليكِ، مش كل شوية هفكرك إنك بسببهم كنتِ هتضيعي، ما صدقت الحمدلله العقدة اتفكت.
أقلقها بحديثه حتى شحب وجهها حين تذكرت أن أمها هي أول المُستغلين لها، شريط بالكامل مر عليها فزفرت بضيقٍ حين تذكرت كل شيءٍ، بينما هو لمح في عينيها ذاك الشيء الذي يكرهه، لمح الخوف من جديد فاقترب يحتضن نصف وجهها بكفه ثم ابتسم وقال بحنوٍ:
_خلاص ماتقلبيش بوزك في وش اللي جابوني كدا، هحاول أخلص بدري بدري وآجي أوديكِ تقعدي معاها شوية وبعدها نلف نجيب طلبات البيت بالمرة مع بعض، اتفقنا؟.
أغصبت شفتيها على بسمة فاترة فاقترب هو يُلثم وجنتها ثم ودعها ورحل بعدما ارتدى المعطف وتمم على مظهره قبل خروجه، عادت هي لوحدتها وصمتها أمام التلفاز الذي لا تعرف ونيسًا غيره بعد "حلمي" نفسه الذي قام بقطعها عن العالم الخارجي..
ذهب هو لشقة أمه وجلس بغرفتها يُعيد ترتيبها ويحتضن صورها ويَشُم رائحتها التي لازالت باقية بالمكانِ، لمعت عيناه بالحنين والشوق لها وتمنى لو كانت هنا وضمها حتى لو لم تتذكره وتتذكر من هو، يكفيه فقط الأمان الذي عرفه معها.
خرج من المكان ونزل للأسفل يقف بجوار سيارته استعدادًا للرحيل لكنه لمح "منتصر" برفقة زوجته فاقترب منهما ورحب به بصفته جاره القديم قبل أن يكون بنفس رتبته في عائلة "الشيمي":
_إزيك يا منتصر أخبارك إيه؟ إزيك يا ورد عاملة إيه؟.
ابتسمت له بفتورٍ وهي تجاوبه فيما عاد هو يتحدث مع زوجها:
_إيه يا عم مش ناوي تكمل هنا وتفكك من الغُربة دي؟ يا سيدي على الأقل تعيش هنا وتفتحلك مشروع وتجيبلك حتة عيل، البلد دي أحسن برضه من غيرها.
ابتسم له "منتصر" وهو يرد بمرحٍ يمازحه:
_أنتَ عرفت ولا إيه؟ كلها شهور وربنا يرزقني بذرية صالحة كدا، يادوب أعمل القرشين يأمنوا مستقبله وأكمل هنا علشانه.
تهللت أسارير "حلمي" واحتضنه يبارك له ويتمنى له ذرية صالحة ثم بارك لزوجته وأضاف بودٍ كأنه يرغب في إزالة كل الحدود التي تفصله عن هذا العالم:
_أبقي تعالي أقعدي مع لمار وزوري أختك؛ يا ستي أنا مش في البيت علطول أصلًا روحي وشوفيها وأقعدوا مع بعض.
_إن شاء الله قريب، سلملي عليها.
ردت عليه بإيجازٍ ثم رحلت مع زوجها الذي ذهب معها لبيتها كي تخبر العائلة بأمر حملها، كانت تتمنى رؤية الفرح في وجوههم بهذا الخبر السعيد الذي طال انتظاره منهم وكان سببًا في كُرهها لوحدتها بدون زوجها، تشابكت الكفوف مع بعضها وهما يتحركان معًا ونظرات "مروة" تتبعهما من خلف زجاج الصيدلية وعيناها تصرخان بحقدٍ مفضوحٍ.
تحرك "حلمي" للسوق وذهب لعمله لمدة دقائق معدودة ثم خرج للمقهى الكبير بوسط السوق يأخذ هدنة فيها، لكنه لمح بعينيه "أدهـم" يقف هُناك فوق جسرٍ خشبي صناعي يطل على نافورة مُضاءة، كان شاردًا وفي يده يمسك هاتفه وفي الأخرى كوب الشاي، ابتسم واقترب يقف بجوراهِ وهو يقول بسخريةٍ:
_إيه يا عريس؟ دا أنا كنت جاي أباركلك النهاردة.
لحظه "أدهـم" بجمودٍ من طرف عينه وترك الكوب من يدهِ والتفت وهو يُطالعه بصمتٍ، طالت النظرات بينهما حتى قطعها "أدهـم" بقوله متذمرًا:
_عارف يا حلمي أنا نفسي أفهمك والله، أو نفسي أفهم بجاحتك وأنتَ بتتعامل معايا ومع مشاعري عادي كدا كان ماحصلش حاجة، سيبك من السوق والشغل والتجارة بس أنا نفسي أعرف دماغك دي فيها إيه علشان تبقى شايف اللي حصل منك دا عادي.
عادت ملامح "حلمي" تتبدل من جديد وتغضن وجهه ثم واجه صاحبه وقال بثباتٍ كمن لا يخشى حربًا أو مواجهة في حياته:
_لما تعرف بكرة أنا عملت إيه وضحيت بإيه أنتَ بنفسك هتعرف إني حميت اسمك واسم عيلتك كلها من إن حد يجيب سيرتهم، والتمن دفعته كتير، وغالي عليا أوي.
انفعل "أدهـم" بعد استماعه للحديث الذي تكرر من جديد:
_يادي أم البوقين اللي مش حافظلي غيرهم، كل ما أكلمك تقول نفس الكلام؟ طب يا سيدي عرفني سيادتك عملت إيه يخليك تستغل سفري وتروح تخطب اللي كانت خطيبتي؟ وأنتَ عارف إني هارجع أصلح اللي باظ؟ يا أخي دا أنا أمنتلك وقولتلك إني مش هاين عليا أزعلها، بس تصدق لايقين على بعض؟.
_طالما قررت بقى تتكلم وتغلطني وتاخد موقفي على مزاجك، فأنا هقولك إني فعلًا استاهلها، وطالما مش فارق معاك يبقى أقولك إن جدك المحترم راح حط أيده في إيد خالها **** وقاله يسحبها للمخروب اللي بيشتغل فيه وهناك صوروها وكانوا هيبيعوها لواحد صاحب كيف وهي عجبته، وكانوا هيفهموك إنها واحدة شمال كل يوم بتمن شكل، قولي كنت عاوزني أعمل إيه لما أعرف إن اللي بحبها بيحصل فيها كدا؟ أسيبهم يلطخوا اسمها وشرفها كدا؟ ولا أعمل اللي في أيدي علشانها؟.
أخيرًا باح له بالسرِ الذي كتمه في قلبه طوال المدة السابقة
أخبره عن الشيء الذي كان يحمله كمن يحمل جبلًا فوق صدرهِ ويكتم فوق أنفاسهِ، لا يعلم إن كان أخطأ أو أصاب لكنه على الأقل لم يبقى في صورة الجبان نفسه، تلك المرة لم يهمه وإن اشتعلت الحرب؛ لطالما ضمنها في صفهِ ضد العالم بأسرهِ..
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.