
رواية جمعية حب الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم شمس محمد بكري
|| تُساق لمصيرٍ مجهولٍ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
لكنها خيبة الأمل يا مليحة الوجه هي التي قد تدفع المرء للانسحاب؛ أتعلمين أن المرء منا قد يُحارب بلدًا كاملًا لمجرد قبسٍ من النور يُحيي الأمل فيه؟ لكن ما إن يُدرك خيبة الأمل ويتيقن منها يترك كل شيءٍ ينفلت من يدهِ..
لا تعرفين كم قاسية هي الأحلام حين تبقى أحلامًا..
ولا تُدركين كم يؤلم الأمل حين تحتله بعض الحروف فيصبح آلامًا
في الحقيقة أنا لا أتمنى لكِ أن تُدركين هذه الوقائع..
يكفي فقط أنكِ سببًا كي يعود الأمل من جديد؛
لعلي أعود كما كنتُ مُحاربًا حتى لو كنت أحارب ضعفي لأجلك..
<"ياليت الماضي هو من يموت ويظل الناس أحياءً">
مُفارقة الموت أغرب ما قد يُعاصر الإنسان في حياتهِ..
قد يتمنى الموت لنفسه، ورُبما يتمناه لعدوٍ؛ قد يتمناه لحُلمٍ لم يصل إليه، لكن الأغرب حين يتمناه لذكرياتٍ عاشت بداخله واحتلت مكانها ليكون أثرها باقٍ حتى في حاضرهِ..
_طالما قررت بقى تتكلم وتغلطني وتاخد موقفي على مزاجك، فأنا هقولك إني فعلًا استاهلها، وطالما مش فارق معاك يبقى أقولك إن جدك المحترم راح حط أيده في إيد خالها **** وقاله يسحبها للمخروب اللي بيشتغل فيه وهناك صوروها وكانوا هيبيعوها لواحد صاحب كيف وهي عجبته، وكانوا هيفهموك إنها واحدة شمال كل يوم بتمن شكل، قولي كنت عاوزني أعمل إيه لما أعرف إن اللي بحبها بيحصل فيها كدا؟ أسيبهم يلطخوا اسمها وشرفها كدا؟ ولا أعمل اللي في أيدي علشانها؟.
أخيرًا باح له بالسرِ الذي كتمه في قلبه طوال المدة السابقة
أخبره عن الشيء الذي كان يحمله كمن يحمل جبلًا فوق صدرهِ ويكتم فوق أنفاسهِ، لا يعلم إن كان أخطأ أو أصاب لكنه على الأقل لم يبقى في صورة الجبان نفسه، تلك المرة لم يهمه وإن اشتعلت الحرب؛ لطالما ضمنها في صفهِ ضد العالم بأسرهِ..
توسعت عينا "أدهـم" وفرغ فاهه ذاهلًا ليقول الآخر بنبرةٍ شديدة الانفعال كأنه في سباقٍ مع الزمن:
_أنا رضيت والله بكل حاجة علشانها هي، رضيت حتى إني أكون زبالة في عيون الكل وأولهم أنتَ قصاد إن محدش يقرب منها ومن سُمعتها، جدك مارحمهاش ومكانش عنده استعداد يرحمها، روحتله واترجيته يسيبها، قالي مش قبل ما القضية تلبسها وتتحاسب.
كان "أدهـم" كما هو غارقًا في ذهولهِ، كأن الحديث يُقطع من روحهِ، اندفاع "حلمي" لم يكن تمثيلًا، عيناه لم تكذُبا عليه، كان يتمنى لو كذبت النظرات فيمسك خيطًا جديدًا؛ لكن الأعين كانت نافذة القلب ومطلع الروح، تمالك نفسه مُسرعًا وجل ما استطاع التفوه به كان:
_أنتَ كداب، حتى لو كلامك كله صح كان ممكن تكلمني وتقولي وكنت هاجي اتصرف، ماكنتش هصدق كلمة واحدة في حقها لو الأرض كلها كانت قالتلي إنها وحشة وبنت ستين كلـب كمان، بس أنتَ ما صدقت كأنها جاتلك على الطبطاب، ليه ماكلمتنيش؟.
كان "حلمي" يشعر بالحُرقة في قلبه وروحه، كأن كتمهِ للألم طوال هذه المدة لم يعد يتحمل أكثر كما البركان الذي انفجر مُعلنًا نيران خباياه، فصرخ هادرًا:
_والله العظيم ماسبليش فرصة اختار، حتى لو فاكر إن كان سهل عليا أخليه يعمل اللي هو عاوزه لحد ما أنتَ تيجي، مكانش سهل عليا إني أخلي حد يجيب سيرة سُمعتها يا أدهـم، ماكنتش هقبل إنها تتحط في الموقف دا أبدًا، أنتَ ماتعرفش أنا حسيت بإيه لما روحت الكباريه آخدها منه وهي هناك واقفة بتعيط زي العيلة التايهة ومش لاقية حد ييجي يلحقها، حتى لو كنت نسيت حبها؛ ففي اللحظة اللي حسيت فيها بالأذىٰ بيقرب عليها أنا حبها حركني من تاني.
للأسف هو يتحدث بصدقٍ ويتحدث ويُفضي بما في قلبه، يُخبره عن الخيبة التي لاحقته وقتها وعن قلة الحيلة حين تمكنت منه كرجُلٍ لذا جاء السؤال من على طرف "أدهـم" كأنه لم يستطع احتواء السؤال:
_وإيه موضوع إنك كنت بتحبها دا؟ كنت بتحب اللي كانت حبيبة صاحبك يا حلمي؟.
_لأ !! أنا كنت بحبها من صغري من وإحنا عيال لسه في ثانوي وكنت باجيلك نروح الدورس مع بعض وكنت بشوفها وأنتَ لسه مفيش حاجة بينك وبينها، وكنت مستحرم حتى أكلمها، ولما جيت تقولي إنك بتحبها وهتتخطبوا ساعتها طلعتها من جوايا، قولت دي تحرم عليا طالما تخص صاحبي، جدك عندك وروح أسأله وعندك تقوى بنت عمي روح اسألها على موضوع حُبي ليها دا، عندك كتير تعمله وأنتَ هتعرف الحقيقة.
كان "أدهـم" في صراعٍ لا يُحسد عليه، الماضي حين هجم كما وحشٍ ضارٍ على حاضره فتك به وأكله بافتراسٍ، نظرته كانت تتحدث في حين خذله لسانه بالكلامِ فأخفاه، عيناه تُفصحان أكثر من اللازم عن شيءٍ لا تستطع الكلمات وصفه، لكنه يعرف جيدًا كم كان قاسيًا عليه معرفة حقيقة مثل هذه..
التزم كلاهما صمتًا طويلًا كما ليلٍ قاتمٍ على روحيهما إلا من نظراتٍ لم تعرف للصمتِ سبيلًا؛ صوت هدير أنفاسهما كان عاليًا حتى قطعه "أدهـم" بسؤالٍ كان لابُد منه:
_أنتَ بتعرفني دلوقتي ليه؟ علشان خلاص اتجوزت؟.
بدا السؤال منطقيًا من جهته حتى الآخر لم يعترض عليه ولم يُنكر حقيقةً في نفسهِ؛ فقال بصدقٍ حقيقي:
_دا سبب من ضمن الأسباب، بس الأهم إني محتاج أرتاح وأريح نفسي، على الأقل لو هتقبلني من تاني يبقى اللي بيني وبينك تعرفه كله، وعلى فكرة كمان، ماكنتوش هتنفعوا مع بعض يا أدهـم، أنتَ مابتعرفش تسايس أمورك ومش صبور، كان مسيرك في يوم هتخسرها، يمكن ربنا قطع اللي بينكم دا علشان نصيبك يكون مع مراتك اللي اتجوزتها، هي مكانتش نصيبك.
مسح "أدهـم" وجهه بكلا كفيهِ وبدا حائرِا، ثم أعاد النظرات وقال مُجددًا بتيهٍ بعض الشيء لكنه لم يتخلَ عن شخصهِ الصارم ذي الطبع العنيد بقوله:
_ليه خليت داغـر يعمل اللي عمله دا ومحاولتش توصلي ليه؟ طالما كلك شهامة ورجولة بقى كنت كملها للآخر، بس أنتَ ما صدقت اللي حصل دا حصل علشان تاخدها ليك، ودا برضه مش هيغير اللي في قلبك.
من جديد يشعر "حلمي" بالثقل في روحهِ كأنه يختنق، لكنه فجر آخر ما كان لديه من قنابل لا تتحمل الانتظار أكثر من ذلك:
_علشان آخد صورها اللي البيه صورهالها هناك علشان يساومها بيها؛ قالي قدامي حلين مالهمش تالت، يا يفضح الصور وينزلها ويفضح خالها وعيلتها كلها يا أتصرف أنا وأقفلها، روحت ودفعت الفلوس لخالها علشان أخلصها من اللي كانت فيه، وبالمناسبة حوار إن هي تخيرك بينها وبين أخوك دا كان برضه طلب من جدك، قالها ترجعك ليه وتنسى آدم، يا هو يبعدها عنك.
لأول مرة يعرف أن هناك أمور حين يصل لها المرء تُخرب حياته، هل كان يظن فيها كل الظنون السيئة التي بالدنيا، لقد ظلمها ظُلمًا كبيرًا إن كانت الأمور وصلت عند هذا الحدِّ، طالت النظرات بينه وبين "حلمي" الذي تنهد ونطق برأفةٍ يُشفق عليه:
_حقك عليا والله بس لو كنت مكاني كنت هتعمل كدا وأكتر، أنا حبيتها بجد بدليل إني بايع دنيتي كلها علشانها هي، والله العظيم ما عاوز غيرها هي وبس، أنا راضي بيها بعيبها قبل الحلو اللي فيها يا أدهـم؛ أنا شاريها بعمري كله.
كان يتحدث والأمل ينطق من عينيه، يتحدث معبرًا عن احتياجه لها وعن اجتياحها هي له، عن تواجدها معه لأيامٍ كان مؤنسة أيامه وعمره، عن تشابه بينها وبين قلبيهما فكانا ملاذًا لبعضهما، يتحدث ليخبره أنها أصبحت حقًا له ولا يحق لغيره هذا الحق.
غادره "أدهـم" بضياعٍ والتفت يوليه ظهره ورأسه تشن الحرب ضده باستعادتها كل الذكريات الفائتة منذ أن كانا على علاقة سويًا، ذهب وولج سيارته وهو يشعر كأنه كما السجين الذي خرج من السجن وضاع في شوارع المدينة بعدما ضاع هو من بيته وضاعت عنه حياته كلها، وقد كان "حلمي" يعرف كيف حال قلب الرفيق وبماذا يشعر لكنه تركه لحالهِ لعله يصل وحده لبرٍ آمنٍ، بغير ضغطٍ أو تضييقٍ لمساحته ومساحة غضبه..
-قد لا يُعذَّب المرءُ بيأسهِ وضياعهِ
لكنه يشقى بأملٍ يتركه يحيا بداخلهِ.
____________________________________
<" لكل حقيقة أكثر من وجهٍ؛ وأنا كنتُ وجه الحقيقة نفسها">
يقولون هناك أحلامٌ يستحيل تحقيقها..
تمامًا كما عيش المرء في عالمٍ مثالي بغير تزييف أو تزويرٍ في أية حقائق يراها بأم عينيه، وهناك أحلام تُجبر الإنسان على معايشتها، تأتيه بغتةً وتحتل أيامه حتى لو لم يكن يفكر بها، سوف يراها بل ويعيشها أيضًا.
في مدينة الغردقة ببيت "نصار".
كان البيت يُعاصر حالة من التوتر والاضطراب، حيثُ كان "يُسري" في غرفتهِ يجلس بعيدًا عن أفراد الأسرة وعن زوجته بشكلِ خاص كي لا يحدث أي احتكاكٍ بينهما، حاول تهدئة نفسه بعيدًا عنها رُغم أن هناك رغبة مُلحة ظل صوتها يدوي في عقلهِ كي يخرج ويُحررها منه ويُطلقها، لكنه يعود ويستغفر ربه لعل شيطانه يزول عن رأسهِ.
طُرِقَ باب غرفتهِ وولجت منه أمه فهبَّ من مرقدهِ يقف في مواجهتها لتقول هي بصوتٍ هاديء تحاول به لملمة البعثرة ببيتها:
_أنا سيبتك شوية تكون هديت مع نفسك وبطلت توتر وشدة أعصاب وجاية علشان أتكلم معاك، بس الأول لازم تعرف إني مشيت ولاء خليتها راحت بيت باباها، ومتقلقش العربية وصلتها وهي هناك بخير.
ذُهل وملامحه بان عليها أثر صدمته فيما أضافت هي بهدوءٍ:
_من غير ما تقلب وشك بس باين إنكم متوترين أوي واللي بينكم دا عمال يزيد ولازم حل يا يُسري، هتفضلوا كدا؟ وبعدين طلاق إيه اللي كنت هتطلقهولها دا؟ فين عقلك يا يُسري؟.
ساوره الضيق من مجرد عتابها له فاندفع مُبررًا ذلك بهجومه:
_يا سلام !! وهو فيه واحدة عاقلة تقول لجوزها اللي هي قالته دا يا ماما؟ دي بتقول إن حملها مصيبة سودا مني؟ محسساني إني ضربتها وكتفتها ولا اغتصبتها؟ دي مراتي.
مطت أمه شفتيها بيأسٍ وأضافت بنفس الهدوء الذي تحتفظ هي به في شخصيتها:
_معذورة يا يُسري وأنا سمعت منها، مكانتش عاملة حسابها يكون فيه حاجة بينكم غير لما الدنيا تتصلح كدا وبصراحة معاها حق، البيت دا كله لازم ينصلح حاله، دي مباقيتش عيشة كدا، أبوك وعمك طول عمرهم كتف في كتف بيتعاملوا كأنهم اتنين أغراب بيرموا السلام على بعض وخلاص، يحيى وبنته محدش عارف ليهم طريق كأن الأرض اتشقت وبلعتهم، أنتَ كل اللي همك الشغل وبس وسايب حبيبتك اللي عمرك ما زعلتها، مراد أخوك وبقى تايه في الملكوت محدش عارف حتى يتكلم معاه، جرالكم إيه كلكم؟.
انفعلت وانهارت باكيةً في منتصف الحديث حتى رد عليها هو بأعصابٍ تالفة يخبرها الحقيقة التي صدمتها:
_اللي جرالنا بنتك كانت السبب فيه، عملة واحدة بس ضيعت عيلة كاملة وخليتهم كلهم يدفعوا تمن غلطتها، أولهم يحيى اللي طفش من خوفه على بنته، وابنك اللي مشي في وشه وبقى صاحب كاس بعدما ضاع منه كل حاجة، كل حاجة خربت فوق دماغ الكل بسببها؛ بس المرة دي بقى أنا مش هبقى السبب اللي يضيع مني كل حاجة.
حالة صمت سادت بينهما كأنه هدوء ما بعد العواصف والرياح، نظراتهما متقابلة وهي تبكي لأنها لم تنكر هذه الحقيقة قط، بينما هو شعر أنه جرحها بحديثه فمد يده يلتقط كفها ثم نطق بهدوءٍ:
_حقك عليا يا ماما، بس والله الدنيا خربت معايا وكل ما أعدلها ترجع تبوظ مني تاني، على يدك شايفة اللي وصلتله وبيتي مخروب بقاله سنتين وأكتر لدرجة إن مراتي حامل وشايفة الحمل دا مصيبة، قوليلي المفروض أعمل إيه؟.
لمحت هي تيهه وألمه وكأنه يبحث عمن يُرشده من الصحراء، فكانت هي نجمته التي أرشدته بقولها حين صمدت لتنطق:
_فكر أنتَ وشوف يا يُسري مع نفسك، عندك ابن والتاني جاي في الطريق، تفتكر هتقدر تعيش من غيرهم؟ هتقبل يتربوا بعيد عنك وعن أمهم؟ فكر فيها هي من بعدك، هتقبل تسيبها وييجي حد تاني ممكن يدخل حياتها ويتجوزها؟ ساعتها هيكون حقها على فكرة ومحدش هيقدر يلومها، فكر في مليون حاجة قبل ما تاخد خطوة واحدة.
فكر هو فيها وفي حياته بدونها، فكر في حُبه الكبير لها وكيف حارب كي يصل لبيتها ويتزوجها ويحصل على موافقتها، أي رجلٍ هذا يدخل حياتها من بعده؟ حسم أمره ونطق أخيرًا بقوله:
_مش هقدر أشوفها برة حياتي ولا هقدر أشوفها برة بيتي دا، للأسف صعب ييجي عليا يوم أكون فيه بعيد عنها؛ أنا ما صدقت الفترة الأخيرة اللي بينا اتصلح شوية، حتى لما كانت معايا وأنا واخدها في حضني كنت حاسس إني رجعت من تاني أعيش.
ابتسمت له والدته ثم مسحت فوق كفه وهمست تمازحه بقولها:
_أموت وأعرف اتصالحتوا إمتى؟ دي مابتخرجش من أوضة ابنك ما ليها حق تتصدم من اللي حصل، دا أنتَ مش سهل.
ابتسم رُغمًا عنه وتشدق بقلة حيلة:
_والله العظيم كنت راجع من مشوار صعب وجاي تعبان ومش شايف قصادي، دخلت أوضتي لاقيتها موجودة فيها ومستنياني وخايفة عليا، ماكنتش مصدق إن هي نفسها اللي موجودة ومستنياني طلبت منها تفضل معايا، من ساعتها وأنا بحاول علشانها هي، ماكنتش عارف إنها هتعمل كدا.
_يبقى تسمع كلامي وتريح نفسك وتريحها معاك، دلوقتي تاخد بعضك وتروح بيتها تطلب ترجع مراتك وتعرفهم إنك باقي عليها وعاوزها، تعرفهم إنك مش هتفرط فيها لو حصل إيه ولازم تتكلم معاهم ومعاها يا يُسري، يمكن هي تايهة بس دورك ترجعها تاني لنفسها؛ مش يمكن الطفل اللي جاي دا يقربكم ويحل اللي بينكم؟.
احتار أمامها وكأنه خشىٰ أن يفعلها لكنها دعمته وحثته أن يفعلها فترك مكانه وسحب سترته يرتديها بعدما أخذ قراره وحين خرج ونزل الدرج قابل في مواجهته شقيقه ومعه ابنه الذي سأله بلهفةٍ:
_رايح فين يا بابا؟.
مال عليه والده ببسمةٍ حنونة ثم لثم جبينه وعاد للخلف يستأنف حركته وقال بنبرةٍ حنونة بها عزيمة بلغت أردها عليه كأنها تقوده كما الطير الحُر:
_رايح أرجع حياتنا أنا وأنتَ وجايلك.
هرول بعد حديثه قاصدًا بيت حماه بسيارتهِ، مسافة قريبة لا بأس بها بسيارته تقريبًا خمسة عشر دقيقة لا أكثر وسوف يصل، يصل ليُعيد لحياته الضوء من جديد قبل أن يكون كما أخته الراحة التي خربت الحياة ورحلت توليهم دُبرًا دون اكتراثٍ بهم، هو أيضًا خرب حياة زوجته، ارتضى لها الظلم وقبل بحكم والدها في حقها، رضىٰ لنفسه أن يكون بعيدًا عنها بغير محاولاتٍ لولا لقاءٍ بينهما أتى بمحض الصُدفةِ فنتجت عنه روحٌ تحملها برحمها..
وصل للبيت ووقف يرتب بعثرة أنفاسه ونفسه داخليًا وخارجيًا ثم ولج البيت بهدوءٍ ليقابل في وجهه شقيقها الأكبر، تبدلت ملامحه والآخر يرحب به بهدوء ثم باشره بسؤالٍ رُبما يكون متوقعًا:
_جيت ليه يا يُسري؟ هنعيده تاني ولا إيه؟.
_جيت أرجع مراتي يا محمد، مش هفضل في الغُلب دا كتير، مراتي واللي في بطنها يخصوني أنا ومحدش هيراعي مراتي غيري، ماتصعبوهاش عليا أنتوا كمان بقى، كفاية اللي هي عملته.
رفع شقيقها حاجبيه ذاهلًا لكنه عاد يتسم بالحكمة لأنه رجل له وقاره وحكمته بفضل عمله في الكادر الطبي كطبيبٍ جراح، وأضاف بنبرةٍ أقرب للودِ من التقريع:
_وهي عملت إيه؟ هي اتصدمت من وضع حياتها ومن الشقلبة اللي حصلت وعلى فكرة أنا اتكلمت معاها بحكم إن هي أختي والكلام كان بيني وبينها بس أنا مش هقبل إنك تيجي على أختي تاني، من دلوقتي قدامي حلين مفيش غيرهم، يا تحل مشاكلك وترجع مراتك ليك تاني زي أي اتنين طبيعين يا تطلقها وتعيش هي هنا بكرامتها، لكن وقف الحال بتاعكم دا مش هينفع.
_يا سيدي مش عاوز أطلق أنا، عاوز مراتي ترجعلي وترجع لبيتي وحضني من تاني واللي عاوزاه هعمله، اسألها مين فرض علينا السنتين دول؟ هي اللي اختارت تبعد عني يا محمد مش أنا، شوف اللي يرضيها وأنا هعمله بس الدنيا تخلص علشان أعصابي باظت خلاص.
تنهد شقيقها ثم قاده لداخل بيت العائلة حيث شقة والده الذي اعتدل فوق الأريكة وجلس يقابل زوج ابنته الذي حياه باقتضابٍ، وبعدها تولى والدها الحديث بقوله:
_بقى دا اسمه كلام يا أستاذ يُسري؟ لما جيت قبل كدا ساعة المشكلة الأولى علشان ترجعها بعدما أبوك طردها قولتلك بنتي دي ماعنديش أعز منها، ربنا رزقني بيها وكانت وش السعد عليا وهي من بعد أمها تاني واحدة في الدنيا أنا أكره زعلها؛ وقتها قولتلي إنك مش هتزعلها، وسنتين وهي باعدة نفسها عنك ! عملت إيه؟ رضيت وسكتت لمجرد إنك ضامنها عندك، بس مش أنا الأب اللي يقبل لبنته كدا، أنا أقدر أجيب حقها تالت ومتلت بس أنا ابن أصول.
كان حديثه يخرج من أبٍ أكثر من كونه رجلًا يتسم يتسلط الطباع؛ لذا أخذ "يُسري" الحديث منه بشكلٍ أبوي وودي فرد عليه بنفس الطريقة الهادئة:
_طب وهو فيه بنت أصول تقول لجوزها إن حملها منه مصيبة؟ هي لو بتكهرني كنت هحس بدا وأشوف بعيني إنها مش عاوزني أقرب منها، بس دا ماحصلش وهي بنفسها تكدبني، ومن ساعتها هي شايفة إني بحاول وبصلح اللي فات كله.
ابتسم والدها بسخريةٍ وقال بتهكمٍ:
_ماهو يمكن علشان كدا هي زعلانة منك، إنك بتحاول علشان قربك منها مش علشان حُبك ليها، ودي تفرق كتير أوي يابني، إن الراجل يكون بيحب الست وشايفها كل حاجة في حياته وبين إنه شايفها مجرد واحدة وخلاص، أنا مش عاوز أعرف تفاصيل لأن دي حاجة تخصكم وماليش دخل فيها، بس حط نفسك مكاني وشوف لو اللي في بطنها دي بنت وتخيل بنتك تتبهدل كدا؟ حكم عقلك يابني علشان أنا مش ظالم.
شعر هو بمدى وضاعة حاله وتيقن أن عائلة المرء قد تبنيه وقد تهدمه أيضًا؛ وبكل أسفٍ عائلته دمرته وهدمت عالمه وهو انساق خلفهم وخلف كل شيءٍ رغبوه منه وأرغموه عليه، لكن كيف يلوم المرء العالم على هدم عالمه وهو من ترك لهم البيت خاويًا؟.
تنهد بثقلٍ وطلب مقابلتها بشكلٍ ودي؛ وقد أخرجها له والدها وتركهما معًا، خرجت باكية العينين ومنهزمة غير التي كان يعهدها؛ بدت أكبر من أعوامها الثلاثين وأكبر حتى من عمرها معه، كسيدة مُرهقة في روتين حياة أجهدها، جلست أمامه تمسح وجهها الباكي فيما قال هو بعتابٍ دافيء خرج من قلبه مباشرةً:
_ينفع طيب اللي حصل دا؟ هان عليكِ تقوليلي اللي قولتيه؟.
رفعت عينيها له وقالت بصوتٍ مختنقٍ:
_صعبان عليا نفسي منك أوي يا يُسري، صعبان عليا حياتي في البيت وأنتَ راضي تكون بعيد عني وعن ابنك ولما حصل حاجة بينا بتحاول ترجع تاني، حسيت إني ست رخيصة أوي مالهاش تمن عندك، ليه تخليني أحس بكدا منك؟ أهو حصل حمل أهو، جاي بقى ترجعني علشانه ولا علشان نفسك؟.
لا بأس يا "يُسري" هي مجرد أنثى مجروحة تعاني من اضطراب في مشاعرها وهرمونات جسدها، لا عليك بالغضب والانفعال كي لا تخسر كل شيءٍ تملكه، لذا تنهد بعدما ذّكر نفسه بذلك الحديث وقال:
_جاي أرجع مراتي علشان أنا ماليش غيرك يا ولاء ومش عاوز يكون ليا مكان في حتة تانية وأنتِ مش معايا فيه، أنا مش هقبل أكون في حتة تانية من غيرك معايا، عاوزك أنتِ وعاوز بيتي يرجع تاني زي ما كان، عاوز ولادي يتربوا في حضني وحضنك، مش عاوزهم يتوهوا بيني وبينك وأبقى ضايع بيهم، عاوزك تكوني أنتِ الأحسن وترجعيني ليكِ…
ترك حديثه ثم ترك موضعه واقترب يجلس على عاقبيه أمامها وقصد سبيل عينيها بعينيه مباشرةً وهو يقول متوسلًا رأفتها به:
_والله العظيم اليوم اللي كنا مع بعض فيه دا خلاني رجعت تاني لنفسي لما حسيت إنك معايا ولسه جنبي، أنا يمكن ضيعت نفسي وضيعت الغالي مني بس مش هضيع الباقي كمان، أنسي اللي فات وأنسى الكام سنة اللي ضاعوا دول؛ بصي للفرصة اللي ربنا كرمنا بيها والرزق اللي بقى في حياتنا، وافقي بالله عليكِ وأنا هعملك اللي عاوزاه.
ابتسمت مُرغمة على حديثهِ وخرجت الطيبة من عينيها كأنها لم تجرؤ وتقسو عليه حتى ضمها لعناقهِ بقوةٍ وأخفاها بين ذراعيه فضمته هي تتلمس الأمان الذي لم تعرف طريقه غير معه هو، منذ أن كبرت وأصبحت فتاة يافعة الجمال وبدأت تدرك ذلك كان هو أول الرجال ظهورًا في حياتها، ومنذ ذاك الحين هي لم ترَ غيره قط.
____________________________________
<"حين ظهرت الحقيقة اختفى مع ظهورها النور">
الأخبار السعيدة تأتي حين لا يكون المرء مستعدًا لها..
حين يكون غارقًا في الظلام باحثًا عن شُعلة نورٍ قد تباغته السعادة لتخبره أنه من يتخلى عنها وليست هي من تختفي عن طريقهِ..
في مُجمع بنايات "الشيمي"..
تحديدًا بداخل شقة "ربـاب" صدح صوت زغرودة منها عاليًا بمعرفتها حمل ابنتها الوحيدة، ظلت تطلق فرحتها وتدعو لها بينما "عرفه" ضمها لعناقهِ مباركًا لها ثم عانق زوجها وهو يقول بحنوٍ وطيبة طباعٍ:
_الله يباركلكم ويكرمكم بالذُرية الصالحة مع بعض، ربنا يراضيك يابني ويسعدك ويرزقك برزقهم، إن شاء الله ربنا يراضيك ببنت حنينة زي ورد كدا وتخليك عايش في الجنة فوق الأرض هنا، أو ولد يكون سندك وضهرك، ربنا يعزكم.
ابتسم له وشكره فيما سألته أمها ببسمةٍ بشوشة:
_شوف السوسة برضه عمل اللي في دماغه وقالي كلها شهور وهخليكِ جدة، طب خليك بقى معانا وبلاها سفر بدل ما والله أربيه أنا وأخليه يطلع عين أهلك كلهم.
ضحك لها حين أدرك مزاحها وقال بحماسٍ ومرحٍ:
_زي ما ربيتي أمه وخليتيها كدا أنا راضي تربيلي عيالي مش هعترض، بس أبقي وصيهم عليا أنا برضه تعبت وشقيت، ولسه هسافر وأكمل تعب برة علشان آمن مستقبلهم، ادعيلي بس.
دعت له باسمة الوجه ثم ضمت ابنتها من جديد لعناقها فيما نطقت "ورد" بلهفةٍ تبحث عن هاتف أمها بقولها:
_فين موبايلك أكلم آدم أقوله؟.
ناولتها إياه ضاحكة الوجه والأخرى تطلب رقمه بحماسٍ حتى رد ما بين انشغاله واتضح ذلك في نبرته حين نطق من بين الضجيج بمطبخ مطعمه المُتكدس:
_أيوة يا عمتو عاملة إيه؟ معلش مشغول دلوقتي محتاجة حاجة؟.
جاء الرد له بضحكةٍ واسعة من "ورد" التي قالت تعانده:
_أبعد عن الطشة دي وكلمني كويس.
أدرك صوتها وميزّه فتحرك مبتعدًا وهو يضحك وسألها عن تواجدها في البيت عندهم لتقول هي بحماسٍ مفرط:
_جيت علشان كنت حابة أفرحكم معايا، بس لاقيتك مشيت قولت برضه هفرحك، خمن كدا إيه ممكن يكون هيفرحك؟.
تهللت أساريره ونطق بفرحةٍ حين خمن السبب فعبر بقوله:
_ماتقوليش !! حماتك اتقبض عليها؟.
كتمت ضحكتها حتى لا ينتبه "منتصر" وقالت بصوتٍ مختنقٍ:
_لأ يا آدم بقولك حاجة تفرحك.
_إيه غير كدا؟ طب إيه؟ ماتت طيب؟.
حين رد بهذا الرد قالت بسخريةٍ كي لا يصل حديثه للبقية:
_ما تركز يابني تعبتني دا أنتَ هتبقى خال غبي أوي.
وقتها أدرك وفهم فضحك بصوتٍ عالٍ وخرج نحو الهواء بعيدًا عن الغوغاء حوله وسألها تلك المرة بلهفةٍ حقيقية:
_حامل بجد؟ اتأكدتي طيب؟.
ابتسمت حين أدركت مشاعره وقالت بتأثرٍ:
_آه استلمت التحاليل النهاردة وجيبتها وجيت على هنا علطول، كان نفسي أشوفك بس تتعوض إن شاء الله، عقبال فرحتي بيك وبعروستك يا رب وأشوفك مع بنت الحلال اللي تستاهل إنها تكون مع راجل زيك بحنيتك وأخلاقك.
_ربنا يباركلي فيكِ ويقومك بالسلامة ويعدي حملك على خير يا رب، أنا مستني اليوم دا من زمان أوي يا ورد والله، مستني اليوم اللي أشيل فيه ولادك أنتِ وولاد أدهم وعُلا، ربنا يسعدكم كلكم.
رد عليها ثم بارك لزوجها وظل يوصيه عليها وأغلق الهاتف ثم عاد يستأنف عمله لكن تلك المرة بحماسٍ أكبر، قام بفتح أحد المُوشحات الأندلسية يستمع إليها ويعيش في خياله حياة تليق به ولم يجدها حوله؛ حالة الأجواء التي يُفضلها لم يجدها غير مع نفسهِ، يُحب اقتناء الكُتب، يفضل المشروبات التقليدية الساخنة، يُحب كل ما هو قديم وله أصلٌ، يحب التصوير، يهرب من ضجيج الحياة لهدوء المكتبات ويجد نفسه بين صفحات الكتبِ.
بالأعلى حيثُ شقة "أدهـم" كانت تجلس في انتظاره بعدما أخبرها أنه في حاجة للخروج، تركته يتحرر بعد لقاء جده لعله يجد راحته في الخارج ولعله لم يألف تواجدها حتى الآن، ولأنها قررت كسر الحواجز بالتدريج، ولجت المطبخ تصنع طعامًا لأجله هو، سألت "آدم" خفية وهو أخبرها بقوله ضاحكًا:
_بيحب طاجن البطاطس باللحمة أوي ومعاه رز أبيض وسلطة.
تحركت بعد حصولها على الجواب وبدأت تحضير الطعام لأجله حين يعود، ثم تحركت تُعيد ترتيب البيت، تقوم بفتح المنافذ، تنظيف الطاولات، تنظيف الأرض الرخامية، إعادة ترتيب الشُرفة الكبيرة ووضعت بها مقاعد خشبية وطاولة مستديرة، قامت بوضع بصمتها الجديدة..
ولجت غرفته التي نامت فيها أمسًا وحين ولجتها رائحة عطره وصلتها، ميزتها كأنها لم تشتم غيرها قط، بحثت بعينيها في الغرفة فلمحت السُلحفاة ببيتها؛ والعصافير بداخل قفصهم وهناك حيوان آخر غريب لم تتعرف عليه؛ اطمئنت على تلك الحيوانات البريئة ثم خرجت من الغرفة تنتظره وهي تشعر بالملل يخنقها..
بينما هو فكان يجوب الشوارع روحةً وجيئة بسيارتهِ، يذهب هنا وهُناك بحثًا عن راحته لكنه لم يجدها، ضاق الحال به وأحس بالضيق يضيق الخناق عليهِ، وكل الطرقات تقوده لمسارٍ واحدٍ، استمع للصوت الذي علا بداخله وذهب بسيارته لمنزل جده، صف سيارته وولج البيت كما الإعصار بعدما تركه الحارس..
_يا داغـر بيـه !! أنزلي يا باشا.
هدر بصوتهِ عاليًا حتى خرج جده من مكتبه وخرجوا مُدبري البيت ووقفوا يشهدون على الصراع القائم بين نظرات الجد وحفيده، كانا في ساحة عراكٍ بينهما ولا أحد فيهما يقدر على نزال الآخر، وبمجرد أن اقترب جده منه قال بصوتٍ عالٍ:
_حلمي قالي اللي عملته في لمار قبل كدا، سؤال واحد بس جاوبني عليه وقولي ليه؟ جالك قلب تعمل كدا في واحدة مالهاش حد إزاي؟ استفدت إيه بقى؟ ما أنا برضه مارجعتش ليك ولسه بكرهك.
هدر بحديثه بكل غضبٍ وقد ابتسم له جده بسخريةٍ وهو يقول:
_ياه دا حلمي دا غبي أوي، ولا خلاص بقى لاقاك اتجوزت فاتطمن؟ لو أعرف إنك هتبص لبنت الخدامة وتتجوزها كنت سيبتلك لمار، على الأقل مبلوعة شوية وبنت عمك.
لم يُخيل له ولو بأحلامهِ أن يكون جده وصل لهذه الدرجة من قسوة الطبع وحدة المشاعر، راقبه بخيبة أملٍ وكأنه تمنى لو كان رفيقه يكذب عليه لكن نظرة جده تحكي ما هو يُغاير ذلك، لذا تمالك أعصابه وشد قبضة يديه فيما نطق الآخر بتجبرٍ وهو يجلس فوق المقعد:
_كنت عاوزني أسيبك تقع مع واحدة خالها شغال في كباريه؟ ولما عرضت عليه فلوس قصاد بنت أخته مارفضش؟ دي واحدة تصونك وتصون شرفك؟ دي حاجة تعر، أو كنت فاكرها تعر بصراحة، بس بما إني خلاص رميت طوبتك فأنا هسيبك لحد ما الخدامة دي هي وأخوها ياخدوا منك كل حاجة ويرموك برة حياتهم، ساعتها هتجيلي راكع.
حديثه عن أخيه وزوجته يثير في نفسه غضبًا كبيرًا من أوسع أبوابه؛ لذا تقدم من جده يُشهر سبابته في وجهه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_ماتفكرش تجيب سيرة حد منهم بكلمة ماتعجبنيش بدل ما قولتلك جناني عليك أنا ممكن أخرجه وأفضحك، أخويا ومراتي اللي مش عاجبينك دول فوق راسي، وبالنسبة ليا هم أهم منك لأني حتى قبولي ليك مش موجود، مش بالعافية هقبلك وأعيش معاك، أنا مش قادر أحبك وأصفالك يبقى يا سيدي اعتبرني ميت زي بنتك كأنها مشيت ومسابتش حاجة وراها؛ زي ما أنا اعتبرتها يتيمة طول عمرها مالهاش حد.
احتقن وجه "داغـر" وحاول جاهدًا التحكم في نفسه لكنه فشل ووقف يواجه حفيده بقوله الصارم:
_مستنيك ترجع وتقولي إنك خدت على قفاك منهم وساعتها هخليك تعرف بنفسك إنك كنت عبيط وأهبل، زيك زي أبوك لما ماخيبش ظني فيه وراح عاش حياته بعد موتها، خلاني كسبت الرهان مع نفسي.
لم يستطع "أدهـم" أن يتمالك نفسه أكثر من ذلك فأولاه الدبر وتحرك مغادرًا قعر هذا الجحيم المستعر، لقد أحس بيدٍ تلتف حول عنقه وتُقيده بالأغلالِ لذا ولج سيارته وقادها مُسرعًا في جُنح الليلِ بحثًا عن الحُرية من نفسهِ حتى، يبحث عن شيءٍ غالٍ مفقودٍ قد ضاع منه ولازال في انتظار عودته؛ الغريب أن هذا الشيء كانت نفسه التي ذهبت ولم تعد.
لم يعِ كيف وصل لبيتهِ وكيف صف سيارتهِ حتى ترجل منها بكتفين متهدلين فوجد "لمار" تنزل من سيارة الأجرة وتستعد لدخول البناية، وقف في مواجهتها كأنه يراها للمرةِ الأولىٰ؛ نظرته آسفة على شيءٍ لم يقترفه وعلى جُرمٍ لم يفعله، يعتذر منها بعينيه كونها شهدت ما شهدته بسبب جده المختل وخالها الخسيس.
لمحت عينيه وانفعالات وجهه فهربت من أمامه لأنها تعرف كيف يفكر بها؛ هو لا يحسبها غير الخائنة التي خدعته، لكنه لم يشهد على الجانب الآخر في قصتها، ولجت المصعد وذكرى الأمس تميض في رأسها وهي تبكي بقولها لِـ "حلمي" حين عرض عليها الزواج:
_مش هقدر أعمل كدا في أدهـم، شوف حل تاني غير دا، يا سيدي يسجني وهو ييجي يخرجني ويتصرف.
وقتها هدر فيها بغضبٍ أعماه بسبب مساومة "داغر" له:
_لسه هستنى تتسجني؟ هسيبك تتفضحي وعرضك وشرفك يبقوا سيرة على كل لسان؟ تفتكري سهل عليا يعني أعمل كدا في أخويا؟ بس أنا ماعنديش حلول تانية غير دي، هو قفلها عليا ومهددني بيكِ ومهددني بـ أدهـم وأنا مش بأيدي حاجة أعملها يا لمار غير إني أختارك أنتِ؛ على الأقل ضرر أدهـم مقدور عليه.
وقتها بكت وانهارت وصرخت لكن أمها دفعتها نحو "حلمي" لأنها خشيت على ابنتها وأتى أبوها وقرر الشيء نفسه، وما خافت منه مع "حلمي" لم تجد أفضل منه، استطاع ربح قلبها وحبها ونفسها حتى أخبرته أنها لم ترغب في فراقهِ بل تريده أن يكون هو رجل عائلتها؛ وهو منذ ذاك الحين يُلبي مطلبها.
صعد "أدهـم" شقته بتعبٍ تمكن منه ومن أعصابه، كان حزينًا لأن كل ما ظنه أمسى كذبًا، كل ما حسبه أضحى مجرد كذبات تتوالى عليه وهو الذي توهم، حتى حقه في الثأر سُلِب منه وأصبح مديونًا لمن ظنه ظالمًا في حقهِ.
لمحته هي من الصالة البعيدة فهرولت راكضة له تسأله بلهفةٍ أعربت عن القلق والخوف بعد غيابه وعدم جوابه عليها:
_أنتَ كنت فين؟ قلقتني ومش بترد حتى؟ أنتَ كويس؟.
بدأ وعيه يعود له فنظر في وجهها وأمعن نظراته ليتأكد من هويتها، ثبت عينيه عليها فاقتربت منه تسأله بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_مالك؟ حصل حاجة زعلتك؟ مين ضايقك يا أدهـم؟.
تسأله باهتمامٍ يشعره بذنبٍ عظيمٍ لأنه نزل من البيت وعرف ما عرفه، حتى مشاعره التي تعاطفت مع "لمار" هو لا يعرف لها أصلًا ولا من أين أتت تقتحمه، حتى هذه التي تقف أمامه لا يعرف ما هي مشاعره نحوها، لا يعرف غير أنها أصبحت هي زوجته وتحمل اسمه، بل وتشاركه المسكن نفسه.
أغمض عينيه ثم ذهب لمقعدٍ قريبٍ وجلس فوقه ثم نكس رأسه حائرًا وهو يشعر بخيبة الأملِ تطوق عنقه، ضم كفيه يقبض فوقهما فاقتربت هي تجلس بقربه ثم تحدثت بصوتٍ مرتبكٍ بان فيه أثر توترها:
_لما كنت بتزعل قبل كدا كنت بتنزل الشارع وتختفي فيه بعدين ترجع مبسوط وتضحك كأن ماحصلش حاجة؛ كنت فاكرة إنك هتنزل وترجع كدا بس واضح إن مفيش حاجة بتفضل على حالها، أنا كمان بطلت لما أزعل أنام، بقيت بفضل صاحية علشان الزعل مايمسكش فيا، تصدق تكشيرتك لسه زي ما هي؟ اشمعنا دي ماغيرتهاش؟.
كانت تتحدث معه كأنها تواسيه حتى انتبه هو لها فرفع عينيه التي اختلفت نظراتهما عن ذي قبل وأصبحتا هادئتين، فتواصلت المُقل معًا بينهما؛ ورُغم ارتباكها لكنه جاهد حتى سألها:
_وهو إيه تاني اللي ماتغيرش؟ كل حاجة اتغيرت يا عُـلا ومش نافع ترجع لأصلها تاني، أهمها أني ضيعت نفسي مني، بقيت تايه ودا عمره ما حصل معايا وكنت تايه كدا، ومكانش بأيدي أكون ضايع كدا ومش عارف أنا مين ولا بعمل إيه؟ تعرفي إني حتى عمري ما فكرت أنا آخرة اللي بعمله هيكون إيه؟.
لاحظت تيهه وضياعه وشعرت بنفسها حين كانت تعيش اليوم فقط، كانت تمرر اليوم في انتظار اليوم التالي وتكرر فعلها لحين ينتهي اليوم ويتبعه اليوم فيكتمل الأسبوع ثم ينتهي الشهر وينتهي العام وهي لا تعلم ماذا تنتظر من كل يومٍ يمر، لكنها نطقت بقولها:
_وجودي هنا عرفني إن مفيش حاجة ثابتة على حالها، قبل ما آجي كنت بشتغل في مستشفى من سنين وكل يوم بكرر نفس اليوم وأنا مش فاهمة ولا عارفة هوصل لفين في الآخر، بس لما جيت قولت يمكن اللي استحملته دا كله نهايته كانت بوجودي هنا، يعني الخلاصة خلي أملك في ربنا كبير يا أدهـم.
ابتسمت في نهاية حديثها حتى ابتسم هو بتلقائية بمجرد تبسُمها في وجهه وحين ران الصمت بينهما وعاد ينكس رأسه للأسفل نطقت هي بحماسٍ كأنها تخشى رفضه:
_إيه رأيك تاكل؟ أنا عملت أكل علشانك.
ابتسم بعينيه وسألها بملامح مُرتاحة عن سابقها:
_علشاني أنا؟ ليه؟.
ارتبكت من سؤاله وقالت بتوترٍ تجاوبه حين هربت بعينيها منه:
_يعني، قولت أكيد هييجي من برة جعان علشان مافطرتش قبل ما تنزل وبصراحة حبيت أعمل أكل وتدوقه بدل ما أنا قاعدة كدا، عملت أكل أنتَ بتحبه بس يارب يعجبك.
قالت حديثها كله دفعة واحدة ثم تحركت من جواره تختبيء داخل المطبخ تقوم بغرف الطعام هربًا منه لكنه ولج يقف عند أعتاب المطبخ واستند بذراعهِ اليسرى على الباب وراقبها وهي تتحرك بتوترٍ كأنها مرتها الأولى بالمطبخ في حياتها، لكنه ولج وابتسم بقوله:
_خليني أساعدك، بلاها خالص التوتر دا.
عادت للخلف وتركته هو يتحرك وكأنها لا تعرف ماذا تفعل، فكرة أن تُخاطر هي وتبدأ وتُبادر في كسر الحواجز بينهما تبدو في غاية الصعوبة عليها؛ لكن هناك شيءٌ في قلبها يُخبرها أن تفعلها لأجله لأنه يستحق المخاطرة، يستحق أن تكسر خوفها لأجل ما فعله ويفعله معها، قام هو بغرف الأطباق وسحب المقعد بجواره وأشار لها فجلست بقربهِ بينما وضع لها الطعام مبتسمًا.
توسعت بسمته وتحولت لضحكة خافتة حتى سألته بلهفةٍ:
_بتضحك على إيه؟ أوعى يكون عليا؟.
حرك رأسه نفيًا ثم صحح لها حين نطق بلفهةٍ:
_لأ خالص والله بس افتكرت زمان لما كنا بنلعب بالشوكة والسكينة ونعمل نفسنا بناكل بيهم، كنا بنعمل نفسنا شاطرين أوي ونطلع في الآخر ماسكينهم غلط، ومرة عورتي نفسك بالسكينة ومحدش عرف غيري، خدي بالك لسه ماحدش يعرف برضه.
ابتسمت حين ذكرها بماضيهما سويًا وتوسعت بسمتها لتصل لعينيها ثم قالت بضحكةٍ واسعة حين تذكرت شيئًا غيره:
_كدا متساويين، خد بالك لسه ماقولتش لحد على الجواب اللي كتبته زمان ليا في عيد ميلادي، خبيته من ماما وبابا توفيق وقتها علشان هو قالك كل واحد فيكم يلعب لوحده، لسه معايا بس الورقة اتقطعت شوية.
توسعت عيناه حين تذكر ماذا فعل وقتها فنطق مسرعًا بلهفةٍ:
_هو أنتِ لسه فاكرة؟ يخربيت دماغك، ياريت زي ما إحنا بقى محدش يعرف وخليه سر بينا، مش علشان بقيتي مراتي هتسوقي فيها، خليه لما ييجي وقته.
حركت رأسها توميء له بخجلٍ ثم ركزت بعينيها في طبقها وتخلص هو من مراقبته لها ثم عاد للطبق الذي أمامه يتناول منه ثم نظر لها بطرف عينه وهو يفكر كيف يستطع قلبه أن يألفها بهذه السرعة؟ كيف بمجرد مجالستها تبدل وضعه؟ كيف يعود ذاك القديم الذي يظنه ميتًا ليخبره أنه لم يمت لكنه يختبيء لأجلها هي حتى لا يتغير كما تغير كل شيءٍ حوله.
العالم يبدو له كأنه تائه في مدينة لم تألفه..
مدينة غريبة عنه يسكنها لكنها
لا تُشبه تلك التي تسكن فيه،
مدينة غريبٌ هو فيها وغريبةٌ هي عليه
لكنه لم يألف فيها سوى عينيها هي.
____________________________________
<"لأجل المغامرة قد يبيع المرء عمره كي ينعم باللذةِ">
أصعب ما قد يواجه المُغامر أن يكون مجبورًا على خوض الطريق داخل المُغامرة، أن يحياها بلا روحٍ كمن فقد الشغف والمُثابرة، لكنه فقط يُكمل الطريق حتى يصل لنهايته..
لمدة يومين منذ أن عادت للبيت وهو يبتعد عنها كي لا يضع نفسه معها بمأزقٍ ويصعب عليه الخروج منه، لكنها هاتفته وطلبت منه الحضور للبيت، لذا قرر أن يذهب حتى يثبت لنفسه أن كل شيءٍ يسير وفق رغباته هو، لذا وصل البيت في الليلِ ودرب نفسه جيدًا على جموده ضدها وعلى تجاهلها.
ولج البيت بهدوءٍ وجعد ملامحه باقتضابٍ وهو حقًا يشعر بالاختناق، ماضيهما ظل يتكرر أمام عينيه وكأنها كانت تخنقه بيديها وتحرر هو منها، تحرك نحو الأعلى وطرق باب غرفتها فأذنت له بالدخول وما إن ولج هرولت منه تسأله بعتابٍ:
_اتأخرت عليا أوي وسايبني لوحدي كل دا؟ أومال لو مش عارف إن البيت فاضي بقى؟ طب اسأل عليا حتى وشوفني.
زفر بقوةٍ ثم نطق بجمودٍ:
_حاضر، بكرة هملا البيت وهجيب فيه اللي تعوزيه، حاجة تاني؟.
لاحظت طريقته وجموده فاقتربت منه تخاطبه بهدوءٍ ونعومةٍ على عكس حدة طباعها وقسوتها في أغلب الأحايين:
_مش ناوي بقى تحن؟ هتفضل مكشر في وشي كتير؟ جايلك قلب تقسى عليا كل دا؟ فين سليمان اللي مكانش بيقدر يزعل مني حتى بنظرة من عينه؟ حبيبتك ماوحشتكش؟.
كانت اقتربت منه وتخطت حدودها فيما ابتسم هو بتهكمٍ وقال:
_حبيبتي؟ حبيبتي دي اللي ذلتني وجت عليا وسابتني في عز ما كنت محتاج ليها؟ فيه حد بيوحشه حد وجعه وجرحه؟ أنتِ اللي ظلمتيني يا مها مش أنا، وأنتِ اللي وصلتيني إني أقف قصادك كدا، فاكرة زمان بضحكة منك كان حالي بيكون إيه؟ دلوقتي أنا حتى مش قادر أصفالك.
ابتسمت هي له ثم مدت ذراعيها تطوق عنقه بهما في حركة مباغتة ثم همست له برقةٍ:
_مش قولتلك كانت فترة علاقتنا فيها متوترة؟ بعدين مراتك حبيبتك وبتدلع عليك فيها إيه يعني؟ عرفني الصح من الغلط وأنا أتعلم منك، مش تقسى عليا زي ما بتعمل كدا؟ بقولك وحشتني.
كاد أن يضعف ويردها من جديد لذمتهِ، كاد أن ينطقها ويضمها ضاربًا بكل قراراته عرض الحائط، لكنه ذكر نفسه أنه لم يكن الطرف الضعيف ذات يومٍ حتى يسير بناءً على لحظات ضعفٍ أو انهزامٍ؛ لذا أبعد ذراعيها عنه وزفر يُعيد تحكمه في نفسه وقال:
_ماتشوفيش وحش، بس أنا بقى مش هاجي قولتلك بالطريقة دي من غير ما أظبط حياتي وأعرف أنا عاوز إيه، مش ليلة والسلام نقضيها وترجع كل حاجة زي ما كانت، أعملي حسابك من دلوقتي معانا شهر بالظبط على نهاية العدة، الشهر دا هتكوني معايا هنا فيه، بس اعتبري نفسك تحت الاختبار ووريني هتصلحي اللي فات إزاي، مش عاوزاني وهتموتي عليا؟ يبقى وريني شطارتك بقى واثبتي إنك اتغيرتي، وأنا لو عليا؟ ضامن نفسي كويس.
يتحدث بكل ثقةٍ لأنه روض نفسه على الثبات مهما كانت المُغريات؛ درب نفسه أن يكون الأكثر ثباتًا وقوةً لأن المضمار يتسم بالخيانة، وبأي لحظةٍ سوف يخونه الطريق فعليه أن يتمالك نفسه ويُحكمها حتى لا تُدمره في لحظة غباءٍ، التفت يخرج من غرفتها فشعرت هي باليأس من عودتهما، لكن لا عليه، سوف تُعيده مهما كلفها الأمر من جُهدٍ وطاقةٍ تبذلهما..
في منزل أمه..
كان "سالم" جالسًا أمام التلفاز يتابع تحليل مباراة اليوم كما كان يملك من شغفٍ في السابق ثم انتبه للوضع حوله فوجد ابنه يستطح الأريكة المجاورة وابنته تنام في عناق "سُعاد" التي نامت على الأريكة الكبيرة فابتسم لوضعهم وحرك المقعد ودثر ابنه وعاد للخلف، راقب ملامحها وهي تنام وابتسم للحق المسلوب منه عنوةً..
_أنا بصراحة عاوز أتجوز سُعاد يا بابا.
كانت تلك هي جملته التي صرح بها لوالده الذي باشره بأمر زواجه من ابنة عمته ووقتها بدأت مشاعره تميل لابنة خالته التي سافرت لأهل والدها بالخارج؛ فاحتج عليه والده ورفض ونطق بجمودٍ وقسوةٍ:
_مستحيل، دي واحدة راحت تعيش برة وخلاص مش هترجع تاني، دي لو اتجوزتها تراعي بيتك إزاي دي؟ تبقى أم لولادك إزاي؟ مش شبهك ومش شبهنا ومش هتنفعك، بعدين بنت عمتك خلاص وافقت عليك وحددنا ميعاد الفرح وكتب الكتاب، أبوس إيدك يا سالم أنا عاوزك تحافظ على اسم العيلة وسُمعتها.
خرج "سالم" من شروده في ماضيه على حركتها فوق الأريكة وهي تضم ابنته التي تعلقت بعناقها، ظل يراقبها مبتسمًا بعينيه ثم تنهد وهمس باسمها بخفوتٍ، ظل ينادي حتى فتحت عينيها تطالعه بخجلٍ لكنه ابتسم وقال بحنوٍ:
_حقك عليا معلش قومي نامي جوة رقبتك هتوجعك؛ تقريبًا ماما برضه نامت غصب عنها معلش تاعبكم معايا.
ابتسمت هي له ترفع الحرج عنه وقالت بهدوء مختلط بصوتها الناعس:
_ماتقولش كدا يا سالم لا تعب ولا حاجة، هدخلهم بس الأوضة.
تحركت تنقل ابنته ثم حملت الصغير وتحركت به نحو الداخل وعادت تقف خلف مقعده وسألته بهدوء:
_تحب تشرب مياه أو تاكل قبل ما تدخل أوضتك؟.
حرك رأسها نفيًا فقادت المقعد للداخل حيث غرفته ثم وقفت على أعتابها وهي تقول بصوتٍ هاديء حين كان في طريقه لداخل الغرفة:
_لو احتجت حاجة رنلي، إن شاء الله فترة وتعدي وترجع أحسن من الأول تاني، تصبح على خير يا سالم.
ابتسمت له برقةٍ أطاحت بعقلهِ لكنه لم يكن أنانيًا لهذا الحد حتى يحرمها من أبسط حقوقها؛ تمنى لها الزوج الصالح من قلبه بدلًا من أن ترتبط برجلٍ مثله لم يستطع حتى معاونة نفسه في أبسط حقوقه؛ لو كان والده تصرف كأبٍ حكيم يكترث بمشاعر ابنه من المؤكد كانت الأوضاع اختلفت كثيرًا عن الوضع الحالي الذي يشبه كارثة حتمية..
***
-اللي غرب نفسه سافر من آلام المشاعر
واللي نفسه يعيشها تاني هي هي المشاعر
واللي دارى بابتسامة من عينيه مر المشاعر
واللي نفسه قصاد حبيبه يبان عليه مشاعر..
يادي يادي المشاعر..
كانت "رحمة" تُدندن مع نفسها بتلك الكلمات بصوتٍ هاديءٍ بعدما انتهت من تدقيق الأوراق التي أمامها، كانت تشرب مشروبها الذي يساعدها على الاسترخاء "بابونج" ليهديء من توتر أعصابها، وقد اطمئنت على رفيقتها بمخابرةٍ هاتفية، أتت مدبرة بيتها تجلس بقربها وهي تقول بعتابٍ ولومٍ:
_ينفع كدا؟ سايبة نفسك لآخر الليل من غير أكل ولا حتى كوباية عصير تسندك وتقويكِ؟ وعمالة تشربي في البتاع الغريب بتاعك دا؟ وآخرتها يا رحمة طيب؟ هتموتي نفسك يا بنتي كدا.
قلبت عينيها بمللٍ لأنها على يقينٍ بما هو آتٍ؛ لذا ابتسمت بسمة فاترة وردت بعنادٍ كما طفلة صغيرة متمردة:
_لا هموت ولا حاجة والله أنتِ اللي مكبرة الموضوع، وبطلي تجيبلي عرسان يا فوز علشان هرفضهم كلهم، هو أنا ناقصة هم فوق همي؟ شايفني طايقة نفسي علشان أطيق راجل في حياتي؟.
_مسيرك تطيقي يا رحمة، يا بنتي يبقى معاكِ على الأقل ونس وناس وعيلة، هتفضلي طول عمرك هربانة؟ افرضي عرفوا طريقك يا رحمة؟ أخواتك لو عرفوا طريقك مش هيرحموكِ، خايفة عليكِ يابنتي.
تنهدت بثقلٍ ثم ردت بقلة حيلة وهي على وشك البكاء:
_واللي شوفته منهم كان شوية؟ حتى لو لاقوني مش هيقدروا يعملولي حاجة وساعتها هيروحوا في داهية، بس أنا عمري ما هقدر أثق في حد يدخل حياتي، مستحيل أقبل إني أخلي حياتي في أيد راجل لأن مفيش راجل في الدنيا كلها هيقبل طبع حياتي ولا شغلي، وصعب عليا أشرح ظروفي لراجل علشان هيستغلها لصالحه، صدقيني أنا كدا زي الفل أهو، بطلي تفتحي السيرة دي بقى.
تنهدت المرأة ثم ربتت فوق كتفها ورحلت من أمامها نحو الداخل بينما "رحمة" فعاد الشرود في ماضيها يحتل حاضرها، لحظات ضعفها وقلة حيلتها وركضها بالشوارع؛ كل ذلك عايشته ولم تنسَ أثره عليها، هي عاشت في معاناةٍ حتى استطاعت أن تنجو بنفسها من الوحلِ، لم يهمها كثيرًا من غرس من بعدها؛ لكن الأهم حقًا أنها خرجت بنفسها من قعر عارٍ كانت نيراته سوف تحرقها طوال العمر..
-حتى الانتصارات تكون مُحزنة في بعض الأحيان
خاصة حين يكون المرء انتصر
وفقد نفسه القديمة نظير الفوز الظاهر فقط.
____________________________________
<"أنا وعزيمتي معك نظير مواجهات العالم فلا تيأس">
طرفان في حربٍ ضد العالم..
قد يُخيفا العالم مع بعضهما؛ ليس لشيءٍ في قوتهما
لكن لكونهما اختارا أن يكونا مع بعضهما
ضد عالمٍ يكره الثُنائيات..
في اليوم الموالي صباحًا..
كانت "نـوف" تستعد للذهاب إلى العمل مجددًا بعد يومين آخذتهما استراحة قصيرة ثم عادت تستأنف العمل من جديد، ارتدت ثيابها وتجهزت وحملت الحاسوب وأخذت مفاتيح السيارة ثم حملت الحقيبة وأخبرت أمها وشقيقتها بأمر الرحيل، في المصعد كانت تتمنى لو أن أمر الصفعة هذه لم ينتشر في المكان، لو لم يلحظها أحدٌ حتى لا تهتز صورتها أمام العاملين، أن تبقى محفوظة بكيانها وكرامتها مُصانة حتى أمام نفسها..
خرجت من البناية تقترب من السيارة فوجدته يظهر بقرب السيارة ينطق بصوتٍ ناعس:
_صباح الخير؛ إيه النشاط دا كله؟ ما تنامي دا أنتِ صاحبة الشركة.
توسعت عيناها وهي تراقبه فوجدته يتثاءب ثم نطق بصوتٍ ناعس:
_الله يسامحك يا شيخة.
_غسان أنتَ جاي ليه دلوقتي؟ ومين قالك إنك صاحية أصلًا؟.
جاء الرد منه بسخريةٍ عليها ولازال يُضحكها وهو يرغب في النوم لكنه كما الطالب الذي يُحتم عليه الواجب أن يتحرك:
_حماتك هيكون مين يعني؟ شافتك مصورة الشمس جت تصحيني، مع إنك لو كنتِ مصورة القمر كان هيبقى مبرر بالنسبة ليا وأقول أمي اتلغبطت بينا، يلا كله بثوابه.
ضحكت وهي تتحرك نحو السيارة فدعاها لسيارته بقوله:
_هو أنا مش مالي عينك؟ روحي يا ستي هوصلك أنا.
_هو أنتَ هتيجي معايا بجد؟.
جاء السؤال منها مستنكرًا بجديةٍ تامة جعلته يقول بنفس نبرتها:
_أومال جاي أحرسلكم الجراج؟ أيوة هوصلك وأكون معاكِ هناك علشان يعرفوا إنك مش لوحدك وإن فيه حد في ضهرك هناك، وبالمرة أرد القلم قلمين للي فكر يمد أيده عليكِ.
حمايته ودفاعه واستبساله لأجلها هي أسباب تجعلها تتمسك بحقها في الحياة وبحقها فيه هو بذات شخصهِ، لم تجرؤ على رفض قدومه لأنها من الأساس تخشى المواجهة هناك وتخاف القادم، لكن إذا كان هو رفيق المشوار هذا بالتأكيد هي ستبقى في أمانٍ معه.
وصلا سويًا بجوار بعضهما والأعين تتعبهما معًا، وخاصة هو بملامحه الجادة التي كانت في انتظار ظهور عمها حتى يثبت له أنه لم يكن يُهدده فقط، وإنما هو يفعل ما يقول ويُزيد بالفعل عن القولِ، وما إن وصلت بقرب مكتبها وقفت تنظم أنفاسها فهمس لها بخفوتٍ:
_خدي نفسك وأعرفي إني واقف في ضهرك، ماتخليش حد يخوفك ويهز ثقتك دي مهما كان هو مين، أنا هنا علشان لو حد فكر بس يبصلك بصة ماتعجبنيش، يلا أدخلي وماتقوليش إني هنا.
ابتسمت لموقفه بإعجابٍ فيما غمز لها هو بشقاوةٍ ثم انزوى في جانبٍ غير مرئي وبمجرد دخولها المكتب لمحت عمها يجلس في مواجهتها، جلست فوق المقعد ورمقته بطرف عينها بينما هو مد يده بأوراق ونطق بجمودٍ:
_دا ورق خاص بحاجات جاية في المينا ومحتاجينك تمضي عليه؛ ياريت بسرعة علشان الحاجة تيجي وتروح المخازن ونلحق نوزع.
التقطت الأوراق منه وقالت بحدةٍ مقصودة:
_حاضر هراجع الورق الأول وأقرأه وأمضيه بعدها.
رمقها عمها بتحدٍ لكنه قرر أن يلتزم الصمت معها حتى لا يقع في أي فخٍ بصحبتها بعدما هدده خطيبها المجنون الذي ظهر ليُربك له عمله وكل شيءٍ كان ينتويه، وبعد مرور دقائق خرج عمها بعد أحاديثٍ مقتضبة بشأن العمل، وعاد "غسان" يحمل القهوة لهما حتى ضحكت على هيئته حين قال ساخرًا:
_اتصاحبت على بتاع الشاي برة وفهمته إني موظف جديد هنا، ما شاء الله مابيتبلش في بوقه فولة، لو كنت طلبت كوباية قهوة كمان كان زماني عرفت خزنة الشركة فين.
ضحكت بعينيها وفمها وشعرت كأن قلبها يضحك هو الآخر وما إن جلس على الأريكة أمامها حركت رأسها بعيدًا عنه تُركز في عملها حتى صدحت جلبة من الخارج وأصوات كثيرة متداخلة جعلتهما يهرولان للخارج سويًا؛ فلمحت مجموعة رجال يتقدمهم واحدٌ يسألها بحدةٍ مقصودة ومفتعلة:
_أنتِ نوف ناجي عبدالحي؟.
حركت رأسها موافقةً بلهفةٍ وترقب فأمر الضابط بإحضارها وإلقاء القبض عليها فورما أومأت له فسادت حالة من الهرج في المكان وسط اندفاع "غسان" الذي حاول تخليصها من أياديهم وظل يتدافع معهم وهي تستنجد به وتستجير حتى صرخت باسمه باكيةً وهي تُساق كما الشاه لمصيرٍ مجهولٍ..
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
_إلى الغالية "ولاء البدري" أنا وكل الأبطال بنحبك أوي وبنتمنى نشوفك يا جميلة؛ ويسري بيحبك أوي..